raya

{saudioplayer}/documents/audio/books-saed/tawhid/tawhid-23.mp3{/saudioplayer}

ملحق1

الله :

الله : هذا الاسم الذي يعرفه الناس إسماً للذات الإلهية - بل هو بالفعل يطلق عليها فقط إذا كان يراد به الألوهية المطلقة - هل يمكن أن يطلق - إذا لم يُرَد به الألوهية المطلقة - على غير الذات الإلهية المقدسة ؟

وقبل معرفة هذا الأمر لابد من بيان هل أن اسم الله علم جامد أم أنه مشتق ؛ لأن الجواب يعتمد على هذا البيان ، وكما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم ، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال : ( ما كلّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) العباد بكنه عقله قط ، وقال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم ) ([1]).

والرأي الأول إن اسم الله علم جامد : واختاره السيد الخوئي ( رحمه الله ) ، واستدل عليه بأمور سأعرضها وأبين بطلانها ، فيتبين بطلان هذا الرأي .

* قال السيد الخوئي في كتاب البيان : ( ومن توهم أنه اسم جنس فقد أخطأ ودليلنا على ذلك أمور : الأول : التبادر ، فإن لفظ الجلالـة ينصرف بلا قرينة إلى الذات المقدسة ولا يشك في ذلك أحد . وبأصالة عدم النقل يثبت أنه كذلك في اللغة وقد حققت حجيتها في علم الأصول ) ([2]).

أقول : الانصراف الى الذات المقدسة بلا قرينة ليس دليلاً على أنه علم جامد ، فاسم الرحمن ينصرف إلى الذات المقدسة بلا قرينة ولا أحد يقول إنه علم جامد ، وإذا قال أحد لا يلتفت إلى قوله ؛ لأنه مشتق وإنما هذا الانصراف بسبب الاستعمال .

أما قول السيد الخوئي رحمه الله ( وبأصالة عدم النقل يثبت أنه كذلك في اللغة وقد حققت حجيتها في علم الأصول ) فمنقوض ؛ لأنه إن أراد نقل من وضعوا قواعد اللغة فعدم نقلهم لا يدل على عدم الوجود ، بل إن المنقول من كلام العرب هو قطرة في بحر الذي لم ينقل من كلامهم ، مع أن ما ينقل عن العرب - مع احتمال وقوع الخطأ منهم - في هكذا لفظ تعتمد عليه العقيدة لا يمكن أن يكون حجة تامة بل لا قيمة له إن عارضته النصوص الشرعية .

ولا أدري لم تشبث السيد الخوئي بظنون وأوهام كقاعدته المتقدمة التي بنيت على ما جمع بالاستقراء الناقص مع أن قاعدته من نسج العقول الناقصة غير المعصومة واستقراءهم ناقص ، وأعرض عن نص المعصوم فقد جاء عنهم (عليهم السلام) نص أو أكثر تدل على الاشتقاق .

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ( الله معناه : المعبود الذي يأله فيه الخلق ويؤله إليه‏ ، والله هو المستور عن درك الأبصار ، المحجوب عن الأوهام والخطرات ) ([3]).

قال الباقر (عليه السلام) : ( الله‏ معناه : المعبود الذي أله الخلق عن درك ماهيته ، والإحاطة بكيفيته ، وتقول العرب : أله الرجل إذا تحير في الشي‏ء فلم يحط به علما ، ووله إذا فزع إلى شي‏ء مما يحذره و يخافه فالإله هو المستور عن حواس الخلق ) ([4]).

هذا مع أنّ الأئمة (عليهم السلام) حثوا خاصة أصحابهم على عدم نقل ورواية الجواهر التي خصوهم بها :

فعن حفص بن نسيب فرعان ، قال : دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) أيام قتل المعلى بن خنيس مولاه فقال (عليه السلام) لي : ( يا حفص حدثت المعلى بأشياء فأذاعها فابتلي بالحديد إني قلت له إن لنا حديثاً من حفظه علينا حفظه الله وحفظ عليه دينه ودنياه ، ومن أذاعه علينا سلبه الله دينه ودنياه ، يا معلى إنه من كتم الصعب من حديثنا جعله الله نوراً بين عينيه ورزقه العز في الناس ، ومن أذاع الصعب من حديثنا لم يمت حتى يعضه السلاح أو يموت متحيراً ) .

وعن أبي بصير قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : ( سر أسره الله إلى جبرئيل ، وأسره جبرئيل إلى محمد ، وأسره محمد إلى علي ، وأسره علي إلى من شاء الله واحداً بعد واحد ، وأنتم تتكلمون به في الطرق ) .

وقال أبو عبد الله (عليه السلام) : ( من أذاع علينا حديثنا هو بمنزلة من جحدنا حقنا ) .

وقال أبو عبد الله (عليه السلام) : ( إني لأحدث الرجل الحديث فينطلق فيحدث به عني كما سمعه فأستحل به لعنه و البراءة منه ) ([5]).

فلم لا تكفي بعض الروايات - إن كان قد اطلع عليها السيد الخوئي - لإثبات أن اسم الله مشتق ، وبالتالي رد الظنون والتخرصات العقلية غير المعصومـة عند السيد الخوئي ، وهل يعتقد ( رحمه الله ) أو من يتبنى رأيه أن هؤلاء الأولياء الذين هم خاصة شيعة آل محمد (عليهم السلام) وأصحابهم قد خالفوا الأئمة (عليهم السلام) ونقلوا كل ما سمعوا منهم (عليهم السلام) حتى ما نهاهم الأئمة (عليهم السلام) عن نقله ؟ وهم الذين أخلصوا غاية الإخلاص في طاعـة الأئمـة (عليهم السلام) والتزموا الحدود التي بينها لهم أئمتهم (عليهم السلام) .

ثم إنّ هذه القاعدة التي تبناها السيد الخوئي ( رحمه الله ) وطرحها كأنها من اليقينيات المسلمة بقوله : ( بأصالة عدم النقل يثبت أنه كذلك ) هي قاعدة عقلية وظنية في أحسن أحوالها وهي عند السيد الخوئي كذلك ، وإلا فإن بعض الفقهاء ( السنة والشيعـة ) ينفيها جملة وتفصيلاً . وعلى القول بأنها ظنية فإن الكلام هنا في العقائد ، والظن لا يغني عن الحق شيئاً في العقائد ، قال تعالى : ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ ([6])، فلا بد من اليقين في العقائد .

وكأن السيد الخوئي ( رحمه الله ) نسي قوله في كتابه هذا نفسه ( البيان ) عندما رد خبر الآحاد صحيح السند بقوله : ( إن أخبار الآحاد لا تفيد علماً ولا عملاً ) البيان ([7])، فبربكم أيهما أولى أن يعتمد عليه ظن يستند إلى قول معصوم ، أم ظن يستند إلى عقول بعض بني آدم الناقصة ؟

فإذا كان السيد الخوئي ( رحمه الله ) لا يعتمد على ما يعتبره ظناً مستنداً إلى قول معصوم في العقائد ، فالأولى به أن لا يعتمد على ظن مستند إلى دليل عقلي ظنـي ، فرد هكذا ظن أولى وأحجى ، وإن لم يعتبر السيد الخوئي نتيجة هذا البحث عبارة عن إرساء قانون ستبنى عليها اعتقادات تتعلق بالتوحيد ، ومن ثم قال بقبول الظن هنا فكان عليه الالتفات إلى أن ما تصوره ظناً مستنداً إلى قول الباقر (عليه السلام) المتقدم أولى أن يأخذ به من ظن يستند إلى قاعدة واستنتاج عقول ناقصة غير معصومة .

* قول السيد الخوئي : ( الثاني : إن لفظ الجلالة لما له من معنى لا يستعمل وصفاً ، فلا يقال العالم اله ، الخالق الله . على أن يراد بذلك توصيف العالم والخالق بصفة كونه الله وهذه آية كون لفظ الجلالة جامداً . وإذا كان جامداً كان علماً لا محالة ، فان الذاهب إلى إنه اسم جنس فسّره بالمعنى الاشتقاقي ) ([8]).

أقول : الوصف هو توضيح وبيان وتعريف ، والسيد الخوئي ( رحمه الله ) استخدم المغالطة في هذا المقام ، فصحيح أنّ الله لا يقع وصفاً لاسم الخالق أو العالم ولكنه يقع وصفاً لـ ( هو ) قال تعالى : ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ ﴾ ؛ وذلك لأنّ العالم والخالق هي توضيح وبيان وتعريف للذات الإلهيـة أو ( الله ) ، ولكن الذات الإلهية أو ( الله ) توضيح وبيان وتعريف لـ ( هو ) أو الإسم الأعظم أو الكنه والحقيقة ، حيث إن الكنه والحقيقة تجلت بالذات الإلهية أو الله لمواجهة الخلق أي ليعرف سبحانه وتعالى ، ولذلك قال تعالى : ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ([9]).

﴿ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَـاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّـارُ ﴾ ([10]).

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ ([11]).

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ([12]).

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ ([13]).

أي من أراد أن يعرف الحقيقة والكنه فليتوجه إلى تجليها وهي الذات المقدسة أي الله ، وقد تبين أن إسم الله وقع وصفاً في كل الآيات المتقدمة ، والأصح أن يقال في كل أسماء الله أنها بمقام الوصف وليست وصفاً كسواها .

* قول السيد الخوئي : ( الثالث : إن لفظ الجلالة لو لم يكن علماً لما كانت كلمة ( لا إله إلا الله ) كلمة توحيد ، فإنها لا تدل على التوحيد بنفسها حين إذ كما لايدل عليه قول لا اله إلا الرزاق ، أو الخالق ، أو غيرهما من الألفاظ التي تطلق على الله سبحانه ، ولذلك لا يقبل إسلام من قال بإحدى هذه الكلمات ) ([14]).

أقول : إنه لو كان إسم الله علماً جامداً لم تكن كلمة ( لا إله إلا الله ) كلمة التوحيد ، فالسيد الخوئي ( رحمه الله ) قلب الأمور رأساً على عقب وذلك لأن كل معاني كلمة إله - وهي المستثنى منه - تحتمل غيره سبحانه وتعالى وتشمل غيره ، وإليك هذه المعاني :

1- الخفاء ( حقيقة محمد خفية عن الخلق لا يعرفه (صلى الله عليه وآله) تمام المعرفة إلا الله ) .

2- التحير ( وحقيقة محمد تحيرت فيها العقول ) .

3- الغيبة عن الأبصار ( والأرواح غائبة عن الأبصار ) .

4- التعبد ( وهو الخضوع إلى الغير والائتمار بأمره ، والملائكة أيضاً مأمورون بالخضوع للأنبياء والمرسلين والائتمار بأمرهم ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا ﴾ ([15]) ) .

5- الإقامة في المكان ( والحقيقة المحمدية متجليـة في كل مكـان لأن الخلق خلقـوا من نوره (صلى الله عليه وآله) ) .

6- الارتفاع ( ومحمد (صلى الله عليه وآله) أيضاً مرتفع نسبة إلى الخلق ) .

7- الوله أو الأله ( وبمحمد أيضاً ولهت قلوب الأولياء ) .

8- الرجوع والفزع في الحوائج ( وإلى محمد (صلى الله عليه وآله) أيضاً يفزع في الحوائج ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ﴾ ([16]) ) .

9- السكون ( وإلى محمد تسكن النفوس ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ([17]) ) .

فالحق ، إن معنى كلمة التوحيد أنه لا إله إلا الإله الكامل المستغرق لكل الكمالات الإلهية ، الذي لا يعتريه نقص أو الإله الذي هو نور لا ظلمة فيه ، وهو الله سبحانه وتعالى فالألف واللام لاستغراق الكمالات الإلهية ، أي إنّ كلمة التوحيد نظير من يقول لا إنسان إلا الإنسان أي الإنسان الكامل ، أي إنّ التعريف بالألف واللام يراد منها استغراق كل الكمالات الإنسانية .

وعلى هذا فإن كلمة التوحيد لا إله إلا الله تبين بوضوح أنّ الألوهية المطلقة محصورة به سبحانه وتعالى .

وأيضاً : تبين ضمناً أن الاتصاف بصفة الألوهية المقيدة بالافتقار إليه سبحانه وتعالى تشمل خاصة من خلقه يفزع إليهم في الحوائج أي يؤله إليهم ، فهم يقضون الحوائج بإذن الله ويخلقون بإذن الله ويشفعون بإذن الله سبحانه وتعالى ﴿ وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ([18]).

﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ([19]).

وقال تعالى : ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ ([20])، أي إنه يوجد خالقون غيره سبحانه وتعالى يخلقون بحوله وقوته وهو أحسنهم ؛ لأنه غني وهم فقراء إليه سبحانه .

وقال تعالى : ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ ([21])، والآيات الدالة على ذلك كثيرة .

فعلى ما تقدم تبين أنه على القول بأن اسم الله علم جامد تكون كلمة ( لا إله إلا الله ) ليست كلمة التوحيد ؛ لأنه يقال لك هذا يفزع إليه في الحوائج فهو إله يؤله إليه فكلامك غير مستقيم ؛ لأن من يؤله إليهم في الحوائج كثير إلا أن تقدر كلمة كامل مطلق أو غني مطلق فتقول لا إله كامل مطلق إلا الله ، وفي هذه الحالة نرد كلمة السيد الخوئي ( رحمه الله ) عليه فنقول : ( إن لفظ الجلالة لو كان علماً جامداً لما كانت كلمة لا إله إلا الله كلمة التوحيد فإنها لا تدل على التوحيد بنفسها حينئذ ) .

قال الإمام الرضا (عليه السلام) : ( حدثنا أبي العبد الصالح موسى بن جعفر قال : حدثني أبي الصادق جعفر بن محمد ، قال : حدثني أبي أبو جعفر بن علي باقر علوم الأنبياء ، قال : حدثني أبي علي بن الحسين سيد العابدين ، حدثني أبي سيد شباب أهل الجنة الحسين ، قال : حدثني أبي علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال : سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول : سمعت جبرائيل يقول : قال الله جل جلاله : إنى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني ، من جاء منكم بشهادة أن لا إله إلا الله بالإخلاص دخل في حصني ، ومن دخل في حصني أمن من عذابي ) ([22]).

وقال (عليه السلام) : ( سمعت أبي موسى بن جعفر يقول : سمعت أبي جعفر بن محمد يقول : سمعت أبي محمد بن علي يقول : سمعت أبي علي بن الحسين يقول : سمعت أبي الحسين بن علي يقول : سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام) يقول : سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول : سمعت الله عز وجل يقول : لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي ، قال : فلما مرت الراحلة نادانا : بشروطها وأنا من شروطها ) ([23]).

يعني قالها بالعمل أي أن يكون ممن شملهم الحديث القدسي : ( من تقرب إلي بالفرائض كان يدي وعيني ... ) ، وممن شملهم الحديث القدسي : ( عبدي أطعني تكن مثلي تقل للشيء كن فيكون ) . ويكون ممن يخاطبهم الجليل كما في الحديث القدسي : ( أنا حي لا أموت وقد جعلتك حياً لا تموت أنا أقول للشيء كن فيكون وقد جعلتك تقول للشيء كن فيكون ) .

فالمطلوب من العبد أن يكون صورة لولي الله وخليفته في أرضه فنقص مرتبة أو مقام أكيد إنه عذاب من الله وإن كان العبد من أهل الجنة ؛ لأنه نسبة إلى من فوقه معذب وفاقد لكمال كان ممكناً أن يتحصله ، فالأمن من العذاب يتحقق بأن يكون العبد مثل الله ويد الله وعين الله ويقول للشيء كن فيكون وحي لا يموت ، قال تعالى : ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ ([24]).

وقال تعالى : ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ ([25]).

وهذه تتحقق بأن يقول العبد بالفعل والعمل لا إله إلا الله ، وقولها يكون بمتابعة ولي الله وخليفته في أرضه في كل حركة وسكنة وكما قال الإمام الرضا (عليه السلام): ( بشرطها وشروطها وأنا من شروطها ) .

فتبين أن قول لا إله إلا الله يكون بتحصيل أسماء الله الحسنى أي أن يتحلى بها العبد أي أن يكون هو أسماء الله الحسنى ، أي أن يكون العبد الله في الخلق ، فيكون مصداقاً لمن أحصى أسماء الله الحسنى ودخل الجنة ، جنة الحق وجنة أسماء الله وجنة إسم الله ، فتبين إن خير ما قال رسول الله والنبيون من قبله لا إله إلا الله ، وتبين إن إسم الله ليس علماً جامداً كما توهم السيد الخوئي ( رحمه الله ) ومن تابعه في قوله ، بل وتبين أن لا إله إلا الرازق ، ولا إله إلا الخالق كلمات توحيد ؛ لأنه سبحانه الخالق والرازق المطلق الذي لا يحتاج إلى غيره ، ولكن لا إله إلا الله أكملها وخيرها ؛ لأنها توحيد من كل الجهات كما قال (صلى الله عليه وآله): ( خير ما قلت والنبيون من قبلي لا إله إلا الله ) .

* قول السيد الخوئي ( رحمه الله ) ( الرابع : إن حكمة الوضع تقتضي وضع لفظ للذات المقدسـة ،كما تقتضي الوضع بازاء سائر المفاهيم . وليس في لغة العرب لفظ موضوع لها غير لفظ الجلالة ، فيتعين أن يكون هو اللفظ الموضوع لها .

إن قلت : إن وضع لمعنى يتوقف على تصور كل منهما ، وذات الله سبحانه يستحيل تصورها ، لإستحالة إحاطة الممكن بالواجب ، فيمتنع وضع لفظ لها .

ولو قلنا بأنّ الواضع هو الله - ولا يستحيل عليه أن يضع اسماً لذاته لأنه محيط بها - لما كانت لهذا الوضع فائدة ؛ لإستحالة أن يستعمله المخلوق في معناه ، فإن الإستعمال أيضاً يتوقف على تصور المعنى كالوضع على إن هذا القول باطل في نفسه .

قلت : وضع اللفظ بازاء المعنى يتوقف على تصوره في الجملة ، ولو بالإشارة إليه . وهذا أمر ممكن في الواجب وغيره . والمستحيل هو تصور الواجب بكنهه وحقيقته . وهذا لايعتبر في الوضع ولا في الاستعمال . ولو اعتبر ذلك امتنع الوضع والاستعمال في الموجودات الممكنة التي لا يمكن الإحاطة بكنهها : كالروح والملك والجن . ومما لايرتاب فيه أحد انه يصح استعمال اسم الإشارة أو الضمير ويقصد به الذات المقدسة ، فكذلك يمكن قصدها من اللفظ الموضوع لها . وبما ان الذات المقدسة مستجمعة لجميع صفات الكمال ، ولم يلحظ فيها - في مرحلة الوضع - جهة من كمالاتها دون جهة صح أن يقال : لفظ الجلالة موضوع للذات المستجمعة صفات الكمال ... ) ([26])، انتهى كلام السيد الخوئي .

أقول : وفيه :

1- إن السيد الخوئي ( رحمه الله ) استخدم قياس التمثيل وهو باطل ، بل ومن أساليب المغالطة فلا يمكن أن يقاس سبحانه وتعالى بخلقه .

2- إن مفهوم الألوهية موضوع له لفظ إله ، والذات المقدسة واقعة ضمن هذا المفهوم فهي مصداق له في الخارج ، ولو لم تكن الذات المقدسة مصداقاً لمفهوم الألوهـية لما وقع الشرك أصلاً ، فالإنسان لما حصل على مفهوم الألوهية أخذ في البحث عن مصداق له في الخارج فوقع الخطأ في المصداق وانحرف أناس في اعتقادهم فألَّهوا الحجر والشجر واتخذوا الأصنام آلهة تعبد من دون الله سبحانه ، ولا أحد يقول إنه يجب أن يوضع لفظ إزاء كل مصداق ، فالسيد الخوئي رحمه الله الظاهر أنه خلط بين المفهوم والمصداق .

ولم أعرّض لباقي كلام السيد الخوئي ؛ لأنه انتقض من أصله وقد بناه السيد ( رحمه الله ) على وهم تبين بطلانه .

والحق ، إنّ إسم الله ليس علماً جامداً كما توهم السيد الخوئي ( رحمه الله ) ، وقـد روي عنهم ما يبين أنه مشتق كما تقدم ، كما وإن القرآن استخدم للذات إسم الله كما استخدم إله ، قال تعالى : ﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ ([27])، وهذه الآية نظير لا إله إلا الله أي إن القرآن استخدم إله واحد في كلمة التوحيد .

كما استخدم القرآن اسم الله بمعنى إله ، قال تعالى : ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَـاوَاتِ وَفِي الْأَرْض ﴾ ([28])، وفي الآية القرآنية اسم الله بمعنى إله ، ولا داعي للعناء الذي تجشمه السيد الخوئي ( رحمه الله ) في تفسير هذه الآية ، فقد تخبط العشواء وخاض في مقام أجنبي عن موضوع البحث ، فأكيد أنّ الله سبحانه وتعالى محيط بالمكان والزمان ويعلم سركم وجهركم ، ولكن الآية القرآنية استخدمت ( الله ) بمعنى إله ، وهذا يفهمه كل عربي دون عناء ، وكفة هذا المعنى راجحة لدى كل صاحب فهم مستقيم ، وأكتفي بهذا القدر فقد تبين أن اسم الله ليس علماً جامداً .

الآن نعود إلى إجابة السؤال : ( الله : هذا الاسم الذي يعرفه الناس إسماً للذات الإلهية - بل هو بالفعل يطلق عليها فقط إذا كان يراد به الألوهية المطلقة - هل يمكن أن يطلق - إذا لم يُرَد به الألوهية المطلقة - على غير الذات الإلهية المقدسة ؟ ) .

ويكون الجواب بحسب ما تقدم : نعم يمكن أن يطلق ولكن ما يمنع إطلاقه هو الاستعمال تماماً كما يمنع إطلاق الرحمن على غيره سبحانه وتعالى الاستعمال ، ولكن هذا المنع يمكن أن يرتفع بوضع قيد أو وصف إضافي يميزه عند الإطلاق على غير الذات الإلهية كالقول : ( الله في الخلق ) ، أي بمعنى صورة الله ([29]) كما ورد في الحديث ، وبمعنى روح الله ([30]) كما ورد في القـرآن ، أوكالقول : ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ ([31])، أوكالقول : ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ﴾ ([32]).

 

[1]- الكافي : ج1 ص23.

[2]- البيان : ص450.

[3]- التوحيد : ص89 ، البرهان : مج8 ج30 ص430.

[4]- المصدر السابق .

[5]- غيبة النعماني : باب ما روي في صون سر آل محمد (عليهم السلام) .

[6]- يونس : 36.

[7]- قال ذلك في كتابه البيان في تفسير القرآن : ص221 ، ص313.

[8]- البيان : ص450.

[9]- الإخلاص : 1.

[10]- الزمر : 4.

[11]- الحشر : 22.

[12]- الحشر : 23.

[13]- الحشر : 24.

[14]- البيان : ص450.

[15]- البقرة : 34.

[16]- النساء : 64.

[17]- التوبة : 103.

[18]- آل عمران : 49.

[19]- المائدة : 110.

[20]- المؤمنون : 14.

[21]- الأنبياء : 28.

[22]- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : ص143.

[23]- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : ص145.

[24]- الزمر : 68.

[25]- الدخان : 56.

[26]- البيان : ص451.

[27]- المائدة : 73.

[28]- الأنعام : 3.

[29]- أن الله خلق آدم على صورته .

[30]- قال تعالى : ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) صّ :72.

[31]- ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) الفتح :10.

[32]- قال تعالى : ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَـامِ وَالْمَلآئِكَـةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُـورُ ) البقرة : 210.

  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • 1

البحث في الموقع