raya

فهرس المقال


دفاعاً

عن الوصية

 


بقلم الشيخ

ناظم العقيلي

 


الإهداء

إلى نور النور وشمس الملكوت

والفائز بالسباق قبل الفوت

الى الحاشر الناشر واللاهوت

الى الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل الى خير الخلق على الاطلاق النبي الكريم محمد (ص) اهدي هذا الجهد البسيط دفاعاً عن وصيته المقدسة التي اراد المنافقون انكارها . واسأل الله تعالى ان يتقبل ذلك بخير قبول وان لايحرمني من شفاعة الرسول (ص) وعترته (ع) في الدنيا والاخرة .



بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين ،وصلى الله على محمد وآله الأئمة و المهديين.

لا يختلف اثنان مستقيمان الفكر على أن اختيار الخليفة في الأرض بيد الله تعالى، وأنه أعلم حيث يجعل رسالته و لا يمكن أن يكل هذا الأمر إلى الناس

لقصورهم عن الاختيار و الإطلاع على بواطن البشر وحقائقهم ،فأول ما خلق الله تعالى آدم(ع) قال :- ((إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)) ثم بعد آدم أصبحت الخلافة تنتقل عن طريق الوصية ،بتعيين من الله تعالى، فأوصى آدم(ع) الى ابنه هبة الله وهكذا حتى وصلت الوصية الى نبي الله نوح (ع) ثم من بعده إلى إبنه سام(ع) وهكذا هلم جراً الى نبي الله هود (ع) وإبراهيم(ع) والى موسى(ع) وعيسى(ع) حتى وصلت الوصية الى نبينا محمد(ص).

ففي خبر عن أبي عبد الله(ع)قال))....إلى أن قال :- فلم تزل الوصية في عالم بعد عالم حتى دفعوها الى محمد ،فلما بعث الله محمد (ص)  أسلم له العقب من المستحفظين وكذبه بنو أسرائيل ...)) إثبات الهداة ج1 ص151.

وحين حضرت الوفاة الرسول محمد(ص) أوصى وصيته لعلي ابن أبي طالب

وبين فيها خلفائه الى يوم القيامة ،و أصبحت هذه الوصية تنتقل من إمام الى إمام حتى انتهت الى الإمام المهدي(ع).

فعن أبي عبد الله في الحديث : أن رسول الله (ص) قال لعلي عليه السلام: وأنت تدفعها- يعني الوصية – إلى وصيك ويدفعها وصيك إلى أوصيائك من ولدك واحداً بعد واحد حتى تدفع إلى خير أهل الأرض بعدك...)) أثبات الهداةج1 ص259 .

فأصبحت الوصية التي أملاها الرسول (ص) وكتبها أمير المؤمنين (ع) تنتقل من إمام إلى إمام حتى سلمت للإمام المهدي(ع) ومن بعده إلى ذريته المهديين ،وأمست هي أوضح دليل لمعرفة الأوصياء (ع) فمن لا توجد عنده الوصية ولم تنص عليه فليس بوصي .

عن أبي عبد الله (ع) في خبر طويل قال : ((...يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث لا تكون في غيره : هو أولى الناس بالذي هو قبله ، وهو وصيّه وعنده سلاح رسول الله و وصيته...))الكافي ج1 ص428 .

وأيضا عن أبي عبد الله(ع)في خبر طويل قال ((...وقال عز ذكره (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) ثم قال :(وآت ذي القربى حقه) وكان علي عليه السلام وكان حقه الوصية...)) إثبات الهداة ج1ص444.

وفي احد مناجات الإمام الصادق (ع)قال((يا من خصنا بالكرامة ووعدنا الشفاعة وحملنا الرسالة وجعلنا ورثة الانبياء وختم بنا الامم السالفة وخصنا بالوصية ...))مستدرك الوسائل ج1ص231//ثواب الاعمال ص95

ورغم كل هذا التأكيد والأهمية لوصية الرسول (ص) جاء اليوم بعض من الذين لا يتورعون عن رد كلام الرسول(ص) وأهل بيته ، ليشككوا بتلك الوصية وأنها غير صحيحة وسندها غير معتمد ، و غيرها من الأباطيل التي ما أنزل الله بها من سلطان ،والتي لا دافع لها سوى الهوى والتعصب والعناد ضد الحق لا غير.

وهؤلاء بكلامهم هذا قد أعادوا سنة عمر بن الخطاب في التشكيك في نفس تلك الوصية عندما أراد الرسول (ص) كتابتها ،فقال عمر :(حسبنا كتاب الله أن محمداً يهجر) وحاشاه فهو الذي لا ينطق عن الهوى ،وكذلك يعتبرون من أصحاب سقيفة آخر الزمان الذين يرومون الى غصب الخلافة عن أهلها وجعلها شورى لمن غلب. فان عمر بن الخطاب عندما أدرك ان هذه الوصية ستنسف اماله في الخلافة حاول التشكيك في سندها الى الله تعالى ، فاتهم الرسول (ص) بالهذيان ليقطع إتصال الوصية بالله تعالى وان محمداً يتكلم بلا وعي ليرفع الحجية من كلام الرسول (ص) .

والتجأ عمر الى التشكيك بالسند لأنه الطريق الوحيد لسلب حجية وصية الرسول (ص) لأن الناس تعلم ان الرسول (ص) لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى من الله تعالى وعلى هذا فكلام الرسول (ص) نافذ وحجة لأنه صادر من الله تعالى وليس من رأي الرسول (ص) نفسه فطعن عمر في صحة اتصال هذه الوصية بالله تعالى ، وكما هو واضح ان عمر شكك في صحة سند الوصية الى الله تعالى ، وأتباعه اليوم يشككون في صحة سند الوصية الى رسول الله (ص) ليسلبوها الحجية لأنها خالفت أهوائهم ودنياهم ، سنة الله ولن تجد لسنته تبديلاً .

ومن أجل سد أفواه هؤلاء كتبت هذه الأسطر ،لأثبات صحة الوصية ،ولإثبات أن هؤلاء جهلاء حتى في قواعد الحديث التي يعتمدونها ،وتعمدت ذكر و تفاصيل بعض قواعد الدراية لإلزامهم بما ألزموا به  أنفسهم ،و ليفتضحوا بجهلهم المخزي.

ومن الله أستمد العون والتوفيق وله الحمد في الأولى والآخرة ،والصلاة والسلام على محمد وآله الأئمة والمهديين ..

الشيخ ناظم العقيلي

29/ شوال/1427هـ . ق



(الحديث الصحيح)

إعترض البعض على رواية الرسول محمد(ص) في ليلة وفاته ،وحاولوا الطعن بصحتها من ناحية السند وزعموا أنها لا يجوز الإعتماد عليها لضعف سندها .

ولعمري أن هؤلاء لا يفقهون من قواعد الحديث شيئاً ،وأنهم يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ،فهيهات هيهات لما يهدفون.

وتوهموا إن صحة الحديث معتمدة على رجال السند فقط ،وهذه طامة كبرى وداهية عظمى ،أن يصدر هذا الجهل الفضيع من أناس يدعون العلم والدين ،ولو إنهم أتعبوا أنفسهم قليلاً في مراجعة قواعد الحديث أو الرجال لتداركوا فضيحتهم هذه، ولأغنونا عن الأنغشال بردهم .

و قبل الاستدلال على صحة رواية الوصية واعتبارها .يجب معرفة ما المقصود من ((صحة الحديث)) وبأي طريقة تثبت ،وسأتطرق الى بعض قواعد الدراية لإلزامهم بما ألزموا به أنفسهم لا لأني أتبنى كل ما أستدل بهِ. فقد اختلف علماء الدراية أشد الاختلاف في قواعد ذلك العلم فمنهم من ينفي ومنهم من يثبت.

فأقول:-

تطلق صحة الحديث تارة ويراد منها أن الحديث معتبر ومعتمد عليه لتواتره أو لأقترانه بأحد القرائن الموجبة للعلم بصحته كوجوده في أحد الكتب المعتبرة التي شهد مؤلفوها بصحة ما فيها من أحاديث أو لموافقته للقرآن و السنة الثابتة أو روايته من قبل الرواة الذين أجمع على أنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة ،الى غيرها من القرائن التي أوصلها الحر العاملي في خاتمة الوسائل الى (21)قرينة .

وعلى ذلك لا تنحصر صحة الخبر بوثاقة رجال السند فقط ،وهذا هو مبنى المتقدمين ومن تبعهم من المتأخرين ،كالشيخ الكليني صاحب كتاب الكافي والشيخ الصدوق صاحب كتاب من لا يحضره الفقيه و الشيخ الطوسي صاحب كتابي التهذيب والإستبصار و الشيخ المفيد و السيد مرتضى وغيرهم(رحمهم الله جميعاً) إضافة إلى كثير من المتأخرين كالحر العاملي صاحب كتاب وسائل الشيعة والفيض الكاشاني والأمين الأسترآبادي و المحقق الكركي وغيرهم (رحمهم الله تعالى) .

وتارة تطلق صحة الحديث ويراد منها ما كان رواته كلهم شيعة امامية عدول، الذي هو أحد الأقسام الأربعة (الصحيح،الموثق الحسن،الضعيف) التي كانت من مباني ابناء العامة وتبناها بعض علماء الشيعة في القرن السابع للهجرة تقريباً أي بعد الغيبة الكبرى بخمسمائة سنة تقريباً. وهذا هو مبنى أكثر المتأخرين، وقد وقع اختلاف شديد بين العلماء حول هذا التقسيم للخبر لأنه يستلزم رد الحديث وان كان ثابتاً في الكتب المعتمدة بحجة ان أحد رواته ضعيف او مجهول،وقد صرح الكثير من العلماء ان كثيراً من الكتب التي عرضت على الائمة (ع) وجوزوا العمل بها، تحتوي على رواة ضعاف ومجاهيل، فهل يستلزم ذلك ردها وقد شهد الأئمة (ع) بصحتها؟، ولم يتحرر النزاع في هذا الموضوع الى يومنا هذا، ويعد هذا المبنى المتأخر (التقسيم الرباعي للخبر) من المستحدثات التي لم يتفق عليها.

قال الشيخ بها الدين في مشرق الشمسين بعد ذكر تقسيم الحديث الى الأقسام الأربعة المشهورة:

(وهذا الاصطلاح لم يكن معروفاً بين قدمائنا كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم بل المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على ما أعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه أو اقترن بما يوجب الوثوق به والركون إليه...) خاتمة الوسائل ص65.

ونقل الحر العاملي كلام الشيخ الطوسي في هذا الموضوع ملخصاً: (إن أحاديث كتب أصحابنا المشهورة بينهم ثلاثة أقسام: منها ما يكون متواتراً و منها ما يكون مقترناً بقرينة موجبة للقطع بمضمون الخبر،ومنه ما لا يوجد فيه هذا ولا ذاك ولكن دلت القرائن على وجوب العمل به،وإن القسم الثالث ينقسم إلى أقسام: منها خبر أجمعوا على نقله ولم ينقلوا له معارضاً، ومنها ما انعقد إجماعهم على صحته وإن كل خبر عمل به في كتابي الأخبار وغيرها لا يخلو من الأقسام الأربعة) خاتمة وسائل الشيعة ص64-65.

ثم عقب الحر العاملي قائلاً: (وذكر-الشيخ الطوسي- في مواضع من كلامه أيضاً أن كل حديث عمل به فهو مأخوذ من الأصول والكتب المعتمدة). نفس المصدر السابق .

وهذا الكلام يدل على أن الشيخ الطوسي(رحمه الله) لا يستدل بخبر ضعيف غير معتمد في كتبه الاستدلالية في الفقه والعقائد، ولايخفى إن كتابه (الغيبة) هو من أوثق كتبه الاستدلالية في العقائد، وقد استدل فيه برواية الوصية فيدل ذلك على انه قد أخذها من الكتب المعتمدة و المعول عليه وهذا وحده كافٍ في صحة الاعتماد وعلى (الوصية) بغض النظر عن سندها،مع العلم ان سندها لا يحتوي على راوٍ مجروح كما سيأتي بيانه انشاء الله تعالى.

وقد نقل هذ الكلام وارتضاه الشيخ جعفر السبحاني اذ قال:(وهناك وجه ثالث في توثيقات المتأخرين، وهو أن الحجة هو الخبر الموثوق بصدوره عن المعصوم –عليه السلام- لا خصوص خبر الثقة،وبينهما فرق واضح، إذ لو قلنا بأن الحجة قول الثقة يكون المناط وثاقة الرجل وإن لم يكن نفس الخبر موثوقاً بالصدور.

ولا ملازمة بين وثاقة الراوي وكون الخبر موثوقاً بالصدور، بل ربما يكون الراوي ثقة، ولكن القرائن والأمارات تشهد على عدم صدور الخبر من الامام-عليه السلام- وأن الثقة قد التبس عليه الأمر، وهذا بخلاف مالو قلنا بأن المناط هو كون الخبر موثوق الصدور،اذ عندئذ تكون وثاقة الراوي من احدى الإمارات على كون الخبر موثوق الصدور، ولاتنحصر الحجية بخبر الثقة، بل لو لم يحرز وثاقه الراوي ودلت القرائن على صدق الخبر وصحته يجوز الأخذ به.

وهذا القول غير بعيد بالنظر إلى سيرة العقلاء، فقد جرت سيرتهم على الأخذ بالخبر الموثوق الصدور، إن لم تحرز وثاقة المخبر، لأن وثاقة المخبر طريق إلى إحراز صدق الخبر، وعلى ذلك فيجوز الأخذ بمطلق الموثوق بصدوره إذا شهدت القرائن عليه...) كليات في عالم الرجال ص155-156 للشيخ جعفر السبحاني.

والحق ان ما أفاده الشيخ جعفر السبحاني هنا رصين جداً ويدل على إن كثيراً من المتأخرين قد تبعوا المتقدمين في طريقة الأخذ بالأخبار ،وعلى هذا لا يبقى موضوع للتقسيم الرباعي المستحدث .

وفي الحقيقة إن الاعتماد في صحة الخبر على رجال السند فقط خطأ واضح ،إذ ربما يكون رجال السند كلهم ثقات ولا يمكن العمل بالخبر لكونه شاذاً أو معتلاً معارض بمتواتر أو مضطرب متناً أو مخالفاً للقرآن الى غيرها من الامور التي توجب التوقف عن العمل بالخبر الصحيح السند ،حسب قواعد الدراية .

وربما يكون رجال السند فيهم المجروح أو المجهول ولكن يجب العمل بالخبر لكونه محفوفاً بقرينة موجبة للعلم بصدوره عن المعصوم (ع)ولا يلتفت حينئذ الى ضعف السند لعدم اعتباره في مثل تلك الموراد ،وقد إحتوت الكتب الأربعة في إسناد رواياتها على كثير من الرجال المجروحين  والمجاهيل رغم ذلك أوجب مؤلفوها العمل بها وأنها حجة فيما بينهم وبين الله وأعتمد عليها كل من تأخر عنهم إلا من شذ بلا دليل ،حتى أن النائيني من أبرز علماء الاصوليين ورغم ذلك صرح بصحة كل روايات الكافي بقوله :(إن المناقشة في سند روايات الكافي حرفة العاجزوعكازة الأعرج ) معجم رجال الحديث ج1.

فلو كان إعتماد المحقق النائيني على وثاقة رجال السند فقط لما حكم بصحة كل روايات الكافي وفيها(9485) حديثاً ضعيفاً والصحيح منه على قاعدة المتأخرين(5072) حديثاً من مجموع (16199) حديثاً ، كما نقله الشيخ جعفر السبحاني ،وعلى هذا لا يبقى من الدين والشريعة إسم ولا رسم إلا شتات .!!! وهذا ما لا يقول به عاقل .

وهاك قول العلامة المجلسي في الاعتماد على الكتب المعتبرة بغض النظر عن السند إلا عند تعارض الاخبار وهو نادر إذ قال:( إن الحق عندي إن وجد الخبر في أمثال تلك الاصول المعتبرة مما يورث جواز العمل به ولكن لا بد من الرجوع إلى الأسانيد لترجيح بعضها على بعض عند التعارض) كليات في علم الرجال  ص 372 .

وبهذا اتضح إن صحة الحديث لا تنحصر بصحة رجال سنده فقط ، بل ان صحة السند هي احد القرائن الكاشفة عن صحة الحديث والتي هي اكثر من عشرين قرينة.

وعلى هذا يكون الخبر المعتبر من خلال القرائن اقوى

من الخبر المعتمد من خلال السند فقط ويصح القول ان:

كل خبر معتبر يجوز العمل به ،وليس كل خبر صحيح السند يجوز العمل به ،لجواز أبتلاءه بمعارض أقوى منه كالمتواتر أو لاضطراب متنه وغيرها من العوارض التي تستدعي التوقف في الخبر الصحيح الأسناد ، كما هو مقرر في علم الدراية .

وأما الخبر المعتبر فيجوز العمل به مطلقاً لأنه إذا كان له معارض أو مشوش متناً لما وصف بالإعتبار .

وسيأتي أن رواية الوصية معتبرة لأنها محفوفة بعدة قرائن توجب القطع بصدورها عن المعصوم ،ومعه فلا داع الى التنزل والمناقشة في سندها ،فسواء صح سندها أم لم يصح ،فهي من الاخبار الصحيحة ،المعتمد عليها في الاستدلال من قبل العلماء ومنهم رئيس الطائفة الشيخ الطوسي (رحمه الله) كما سيأتي بيانه إنشاء الله تعالى .

والأكثر من هذا إن الشيخ الطوسي قال بوجوب العمل بالخبر المنقول عن طرق أبناء العامة اذا لم يكن له معارض من طرق ثقات الشيعة ،حيث قال :(أما إذا كان مخالفاً في الاعتقاد لأصل المذهب ،و روى مع ذلك عن الأئمة    -عليهم السلام – نظر فيما يرويه ،فإن كان هناك من طرق الموثوق بهم ما يخالفه ،وجب إطراح  خبره .وإن لم يكن هناك ما يوجب إطراح خبره ويكون هناك ما يوافقه وجب العمل به ،وإن لم يكن هناك من الفرقة المحقة خبر يوافق ذلك ولا يخالفه ،ولا يعرف لهم قول فيه ،وجب أيضاً العمل به ) ص223-224الشيخ جعفر سبحاني .

أي أن الخبر حتى لو كان ضعيف السند ووجد ما يوافقه من أخبار الأئمة الصحيحة سنداً أو لم يوجد له معارض أو موافق وجب العمل به ،ورواية الوصية رغم أنها لاتتصف بضعف السند فهي موافقة لعدة روايات صحيحة السند ولا يوجد لها مخالف أصلاً ،فتكون بذلك ممن يجب العمل به حسب كلام الشيخ الطوسي ،ولا يجب تجشب العناء للفحص عن صحة سندها ،لعدم وجود معارض لها ،كما سيأتي بيانه أنشاء الله تعالى .

وأكثر من ذلك فقد(إدعى الشيخ الطوسي عمل الطائفة بالمراسيل إذا لم يعارضها من المسانيد الصحيحة ،كعملها بالمسانيد . ومقتضاها حجية المرسل مطلقاً بشرط عدم معارضة المسند الصحيح) قواعد الحديث ص73 لمحي الدين الموسوي الغريفي .

وقد قيل في حق الشيخ الطوسي (رحمه الله) :(ومثله لا يرسل إلا عن ثقة) قواعد الحديث ص71 . فكيف بما أسنده واستدل به في أوثق كتبه كرواية الوصية  ؟!!

ونقل لنا الشهيد الثاني في درايته جواز العمل حتى بالخبر الضعيف إذا إشتهر مضمونه ،إذ قال :(إن جماعة كثير أجازوا العمل بالخبر الضعيف إذا إعتضد بشهرة الفتوى بمضمونه في كتب الفقه ، بتعليل إن ذلك يوجب قوة الظن بصدق الرواية وان ضعف الطريق ،فإن الطريق الضعيف قد يثبت به الخبر مع اشتهار مضمونه ) الدراية ص 27.

واختار ذلك المحقق الحلي أيضاً قائلاً : ( والتوسط أصوب .فما قبله الأصحاب أو دلت القرائن على صحته عمل به .وما أعرض الأصحاب عنه أو شذ يجب إطراحه الخ) وقال عند ذكر خبر رفعه محمد ابن أحمد ابن يحيى : (وهذا وان كان مرسلاً إلا إن فضلاء الأصحاب أفتوا بمضمونه). قواعد الدراية ص110.

ورواية الوصية حتى لو تنـزلنا وقلنا بضعف سندها إلا ان مضمونها مشتهر ،بل متواتر في روايات الرسول (ص) وأهل بيته ، وبذلك تكون متواترة معنىً ، ويجب قبولها بغض النظر عن سندها .

والمتتبع لأقوال العلماء في علم الدراية والرجال يجدها متضاربة ومختلفة لاتكاد تتفق على قاعدة واحدة إلا نادراً،ولكل منهم أدلة وعلى أدلته نقوض وهكذا هلّم جراً الى يومنا هذا ،فكيف يمكن لأحد أن يجزم بصحة مبنى فلان دون فلان ولاسيما اذا لاحظنا أن أغلب آرائهم غير معتمدة على نص من معصوم ،فقد يكون مبنى واحد منها صحيح وقد تكون كلها خاطئة ولايمكن أن تكون كلها صحيحة لأنها متضادة .

وفي الحقيقة إن الاعتماد على كتب الرجال في الأخذ في الأخبار لايجدي نفعاً لوجود إشكالات محكمة عليها لايسعني الآن ذكرها ولتضاربها في الكثير من الرواة ،وأنجح سبيل للعمل بالروايات هو الاعتماد على ما ضبطه أوثق العلماء المتقدمين القريبين من عصر التشريع والذين نقلوا الأخبار من الاصول المعتبرة لتوفرها لديهم آنذاك كأصحاب الكتب الأربعة (الشيخ الكليني والشيخ الصدوق والشيخ الطوسي ) وغيرهم  .

وقد توصل الى هذه النتيجة المحقق الهمداني بقوله :(...فلا يكاد يوجد رواية يمكننا إثبات عدالة رواتها على سبيل التحقيق ،لولا البناء على المسامحة في طريقها ،والعمل بظنون غير ثابتة الحجية ،بل المدار على وثاقة الراوي أو الوثوق بصدور الرواية وإن كان بواسطة القرائن الخارجية التي عمدتها كونها مدونة في الكتب الأربعة ،أو مأخوذة من الاصول المعتبرة ،مع اعتناء الأصحاب بها ،وعدم أعراضهم عنها ...ولأجل ما تقدمت الإشارة إليه جرت سيرتي على ترك الفحص عن حال الرجال ،والاكتفاء في توصيف الرواية بالصحة كونها موصوفة بها في ألسنة مشايخنا المتقدمين الذين تفحصوا عن حالهم ) قواعد الحديث ص110.

وكلام المحقق الهمداني صريح في إنه لايمكن إثبات صحة رواية واحدة عن طريق كتب الرجال والفحص عن رجال السند ،وأنه ترك تتبع أحوال الرجال لعدم فائدته .

وبهذا يتضح مدى ضعف حجة هؤلاء الذين زعموا ضعف رواية الوصية ، وسأذكر بعض القرائن الدالة على صحة رواية الوصية وهي كافية ووافية في إثبات صحة الوصية ،بل واحدة أو اثنان من القرائن كافية لذلك ،ومن الله التوفيق



(قرائن صحة رواية الوصية)

القرينة الأولى : - موافقة رواية الوصية للقرآن الكريم ، فقد اتفق الجميع على اختلاف مذاهبهم بوجوب الاعتماد على الرواية اذا كانت موافقة للقرآن الكريم حتى اذا احتوى سندها على ضعف ، بل حتى اذا لم يكن لها إسناد اصلاً ، وقد نصت الكثير من الروايات على ذلك منها ما ورد عن الرسول (ص) : (أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فانا قلته ، وما جاءكم ( عني ) بخلاف كتاب الله فلم اقله) . تفسير البرهان ج1 ص73 .

ومنها ما رواه ابن ابي يعفور قال سألت ابا عبد الله (ع) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به ، قال : اذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله عز وجل او من قول رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم ) وإلا فالذي جاءكم به اولى به ) تفسير البرهان ج1 ص72 .

وشاهد الوصية من القرآن الكريم هو قوله تعالى :( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة:180) .

فهذه الاية صريحة بوجوب الوصية عند الاحتضار ، واكرر ( عند الاحتضار ) اي عندما يحضر الناس الموت . ولا يوجد اي نص لوصية الرسول (ص) ليلة وفاته غير الرواية التي نقلها الشيخ الطوسي والتي تنص على الائمة والمهديين (ع) فمن رد هذه الوصية او شكك بها ، فقد حكم على الرسول (ص) بأنه خالف قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة:180) . لان الرسول (ص) هو أول مطبق لشريعة الله تعالى ولا يقول ما لا يفعل فكيف يترك امر الله تعالى بالوصية عند الموت وهذا لا يقول به إلا كافر بما انزل على محمد (ص) .

وقد حصل نقاش طويل بين الشيعة وابناء العامة في هذه المسألة ، فالسنة يقولون بعدم وجود وصية للرسول (ص) عند وفاته والشيعة يقولون بوجود الوصية ، والعجب ان بعض الشيعة اليوم رجعوا الى مقالة ابناء العامة واخذوا يشككون بوصية رسول الله (ص) ليلة وفاته ، فاذا كذبوا هذه الرواية فليأتوا برواية اخرى تذكر نص وصية رسول الله (ص) ليلة وفاته ولن يأتوا بذلك لانها اليتيمة الوحيدة . وبذلك يثبت باليقين صحة رواية وصية رسول الله (ص) لانها المصداق الوحيد للآية السابقة ، ومن ردها او شكك بصحتها فهو راد على الله تعالى وعلى رسوله (ص) بل يتهم الرسول (ص) بانه ختم عمله بمعصية ( وحاشاه ) لانه روي عنه (ص) بانه من مات ولم يوص فقد ختم عمله بمعصية ، وفي رواية اخرى مات ميتة جاهلية ، فانظروا الى اي نتيجة جركم الهوى والتعصب الاعمى ، وكفى بذلك فضيحة وعاراً على من يشكك برواية وصية رسول الله (ص) .

والشاهد الثاني لرواية الوصية من القرآن الكريم قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ )(المائدة: من الآية106) .

وهنا إضافة الى وجوب الوصية عند الموت اضيف شرط آخر وهو الاشهاد عليها بإثنين من العدول عند الامكان والا فمن غيرهما ، وهذا ما فعله الرسول (ص) عندما اوصى بوصيته لعلي ابن ابي طالب (ع) في ليلة وفاته ، فقد اشهد عليها سلمان الفارسي وابا ذر الغفاري والمقداد (ع) ، كما نص على ذلك امير المؤمنين (ع) في محاججته مع طلحة وقد روى ذلك سليم ابن قيس الهلالي في كتابه المشهور.

والشاهد الثالث قوله تعالى : ( مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) (يّـس:49 – 50 ) . حيث وصف الله تعالى اولئك الذين كذبوا الرسل وحاربوهم بانهم لا يستطيعون توصية ، اي لا يمهلهم الله تعالى وقتاً لكي يوصوا الى اهليهم ، ولا يخفى ان ذلك ذماً لهؤلاء وسوء عاقبة ، ولا يخفى ايضاً ان الوصية التي نفاها الله تعالى عن هؤلاء المعذبين هي الوصية عند الموت بدليل سياق الآية التي تتحدث عن هلاكهم بصيحة واحدة بغتة فجأة ، وما دام ان عدم التوفيق للوصية عند الموت يعتبر علامة من علامات المغضوب عليهم، فلا بد ان لايتصف بذلك المؤمنون اي ان المؤمنين يستطيعون التوصية عند الموت اي يمهلهم الله تعالى الى ان يوصوا الى اهليهم ثم يقبض ارواحهم .

وعلى ذلك لا بد ان يكون الرسول (ص) قد اوصى ليلة وفاته ، ولا يوجد اي نص لتلك الوصية غير رواية الوصية التي هي موضوع البحث ، فيتعين بالقطع واليقين صحة رواية الوصية بغض النظر عن رجال السند بل حتى لو ثبت ان رجال سندها كلهم فاسقون ( وحاشاهم ) ، بدليل قول الإمام الصادق (ع) لمحمد بن مسلم : ( يا محمد ما جائك في رواية من بر أو فاجر يوافق القرآن فخذ به ، وما جائك في رواية من بر أو فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به ) البرهان ج1 ص73 .

وموافقة رواية الوصية للقرآن الكريم قرينة قطعية على صحتها ولا حاجة الى اي قرينة أخرى ، وهذا ما نص عليه الرسول (ص) والائمة (ع) ولكن سأذكر بعض القرائن الاخرى لزيادة الحجة على هؤلاء المرتابين الذين كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ، كما ذمهم الله تعالى بقوله : ( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) (يونس: من الآية39) .

أضف الى كل هذا فان رواية الوصية موافقة للقرآن والسنة الصحيحة من جهات أخرى وكما يأتي :-

موافقة الوصية للقران والسنة الثابتة ،حيث ثبت إن الإمامة في عقب الحسين (ع)الى يوم القيامة لا تجمع في أخوين بعد الحسن والحسين ،وإنما هي في الأعقاب وأعقاب الأعقاب من ذرية الحسين (ع)إلى يوم القيامة .

ومن المعلوم أن القيامة لا تقوم على الإمام المهدي (ع)وقد دلت الروايات على بقاء التكليف بعد الإمام المهدي لفترة طويلة ،فلا بد من وجود إمام لأن الأرض لا تخلو من إمام ولو خلت لساخت بأهلها كما تواتر عن أهل البيت (ع) .

عن المفضل في خبر عن الإمام الصادق (ع)قال قلت له :( يا ابن رسول الله فأخبرني عن قول الله عز وجل :(( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ)) قال يعني بذلك الإمامة جعلها الله في عقب الحسين الى يوم القيامة ...) معاني الأخبار ص126.

وعن أمير المؤمنين (ع) قال :قال رسول الله (ص):((أني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله، وعترتي أهل بيتي .وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض كهاتين - وضم بين سبابتيه- فقام اليه جابر ابن عبد الله الأنصاري ،فقال : يا رسول الله ومن عترتك ؟ قال :علي والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين الى يوم القيامة )) معاني الأخبار ص91.

وعن أبي عبد الله (ع) أنه قال :((لا تعود الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين أبداً ،أنما جرت من علي بن الحسين كما قال الله تبارك وتعالى :(( الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ )) فلا تكون بعد علي بن الحسين عليه السلام إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب )) الكافي ج1 ص316.

وبهذا تكون الوصية موافقة للقران والسنة ،فهي تتكفل ببيان تكليف الأئمة الى يوم القيامة تجاه الأوصياء ،وهذا وحده قرينة قطعية على صحتها فقد ورد عن أهل البيت (ع) في كيفية الأخذ بالأخبار ،ما معناه ((ماوجدتم له شاهداً في القران فخذوا به)) .

القرينة الثانية :- رويت هذه الرواية (الوصية) في أحد الكتب المعتمد عليها وهو كتاب الغيبة للشيخ الطوسي

رئيس الطائفة العالم النحرير في الحديث وطرقه ورجاله ،وقد تقدم كلامه وشهادته بصحة روايات كتبه وأنه لايعمل ولايستدل برواية غير معتبرة ،وقد صرح الحر العاملي في خاتمة الوسائل بأن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي من الكتب المعتمد عليها ،وبهذا تكون رواية الوصية مفروغ من صحتها لأن الشيخ الطوسي أستدل بها على أمامة الأئمة (ع) في كتابه (الغيبة) والكل تعترف بأنه من أوثق كتب الحديث ،وعليه المعول وإليه المرجع . والظاهر أن الشيخ الطوسي روى الوصية من أحد كتب الشيخ البزوفري الثقة الجليل بواسطة أحمد بن عبدون والغضائري ، وكتب البزوفري تعتبر من الكتب المعتمدة كما سيأتي بيانه .

القرينة الثالثة:- نصت كثير من الروايات على مضمون رواية الوصية ،بلغت حد التواتر ،حيث وردت الكثير من الروايات الصحيحة التي تنص على ذرية الأمام المهدي (ع) وسأختصر على ذكر بعض الروايات لأنني قد ذكرت الكثير منها في كتاب ((الرد الحاسم))وكذلك سردها الأستاذ ضياء الزيدي في كتاب ((المهدي والمهديون))فمن أراد الأحاطة فليراجع .

1- عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع)في رواية صحيحة في ذكر الكوفة ،قال :((...فيها مسجد سهيل الذي لم يبعث الله نبياً إلا وقد صلى فيه ،ومنها يظهر عدل الله ،وفيها يكون قائمه والقوام من بعده ،وهي منازل النبيين والأوصياء والصالحين ))كامل الزيارات ص76.

2- عن أبي بصير في رواية موثقة ،قال : قلت للصادق جعفر بن محمد (ع) يا ابن رسول الله إني سمعت من أبيك (ع)أنه قال : (يكون بعد القائم اثنا عشر إماماً ،فقال الصادق(ع) : قد قال : اثنا عشر مهدياً ولم يقل اثنا عشر إماماً ،ولكنهم قوم من شيعتنا يدعون الناس الى موالاتنا ومعرفة حقنا) كمال الدين ص358 .

3- عن الأمام الصادق (ع) : ((إن منا بعد القائم اثنا عشر مهدياً من ولد الحسين (ع) ) بحار الأنوار ج53  ص148.

4- الحديث الصحيح عن أبي حمزة عن الصادق (ع)في حديث طويل ،قال : ((...يا أبا حمزة إن منا بعد القائم أحد عشر مهدياً من ذرية الحسين (ع) ))غيبة الطوسي ص309/بحار الأنوار ج53 ص145 .

5-عن علي بن الحسين (ع) أنه قال : ((يقوم القائم منا ثم يكون بعده اثنا عشر مهدياً ) شرح الأخبار ج3 ص400.

6- الدعاء الوارد بسند صحيح عن الأمام الرضا (ع) : ((اللهم أدفع عن وليك ...اللهم أعطه في نفسه وأهله وَوَلَدِه وذريته وامته وجميع رعيته ما تقر به عينه وتسر به نفسه ...اللهم صليََّ على ولاة عهده والأئمة من بعده ...) مفاتيح الجنان ص116 .

وذكر الميرزا النوري(رحمه الله) ان هذا الدعاء ورد بعدة أسانيد معتبرة صحيحة، حيث قال: ( روى جماعة كثيرة من العلماء منهم الشيخ الطوسي في المصباح والسيد ابن طاووس في جمال الأسبوع بأسانيد معتبرة صحيحة وغيرها عن يونس بن عبد الرحمن : ان الرضا (ع) كان يأمر بالدعاء لصاحب الأمر (ع) بهذا :....) النجم الثاقب ج2 ص456.

7- توقيع الضراب الوارد عن الإمام المهدي ،قال فيه : (...اللهم أعطه في نفسه وذريته وشيعته ورعيته وخاصته وعامته وعدوه وجميع أهل الدنيا ما تقر به عينه ،وتسر به نفسه ...الى قوله : وصلَّ على وليك وولاة عهده والأئمة من ولده...) غيبة الطوسي ص186/جمال الأسبوع لأبن طاووس ص301 .

وقد وصف الميرزا النوري هذا التوقيع قائلاً : ( وقد روي هذا الخبر الشريف في عدة كتب معتبرة للقدماء بأسانيد متعددة ... ولم يعين وقت لقراءة هذه الصلوات والدعاء في خبر من الأخبار إلا ما قاله السيد رضي الدين علي بن طاووس في جمال الأسبوع بعد ذكره التعقيبات المأثورة لصلاة العصر من يوم الجمعة قال : (...إذا تركت تعقيب عصر يوم الجمعة لعذر فلا تتركها ابداً لأمر أطلعنا الله جل جلاله عليه ). ويستفاد من هذا الكلام الشريف انه حصل له من صاحب الأمر صلوات الله عليه شيئ في هذا الباب ولا يستبعد منه ذلك كما صرح هو ان الباب اليه (ع) مفتوح ...) النجم الثاقب ج2 ص469.

وغيرها الكثير من الروايات التي تنص على ذرية الإمام المهدي (ع)وهذا هو مضمون الوصية حيث نصت على اثنا عشر إمام ،واثنا عشر مهدياً من ذرية الإمام المهدي (ع)وهذا المعنى فاق التواتر في الروايات ،وهذا قرينة قطعية على صحة رواية الوصية ،بل إن الخبر حتى لو كان ضعيفاً وعضده خبر صحيح السند بنفس مضمونه يحكم بصحته ،كما نص على ذلك الشيخ الطوسي وغيره من العلماء ،بل هو المشهور والمتفق عليه .

وبهذا تكون رواية الوصية صحيحة ومتواتر معنىً ، ولايمكن الألتفات الى نعيق البعض ،الذين أمتطتهم الشياطين وجعلتهم طريقاً وأداة لرد روايات أهل البيت ،وبذلك يكونون خارجين عن ولاية أهل البيت ،(ع) .

كما ورد في الخبر الصحيح عن الإمام الباقر(ع) .

عن الباقر (ع) إنه قال:- (والله إن أحب أصحابي إليَّ أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا ، وإن أسوأهم عندي حالاً وأمقتهم الذي اذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا فلم يعقله إشمأز منه وجحده وكفّر من دان به ، وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج وإلينا أسند ،فيكون بذلك خارجاً عن ولايتنا) الكافي ج2 ص223/السرائر ج2 ص591 .

القرينة الرابعة :- عدم وجود أي رواية معارضة لنص الوصية وهذه قرينة قطعية أيضاً بغض النظر عن أي شئ أخر ،وقد ذكر هذه القرينة الحر العاملي في خاتمة الوسائل ،عند تعداد القرائن فقال : (ومنها : عدم وجود معارض ،فأن ذلك قرينة واضحة وقد ذكر الشيخ (الطوسي) أنه يكون مجمعاً عليه لأنه لولا ذلك لنقلوا له معارضاً ،صرح بذلك في مواضع : منها في أول الاستبصار ،وقد نقله الشهيد في (الذكرى عن الصدوق وارتضاه)) خاتمة الوسائل ص95.

وأتحدى كل شخص أن يأتي ولو برواية واحدة قطعية الدلالة تعارض رواية وصية الرسول (ص) في ليلة وفاته.

القرينة الخامسة :- عدم احتمالها للتقية ، فإن الرواية إذا كانت مخالفة لأصل المذهب وموافقة لغيره من المذاهب ،يحتمل أن الإمام قد قالها تقية من أعداءه ،وأما إذا كانت موافقة لأصل المذهب ومخالفة لغيره فينتفي هذا الاحتمال  .

ومن الواضح إن رواية الوصية قد نصت على أن الإمامة والخلافة بعد رسول الله (ص) في آل بيته الأئمة والمهديين ،وقد سمى الرسول فيها الأئمة واحداً بعد الأخر الى الأمام المهدي ثم ذريته من بعده وسمى أولهم وهو أحمد ،وهذا غير موافق لأي مذهب من المذاهب المعاصرة للرسول (ص) أو الأئمة عليهم السلام فلا يحتمل أبداً صدورها للتقية ،وأذا بطل ذلك ثبت صدوروها حقاً وأنها موافقة للمذهب وقد نصت عشرات الروايات على مضمونهاوهذه القرينة أيضاً نص عليها الحر العاملي عند تعداده للقرائن ،فقال :(ومنها عدم احتماله (الخبر) للتقية لما تقدم) خاتمة الوسائل .

القرينة السادسة :- مخالفة الوصية لعقائد أبناء العامة ،فإن دواعي الوضع والكذب والتزوير في الأحاديث ،هي اقصاء الخلافة عن الإمام علي (ع) وذريته وإضفاء الشرعية على حكومة بني أمية وبني العباس ،فإن كان مضمون الخبر مخالفاً لتلك الدواعي ، دل على إنه صحيح ولم تتدخل فيه أيدي الوضاعين والمزيفين للأحاديث لكي توافق مذاهبهم وأخفاء حق علي (ع) وذريته في خلافة رسول الله (ص) .  ورواية الوصية مخالفة تماماً لعقائد أبناء العامة ،بل هي ثورة في وجه الأول والثاني وحكومة بني أمية وبني العباس ،حيث نص فيها رسول الله (ص) على أن الخلافة بعد وفاته لأمير المؤمنين (ع) ثم الى ولده واحداً بعد واحد الى يوم القيامة ونص على أسماء الأئمة (ع) وكناهم وأوصافهم .

فبربكم هل يعقل أن يضع أتباع بني أمية أو بني العباس حديثاً ينسف عقيدتهم من الأساس ،ويبين للناس أنهم قد غصبوا الخلافة من أهلها الذين نص عليهم رسول الله (ص) ،وما هذا إلا قول شطط لا يصدر إلا من سفه نفسه ووصل به العناد الى إنكار الشمس في رائعة النهار ، وهكذا شخص لا يرد عليه إلا بـ (سلاماً.. سلاماً) جواب الجاهلين .

وبعد أن تبين كما هو واضح مخالفة رواية الوصية لعقائد أبناء العامة ،ومع ملاحظة سائر القرائن تصبح من أصح الروايات وأثبتها .

وقد أمر الأئمة (ع) بالأخذ بما خالف العامة وإن الرشد في خلافهم حيث ورد عنهم (ع): ((دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم ) الكافي ج1 ص23 .

بل حتى لو كانت الرواية واردة عن طرق أبناء العامة ومخالفة لعقائدهم أومتضمنة لفضائل الأئمة (ع) وجب الأخذ بها ويكون ذلك قرينة على صدق الخبر كما ذكر ذلك الشيخ الطوسي - كما تقدم ذكره - وكذلك الحر العاملي في وسائل الشيعة ،حيث قال :(كون الراوي غير متهم في تلك الرواية ،لعدم موافقتها للأعتقاد أو غير ذلك ومن هذا الباب رواية العامة للنصوص على الأئمة ومعجزاتهم وفضائلهم فإنهم بالنسبة الى تلك الروايات ثقات وبالنسبة الى غيرها ضعفاء) خاتمة الوسائل ص95 .

فحتى لو كان رواة الوصية كلهم من أبناء العامة أو من أي مذهب آخر ،فيعتبرون في هذه الرواية ثقات ،لأن الرواية تضمنت النص على الأئمة واحداً بعد الآخر وهي مخالفة تماماً لكل مذاهب أبناء العامة ..وبعد هذا هل يبقى عذر لمن يريد أن يناقش في رجال سند الوصية فهذه هي قواعد الحديث عندكم وهذه آراء كبار العلماء ، تنص على أن الروايات المتضمنة للنص على حق أل محمد تكون صحيحة بغض النظر عن سندها . وأعمى الله عين من لا يرى في المنخل .

القرينة السابعة : استدلال بعض كبار العلماء والمحدثين برواية الوصية يدل على اعتبارها وصحة الاعتماد عليها ،لأنها لو كانت ضعيفة فلا يمكن أن يستدل بها هؤلاء العلماء الكبار ،ومن هؤلاء الشيخ الطوسي في الغيبة كما تقدم بيانه والمحدث الميرزا النوري في النجم الثاقب ،عند الاستدلال على ذرية الأمام المهدي (ع) حيث استدل برواية الوصية ووصفها بأنها معتبرة السند ،إذ قال : (( روى الشيخ الطوسي بسند معتبر عن الإمام الصادق (ع) خبراً ذكرت فيه بعض وصايا رسول الله (ص) لأمير المؤمنين (ع) في الليلة التي فيها وفاته ومن فقراتها انه قال (فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه أول المقربين... الى آخره) النجم الثاقب ج2 ص72.

وكما تقدم بيانه ان الرواية المعتبرة من خلال القرآئن أقوى من صحيحة السند ، بل إذا تعارض المعتبر المحفوف بالقرائن مع صحيح السند يقدم المعتبر الذي دلت القرائن على صدقه ، لأحتمال كون صحيح السند قد أشتبه أو سهى بعض رجاله بدون قصد وهذا لا يخل بعدالتهم أو وثاقتهم ،فيكون الحديث صحيح السند غير معتبر المتن ،وهذا أمر واضح لا يحتاج الى مزيد من البيان ،وقد تقدم نقل كلام الشيخ جعفر سبحاني بهذا الصدد فراجع .

ومن الذين أستدلوا بهذه الرواية هو السيد الشهيد الصدر (رحمه الله) في كتاب تاريخ ما بعد الضهور ص640 ، وله كلام طويل في الاستدلال على ثبوت ذرية الأمام المهدي (ع) وأنهم هم الحاكِمونَ بعد أبيهم (ع) .. فمن أراد التفصيل فاليراجع المصدر المذكور .

ومن العلماء الذين قالوا بصحة مضمون رواية الوصية ،السيد المرتضى في تعليقه على الرواية القائلة عن الكوفة : )(...وفيها يكون قائمة والقوام من بعده )) فقال: (إنا لا نقطع بزوال التكليف عند موت المهدي عليه السلام بل يجوز أن يبقى بعده أئمة يقومون بحفظ الدين ومصالح أهله ،ولا يخرجنا ذلك عن التسمية بالاثني عشرية ،لأننا كلفنا أن نعلم إمامتهم وقد تبين ذلك بياناً شافياً ،فانفردنا بذلك عن غيرنا) البحار ج53 ص148.

وكذلك صاحب مستدرك سفينة البحار الشيخ علي النمازي ،معلقاً على رواية تذكر المهديين من ذرية القائم (ع) إذا قال : (هذا مبين للمراد من رواية أبي حمزة و رواية منتخب البصائر ولا إشكال فيه وغيرها مما دل على إن بعد الإمام القائم (عليه السلام) إثنى عشر مهدياً وإنهم المهديون من أوصياء القائم والقوام بأمره كي لا يخلو الزمان من حجة) مستدرك سفينة البحار ج10 ص517.

و كذلك الشهيد السيد محمد باقر الصدر في كتاب المجتمع الفرعوني وهو عبارة عن تقرير لمحاضرات ألقاها ،حيث قال : (...ثم بعده (أي المهدي(ع) ) يأتي اثنا عشر خليفة ،يسيرون في الناس وفق تلك المناهج التي وضعت تحت إشراف الحجة المهدي عليه السلام ،وخلال فترة ولاية الإثني عشر خليفة يكون المجتمع في سير حثيث نحو التكامل والرقي...) المجتمع الفرعوني ص175.

وهذه القرينة مع أخواتها تنتج القطع بصحة الوصية وأنها رواية معتبرة و لا يسوغ لأحد التشكيك بها إلا من قبل أتباع الأول والثاني الذين اعترضوا على كتابتها في ليلة وفاة الرسول (ص) وقال الثاني ((حسبنا كتاب الله أن محمداً يهجر ))وحاشاه بالأمس وحاشاه اليوم أن يهجر أو أن ينطبق كلامه على غير مصداقه الذي قصده قال تعالى : ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ).

القرينة الثامنة :وهي من أقوى القرائن وأشرفها وهي شهادة الله تعالى في المنام على صحة رواية الوصية وانطباقها على السيد أحمد الحسن (ومن أعظم من الله شهادة ) .. (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ…) حيث رأى الأنصار مئات الرؤى بالرسول (ص) و الإمام علي (ع) وفاطمة الزهراء وباقي الأئمة ،وكلها تؤكد على أن السيد أحمد الحسن رسول الإمام المهدي (ع) حقاً وأنه من ذريته وأنه اليماني الموعود .

وقد يستخف بهذه القرينة من سفه نفسه من الذين طردوا من ساحة الملكوت فهو جاهل به ومن جهل شيئاً عاداه ، وقد تواترت الروايات والقصص في اعتبار الرؤى وإنها طريق المعرفة والاهتداء إلى الحق عند اشتباه السبل و اختلاط الحق بالباطل ،وقد مدح الله تعالى المصدقين بالرؤيا في عدة مواطن في القران الكريم وذم المكذبين للرؤيا (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ) (الأنبياء: 5) . وما أكثرهم في عصرنا اليوم ،والداهية العظمى أنهم وصل بهم الانحراف إلى أن زعموا أن الشيطان يستطيع أن يتمثل بالنبي (ص) وأل بيته (ع) (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) (الكهف:5) .

وهؤلاء لا دليل لهم سوى الهوى الذي أهلك الذين من قبلهم وقولهم هذا يدل على استخفافهم بحقيقة الرسول(ص) وال بيته (ع) و إن قلوبهم انطوت على معاداة الرسول واله (ع) وان أظهروا حبهم وموالاتهم .

فدليل حجية الرؤيا هو القران والسنة وسيرة المتشرعة والواقع والوجدان والمنكرون لا برهان لهم .. عن سليم بن قيس قال في حديث :(...فان رسول الله (ص) قال : (من رآني في المنام فقد رآني فأن الشيطان لا يتمثل بي في النوم ولا في اليقظة ولا بأحد من أوصيائي إلى يوم القيامة ...) دار السلام ج1 ص59.

وعن الإمام الرضا (ع) أنه قال : (حدثني أبي عن جدي عن أبيه عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله قال : من رآني في منامه فقد رآني لأن الشيطان لا يتمثل في صورتي ولا في صورة أحد من أوصيائي ولا في صورة أحد من شيعتهم وإن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءاً من النبوة ) من لا يحظره الفقيه ج2 ص585 .

وفي امالي الشيخ الطوسي عن المفيد ... عن أحمد بن يحيى عن مخول بن ابراهيم عن الربيع بن محمد المنذر عن أبيه عن الحسين بن علي (ع) قال : ( ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة أو دمعت عيناه فينا دمعة إلا بوأه الله بها في الجنة حقبا ) قال أحمد بن يحيى فرأيت الحسين (ع) في المنام ، فقلت : حدثني مخول بن ابراهيم ، عن الربيع بن المنذر عن أبيه ، عنك أنك قلت : ( ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة أو دمعت عيناه فينا دمعة إلا بوأه الله بها في الجنة حقباً ) قال : نعم . قلت : سقط الاسناد بيني  وبينك ) دار السلام ج1 ص169.

وقول أحمد بن يحيى للإمام الحسين (ع) : (سقط الاسناد بيني وبينك ) أي أصبح الحديث مباشرة منك ولا حاجة الى رواة السند . وأعتقد ان هذه القصة لا تحتاج الى تعليق أكثر ، فهل من مدكر.

وغيرها العشرات من الروايات والقصص التي تثبت حجية الرؤيا وقد عمل بها الكثير من العلماء الأجلاء ، منهم الشيخ الصدوق (رحمه الله) ونص على أنه ألف كتابه (كمال الدين) بسبب رؤيا رآها بالإمام المهدي (ع) ،وإن شئت التأكد راجع مقدمة (كمال الدين ) .

وقد أكدت كثير من الروايات على علاقة الرؤيا بقيام الإمام المهدي (ع) وبآخر الزمان وأنها وحي ولا تكاد تكذب نترك ذكرها إلى مناسبة أخرى لضيق المقام ،ومن أراد المزيد فعليه بمراجعة كتاب (فصل الخطاب) للأستاذ أحمد حطاب وهو أحد إصدارات أنصار الأمام المهدي (ع) ،وكذلك كتاب دار السلام للميرزا النوري (رحمه الله ) ،وهل بعد الحق إلا الضلال المبين .

وبهذا المقدار أكتفي من ذكر القرائن على صحة رواية الوصية ،وقد ذكرتها باختصار وبدون مناقشة الاشكالات ، ومن أراد التفصيل فعليه بمراجعة كتاب (الوصية والوصي)- مخطوط - فأنتظر وأغتنم .

واجتماع هذه القرائن دليل قطعي على صحة رواية الوصية بغض النظر عن السند بل اجتماع قرينتين كاف لذلك ،كما نص على ذلك الحر العاملي في خاتمة الوسائل ،هذا لمن طلب الحق ،وأما المعاند ،فلا يكتفي بِشيء حتى تأتيه سنة المكذبين أما العذاب وأما سيف القائم (ع) وهذا هو العار والخزي في الدنيا والآخرة .



فوائد:

الفائدة الأولى :-

لا يمكن وصف رواية الوصية بالضعف حتى لو كان سندها ضعيفاً ،لأن موضوع تقسيم الخبر إلى ضعيف وغيره ( التقسيم الرباعي ) هو الرواية الخالية من القرينة ،وبما أن رواية الوصية محفوفة بعدة قرائن قطعية ،فتكون خارجة موضوعاً عن مورد التقسيم ووصفها بالضعف يعتبر ضحك على ذقون الناس الذين لم يطلعوا على قواعد الدراية المعتبرة عند العلماء .

فمتى كانت الوصية خالية عن أي قرينة تشهد بصحتها ، فيمكن حينئذ التنزل للمناقشة في السند ،وأما إذا كانت محفوفة بقرينة تفيد صحتها ،فيكون النقاش في السند تطويل بلا طائل ولا ترجى منه فائدة إلا لزيادة القرائن ، ويكفي رواية الوصية قرينة أو قرينتان مما سبق ولا حاجة لتتبع أحوال الرجال ،و لاسيما إذا لاحظنا الاشكالات التي طرحها بعض العلماء على حجية التوثيقات والطعون الواردة في كتب الرجال ،كما سبق أن صرح المحقق الهمداني بعدم كفايتها لاثبات رواية واحدة على نحو اليقين ،والمجال لا يسع لذكر آراء العلماء في ذلك الموضوع وربما نتطرق الى ذلك في مناسبة أخرى أنشاء الله تعالى .

وقد نقل الحر العاملي اتفاق الأصوليين على أن مورد تقسيم الخبر إلى ضعيف وغيره هو الخبر الخالي من القرينة ،وأن الرواية المؤيدة بقرينة فهي صحيحة بغض النظر عن رجال السند ،ولا يمكن إدخالها بالتقسيم الرباعي الحديث ،حيث قال : (إنهم اتفقوا على أن مورد التقسيم هو خبر الواحد الخالي عن القرينة وقد عرفت أن أخبار كتبنا المشهورة محفوفة بالقرائن ،وقد أعترف بذلك أصحاب الاصطلاح الجديد في عدة مواضع قد نقلنا بعضها ،فظهر ضعف التقسيم المذكور وعدم وجود موضوعه في الكتب المعتمدة ،وقد ذكر صاحب المنتقى أن أكثر أنواع الحديث المذكورة في دراية الحديث بين المتأخرين من مستخرجات العامة بعد وقوع معانيها في أحاديثهم ،وأنه لا وجود لأكثرها في أحاديثنا وإذا تأملت وجدت التقسيم المذكور من هذا القبيل ) خاتمة الوسائل ص103 .

وقد نقل هذا المضمون و ارتضاه الشيخ جعفر السبحاني ، كما تقدم نقله وأعيده هنا للفائدة ،قال : (والوجه الثالث في توثيقات المتأخرين ،هو أن الحجة هو الخبر الموثوق بصدوره عن المعصوم - عليه السلام - لا خصوص خبر الثقة ،و بينهما فرق واضح ،إذ لو قلنا بأن الحجة قول الثقة يكون المناط وثاقة الرجال وان لم يكن نفس الخبر موثوقاً بالصدور ،ولا ملازمة بين وثاقة الراوي وكون الخبر موثوقاً ،بل ربما يكون الراوي ثقة ،ولكن القرائن والأمارات تشهد على عدم صدور الخبر من الأمام ـ عليه السلام ـ وأن الثقة قد التبس عليه الأمر ،وهذا بخلاف ما لو قلنا بأن المناط هو كون الخبر موثوق الصدور ،إذ عندئذ تكون وثاقة الراوي من إحدى الأمارات على كون الخبر موثوق الصدور ،ولا تنحصر الحجية بخبر الثقة ،بل لو لم يُحرز وثاقة الراوي ودلت القرائن على صدق الخبر وصحته يجوز الأخذ به .

وهذا القول غير بعيد بالنظر إلى سيرة العقلاء ،فقد جرت سيرتهم على الأخذ بالخبر الموثوق الصدور ،وان لم تحرز وثاقة المخبر ،لأن وثاقة المخبر طريق إلى احراز صدق الخبر ،وعلى ذلك فيجوز الأخذ بمطلق الوثوق بصدوره إذا شهدت القرائن عليه ) كليات في علم الرجال ص155-156- للشيخ جعفر سبحاني .

و أشارة إلى هذا المعنى محي الدين الموسوي الغريفي في كتابه قواعد الحديث والكتاب من تقديم المحقق الخوئي ،حيث أستخلص محي الدين الغريفي نتيجة تنص على أن الكتب الأربعة و نضائرها خالية عن الدس والتزوير ،إذ قال :(وخلاصة البحث إن وجود الأخبار الموضوعة في عصر المعصومين (ع) لا يمنع من العمل بالأخبار التي ضمتها مجاميع قدماء أصحابنا المعتبرة ،مثل كتبنا الأربعة و نضائرها فأنها خالية من ذلك) قواعد الحديث ص144 .

وهذا الكلام يستلزم الاعتماد على ما ورد في الكتب الأربعة و نضائرها بغض النظر عن رجال السند ،لأن مؤلفوها من العلماء الثقات الإثبات وقد أخذوها من الأصول المعتمد عليها والتي أغلبها قد عرض على الأئمة (ع) وأجازوا العمل به .

ومن المعلوم إن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي من نظائر الكتب الأربعة ،كيف لا وأن مؤلفه الشيخ الطوسي زعيم الطائفة ورئيسها ،والذي شهد بأنه لا يعتمد على حديث ضعيف وهو صاحب كتابي التهذيب و الاستبصار من الكتب الأربعة المعتمدة  .

والنتيجة أن رواية الوصية خارجة عن مورد تقسيم الخبر إلى صحيح وموثق و حسن وضعيف ،لأنها محفوفة بعدة قرائن تفيد صحتها بل الجزم بصحتها ،وحينئذ لا يجب إثبات وثاقة رجال سندها ،وهو من التطويل بلا طائل وهو حرفة العاجز و لجلجة المخصوم.

الفائدة الثانية :-

لا شك إن الرسول محمد (ص) أوصى في الليلة التي كانت فيها وفاته ،حيث طلب من القوم أن يأتوه بكتف ودواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً ،فحال دون ذلك عمر بن الخطاب بقوله ((حسبنا كتاب الله أن محمداً يهجر )) وحاشا رسول الله (ص) من ذلك ،ولأهمية تلك الوصية ولأنها تتكفل بهداية الأمة إلى يوم القيامة وبيان الخلافة وأصحابها وتسلسلها إلى يوم القيامة ،حرص رسول الله أشد الحرص على كتابة تلك الوصية ،وعندما منع عن كتابتها لعامة الأمة ،أضطر (ص) إلى كتابتها إلى خاصته وآل بيته (ع) ،فبعد أن تفرق القوم عن رسول الله (ص) دعا علياً وكتب له الوصية وأشهد عليها سلمان والمقداد وأبا ذر (ع) كما في الخبر التالي :

عن سليم بن قيس : قال الإمام علي (ع) لطلحة : (يا طلحة ،ألست قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله حين دعا بالكتف ليكتب فيها ما لا تضل به الأمة ولا تختلف ،فقال صاحبك ما قال :( أن النبي يهجر ) فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم تركها ؟ قال : بلى قد شهدت ذلك . قال فأنكم لما خرجتم أخبرني بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وبالذي أراد أن يكتب فيها وأن يشهد عليه العامة . فأخبره جبرائيل :(أن الله عز وجل قد علم من الأمة الاختلاف والفرقة ) ثم دعا بصحيفة فأملى علي ما أراد أن يكتب في الكتف وأشهد على ذلك ثلاث رهط سلمان وأبا ذر والمقداد ،و سمى من يكون من أمة الهدى الذين أمر الله بطاعتهم إلى يوم القيامة فسماني أولهم ثم أبني هذا             - وأدنى الحسن - ثم الحسين ثم التسعة من ولد ابني هذا ـ يعني الحسين ـ كذلك كان يا أبا ذر وأنت يا مقداد ؟

فقاموا وقالوا : نشهد بذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ...) كتاب سليم بن قيس ص211 /غيبة النعماني ص81 .

ولنا أن نتسآئل ،بل يجب علينا أن نسأل ،أين هو نص الوصية التي أملاها رسول الله (ص) وخطها أمير المؤمنين (ع) بيده ؟ ،و أقصد بنص الوصية نفس كلام الرسول (ص) مباشرة وهو يملي على الإمام علي (ع) في ليلة الوفاة ،وهل يعقل أن يُضّيَع الأئمة (ع) هذا الكتاب الذي حرص على كتابته الرسول (ص) أشد الحرص ؟ ولم يحفظوه ويبلغوه إلى خلص شيعتهم ؟ ليكون أماناً لمن في أصلاب الرجال من الضلال والانحراف عن الطريق المستقيم وهم أوصياء الرسول (ص) إلى يوم القيامة .

و إذا كان لابد من حفظ هذه الوثيقة العظيمة وعدم التفريط بها ،فلا توجد رواية واحدة تذكر ما أوصى به الرسول (ص) من فمه مباشرة ليلة وفاته إلا رواية الوصية التي هي موضوع البحث ،وخصوصاً ما يتعلق بأمر الولاية والأوصياء إلى يوم القيامة ،نعم وردت روايات عن الأئمة (ع) تتحدث عن وصية الرسول (ص) ليلة وفاته كالرواية السابقة عن سليم بن قيس ،ولكنها وصفت الحادثة والوصية بصورة مجملة ولم تذكر نص ما أوصى به الرسول (ص) منه مباشرة ،بل أقتصر الأمام علي (ع) بذكر ما يتعلق بالاحتجاج على طلحة وإلزامه الحجة ،وبالمضمون لا نصاً .

فالرواية الوحيدة التي نصت على ما تلفظ به الرسول (ص) ليلة وفاته نصاً ،هي ما أخرجه الشيخ الطوسي في الغيبة و اليك ملخصها : (عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ،عن أبيه الباقر ، عن ذي الثفنات الثفنات سيد العابدين ،عن أبيه الحسين الزكي الشهيد عن أبيه أمير المؤمنين (ع) ((قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله ـ في الليلة التي كانت فيها وفاته ـ لعلي عليه السلام يا أبا الحسن أحضر صحيفة و دواة ،فأملأ رسول الله صلى الله عليه وأله وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع فقال يا علي انه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً ،فأنت يا علي أول الأثني عشر الأمام ...إلى أن قال : فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه الحسن الفاضل ، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد المستحفظ من ال محمد ،فذلك اثنا عشر إماماً ،ثم يكون من بعده اثنا عشر مهدياً ،فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه أول المقربين له ثلاثة أسامي أسم كأسمي وأسم أبي وهو عبد الله وأحمد ،والأسم الثالث المهدي وهو أول المؤمنين ) غيبة الطوسي107 ـ 108.

فإذا أنكر القوم هذه الرواية الشريفة العظيمة ، فلا يبقى نص لما أوصى به الرسول (ص) ،وسيحرمون آخر الأمة من هذه الوصية المباركة ،كما حرم عمر من كتابتها للعامة وأشهادهم عليها ،وهذه مصيبة عظمى قد وقع فيها البعض من حيث يعلمون أو لا يعلمون .

وتفصيل الكلام حول هذا الموضوع تجده في كتاب ((الوصية والوصي))      ـ مخطوط ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وسيعلم الذين ظلموا آل محمد أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمهدي وذريته المهديين وأنصارهم الميامين (ع).

الفائدة الثالثة

لقد صرح كثير من العلماء بأن الخبر الواحد المحفوف بالقرائن يفيد العلم والقطع ،وهذا يعني جواز الاعتماد عليه في أصول الدين وفروعه ،بخلاف خبر الآحاد الصحيح السند المجرد من القرائن فالمشهور الاعتماد عليه في الفقه فقط بل ذهب بعضهم إلى عدم الاعتماد عليه حتى في الفقه كالسيد المرتضى (رحمه الله) ،وذلك لأن خبر الآحاد وان كان صحيح السند ،فربما يعارض بما هو أقوى منه أو بما هو متواتر أو تدل القرائن على عدم صحته وان رواته قد أخطأوا في نقله من غير عمد إلى غيرها من الأمور التي يكون من أجلها الخبر الصحيح شاذاً ،ولا يعمل به رغم صحته ،وهذا أمر واضح لمن أطلع على قواعد الحديث وكيفية الأخذ به .راجع أصول الحديث و أحكامه للشيخ جعفر سبحاني ص58 /وقواعد الحديث للغريفي ص25 وما بعدها .

وعلى أحسن الأحوال يعتمد على خبر الآحاد الصحيح السند في الفقه فقط إذا كان مجرداً عن القرائن ،وأما خبر الآحاد المحفوف بالقرائن فأنه يعتمد عليه في الفقه والعقائد حتى لو كان في سنده ضعف ،لعدم انحصار الصحة بِوثاقة رجال السند كما تقدم بيانه .

وبهذا يتبن جهل هؤلاء الذين يعترضون على رواية الوصية ويزعمون ضعفها رغم كثرة القرائن التي تؤيدها ،ولعلهم لقلة إطلاعهم ظنوا أن طريق صحة الخبر هو وثاقة رجال السند فقط ،فوقعوا في حفرة الجهل لأنهم عميان ،لا يقدرون على إبصار طريقهم فكيف يتسنى لهم قيادة غيرهم ،وينطبق عليهم قول نبي الله عيسى (ع) ما معناه :(اتركوهم إنهم عميان وإذا كان الأعمى يقوده أعمى وقع الاثنان في حفرة ) .

فكلما حاول أحد محاربة هذه القضية المنصورة بالله ، إلا وجعل الله هلاكه وفضيحته بنفس كلامه ، و أوقعه في الحفرة التي حفرها بيده ، وهذا إعجاز وتأييد واضح من الله تعالى لقضية السيد أحمد الحسن ، وهذه هي سنة الله تعالى في الدعوات الإلهية .

واليك أيها القارئ ما صرح به الحر العاملي في هذا الصدد ،حيث قال : ((...قد يقترن خبر الواحد بقرائن دالة على صحته بحيث يفيد العلم والقطع وهذا أيضاً لا يقدر عاقل على إنكاره ،إن أنكره فإنما ينكره بلسانه تعصباً وعناداً و إلا فإنه وجداني لا يقبل التشكيك ...) أثبات الهداة ج1 ص20 .

وقال الشيخ جعفر سبحاني : (تقسيم خبر الواحد إلى المحفوف بالقرينة وعدمه : الخبر الذي لم يبلغ حد التواتر تارة يكون مجرداً عن القرائن فلا يفيد العلم غالباً ،وأخرى يكون محفوفاً بها كما إذا أخبر شخص بموت زيد ،ثم إرتفع النياح من بيته وتقاطر الناس إلى منزله ، فهو يفيد القطع واليقين ...) أصول الحديث وأحكامه ص39 .

ونقل الشيخ محيي الدين الغريفي قول الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني عند اعتذاره واعترافه بحدوث التقسيم الرباعي للخبر عند المتأخرين وعدم وجوده عند المتقدمين حيث قال : (فان القدماء لا علم لهم بهذا الإصلاح قطعاً لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالة على صدق الخبر وان أشتمل طريقه على ضعف ... ) قواعد الحديث ص18 .

و أيضاً قال السيد محيي الدين الغريفي : (وخلاصة البحث أن حجية الخبر تثبت بأحد أمرين ،أما سلامة سنده من الضعف ،وأما احتفاظه بقرينة الصحة ،وقد عمل القدماء و المتأخرون بهذين القسمين معاً ،و ذكرهما الشيخ الطوسي بقوله : (إن خبر الواحد إذا كان وارداً عن طريق أصحابنا القائلين بالإمامة ،وكان ذلك مروياً عن النبي (ص) ،أو عن أحد الأئمة (ع) ،وكان ممن لا يطعن في روايته ،ويكون سديداً في نقله ،ولم يكن هناك قرينة تدل على صحة ما تضمنه الخبر ـ لأنه إن كان هناك قرينة تدل على صحة ذلك كان الاعتبار بالقرينة ،وكان ذلك موجباً للعلم ـ جاز العمل به . والذي يدل على ذلك إجماع الفرقة المحقة ،فأني وجدتها مجتمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم ،ودونوها في أصولهم ،لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه ...الخ) قواعد الحديث ص23 .

وقول الشيخ الطوسي : (...لأنه إن كان قرينة تدل على صحة ذلك كان الاعتبار بالقرينة ،وكان ذلك موجباً للعلم) يدل بصراحة على أن الخبر المحفوف بالقرينة يعتمد عليه وان كان في سنده ضعف ،وإنما يحتاج إلى وثاقة رجال السند إذا كان الخبر مجرداً عن القرينة . وقوله (وكان ذلك موجباً للعلم) يدل على أن الخبر المحفوف بقرينة الصحة يفيد القطع وبذلك يصلح للاعتماد عليه في الأصول والفروع ، بخلاف صحيح السند المجرد عن القرينة ،فقد قال عنه (جاز العمل به) أي العمل في الفقه دون العقائد التي يشترط فيها العلم أي اليقين .

ونقل في هامش خاتمة الوسائل قول الشيخ الطوسي في العدة ص27 وفي الاستبصار ج1 ص3-6 ،قال : (وأعلم إن الأخبار على ضربين : متواتر وغير متواتر ،فالمتواتر منها ما أوجب العلم فما هذا سبيله يجب العمل به من غير توقع شيء ينظاف إليه ولا أمر يقوى به ولا يرجح به على غيره وما يجري هذا المجرى لا يقع فيه التعارض ولا التضاد في أخبار النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ،وما ليس بمتواتر على ضربين : فضرب منه يوجب العلم أيضاً وهو كل خبر تقترن إليه قرينة توجب العلم وما يجري هذا المجرى يجب أيضاً العمل به وهو لاحق بالقسم الأول - إلى أخر مقالته ) خاتمة الوسائل ص64 هامش رقم 5 .

وأقوال العلماء الكبار كثيرة في هذا الموضوع يضيق المقام باستقصائها ،فمن أراد ذلك فعليه بمراجعة خاتمة الوسائل ص61 الفائدة السادسة .

وبعد كل ما تقدم يثبت إن رواية الوصية توجب العلم واليقين ،لاحتفافها بعدة قرائن قطعية وهي بذلك يعتمد عليها في العقائد ،و أضف إلى ذلك تواتر مضمون الوصية في كثير من الروايات الصحيحة .

فتكون رواية الوصية حجة من كل الوجوه .

الفائدة الرابعة

حول كتاب الغيبة للشيخ الطوسي(رحمه الله) :

قد ثبت مما سبق وثاقة كتاب الغيبة للشيخ الطوسي وانه صرح بأنه لا يعتمد على حديث ضعيف ،وهنا أحب أن أركز أكثر على هذا مع نقل أقوال بعض العلماء حول هذا الكتاب المعتمد . ويحسن قبل ذلك أن أذكر بعض أقوال العلماء في حق الشيخ الطوسي مؤلف الكتاب .

قال العلامة الحلي في وصفه : (شيخ الأمامية ووجههم ،ورئيس الطائفة ،جليل القدير ،عظيم المنـزلة ،ثقة ،عين ،صدوق ،عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب ،وجميع الفضائل تنسب إليه ،حذق في كل فنون الإسلام ،هو المهذب للعقائد في الأصول والفروع ،الجامع لكمالات النفس في العلم والعمل ، وكان تلميذ الشيخ المفيد محمد بن محمد بن نعمان) .

وقال السيد بحر العلوم الطباطبائي في حقه : (إمام الفرقة بعد الأئمة المعصومين (ع) وعماد الشيعة الإمامية في كل ما يتعلق بالمذهب والدين ،محقق الأصول والفروع ،ومهذب فنون المعقول والمسموع ،شيخ الطائفة على الإطلاق ،ورئيسها الذي تلوى أليه الأعناق ،صنف في جميع علوم الإسلام ،وكان القدوة في كل ذلك والإمام ) .

وأما كتابه ((الغيبة)) فقد أتفق الكل على أنه من الكتب المعتمدة ومن نظائر الكتب الأربعة المشهورة المفروغ عن صحة كل رواياتها . وقد صرح كثير من العلماء بأن كل مصنفات الشيخ الطوسي معتبرة .

قال النجاشي في ترجمة الشيخ الطوسي : ((...له كتب منها كتاب تهذيب الأحكام وهو كتاب كبير ،وكتاب الاستبصار وغيرها من الكتب المعتبرة والمفيدة ...)) خاتمة الوسائل ص2 هامش رقم 1 .

وقال الحر العاملي عند ذكر الكتب المعتمدة ،التي نقل منها كتابه ((إثبات الهداة)) : (وأوثقها بعد كتاب الله عز وجل : مؤلفات الكليني ،وابن بابويه ،والشيخ الطوسي ،والشيخ المفيد ،والحميري ،والحسين بن سعيد ،والبرقي ...) خاتمة الوسائل ص46.

وقال أيضاً عند تعداد الكتب المعتمدة : (...كتاب الغيبة للشيخ الطوسي أيضاً...) إثبات الهداة ج1 ص26 .

وأيضاً نص على وثاقة الكتاب في خاتمة الوسائل ضمن الفائدة الرابعة عند تعداد الكتب المعتمدة التي نقل منها كتاب وسائل الشيعة فقال : (...كتاب الغيبة للشيخ أيضاً ،كتاب مصباح المتهجد له ،كتاب مختصر المصباح له...) خاتمة الوسائل ص46 .

وقد قال الحر العاملي في توثيق الكتب التي أعتمدها في كتابه ((إثبات الهداة)) :(العاشرة : في ذكر جملة من كتب أصحابنا الأمامية التي نقلنا منها في هذا الكتاب ومن عرف أصولها وأصول مؤلفيها علم إن كل حديث منها أو أكثرها محفوف بقرائن كثيرة توجب العلم ولا تقصر عن التواتر ،وان تنزلنا قلنا أنها تسهل حصول التواتر بأقل مراتب الجمع غالبا ًخصوصاً مع عدم المعارض كما هنا ...) أثبات الهداة ج1 ص26 .

وقد تقدم تصريح الحر العاملي بأن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي من أهم الكتب المعتبرة التي أعتمد عليها في كتابيه ((إثبات الهداة ، ووسائل الشيعة)) فتكون روايات كتاب ((الغيبة)) أما متواترة أو محفوفة بقرائن تفيد صحتها ،وأنها مأخوذة عن الكتب المعتبرة والأصول المعتمدة التي كانت متوفرة لدى الشيخ الطوسي (رحمه الله ) .

وقد صرح الشيخ الطوسي بصحة كل ما عمل به من الأخبار ،بعد أن قسم الأخبار الصحيحة إلى أربعة أقسام ،قال : (وأن كل خبر عمل به في كتابي الأخبار وغيرها لا يخلو من الأقسام الأربعة) .

وبهذا لا يبقى شك بأن كتاب ((الغيبة)) للشيخ الطوسي من الكتب المعتبرة والمعتمد عليها ،وكل الأحاديث التي وردت فيه صحيحة وخصوصاً ما ساقه الشيخ الطوسي على نحو الاستدلال ،كما هو الحال في رواية الوصية فقد أستدل بها على إمامة الأئمة الأثني عشر (ع) .

فتكون رواية الوصية صحيحة بغض النظر عن رجال السند .

الفائدة الخامسة :

ويتبين أن الشيخ الطوسي قد نقل رواية الوصية من كتاب الحسين بن علي بن سفيان البزوفري وهو من الثقات فيكون كتابه معتمد ،وقد ذكر الشيخ الطوسي طريقه إلى هذا الكتاب كما نقله عنه الحر العاملي فقال : (وما ذكرته عن أبي عبد الله الحسين بن سفيان البزوفري فقد أخبرني به أحمد ابن عبدون والحسين بن عبيد الله ، عنه) خاتمة الوسائل ص30 .

والبزوفري قال عنه العلامة : (شيخ ،ثقة ،جليل ،من أصحابنا وزاد العلامة :خاص ) خاتمة الوسائل ص177 .

وقال عنه النجاشي : (شيخ ثقة جليل من أصحابنا له كتب ـ ثم عد كتبه ـ روى عنه المفيد وأبو عبد الله الحسين بن عبيد الله الغضائري وغيرهم ...) هامش خاتمة الوسائل ص23 .

وقد نقل السيد محمد الصدر في الموسوعة بأن البزوفري أحد وكلاء الإمام المهدي (ع) فقال : ( الحسين بن علي بن سفيان :بن خالد بن سفيان .أبو عبد الله البزوفري . شيخ جليل من أصحابنا . له كتب ، روى الشيخ في الغيبة عن بعض العلويين سماه . قال : كنت بمدينة قم فجرى بين اخواننا كلام في أمر رجل أنكر ولده . فأنفذوا الى الشيخ _صانه الله – وكنت حاظراً عنده _ أيده الله _ فدفع إليه الكتاب فلم يقرأه ، وأمره ان يذهب الى أبي عبد الله البزوفري _ أعزه الله _ ليجيب عن الكتاب . فصار إليه وأنا حاضر . فقال أبو عبد الله : الولد ولده وواقعها في يوم كذا وكذا في موضع كذا وكذا فقل له فليجعل اسمه محمداً. فرجع الرسول وعرفهم ، ووضح عندهم القول . وولد الولد وسمي محمداً ) وقد نقلنا مضمون هذا الخبر فيما سبق . وهو يدل بوضوح على استسقاء هذه المعلومات من الإمام المهدي (ع) ولو بالواسطة .فيدل على انه وكيلاً في الجملة . ومن هنا قال المجلسي في البحار تعليقاً على هذا الخبر : يظهر منه ان البزوفري كان من السفراء ولم ينقل ...) الغيبة الصغرى ص524 .

فبربكم هل يتوقع من هكذا رجل غاية في الوثاقة والعدالة ان ينقل رواية ضعيفة أو موضوعة أضف الى ذلك انه من أصحاب الكتب المعتمدة وقد نقل الشيخ الطوسي رواية الوصية من أحد كتبه وطريقه إليه هو : أحمد بن عبدون والحسين بن عبيد الله الغضائري . وهما من الثقات لأنهما من مشايخ النجاشي . ومن كتب البزوفري :كتاب الحج ،وكتاب ثواب الاعمال ،وكتاب أحكام العبيد ،وكتاب الرد على الواقفة ، وكتاب سيرة النبي والأيمة ...كما ذكرها النجاشي في رجاله ص34 وقال: اخبرنا بجميع كتبه احمد بن عبد الواحد ابو عبد الله البزاز عنه .

وبهذا تكون رواية الوصية منقولة من كتب الحديث المعتبرة التي ألفها ثقات الأئمة (ع) وبذلك تكون قطعية الصدور بغض النظر عن وثاقة رجال سندها .كما صرح بذلك كبار العلماء .

أضف الى ذلك أيضاً ان الحسين بن علي المصري أحد رواة الوصية هو من أصحاب الكتب ، فلابد ان تكون رواية الوصية أيضاً منقولة من كتبه والتي أحدها كتاب الإمامة ، وهذا دليل آخر يضاف لصالح رواية الوصية ، وسيأتي ذكر ذلك انشاء الله تعالى .

اذن فالرجل من أصحاب الكتب والأصول المعتمدة لوثاقته وجلالته  ورواية الثقات عنه كالشيخ المفيد وابن الغضائري وابن عبدون ،وهم أبرع من كتب في علم الرجال ولا يمكن بل لا يتوقع منهم أن يرووا عن كتاب أو أصل غير معتمد ،وهم الذين يعيبون ويشنعون على من يفعل ذلك ،بل يضعفون من يفعل ذلك من الرواة ،وما دام أن الشيخ الطوسي قد نقل رواية الوصية من كتاب البزوفري الثقة الجليل ،المعتمد ،فهذا وحده كاف في أثبات صحة رواية الوصية ،ولا حاجة إلى التطرق لرجال السند ،واثبات وثاقتهم ،زيادة قرينة إلى القرائن الأخرى ،ولا تتوقف عليه صحة الوصية ،كما كررت ذلك مراراً .

والدليل على أن الشيخ الطوسي ينقل عن كتاب الحسين بن علي بن سفيان البزوفري هو ما نقله عنه الحر العاملي من أنه يبتدأ في سند الروايات بذكر المصنف الذي أخذ الخبر من كتابه ،ومن المعلوم أنه ابتدأ في رواية الوصية بالحسين البزوفري فيدل على أنه أخذه من كتابه ،ثم ذكر طريقه إلى ذلك الكتاب حيث قال : (وما ذكرته عن أبي عبد الله الحسين بن سفيان البزوفري فقد أخبرني به أحمد أبن عبدون والحسين بن عبيد الله (الفضائري) عنه) خاتمة الوسائل ص30 .

واليك نص كلام الحر العاملي عن الشيخ الطوسي : (قال الشيخ الطوسي قدس سره في آخر (التهذيب) بعد ما ذكر إنه أقتصر من إيراد الأخبار على الابتداء بذكر المصنف الذي أخذ الخبر من كتابه ،أو صاحب الأصل الذي أخذ الحديث من أصله : ونحن نذكر الطرق التي يتوصل بها إلى رواية هذه الأصول والمصنفات ونذكرها على غاية ما يمكن من الاختصار ،لتخرج الأخبار بذلك عن حد المراسيل وتلحق بباب المسندات ...) خاتمة الوسائل ص2 .

والقول الفصل : في إثبات صحة رواية الوصية ،هو ما صرح به الشيخ الطوسي في الغيبة بعد ذكره لرواية الوصية وغيرها ،حيث ذكر إشكالاً وأجاب عنه فقال : (فإن قيل : دلوا أولاً على صحة هذه الأخبار ،فإنها آحاد لا يعوَّل عليها فيما طريقه العلم ،وهذه مسألة علمية ...

قلنا : أما الذي يدل على صحتها فإن الشيعة الأمامية يروونها على وجه التواتر خلفاً عن سلف ،وطريقة تصحيح ذلك موجودة في كتب الإمامية في النصوص على أمير المؤمنين عليه السلام ،والطريقة واحدة...) الغيبة ص111 .

وهذه شهادة صريحة من الشيخ الطوسي تدل على صحة رواية الوصية ، وهذا وحده كاف في إلجام المعاندين وسد أفواه الجاهلين .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الأئمة والمهديين وسلم تسليماً.

بقلم الشيخ

ناظم العقيلي

  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • 1