raya

 

 

الدلائل على أن الوصية قد كُتبت

 

أولاً: الآيات القرآنية

 

قوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ }[33].

هذه الآية يُستفاد منها وجوب الوصية بحسب البعض واستحبابها بحسب آخرين، فقد حصل فيها خلاف بين المسلمين ينبغي تحريره قبل الخوض في بيان وجه الاستدلال بها.

وإذا كان الشيعة لا يختلفون بصحة الوصية عند الموت، فإن العامة لهم أقوال يحسن البحث فيها، وبيان نصيبها من الصحة أو عدمها.

فمن جملة أقوالهم، قولهم: إن الآية منسوخة بآية المواريث وبما يروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) من طرق مختلفة من أنه لا وصية لوارث.

الجواب:

أ- إن النسخ بين الخبرين إنما يكون إذا تنافى العمل بموجبهما ولا تنافي بين آية المواريث وآية الوصية والعمل بمقتضاهما جميعا جائز سائغ، فكيف يجوز أن يدعي في آية المواريث أنها ناسخة لآية الوصية مع فقد التنافي؟ والنسخ موقوف على تأخر آية المواريث عن هذه الآية ، وأنى للقائل بالنسخ إثبات ذلك؟

ب- الأخبار المروية في هذا الباب لا اعتبار بها لأنها إذا سلمت من كل قدح وجرح وتضعيف تقتضي الظن ولا تنتهي إلى العلم اليقين، ولا يجوز أن ينسخ كتاب الله تعالى الذي يوجب العلم واليقين، بما يقتضي الظن. وإذا كان كتاب الله تعالى لا يُخصص بأخبار الآحاد فالأولى أن لا يُنسخ بها.

والقوم يعولون على خبر يرويه شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن عثمان عن عمرو بن خارجة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : لا يجوز لوارث وصية.

وعلى خبر يرويه إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم عن أبي إمامة الباهلي قال : سمعت النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول في خطبته عام حجة الوداع : ألا إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث.    وعلى خبر يرويه إسحاق بن إبراهيم الهروي عن سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دينار، عن جابر بن عبد الله عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : لا وصية لوارث.

ويرد عليها:

1- أما خبر شهر بن حوشب فهو عند نقاد الحديث مضعف كذاب، ومع ذلك فإنه تفرد به عن عبد الرحمن بن عثمان وتفرد به عبد الرحمن عن عمرو بن خارجة ، وليس لعمرو بن خارجة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلا هذا الحديث ، ومن البعيد أن يخطب النبي ( صلى الله عليه وآله ) في الموسم بأنه لا وصية لوارث فلا يرويه عنه المطيفون به من أصحابه ، ويرويه أعرابي مجهول وهو عمرو بن خارجة ، ثم لا يرويه عن عمرو إلا عبد الرحمن ، ولا يرويه عن عبد الرحمن إلا شهر بن حوشب وهو ضعيف متهم عند جميع الرواة !

وأما حديث أبي أمامة فلا يثبت وهو مرسل، لأن الذي رواه عنه شرحبيل ابن مسلم وهو لم يلق أبا أمامة ورواه عن شرحبيل إسماعيل بن عياش وحده وهو ضعيف.

وحديث عمرو بن شعيب أيضا مرسل، وعمرو ضعيف لا يحتج بحديثه.

وحديث جابر أسنده أبو موسى الهروي وهو ضعيف متهم في الحديث، وجميع من رواه عن عمرو بن دينار لم يذكروا جابراً ولم يسندوه .

وما روي عن ابن عياش لا أصل له عند الحفاظ.

وراوية حجاج بن محمد عن ابن جريح عن عطاء الخراساني وعطاء الخراساني ضعيف ولم يلق ابن عياش وإنما أرسله عنه.

2- ادعاؤهم: النسخ بقوله (ص): ( لا وصية لوارث )، لا يتم لأنه خبر واحد، ولا يجوز نسخ القرآن بأخبار الآحاد بلا خلاف. وإذا ادعوا: الإجماع على صحة الخبر. فالإجماع غير مُسلّم.

3 - أن الرواية لو صحت ، وسلمت عن المعارضة بشيء فهي لا تصلح لنسخ الآية، لأنها لا تنافيها في المدلول. غاية الأمر أنها تكون مقيدة لإطلاق الآية فتختص الوصية بالوالدين إذا لم يستحقا الإرث لمانع ، وبمن لا يرث من الأقربين فالآية محكمة وليست منسوخة .

4- إن هذا لا يتم في الأقربين، فإنه لا إرث لهم مع الولد ، فكيف يعقل أن تكون آية المواريث ناسخة لحكم الوصية للأقربين ؟

- قول الرازي في تفسيره[34]:

(( ... واعلم أن الناس اختلفوا في هذه الوصية ، منهم من قال : كانت واجبة ومنهم من قال : كانت ندبا واحتج الأولون بقوله : * ( كتب ) * وبقوله : * ( عليكم ) * وكلا اللفظين ينبئ عن الوجوب ، ثم إنه تعالى أكد ذلك الإيجاب بقوله : * ( حقا على المتقين ) * وهؤلاء اختلفوا منهم من قال هذه الآية صارت منسوخة ، ومنهم من قال إنها ما صارت منسوخة ، وهذا اختيار أبي مسلم الأصفهاني ، وتقرير قوله من وجوه أحدها : أن هذه الآية ما هي مخالفة لآية المواريث ومعناها كتب عليكم ما أوصى به الله تعالى من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم )[35] أو كتب على المختصر أن يوصيكم للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم وأن لا ينقص من أنصباتهم. وثانيها: أنه لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء مع ثبوت الوصية بالميراث عطية من الله تعالى والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين.

وثالثها: لو قدرنا حصول المنافاة لكان يمكن جعل آية الميراث مخصصة لهذه الآية وذلك لأن هذه الآية توجب الوصية للأقربين، ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث ويبقى القريب الذي لا يكون وارثاً داخلا تحت هذه الآية، وذلك لأن من الوالدين من يرث، ومنهم من لا يرث، وذلك بسبب اختلاف الدين والرق والقتل ومن الأقارب الذين لا يسقطون في فريضة من لا يرث بهذه الأسباب الحاجبة ومنهم من يسقط في حال ويثبت في حال، إذا كان في الواقعة من هو أولى بالميراث منهم، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم فكل من كان من هؤلاء وارثا لم يجز الوصية له ، ومن لم يكن وارثا جازت الوصية له لأجل صلة الرحم، فقد أكد الله تعالى ذلك بقوله: ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام )[36] وبقوله: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى )[37]. فهذا تقرير مذهب أبي مسلم في هذا الباب.

أما القائلون بأن الآية منسوخة فيتوجه تفريعا على هذا المذهب أبحاث:

البحث الأول: اختلفوا في أنها بأي دليل صارت منسوخة ؟ وذكروا وجوها أحدهما: أنها صارت منسوخة بإعطاء الله تعالى أهل المواريث كل ذي حق حقه فقط وهذا بعيد لأنه لا يمتنع مع قدر من الحق بالميراث وجوب قدر آخر بالوصية وأكثر ما يوجبه ذلك التخصيص لا النسخ بأن يقول قائل : إنه لا بد وأن تكون منسوخة فيمن لم يختلف إلا الوالدين من حيث يصير كل المال حقا لهما بسبب الإرث فلا يبقى للوصية شيء إلا أن هذا تخصيص لا نسخ.

وثانيها : أنها صارت منسوخة بقوله عليه السلام: " ألا لا وصية لوارث " وهذا أقرب إلا أن الإشكال فيه أن هذا خبر واحد فلا يجوز نسخ القرآن به ، وأجيب عن هذا السؤال بأن هذا الخبر وإن كان خبر واحد إلا أن الأئمة تلقته بالقبول فالتحق بالمتواتر. ولقائل أن يقول: يدعى أن الأئمة تلقته بالقبول على وجه الظن أو على وجه القطع، والأول مسلم إلا أن ذلك يكون إجماعا منهم على أنه خبر واحد، فلا يجوز نسخ القرآن به، والثاني ممنوع لأنهم لو قطعوا بصحته مع أنه من باب الآحاد لكانوا قد أجمعوا على الخطأ وأنه غير جائز.

وثالثها أنها صارت منسوخة بالإجماع والإجماع لا يجوز أن ينسخ به القرآن. لأن الإجماع يدل على أنه كان الدليل الناسخ موجودا إلا أنهم اكتفوا بالإجماع عن ذكر ذلك الدليل، ولقائل أن يقول: لما ثبت أن في الأمة من أنكر وقوع هذا النسخ فكيف يدعى انعقاد الإجماع على حصول النسخ؟

ورابعها : أنها صارت منسوخة بدليل قياسي وهو أن نقول : هذه الوصية لو كانت واجبة لكان عندما لم توجد هذه الوصية وجب أن لا يسقط حق هؤلاء الأقربين قياساً على الديون التي لا توجد الوصية بها لكن عندما لم توجد الوصية لهؤلاء الأقربين لا يستحقون شيئا، بدليل قوله تعالى في آية المواريث : ( من بعد وصية يوصي بها أو دين )[38] وظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم تكن وصية ولا دين ، فالمال أجمع مصروف إلى أهل الميراث، ولقائل أن يقول: نسخ القرآن بالقياس غير جائز والله أعلم.

البحث الثاني: القائلون بأن هذه الآية صارت منسوخة اختلفوا على قولين منهم من قال: إنها صارت منسوخة في حق من يرث وفي حق من لا يرث وهو قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء ، ومنهم من قال : إنها منسوخة فيمن يرث ثابتة فيمن لا يرث ، وهو مذهب ابن عباس والحسن البصري ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد حتى قال الضحاك : من مات من غير أن يوصي لأقربائه فقد ختم عمله بمعصية ، وقال طاوس : إن أوصى للأجانب وترك الأقارب نزع منهم ورد إلى الأقارب ، فعند هؤلاء أن هذه الآية بقيت دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثا ، وحجة هؤلاء من وجهين : الحجة الأولى : أن هذه الآية دالة على وجوب الوصية للقريب ترك العمل به في حق الوارث القريب ، إما بآية المواريث وإما بقوله عليه الصلاة والسلام : " ألا لا وصية لوارث " أو بالإجماع على أنه لا وصية للوارث، وههنا الإجماع غير موجود مع ظهور الخلاف فيه قديما وحديثا، فوجب أن تبقى الآية دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثا.

الحجة الثانية : قوله عليه الصلاة والسلام: " ما حق امرئ مسلم له مال أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " وأجمعنا على أن الوصية لغير الأقارب غير واجبة، فوجب أن تكون هذه الوصية الواجبة مختصة بالأقارب ، وصارت السنة مؤكدة للقرآن في وجوب هذه الوصية. وأما الجمهور القائلون بأن هذه الآية صارت منسوخة في حق القريب الذي لا يكون وارثا فأجود ما لهم التمسك بقوله تعالى: ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) وقد ذكرنا تقريره فيما قبل.

البحث الثالث : القائلون بأن هذه الآية ما صارت منسوخة في حق القريب الذي لا يكون وارثا، اختلفوا في موضعين:

الأول: نقل عن ابن مسعود أنه جعل هذه الوصية للأفقر فالأفقر من الأقرباء، وقال الحسن البصري: هم الأغنياء سواء.

الثاني : روي عن الحسن وخالد بن زيد وعبد الملك بن يعلى أنهم قالوا فيمن يوصي لغير قرابته وله قرابة لا ترثه : يجعل ثلثي الثلث لذوي القرابة وثلث الثلث لمن أوصي له وعن طاوس أن الأقارب إن كانوا محتاجين انتزعت الوصية من الأجانب وردت إلى الأقارب والله أعلم )).

أقول: وربما تعلق بعض المخالفين بأن الوصية للوارث إيثار لبعضهم على بعض وذلك مما يكسب العداوة والبغضاء بين الأقارب، ويدعو إلى عقوق الموصي وقطيعة الرحم.

وهذا ضعيف جدا، لأنه إن منع من الوصية للأقارب ما ذكروه منع من تفضيل بعضهم على بعض في الحياة بالبر والإحسان لأن ذلك يدعو إلى الحسد والعداوة ولا خلاف في جوازه وكذلك الأول.

وأما حملها على الوالدين والأقربين، إذا كانوا كفارا غير وارثين، فهو تخصيص بغير دليل.

النتيجة:

إن الوصية وإن كانت مستحبة كما قالوا، إلا أنها قد تكون واجبة لأمور طارئة، مثل أن يكون على الإنسان حقوق واجبة للناس أو لله قصّر في أدائها، أو كانت عنده أمانات وديون أو مثل ذلك بحيث لو لم يوصِ احتمل ضياع حقوق الناس بذلك، وأهم من الكل أن يكون للإنسان مكانة خاصة في المجتمع لو لم يوص لمن بعده وقعت اضطرابات وأمور مؤسفة ففي جميع هذه الصور تجب الوصية.

فإنهم وإن قالوا إن الخير هو المال، إلا إننا نقول إن الخير أعم من المال، ولا شك في أن حفظ الأمة من الاختلاف خير كثير.

 

  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • 1

البحث في الموقع