raya

تحميل الكتاب بي دي اف

إصدارات أنصار الإمام المهدي (ع)/ العدد (83)


رحلة موسى
إلى مجمع البحرين


السيد
أحمد الحسن
وصي ورسول الإمام المهدي (ع)

الطبعة الثانية
1431هـ - 2010 م

لمعرفة المزيد حول دعوة السيد أحمد الحسن (ع)
يمكنكم الدخول إلى الموقع التالي :
www.almahdyoon.org


الإهــداء
إلى من أحبوا الله
ورحلوا إلى من أحبوا
المذنب المقصر
أحمد الحسن
رجب / 1430 هـ ق


تقديــم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مالك الملك، مجري الفلك مسخر الرياح، فالق الإصباح، ديان الدين، رب العالمين، الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها.
اللهم صل على محمد وآل محمد، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها، ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.
الحمد لله الذي نصب لنا قادة وأدلاء يسلكون بنا الطريق الصحيحة والمحجة البيضاء لبلوغ الغاية التي خلقنا الله عز وجل من أجلها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾([1])، أي ليعلمون كما ورد تفسيره عن آل محمد (ع).
وكان من ألطافه تعالى أن جعل لنا قانوناً نعرف به حججه ونميزهم عن المدعين المزيفين، والقانون المشار إليه يتشكل من حلقات ثلاثة؛ أولها الوصية، وثانيها العلم، وثالثها الدعوة إلى حاكمية الله تعالى.
عن أبي الجارود، قال: قلت لأبي جعفر (ع): إذا مضى الإمام القائم من أهل البيت، فبأي شيء يعرف من يجئ بعده؟ قال: (بالهدى والإطراق، وإقرار آل محمد له بالفضل، ولا يسأل عن شيء بين صدفيها إلا أجاب)([2]).
وورد عن الإمام الصادق(ع) : (إن ادعى مدع فاسألوه عن العظائم التي يجيب فيها مثله)([3]).
وعن الصادق (ع): (... إن الله لا يجعل حجة في أرضه يُسأل عن شيء فيقول لا أدري)([4]).
وعن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (ع) إنه قال للزنديق الذي سأله من أين أثبتَّ الأنبياء والرسل؟ قال: (إنّا لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً ... إلى قوله (ع): لكيلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته)([5]).
وعن الحارث بن المغيرة النضري، قال: قلنا لأبي عبد الله (ع): بما يعرف صاحب هذا الأمر؟ قال: (بالسكينة والوقار والعلم والوصية)([6]).
والسيد أحمد الحسن وصي ورسول الإمام المهدي (ع) واليماني الموعود قد ذكرته وصية رسول الله (ص) التي نقلها الشيخ الطوسي في غيبته وغيره من علماء الشيعة، وذكرته الكثير من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع)، فأمره أبين من الشمس في رابعة النهار ، ولكن القوم وللأسف الشديد قد ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾([7]).
وها هو سلام الله عليه يرفع كل حين عَلَماً هادياً من علمه يثبت فيه لكل ذي قلب سليم أنه يغترف من البحر الزاخر والعين الصافية، فالكتاب الذي بين أيدينا - كما هو شأن كل كتبه الأخرى - حجة تامة بالغة تكشف بوضوح عن كون السيد أحمد الحسن (ع) من الراسخين في العلم الذين اصطفاهم الله وآتاهم الكتاب والحكمة.
فالكتاب جوهرة من جواهر آل محمد (ع) تجلي سراً قرآنياً اضطربت فيه عقول العلماء، وشرقت فيه كلماتهم وغربت، بل وتحملت كل عنت، دون أن تظفر بحقيقة السر الذي أبى الله إلا أن يجعل مفتاحه بيد حججه على الخلق.
فشخصية العبد الصالح، أو العالم، أو الخضر، أو مجمع البحرين، بقيت لغزاً مستعصياً على أفهام علماء المسلمين، وكان حرياً بهم ترك الخوض فيها لما لم يكونوا من الذين خوطبوا بالكتاب، ولكنهم، وبدوافع شتى، أبوا إلا الخوض فيها فالحقوا بهذه الشخصية العظيمة الكثير من الظلم والحيف، ولم يكتفوا بهذا بل زادوا الطين بلة، فكانت كلماتهم حجاباً ثقيلاً أخفى حقيقة القصة القرآنية وشخوصها، ومجرياتها، وحكمتها فقد انساقوا وراء ما اجترحته عقولهم من افتراضات، وتخرصات تتعلق بحقيقة العصمة وعلم الأنبياء (ع) فكانوا كحاطب ليل لا يدري أين تقع فأسه.
ولعل القارئ المنصف يرى بوضوح أن بيان السيد أحمد الحسن (ع) من القوة والجلاء بحيث تستريح له النفس وتطمئن تماماً ، فالاستدلالات التي يسوقها يخضع لها العقل والقلب على حد سواء، يستوي في بلوغ هذه النتيجة الناس بمستوياتهم المتفاوتة.
وعلى الرغم من عمق الاستدلال إلا أن العبارات التي تصوره سهلة وبسيطة، ولكنها البساطة والسهولة المعجزة، التي تقع ضمن إطار ما يصطلحون عليه بـ (السهل الممتنع)، فليس في عبارات السيد أحمد الحسن (ع) ذلك التعقيد المنفر الذي يشيع في كلمات غيره ممن يسميهم الناس (مفسرين)، فلا مقدمات لغوية طويلة عريضة، ولا سفسطات منطقية أو فلسفية تشي بجهل صاحبها أكثر من أي شيء آخر، فكلمات السيد وعباراته تصيب هدفها مباشرة ومن أقرب طريق، ويفهمها الناس بمختلف مستوياتهم الثقافية، وفيها علاوة على ما مر خاصية متفردة لا تكاد تجد مثيلاً لها في أساليب البلغاء، تلك هي القوة الإيحائية العجيبة التي يشعر القارئ من خلالها أن كلام الكاتب ينبع مباشرة من قلبه ، ويشعر أنه يجالسه ويحدثه وجهاً لوجه، وإنه محيط بكل التساؤلات التي يمكن أن تثار في ذهنه ، وإنه يجيب عن هذه التساؤلات حتى قبل أن تنقدح في ذهن القارئ، وبذلك يقود القارئ بيسر وسهولة وسعادة حتى يبلغ به الهدف.
والحق إني لأعجب كثيراً ممن يتقولون بأن السيد أحمد الحسن يفتقد ما يملكه آباؤه الطاهرون من بلاغة وفصاحة منقطعة النظير، ولا أكاد أجد سبباً لتقولاتهم غير أنهم يجهلون حقيقة البلاغة، وإنهم قد أعمى قلوبهم الحسد والضغينة فلم يعودوا يروا الشمس المشرقة.
إذن ها هي آية علمية جديدة يضعها السيد أحمد الحسن (ع) أمامكم، وليس عليكم لتروا فيها أنها آية علمية بكل ما في الكلمة من معنى سوى أن تكفوا عن النظر إليها بعين ساخطة تبيّت حكماً مسبقاً بالرفض. عليكم أن تفتحوا مسامع قلوبكم وتنفضوا عنها كل الإثارات التضليلية الحاقدة التي يروج لها فقهاء آخر الزمان، وعندها ستكتشفون كم هي ساطعة وباهرة شمس السيد أحمد الحسن (ع)، ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾([8]).
والحمد لله وحده وحده وحده.
الأستاذ رزاق الأنصاري
أنصار الله والإمام المهدي (مكن الله له في الأرض)


رحلة موسى (ع)
إلى
مجمع البحرين

رحلة موسى(ع) إلى مجمع البحرين
﴿.... وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً * فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً * قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً * وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً * .....﴾([9]).
شخصيات الرحلة:
الأول: هو العبد الصالح، ذكره موسى بقوله: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾، أي إن القرآن سماه مجمع البحرين ، وسيأتي تفصيل عن هذا الشخص.
الثاني: هو موسى(ع) ، نبي من أولي العزم من الرسل وهو الشخصية الرئيسية والبارزة وغني عن التعريف والرحلة مختومة باسمه (ع).
الثالث: هو يوشع بن نون (ع) الذي سمي فتى ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ ولهذه التسمية خصوصية، فالفتى يراد بها الشجاع قوي البنية فكما سمى القرآن يوشعاً بالفتى صاح جبرائيل (ع): (لا فتى إلا علي)، وعلي بن أبي طالب (ع) معروف كيف فتح الحصون وقتل أبطال الكفار، وهذا الفتى يوشع أيضاً لا يخفى أنه من دخل الأرض المقدسة بعد موت موسى (ع) وقاد بني إسرائيل بعد موسى (ع). فيوشع بن نون هو وصي موسى(ع) الذي قاد بني إسرائيل بعد موت موسى (ع) وقاتل الكفار وفتح مدن الكفر ونشر دين الله في الأرض المقدسة.
عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (ع) قال: (كان وصي موسى بن عمران (ع) يوشع بن نون، وهو فتاه الذي ذكره الله في كتابه)([10]).
ودور يوشع (ع) انتهى عند التقاء موسى (ع) بالعبد الصالح وبقي كمرافق متفرج يتعلم مما يرى، ولم يكن له موقف مستقل بل كانت مواقفه مطابقة تابعة لمواقف موسى (ع)، ولذا ذكر الله في القرآن الاثنين موسى (ع) والعبد الصالح دون يوشع(ع) ؛ لأنه لم يكن له دور في هذه الرحلة: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا ..... فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً ..... فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ .....﴾.
أما سبب مجيء يوشع (ع) مع موسى (ع) فلأنه وصيه وخليفته بعد موته، فكان من الحكمة حضوره؛ ليتعلم مع موسى (ع) من العبد الصالح، بل إنّ عدم حضوره هذا اللقاء وبدون سبب راجح منافٍ للحكمة؛ لأنه تضييع فرصة سانحة ليتعلم بها يوشع (ع).
وأكيد أنّ تعليم الوصي وتهيئته ليأخذ دوره الرسالي أمر ضروري وراجح خصوصاً إذا كان هذا الوصي مثل يوشع (ع) الذي سيحمل مهمة كبرى في حركة الدين الإلهي على هذه الأرض وهي فتح الأرض المقدسة، وهي بقدر أهميتها الوقتية فهي ذات أهمية أعظم في حركة الدين الإلهي الإبراهيمي الحنيف بصورة عامة.
فمن المعلوم لدى كثير من الناس أنّ الحركة الإلهية الإبراهيمـية بدأت من الشرق من أور- مدينة الناصرية الآن - في العراق ثم انتهت إلى الغرب إلى أرض مصر وشمال إفريقيا، ويوشع (ع) كان قائد الخطوة الأولى الفاتحة للأرض المقدسة في حركة عودة الإبراهيمية الحنيفية إلى الشرق، وهذا يسلط الضوء على أهمية تربية يوشع (ع) هذا القائد الإلهي المختار لهذه المهمة الكبرى، ولذا يكون اصطحاب موسى(ع) ليوشع (ع) ضرورة لابد منها؛ ليتعلم (ع) لأنه فاتح الأرض المقدسة، وصاحب الخطوة الأولى في طريق العودة، ويحتاج لكل تعليم متاح له (ع).
* * *
تنبيهـان:
الأول: إن الحركة الإبراهيمية الأولى التي بدأت بإبراهيم أبي الأنبياء (ع) في العراق وختمت أيضاً بالعراق بعلي (ع) وولده الأئمة (ع)، كانت - في جانب- تماماً كالمسح الذي يسبق الإنشاء حيث وضعت العلامات والمحددات بجهود ودماء الأنبياء (ع) لهذا الطريق المقدس ليتم إنشاؤه بالحركة الإبراهيمية الثانية (الثورة المهدوية الكبرى).
ومع أني لا أريد التفصيل ولكني أقول: إن ما حصل عند المسح ووضع الخطط والخرائط لابد أن يتكرر عند التنفيذ، فالعراق الذي طرد أبا الأنبياء إبراهيم (ع) ودعوة إبراهيم (ع) ومن آمن بإبراهيم (سارة (ع) ولوط (ع)) وفي بداية دعوته وحركته لابد أن يكرر ذلك مع المهدي، ومصر وشمال إفريقيا التي احتضنت بني إسرائيل والدعوة الإبراهيمية لابد أن يكون لها موقف مماثل مع المهدي ودعوته وثورته العالمية، والشام أيضاً سيتكرر منها ومعها ما كان في أول الزمان. ولهذا ورد عنهم (ع) التركيز على أن صفوة الأنصار هم أخيار العراق ونجباء مصر وأبدال الشام.
عن جابر الجعفي قال؛ قال أبو جعفر (ع): (يبايع القائم بين الركن والمقام ثلاثمائة ونيف عدة أهل بدر فيهم النجباء من أهل مصر والأبدال من أهل الشام والأخيار من أهل العراق، فيقيم ما شاء الله أن يقيم)([11]).
ولا تظن أن التسميات عشوائية، فالأخيار من العراق بالذات لبيان أن من يقابلونهم وهم الأشرار فيه ومنه أيضاً، والأبدال من الشام لبيان أن من يستبدلون فيه ومنه أيضاً حيث إنّ هؤلاء الذين يستبدلون يظن الناس أنهم أول من سينصر المهدي عند ظهوره، ولهذا كانت أهم صفة للأنصار الحقيقيين من الشام أنهم أبدال. أما نجباء مصر فلأنهم ينتجبون من شعب مخالف لآباء المهدي (آل محمد (ع)) ويكون لهم دور مهم وكبير في الثورة المهدوية العالمية المباركة.
وغير خفي الدور الإعلامي الذي ذكره أمير المؤمنين علي(ع) لنجباء مصر، عن عباية الأسدي، قال: سمعت أمير المؤمنين (ع) وهو متكئ وأنا قائم عليه قال (ع): (لأبنين بمصر منبراً ... قلت: له يا أمير المؤمنين كأنك تخبر أنك تحيا بعد ما تموت؟ فقال : هيهات يا عباية ذهبت في غير مذهب يفعله رجل مني)([12]).
وعنه (ع) في خبر يذكر فيه المهدي وأصحابه: (... ويسير الصديق الأكبر براية الهدى ..... ثم يسير إلى مصر فيصعد منبره فيخطب الناس ..... ويقذف في قلوب المؤمنين العلم، فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من العلم، فيومئذ تأويل الآية: ﴿يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾([13]))([14]).
وفي هذه الرواية بين أن منبر المهدي قد سبق المهدي إلى مصر، أي إنه منبر قد هيأه قبل ذلك نجباء مصر .
الثاني: هارون (ع) كان وصي موسى (ع) ولكنه مات قبل موسى (ع)، فكانت مهمة هارون (ع) في حياة موسى(ع) وليس بعد مماته كما هو معتاد للوصي، وهذا أمر مهم ينقض أقوال المضلين بأن الوصي لا يستلم مهمة قيادة الأمة إلا عند موت خليفة الله في أرضه. هؤلاء الجهلة لم يجاوز القرآن تراقيهم، هذا إن كانوا يقرؤونه وإلا فليتدبروا جيداً أين كانت وصاية هارون، وأين كانت خلافة هارون لموسى (ع)، أ لم تكن في حياة موسى(ع) ولم تكن أبداً بعد موت موسى(ع) ؛ لأن هارون مات قبل موسى (ع)؟؟؟
ومهام هارون (ع) كانت في فترات غياب موسى (ع)، وهذا جلي وواضح في القرآن ولكن لمن لهم قلوب يتدبرون بها.
فكان هو خليفة موسى(ع) والمبعوث قبل موسى(ع) في أرض الرسالة الموسوية الأولى (مصر): ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ * فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾([15]).
ومعلوم أن كلام الله هذا لموسى (ع) كان قبل وصوله إلى أرض الرسالة (مصر) وقد طلب موسى (ع) أن يرسل الله معه أخاه هارون (ع) وقد أجاب الله دعاءه كما هو واضح من الآيات، فقد أرسل الله هارون (ع) الوصي كما أرسل موسى (ع).
وكان هارون الوصي المرسل في أرض الرسالة (مصر) قبل أن يصل إليها موسى (ع). وكان خليفة موسى (ع) عندما ذهب إلى كلام الله سبحانه وتعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾([16]).
وكان هارون (ع) خليفة موسى(ع) عندما ذهب هو ويوشع للتعلم من العبد الصالح.
* * *
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾:
موسى(ع) مهتم جداً بهذه الرحلة.
أهمية هذا اللقاء بالنسبة لموسى(ع) كبيرة حيث قرر أنه إما أن يجد العبد الصالح، أو يبقى هائماً على وجهه حتى يهلك.
اهتمام موسى (ع) الكبير بهذه الرحلة يكشف لنا أهمية لقاء العبد الصالح وأهمية العلم والمعرفة التي سيتلقاها موسى(ع) في هذا اللقاء بالنسبة لموسى (ع).
أمر مهم جداً في هذه الكلمات لكل إنسان سائر إلى الله سبحانه وتعالى، وهو أنّ موسـى (ع) ردّد بين أمرين هما:
الأول: أن يبلغ مجمع البحرين.
والثاني: هو أن يمضي حقباً.
ولو لم يكن الاحتمال الثاني ممكن الوقوع لما كان من الحكمة أن يورده موسى (ع) كاحتمالٍ ممكن الوقوع ومساوق للاحتمال الأول، أي إن موسى (ع) خرج ليبلغ مجمع البحرين، ولكن هناك احتمالاً أن لا يبلغ مجمع البحرين، فلا يوجد أمر مقطوع لموسى(ع) أنه سيبلغ مجمع البحرين، وكان بلوغ موسى (ع) إلى مجمع البحرين يعتمد على إخلاص موسى (ع) ، أي إنّ امتحان موسى(ع) لم يبدأ عندما التقى العبد الصالح، بل هو بدأ منذ أن وجّهه الله إلى أن يجد العبد الصالح ويتبعه ليتعلم منه، وهذا يفسر لنا بوضوح الحدث الأول في الرحلة وهو: إن موسى(ع) مر بالعبد الصالح أو بمجمع البحرين وتجاوزه ثم عاد إليه، ومع أنّ العبد الصالح كان يعرف موسى (ع) وينتظره في هذا المكان ولكنه لم يصرح له بأنه هو عندما مرّ بقربه، بل تركه يتجاوزه دون أن يتكلم معه؛ لأن موسى(ع) ممتحن بمسألة الوصول إلى العبد الصالح (ع) ومعرفته، ولهذا كان قول موسى(ع) عندما حصلت الآية: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ التي دلته على العبد الصالح(ع) ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾، فكان الذي دل موسى (ع) على العبد الصالح (ع) هو إخلاصه الذي أهّله لسماع كلمات الله حتى في فقد سمكة، إخلاصه الذي ظهر جلياً قبل ذلك بقوله (ع): ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ﴾.
* * *
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً * فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾:
موسى(ع) هدفه مجمع البحرين.
وموسى (ع) يسير ويصل مجمع البحرين، ولكن مع هذا لا يلتفت إلى أنه وصل، ويتجاوزه ثم يرجع إليه .
إنّ كون هدف موسى هو (مجمع البحرين) وتضييعه (ع) لهذا الهدف يحتاج إلى تدبر؛ لأنك لا تضيَّع ملتقى دجلة والفرات مثلاً إن تتبعت أحدهما نزولاً فكيف ضيَّع موسى ويوشع بن نون عليهما السلام مجمع البحرين إن كان هو مجرد مكان وملتقى نهرين؟! وكيف غفلا عن أنهما وصلا إلى مجمع البحرين مع أن كليهما معصوم؟!
إذن، لابد أن يكون مراد موسى من مجمع البحرين أمراً يمكن أن يضيَّع وليس مجرد ملتقى نهرين، بل ولابد أن تكون الغفلة عنه أمراً لا يوصف صاحبه بضعف الإدراك أو السفه، والحقيقة أنه عادة أقل ما يقال في إنسان يغفل ويتجاوز ملتقى نهرين معين جاء في طلبه بأنه ضعيف الإدراك.
إذن، فلا يمكن أن يكون مجمع البحرين مكاناً معيناً؛ وإلا لكانت غفلة موسى (ع) عنه تقدح في إدراكه فضلاً عن عصمته. ولابد أن يكون الالتفات إلى مجمع البحرين وتذكره ومعرفته ابتداءً يحتاج إلى درجة عالية من الإخلاص والعصمة المترتبة عليه يفوق درجة إخلاص موسى (ع) وعصمته المترتبة على إخلاصه لكي لا تكون غفلة موسى(ع) ويوشع (ع) عن هذا الأمر الذي كلّف الله موسى(ع) الوصول إليه منافية لعصمتهما عليهما السلام.
بل إن موسى بيّن منذ البداية بقوله: ﴿أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ أنّ مجمع البحرين أمر يمكن أن يضيع ويحتاج إلى درجة عالية من الإخلاص لمعرفته، فلم يكن مراد موسى(ع) من مجمع البحرين المكان بل العبد الصالح الذي كان امتحان موسى (ع) الأول هو الوصول إليه ومعرفته، ومع أن موسى (ع) لم ينجح في الوصول إلى العبد الصالح (ع) ومعرفته ابتداءً، ولكنه أيضاً لم يفشل مطلقاً في الوصول إلى العبد الصالح بل هو وصل إليه في النهاية، وهذا هو التعليم الأول الذي حصل عليه موسى (ع) في هذه الرحلة.
وليتبين أكثر مراد موسى (ع) بمجمع البحرين في هذا الموضع من القرآن الكريم لابد أن نرجع إلى موضع آخر في القرآن ذُكر فيه البحران ومجمعهما ولكن بصورة أخرى ربما تكون أكثر وضوحاً وجلاءً للمتدبر، هذا الموضع موجود في مطلع سورة الرحمن، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾([17]).
هذه الآيات لا أريد تفسيرها وتأويلها فالروايات التي جاءت عنهم (ع) في تفسيرها وتأويلها تكفي لبيانها وبيان معناها بجلاء ووضوح ، ولكن فقط أوجّه من يريد أن يتدبرها ليعرف المراد منها وبها إلى أن يقرأ قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ليتبين له أن كل ما سبق هاتين الآيتين هو تفصيل لوجه الله الباقي وذكرٌ لوجه الله الباقي بالصفة الملائمة لكونه وجه الله الباقي، وهي: العلم، ولا أظن أن كون الماء والبحر في الملكوت هو العلم أمراً خفياً. وأيضاً لا أظن أن بقاء علم العلماء في هذه الحياة الدنيا حتى بعد رحيلهم أمراً خفياً بل هو باق بعد فنائها، وهذا ما جاءت الآية لتبينه وتؤكده وتعرف الناس به ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، هذا الوجه الذي واجه به الله الخلق وهو العلم والمعرفة والعقل الكامل، وهو الماء وهو البحران ، وهو ما يخرج منهما وما يجري فيهما ، وهو محمد وآل محمد (ع)، والأنبياء والأوصياء (ع)، وأولياء الله سبحانه وتعالى.
أما الروايات التي بينت أن البحرين هما علي وفاطمة، وإن ما يخرج منهما وما يجري فيهما هم الأئمة والمهديون (ع) فهي كثيرة، وهذه منها:
عن أبي عبد الله (ع) قال في قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ﴾، قال: (علي وفاطمة بحران عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال: الحسن والحسين عليهما السلام)([18]).
قال علي بن إبراهيم في قوله ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾: أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ الحسن والحسين عليهما السلام، وقوله: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ قال: كما قالت الخنساء ترثي أخاها صخرا)([19]).
ومن طريق المخالفين لآل محمد (ع): ما رواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ﴾ يرفعه إلى سفيان الثوري، في هذه الآية، قال: ( فاطمة وعلي عليهما السلام، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال: الحسن والحسين عليهما السلام).
قال الثعلبي : وروي هذا عن سعيد بن جبير، وقال: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ محمد (ص))([20]).
وعن جابر عن أبي عبد الله قال (ع) في قوله عز وجل: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾، قال: علي وفاطمة، ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾، قال: لا يبغي علي على فاطمة ولا تبغي فاطمة على علي، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ الحسن والحسين (ع))([21]).
وكان رسول الله (ص) يرحب بهما فيقول (ص): (مرحباً ببحرين يلتقيان ونجمين يقترنان).
ويوجد غيرها ([22]).
وضح جلياً الآن من تدبر الآيات ومن الروايات عن محمد وآل محمد (ع) أن البحرين هما: علي وفاطمة عليهما السلام، وإنّ الناتج من لقائهما هم الأئمة والمهديون (ع).
إذن، فالناتج من لقائهما عليهما السلام أو مجمع البحرين في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ إنسان، وهو من آل محمد (ع) ومن ذرية علي وفاطمة عليهما السلام، وهذا لا يمنع من وجود مجمع بحرين (نهرين) يجد موسى عنده مجمع البحرين الحقيقي الذي جاء في طلبه، وفي المكان آية أيضاً يعرفها أهلها.
* * *
تنبيـه:
مَن يؤمنوا بالقرآن فليتدبروا هذه الآيات لعلهم يهتدون:
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾([23]).
هذه الآيات كافية لإثبات ولاية علي وولده (ع) من الأئمة والمهديين (ع):
أولاً: تأويل البحرين واللؤلؤ والمرجان: إنهم علي وفاطمة عليهما السلام والحسن والحسين عليهما السلام كما قرأنا.
ثانياً: ربما التفتنا إلى إشارة الإمام (ع) التي رواها القمي: ﴿ولَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾، قال: كما قالت الخنساء ترثي أخاها صخراً، ومعلوم وصف الخنساء لأخيها صخر وتشبيهه بالعلم:
وإنّ صخراً لتأتم الهداة به * * * كأنه عَلَمٌ في رأسه نارُ
أي إنّ المراد أنّ هذه الجوار المنشآت في البحر كالأعلام هم رجال وهم الأئمة والمهديون (ع)، والبحر هو علي(ع) وفاطمة عليهما السلام.
ثالثاً: الله سبحانه سمّى البحرين واللؤلؤ والمرجان والجوار المنشآت في البحر كالأعلام بعد أن فرغ من عدهم مباشرة بأنهم وجه ربك ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، إذن توضح الأمر فهم (ع) وجه الله هنا في هذه الآيات ، قال علي بن الحسين (ع): (نحن الوجه الذي يؤتى الله منه)([24]).
ومن يعرض عن هذا التأويل فلن يجد إلا الخلط والجهل، ومعنى أنهم وجه الله: أي بهم يعرف الله، فبالوجه الذي يواجه به يعرف. إذن، فهم خلفاء الله فمن يُعرِّف الخلق بالله، ومن يُعلِّم الخلق التوحيد؟
هم خلفاء الله، وهذا آدم (ع) أول خلفاء الله في أرضه بدأ مهمته بتعليم الملائكة وتعريفهم بأسماء الله، فأسماؤهم هي أسماء الله التي خلقوا منها ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾([25]).
* * *
﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾:
يوشع (ع) وصي موسى (ع) وهو الذي قاد بني إسرائيل لدخول الأرض المقدسة بعد وفاة موسى(ع):
في القرآن:
﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾([26]).
وأحد هذين الرجلين هو يوشع بن نون (ع) وهو خيرهما ؛ لأنه قاد بني إسرائيل لدخول الأرض المقدسة بعد موسى (ع) وهو وصي موسى (ع).
وفي الروايات:
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)، قَالَ: (أَوْصَى مُوسَى (ع) إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ)([27]).
سَالِمٍ عَنْ عَمَّارٍ السَّابَاطِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) : مَا مَنْزِلَةُ الْأَئِمَّةِ قَالَ (ع): (كَمَنْزِلَةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَكَمَنْزِلَةِ يُوشَعَ وَكَمَنْزِلَةِ آصَفَ صَاحِبِ سُلَيْمَانَ قَالَ فَبِمَا تَحْكُمُونَ قَالَ بِحُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ آلِ دَاوُدَ وَحُكْمِ محمد (ص) وَيَتَلَقَّانَا بِهِ رُوحُ الْقُدُسِ)([28]).
عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَر ٍ(ع) قَالَ: (لَمَّا قُبِضَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) قَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (ع) فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ (ص) ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ قُبِضَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ رَجُلٌ مَا سَبَقَهُ الْأَوَّلُونَ وَلَا يُدْرِكُهُ الْآخِرُونَ إِنَّهُ كَانَ لَصَاحِبَ رَايَةِ رسول الله (ص) عَنْ يَمِينِهِ جَبْرَئِيلُ وَعَنْ يَسَارِهِ مِيكَائِيلُ لَا يَنْثَنِي حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لَهُ وَاللَّهِ مَا تَرَكَ بَيْضَاءَ وَلَا حَمْرَاءَ إِلَّا سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَضَلَتْ عَنْ عَطَائِهِ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا خَادِماً لِأَهْلِهِ وَاللَّهِ لَقَدْ قُبِضَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي فِيهَا قُبِضَ وَصِيُّ مُوسَى يُوشَعُ بْنُ نُونٍ .....)([29]).
وفي حديث طويل عن عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَهِدَ إِلَى آدَمَ(ع) أَنْ لَا يَقْرَبَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَلَمَّا بَلَغَ الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا نَسِيَ فَأَكَلَ مِنْهَا وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً فَلَمَّا أَكَلَ آدَمُ (ع) مِنَ الشَّجَرَةِ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ ....... إلى أن قال (ع): فَلَمَّا نَزَلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى(ع) بَشَّرَ بِمحمد (ص) وَكَانَ بَيْنَ يُوسُفَ وَمُوسَى مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَكَانَ وَصِيُّ مُوسَى يُوشَعَ بْنَ نُونٍ (ع) وَهُوَ فَتَاهُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ)([30]).
وفي التوراة:
14 وقال الرب لموسى هو ذا أيامك قد قربت لكي تموت. أدع يشوع وقفا في خيمة الاجتماع لكي أوصيه . فانطلق موسى ويشوع ووقفا في خيمة الاجتماع 15 فتراءى الرب في الخيمة في عمود سحاب ووقف عمود السحاب على باب الخيمة. 16 وقال الرب لموسى ها أنت ترقد مع آبائك ....)([31]).
(وصعد موسى من عربات موآب إلى جبل نبو إلى رأس الفسجة الذي قبالة أريحا فأراه الرب جميع الأرض من جلعاد إلى دان 2 وجميع نفتالي وأرض أفرايم ومنسى وجميع أرض يهوذا إلى البحر الغربي 3 والجنوب والدائرة بقعة أريحا مدينة النخل إلى صوغر . 4 وقال له الرب هذه هي الأرض التي أقسمت لإبراهيم وإسحق ويعقوب قائلا لنسلك أعطيها. قد أريتك إياها بعينيك ولكنك إلى هناك لا تعبر . 5 فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب . 6 ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم 7 وكان موسى ابن مئة وعشرين سنة حين مات ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته 8 فبكى بنو إسرائيل موسى في عربات موآب ثلاثين يوما . فكملت أيام بكاء مناحة موسى 9 ويشوع بن نون كان قد امتلأ روح حكمة إذ وضع موسى عليه يديه فسمع له بنو إسرائيل وعملوا كما أوصى الرب موسى 10 ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه 11 في جميع الآيات والعجائب التي أرسله الرب ليعملها في أرض مصر بفرعون وبجميع عبيده وكل أرضه 12 وفي كل اليد الشديدة وكل المخاوف العظيمة التي صنعها موسى أمام أعين جميع إسرائيل)([32]).
(1 وكان بعد موت موسى عبد الرب أن الرب كلم يشوع بن نون خادم موسى قائلا . 2 موسى عبدي قد مات . فالآن قم اعبر هذا الأردن أنت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم أي لبني إسرائيل . 3 كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسى . 4 من البرية و لبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات جميع أرض الحثيين وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم . 5 لا يقف إنسان في وجهك كل أيام حياتك. كما كنت مع موسى أكون معك. لا أهملك ولا أتركك. 6 تشدد وتشجع. لأنك أنت تقسم لهذا الشعب الأرض التي حلفت لآبائهم أن أعطيهم. 7 إنما كن متشددا وتشجع جدا لكي تتحفظ للعمل حسب كل الشريعة التي أمرك بها موسى عبدي. لا تمل عنها يمينا ولا شمالا لكي تفلح حيثما تذهب. 8 لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك. بل تلهج فيه نهارا وليلا لكي تتحفظ للعمل حسب كل ما هو مكتوب فيه. لأنك حينئذ تصلح طريقك وحينئذ تفلح. 9 أما أمرتك. تشدد وتشجع. لا ترهب ولا ترتعب لأن الرب إلهك معك حيثما تذهب 10 فأمر يشوع عرفاء الشعب قائلا 11 جوزوا في وسط المحلة وأمروا الشعب قائلين. هيئوا لأنفسكم زادا لأنكم بعد ثلاثة أيام تعبرون الأردن هذا لكي تدخلوا فتمتلكوا الأرض التي يعطيكم الرب إلهكم لتمتلكوها. 12 ثم كلم يشوع الرأوبينيين والجاديين ونصف سبط منسى قائلا 13 اذكروا الكلام الذي أمركم به موسى عبد الرب قائلا. الرب إلهكم قد أراحكم وأعطاكم هذه الأرض. 14 نساؤكم وأطفالكم ومواشيكم تلبث في الأرض التي أعطاكم موسى في عبر الأردن وأنتم تعبرون متجهزين أمام إخوتكم كل الأبطال ذوي البأس وتعينونهم 15 حتى يريح الرب إخوتكم مثلكم وتمتلكونها التي أعطاكم موسى عبد الرب في عبر الأردن نحو شروق الشمس. 16 فأجابوا يشوع قائلين. كل ما أمرتنا به نعمله وحيثما ترسلنا نذهب. 17 حسب كل ما سمعنا لموسى نسمع لك. إنما الرب إلهك يكون معك كما كان مع موسى. 18 كل إنسان يعصي قولك ولا يسمع كلامك في كل ما تأمره به يقتل. إنما كن متشددا وتشجع)([33]).
إذن، يوشع (ع) وصي موسى(ع) ومعصوم، ومع هذا ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، فنسيانه للحوت ثابت في القرآن ولكن هذا النسيان لا يخرجه من دائرة العصمة؛ لأن النسيان وإن وقع لعلة الظلمة (الشيطان) الموجودة في صفحة يوشع(ع) ولكنه وقع ضمن إرادة ومشيئة الله حتماً، ولما كانت إرادة الله ومشيئته أن يعصم يوشع (ع) فلن يكون لهذا النسيان تأثير سلبي بل على العكس شاء الله سبحانه وتعالى الذي يبدل السيئات بالحسنات بجوده وكرمه أن يقلب هذا الحدث الذي وقع بسبب الشيطان - أي الظلمة - إلى خير وبركة وعاقبة حسنة تؤدي إلى أن يكون هذا النسيان سبباً لمعرفة العبد الصالح والوصول له ، وهو كان الهدف الذي يطلبه موسى(ع) : ﴿... وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾([34]).
أما ما يتوهمه بعضهم أن المعصوم لا يغفل أو لا ينسى مطلقاً فهذا منقوض ببساطة؛ لأن لازم قولهم هذا إن المعصوم نور لا ظلمة فيه، وهذا باطل؛ لأن النور الذي لا ظلمة فيه هو الله سبحانه وتعالى (اللاهوت المطلق) فيبقى أن المعصوم نور وشائبة ظلمة - وهي هوية وجوده - ولها تأثير في حركته، وكونها ظلمة فيكون أثرها نسياناً وغفلة وغيرها مما يطرأ على المخلوق، ولكن في هذا العبد المخلص (المعصوم) يكون وجود هذه الأمور أقل ما يمكن وربما لا تكاد تذكر في بعض الحالات، ولكنها تبقى موجودة ويمكن أن تحصل كما مر في حادثة نسيان يوشع (ع).
وهذه الظلمة التي سببت النسيان هي التي عبر عنها يوسف (ع) ويوشع (ع) بأنها الشيطان ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾([35])، ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾([36])، والشيطان هنا يعني الشر (وشائبة الظلمة) وليس كما يتوهم بعضهم أن المقصود إبليس والعياذ بالله، فليس لإبليس سلطان على يوشع(ع) وحركته؛ لأنه محفوظ عن وصول هذا الخبيث إليه وإضلاله عن سواء السبيل ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾([37]).
وبالتالي فالمعصوم معصوم بغيره - بالله سبحانه وتعالى- لا أنه معصوم بنفسه أو عاصم لنفسه كما توهموا، فالمعصوم هو المعتصم بالله عن محارم الله، فالله هو الذي يعصمه ؛ لأنه فقير وناقص وهويته الظلمة فلا يمكن أن يستغني بنفسه لا ابتداءً ولا دواماً وبقاءً، وبالتالي ففي أي آن يكون لشائبة الظلمة تأثير على هذا الإنسان المخلص، ولكن تأثيرها ضئيل ومواجه بالنور المهيمن على صفحة وجود هذا العبد المخلص، فلا يكون لها اثر يجعل هذا العبد يخرج من هدى أو يدخل في ضلال، هذه هي العصمة في العوالم العلوية: أن يكون النور في صفحة وجود المعصوم بقدر مهيمن على شائبة الظلمة في صفحة وجوده بحيث لا يكون لشائبة الظلمة اثر يسبب له الخروج من هدى أو الدخول في ضلال.
وتوضيح أكثر أقول: إن صفحة وجود الإنسان هي ظلمة ونور فكلما علم وعمل وأخلص الإنسان زاد النور في صفحة وجوده وانحسرت الظلمة حتى تكون شائبة، ويكون أثرها ضئيلاً لا يخرج الإنسان من هدى ولا يدخله في ضلال، وهذه هي العصمة.
وحري الالتفات إلى أن الله سبحانه وتعالى لم ينسب النسيان إلى يوشع (ع) فقط بل إلى موسى(ع) أيضاً ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ وهو الحق، فإذا كان يوشع (ع) قد نسي باعتباره المسؤول المباشر عن حمل الحوت فموسى (ع) أيضاً مسؤول عن هذا النسيان لأنه القائد، بل مسؤولية موسى (ع) أكبر ونسبة النسيان له أحق وحق من عند الحق.
ولتتم الفائدة أنقل هذا النص من كتاب ( إضاءات من دعوات المرسلين ج3 ق1 ): (قال يوسف (ع) للسجين ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وسبب التفات يوسف للأسباب هو الشيطان ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ فكانت النتيجة ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ يوسف:42، وهذا الشيطان (أي الشر) هو الظلمة التي لا يخلو منها مخلوق فالنور الذي لا ظلمة فيه هو الله سبحانه ومع أن هذه الظلمة قليلة في كيانات الأنبياء النورانية المقدسة ولكنها موجودة ولها اثر على حركتهم (ع)، ولهذا فهم يحتاجون إلى العصمة من الله ﴿ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ الجن:27-28.
فلولا هذه الظلمة لما احتاجوا إلى العصمة، ومن يعتقد غير هذا فهو ينـزلهم منـزله الله سبحانه عما يشركون، وهذه المغالاة في التنـزيه لهم (ع) حتى يوصلهم بعض من يجهل الحقيقة إلى مرتبة نور لا ظلمة فيه هي شرك يخطأ من يعتقده، كما أن من يستخف بعصمتهم وبحقهم ومرتبتهم يكفر بحقهم ويخطأ، وقد بين سبحانه في القرآن اثر هذه الظلمة في مسيرة الأنبياء في مواضع كثيرة، قال تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ الكهف:63، والذي نسى وأنساه الشيطان هو فتى موسى(ع) وهو يوشع بن نون نبي من أنبياء بني إسرائيل ووصي موسى(ع) الذي فتح الأرض المقدسة، ومع هذا فلابد من ملاحظة أنّ الله سبحانه وتعالى جعل الأنبياء محط نظره فحتى ما يحصل بسبب هذه الظلمة يكون في النتيجة سبباً يوصلهم ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾، فأصبح نسيان الحوت سبباً دلهم على العالم (ع) ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ الكهف:64.
أو يزيد علمهم ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ ص:24، فبعد أن تعلم داود(ع) من هذه الحادثة أن لا يتكلم إلا بعد أن يسمع الخصمين خاطبه تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ ص: 26).
* * *
النسـيان:
لابد أن نعرف كيف تكون الذاكرة والمعلومات عند الإنسان لكي نعرف ما يترتب عليها وهو النسيان أو الغفلة عما فيها أو بعضه.
فمعلومات الإنسان يأتي بعضها من هذا العالم الجسماني عن طريق البصر والسمع مثلاً، ويأتي بعضها من الملكوت الأعلى ومثال ما يأتي من الأعلى هو الوحي للأنبياء (ع) والرؤيا الصادقة.
وهذه المعلومات تنطبع في صفحة الإنسان أو يمكنك تسميته موضع الذاكرة أو المعلومات، وهو في النفس الإنسانية (الروح) وليس في الجسد كما يتوهم كثير من الناس انه في الدماغ، بل الدماغ هو تماماً كجهاز الفاكس أو التلفون فهو ليس موضع حفظ المعلومات الدائم، بل هو جهاز يوصل المعلومات من وإلى وجود الإنسان في هذا العالم الجسماني.
وهذه المعلومات ما دام الإنسان في هذا العالم فهي في زيادة مستمرة فمثلاً ما تراه بعينك وتدركه وما تستمعه بأذنك وما تقرأه هي معلومات متراكمة في النفس الإنسانية، والتذكر هو استخراج هذه المعلومات وحضورها عند الإنسان في هذا العالم عند إرادته ذلك.
أما ما يؤثر في هذا التذكر أو تحصيل المعلومة واستخراجها من الذاكرة فهي عدة أمور منها:
أولاً: كم المعلومات، وأثر كم المعلومات على التذكر بين من خلال الواقع الذي نعيشه، فقدرة الطفل مثلاً على الحفظ أكبر بكثير من الكبار، والحفظ ما هو إلا تذكر للمعلومة وسبب قدرة الطفل الفائقة على التذكر هو فراغ ذاكرته من المعلومات تقريباً عند بدء التذكر عنده، وبالتالي فكم المعلومات المتراكم عنده مع مرور الوقت في البداية سيكون تحت السيطرة حيث يكون من السهل فرزه والوصول إلى المعلومة بعكس الكبير الذي تراكم عنده كم هائل من المعلومات يصعب السيطرة عليه. ولتتوضح مسألة الكم أكثرأقول : لو كان عندك شيء تبحث عنه فإن وصولك إليه سيكون أسهل لو بحثت عنه بين عشرة أشياء مما لو بحثت عنه بين مائة.
ثانياً: الكيف أو نوع المعلومات، حيث إنّ المعلومة البسيطة ليست كالمعلومة المركبة والمعقدة، فالأخيرة ربما توضع في الذاكرة بصورة غير منظمة وعشوائية نتيجة عدم الإدراك الكلي والتام لها، وبالتالي يصعب تذكرها أو إخراجها بصورة صحيحة أو بكل جزئياتها ولوازمها بل حتى مع إدراكها ووضعها بشكل منظم ودقيق فإن تذكرها يكون أكثر صعوبة من المعلومة البسيطة؛ لأن تذكرها يحتاج إلى تذكر كل أجزائها.
ثالثاً: الجسد، وهو حجاب يؤثر على تذكر الإنسان ويكون بمثابة غطاء على المعلومات يزداد سماكة كلما زاد الانشغال به لجلب الملائمات له ودفع المنافيات عنه، ويخف كغطاء على المعلومات كلما غُفل عنه لحساب التركيز على المعلومة ولكنه مهما أُغفل يبقى حجاباً وله أثر حيث إنّ هناك ما لابد منه كالأكل للقوة .
رابعاً: النور والظلمة في نفس الإنسان، فكلما زاد النور زادت القدرة على التذكر، وأيضاً كلما قل النور وزادت الظلمة قلّت القدرة على التذكر، ولهذا فيوشع (ع) النبي الطاهر (ع) ماذا نتوقع منه غير أن يتهم نفسه بالقصور والتقصير ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي الظلمة.
خامساً: الدماغ باعتباره جهاز النقل إلى هذا العالم ومنه، فهو يؤثر تأثيراً كبيراً على مسألة التذكر فحركة الدم الصحيحة فيه ووصول الغذاء الملائم له مثلاً تجعله أكثر كفاءة، وحدوث خلل فيه أو مرض قد يؤدي إلى فقدان القدرة على التذكر كلياً أو جزئياً، مؤقتاً أو دائماً.
وهناك أمر أيضاً لابد من الالتفات له وهو أن تكون المعلومة مُحَصَّلَة فعلاً أي إن الإنسان قصد تحصيلها لا أنها مرت على أذنه مثلاً دون أن يستمعها، بل هو سمعها دون التفات منه إليها كما لو أنه مر بمكان ورآه ولكنه لم يهتم لإدراك تفاصيل ما يرى، فهذه غير واقعة ضمن مسألة التذكر لأنها أصلاً ليست معلومات مُحَصَّلَة ليتم تذكرها أو يوصف من غفل عنها بأنه نسيها.
هذه الأمور التي ذكرتها لها علاقة مباشرة بالتذكر سلباً أو إيجاباً، ولكن عادة - عند إنسان معين - لا تؤثر جميعها بنفس القدر والاتجاه:
فمثلاً يمكن أن يجتمع في إنسان واحد: الانشغال بالجسد الذي يؤثر سلباً على قدرة الإنسان على تحصيل المعلومة من الملكوت فضلاً عن تذكرها فيما بعد، مع زيادة النور في صفحة وجود الإنسان الذي يوثر إيجاباً على قدرة الإنسان على تحصيل المعلومة فضلاً عن تذكرها، وأيضاً قدر هذا الانشغال وقدر هذا النور داخل في معادلة التذكر([38]).
ولهذا فمسألة التذكر عبارة عن معادلة وفيها عدد من المتغيرات ومنها الخمسة المذكورة أعلاه، ومن الصعب جدا بل هو مستحيل عادة أن نعرف ناتج هذه المعادلة من خلال معرفة القيمة الحقيقية أو التقريبية لواحد أو اثنين من هذه المتغيرات، بل لابد من معرفة قيمة كل متغير منها لتحصيل النتيجة النهائية أي إننا لا يمكن أن نحكم على مؤمن صالح فقط لمعرفتنا انه مؤمن صالح بأنّ درجة تذكره عالية أو أن نحكم على غير مؤمن طالح فقط لأنه غير مؤمن بأنّ درجة تذكره واطئة، فيمكن أن يكون إنسان غير مؤمن وقيمة المتغير المتعلق بالنور له خمسة بالمائة مثلاً ولكن المتغيرات الأخرى قيمتها عنده عالية لصالح التذكر، وبهذا يكون هذا الإنسان غير المؤمن قد حقق قيمة عالية في معادلة التذكر، ويكون صاحب قدرة فائقة على التذكر رغم كونه غير مؤمن.
والأمر المهم الذي لابد أن نلتفت إليه ونعيه بشكل دقيق أنه لا يمكن لمخلوق أن يحقق ويحصل من هذه المعادلة قيمة كاملة وتامة ليوصف بأن درجة تذكره هي مائة بالمائة، والسبب أنه لا يمكن لمخلوق أن يحقق قيمة مائة بالمائة في كل المتغيرات، وعلى سبيل المثال: متغير النور فإن فرض تحقيق مائة بالمائة فيه يعني أن هذا المخلوق نور لا ظلمة فيه وهذا محال لأن النور الذي لا ظلمة فيه هو الله سبحانه وتعالى([39]).
وبهذا يظهر ويتبين أنه لا يوجد مخلوق يحقق في معادلة التذكر مائة بالمائة ليمكن أن يوصف تذكره بأنه تام وكامل، وبالتالي يكون نسيانه وغفلته مساوية للصفر أي إنه لا ينسى ولا يغفل والله سبحانه لا يمكن أن يخلق مخلوقاً تذكره مائة بالمائة ونسيانه وغفلته صفر، ليس لأن الله غير قادر ولا يتعلق الأمر بالقدرة، بل لأن هذا أمر محال ومعناه تعدد اللاهوت المطلق تعالى الله علواً كبيراً.
* * *
﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾:
كان فقدان الحوت عند الصخرة آية من الله سبحانه وتعالى نُبه من خلالها موسى (ع) إلى أنه تجاوز المطلوب، ولم تكن بالأصل آية عند موسى(ع) أي إن موسى لم يكن يعلم أن فقدانه للحوت هو علامته على العبد الصالح وإلا لما طلب من يوشع أن يأتيه بالحوت ليأكله كطعام، فكيف يمكن أن يعقل أحد أن يأكل موسى(ع) الآية التي تدله على المطلوب وهو يعلم أنها آيته التي توصله إليه وخصوصاً أنه مأمور من الله بالوصول إلى العبد الصالح وإتباعه، أما قول موسى(ع) : ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ فأراد به العبد الصالح الذي رأوه عند الصخرة.
والأمر كالتالي فمن له أذنان للسمع فليسمع ومن له قلب للفهم فليفهم: الله سبحانه وتعالى يتكلم في كل شيء ولكن الناس غافلون ملتفتون إلى أنفسهم وأهوائهم، فليس الطريق الوحيد لكلام الله مع الأنبياء هو الوحي أو إسماعهم ألفاظاً في آذانهم أو معاني في قلوبهم، بل هناك الطريق الأعظم وهو (ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله معه وقبله وبعده)، فموسى (ع) عندما وجد أنهما فقدا الحوت عند الصخرة علم أنها آية من الله سبحانه، وإلا فهما في شدة التعب والجوع ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ فلماذا تكون مشيئة الرب الرؤوف الرحيم هنا أن يفقدا طعامهما؟؟! هنا عرف موسى (ع) ماذا أراد الله أن يخبره وسمع كلام الله في هذا الحدث وهو أن طعامك الذي جئت في طلبه (العلم) موجود حيث فقدت طعامك المادي (الحوت) ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾، علم موسى(ع) أن العبد الذي مرَ به عند الصخرة هو العبد الصالح الذي جاء يطلبه ليتعلم منه.
وكما كان فقدان الحوت آية ودليلاً على طعام الروح الذي يحمله العبد الصالح، كانت حياة الحوت واتخاذه سبيله في البحر بسرعة وخفاء (سرباً) وأيضاً بمعجزة إلهية (عجباً) - يحق للعبد أن يعجب منها لما يرى من قدرة الله سبحانه وتعالى - آية ودليلاً على العبد الصالح، لأنّ الله جعل حياة الحوت حيث كان العبد الصالح مستلقياً للإشارة إلى أن العبد الصالح (مجمع البحرين) الذي جاء موسى (ع) يطلب منه العلم والمعرفة هو عين الحياة حيث إنّ العلم والمعرفة - المتعلقة بالآخرة - هي الحياة الحقيقية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾([40])، أي ليعرفون ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾([41]).
عن أبي عبد الله(ع) قال: (إن موسى صعد المنبر وكان منبره ثلاث مراق فحدث نفسه أن الله لم يخلق خلقاً أعلم منه، فأتاه جبرئيل فقال له: إنك قد ابتليت فانزل فإن في الأرض من هو أعلم منك فاطلبه، فأرسل إلى يوشع أني قد ابتليت فاصنع لنا زاداً وانطلق بنا .....
قال: فبينما هما يمشيان انتهيا إلى شيخ مستلقٍ معه عصاه، موضوعة إلى جانبه وعليه كساء إذا قنع رأسه خرجت رجلاه وإذا غطى رجليه خرج رأسه، قال: فقام موسى يصلي وقال ليوشع: احفظ علي، قال: فقطرت قطرة من السماء في المكتل فاضطرب الحوت، ثم جعل يثب من المكتل إلى البحر، قال: وهو قوله: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾، قال: ثم إنه جاء طير فوقع على ساحل البحر ثم أدخل منقاره فقال : يا موسى ما اتخذت من علم ربك ما حمل ظهر منقاري من جميع البحر.
قال: ثم قام يمشي فتبعه يوشع، قال: موسى وقد نسي الزبيل يوشع، قال: وإنما أعيا حيث جاز الوقت فيه فقال: ﴿آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً﴾ إلى قوله: ﴿فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾، قال: فرجع موسى يقفي أثره حتى انتهى إليه وهو على حاله مستلقٍ، فقال له موسى: السلام عليك ، فقال: وعليك السلام يا عالم بني إسرائيل، قال: ثم وثب فأخذ عصاه بيده قال فقال له موسى: إني قد أمرت أن أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً فقال كما قص عليكم: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ )([42]).
* * *
﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾:
موسى جاء ليتعلم من العبد الصالح، فهل أن موسى أعلم من العبد الصالح ؟؟؟!!!
لابد من الالتفات إلى أنَّ القانون الإلهي قاضٍ بأن يقود الأعلى مقاماً الأدنى منه حيث إنّ علو مقامه يجعله مهيمناً ومتسلطاً بالعلم والقدرة على من هو دونه، فلا يمكن تصور أن الله يسلط الجاهل أو الأقل علماً على العالم العارف بالحقائق، فالنقاش الدائر حول علم العبد الصالح وعلم موسى(ع) محسوم قرآنياً بأنّ العبد الصـالح أعلم من موسى (ع) فاعتذار موسى للعبد الصالح ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾ يدل على ذلك، وشدة العبد الصالح مع موسى (ع) وهذا مثال منها: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ تدل على ذلك، بل ويظهر جلياً في الآية والآيات قبلها أن العبد الصالح يتعامل مع موسى (ع) على أنه أعلم منه ويريد تعليمه، فهو يكرر عليه عدة مرات طلب أن يبقى صامتاً ويصبر على ما يرى وهذا قبل أن تبدأ الرحلة وموسى يقبل برحابة صدر هذا الأمر ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾.
وهذه الآية جلية وواضحة أن موسى (ع) خاضع لهذا العبد منصاع لأمره؛ لأنه مأمور من الله بهذا، والحقيقة انه كأمر الله للملائكة بالسجود لآدم(ع) ، وهذا واضح من قول موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾. والحقيقة أن زمن العبد الصالح لم يكن قد حان بعد، ولكنه لما نزل لتعليم موسى في هذا العالم الجسماني واجتمع هو وموسى أصبح هو الحجة على موسى ولا يسع موسى أن يقول شيئاً مع وجود العبد الصالح غير ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾.
أما من تعرضوا لهذه الآيات وجعلوا موسى أعلم من جهة والعبد الصالح أعلم من جهة أخرى، فهذا شيء لو أنهم تركوا الخوض فيه لكان خيراً لهم فالعلم من الله سبحانه وتعالى في طرق السماوات والشرائع، والغيب يحدده مقام الإنسان فلا يمكن أن الله سبحانه وتعالى يفيض على عبد في مقام أدنى علماً أعظم من علم يفاض على عبدٍ في مقام أعلى، ليس لأنه سبحانه غير قادر بل لأن الأمر واحد في حقيقته أي إفاضة العلم والمقام فلا يمكن القول إنّ موسى اعلم في أشياء والعبد الصالح أعلم في أخرى، فالأعلم هنا أعلم في الأمور جميعاً، فلسنا نتكلم عن كتابي فيزياء وكيمياء بل نتكلم عن ملكوت السماوات والشريعة، نتكلم عن دين الله سبحانه الذي جاء به الأنبياء ونسبة أمور الدين للنبي والوصي المرسل واحدة وليست متعددة أو متفاوتة، فمن يعلم منهم بنسبة ما في ملكوت السماوات يعلم بنفس النسبة في الشريعة، فإذا كان العبد الصالح أعلم بالأمور الغيبية وطرق السماوات من موسى فهو حتماً أعلم من موسى في الشريعة أيضاً. وإذا كان موسى أعلم من العبد الصالح في الشريعة فهو حتماً أعلم منه في الأمور الغيبية وطرق السماوات.
كما ولا يمكن القول إن موسى أعلم من العبد الصالح مطلقاً، كيف وقد قص علينا القرآن بوضوح أنّ موسى جاء ليتعلم من العبد الصالح كما تعلمت الملائكة من آدم (ع)، فلم يبقَ إلا أن يكون العبد الصالح هو أعلم من موسى مطلقاً.
أما الذين خاضوا في هذه القصة القرآنية فقد تعثروا بالعبد الصالح وعظم عليهم تصور عبد لم يصرح القرآن بهويته أو اسمه أن يكون أعلم من موسى النبي وهو من أولي العزم من الرسل، كما لم يعلموا أن العبد الصالح إنسان نزل إلى هذا العالم الجسماني لتعليم موسى وزمانه لم يحن بعد، بل وحثهم على الانتقاص من العبد الصالح وغمط حقه القرآني الواضح الجلي بأنه أعلم من موسى ورود تسميته بالخضر في بعض الروايات دون أن يلتفتوا إلى أن الخضر صفة وليست اسماً ويمكن أن تطلق على أكثر من شخصية إلهية باعتبار أنهم (ع) يخلفون الأرض خلفهم خضراء، أي من الدين أي إنهم ينشرون الدين، فاللون الأخضر يشير للدين.
* * *
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾:
موسى منذ البداية حدّد هدفه وعلة إتباعه للعبد الصالح وهي العلم والمعرفة ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾، فلما تحرك العبد الصالح ومعه موسى (ع) عمل أعمالاً المفروض أن يتعلم موسى (ع) من هذه الأعمال، ولكن نجد أن هذه الأعمال وهي: الأول: نجارة، والثاني: قتل ، والثالث: بناء جدار، أعمالاً بدائية وبسيطة فماذا أراد العبد الصالح أن يقول لموسى(ع) أو ماذا أراد تعليمه ؟ هل يعقل أن العبد الصالح أراد تعليم موسى هذه الأعمال، أو انه أراد القول لموسى إنه يوجد أمور غيبية لا تعلمها أنت يا موسى؟ وهل تقبلون هذا بحق موسى بن عمران وهو نبي من أولي العزم من الرسل؟ فهل يجهل موسى أن عالم الغيب هو الله سبحانه، وانه تعالى يطلع الرسل على بعض الغيب؟
ثم إنّ موسى يطلب العلم ويقول للعبد الصالح اتبعك لأتعلم منك والعبد الصالح يكلمه في الصبر ومع هذا يقبل موسى ويعد أنه سيكون صابراً، ولكن سبحان الله ومشيئته قاهرة لم يستطع موسى أن يصدق قوله، بل وكأنه مقهور على تصديق قول العبد الصالح: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ فموسى كان يقول سأصبر والعبد الصالح قال له لن تصبر، فتحقق قول العبد الصالح وكان من حققه موسى بالذات الذي تعهد بالصبر، والامتحان بالصبر أمر مهم في تعليم موسى (ع)([43]) تحمل من هم دونه والصبر عليهم بسبب اعتراضاتهم المستمرة، فهو الآن وفي هذا الموقف كان المعترض الذي لم يصبر وقد لمس بنفسه كم صبر عليه العبد الصالح، وكم كان هو نفسه يحتاج لهذا الصبر من العبد الصالح ليصل إلى الحقيقة.
* * *
ماذا أراد العبد الصالح أن يعلم موسى(ع) ؟
وماذا تعلّم موسى من العبد الصالح؟
أظهر العبد الصالح لموسى (ع) بعد أن التقاه الأنا التي في داخله؛ لأن العبد الصالح كان رسول الله إلى موسى(ع) فكان على موسى أن لا يعترض فالاعتراض - والحال هذه - يكون على الله سبحانه، ولهذا بيَّن العبد الصالح في النهاية لموسى (ع) انك اعترضت على الله وواجهت الله بهذه الإعتراضات ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، فهل ظهر لك الآن ما في نفسك من الأنا ؟
أي إن العبد الصالح يقول له هذا ليس أنا، فأنا حجر امتحنك به الله فاعتراضك كان على الذي امتحنك، ولهذا ترى انكسار موسى(ع) في كل مرة يفشل في الامتحان؛ لأنه أصلاً يعلم بسبب مجيئه وتعهد بالصبر والنجاح ومع هذا وجد نفسه يفشل مرة بعد أخرى، ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ هذا في المرة الأولى، أما في الثانية فكان انكسار موسى أعظم واعترافه بالتقصير أوضح ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾، والثالثة أخرست موسى فلم ينطق بل ظل يستمع فقط.
انتفع إذن موسى وتعلم وتحقق المراد من التقائه بالعبد الصالح ﴿قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾.
وكان العبد الصالح يريد أن يقول لموسى إن محاربة الأنا مراتب لا تنتهي، كما أن نعمة الله لا تحصى، وكما أن المقامات التي يمكن للإنسان تحصيلها لا تحصى. وأيضاً في النهاية وعظ العبد الصالح موسى فابلغ فتدرج له في مراتب التوحيد؛ فالأولى كانت أنا، والثانية نحن، والثالثة هو، ومع أنها كانت بأمر الله ولكنها على التوالي تشير إلى الكفر بمرتبة ما (أنا وليس هو) والشرك بمرتبة ما (أنا وهو) والتوحيد (هو فقط).
﴿...... أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ([44]) ...... وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا([45]) ...... وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ([46]) ....... وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ......﴾.
* * *
﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾.
لولا أن موسى(ع) ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾ لاستمر العبد الصالح مع موسى(ع) ، وإن اعترض موسى ينبهه فقط كما في المرتين الأولى والثانية.
ولكن في النهاية كان لابد للعبد الصالح الذي لم يكن من هذا العالم ولم يكن يأكل الطعام([47]) أن يغادر موسى(ع) ويوشعاً (ع) اللذين أخذ منهما الجوع مأخذه ليأخذا قسطهما من الراحة والطعام ، فهما قد بدءا رحلتهما مع العبد الصالح وهما في غاية التعب والجوع ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ أي إنّ غدائهما ذهب في البحر ولم يأكلا منه شيئاً واستمرا في الرحلة من دون طعام؛ لأن العبد الصالح لم يكن يأكل الطعام فلم يكن أمام موسى (ع) إلا الجوع وفي الجوع خير كثير؛
قال الصادق (ع): (إن البطن ليطغى من الملة ، وأقرب ما يكون العبد من الله تعالى إذا خف بطنه ، وأبغض ما يكون العبد من الله تعالى إذا امتلأ بطنه)([48]).
وقال الصادق(ع): (أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا ما خف بطنه)([49]).
ففي كون زاد موسى ويوشع في هذه الرحلة هو الجوع حكمة إلهية، وفي نهاية الرحلة وحلقتها الثالثة والأخيرة لم يجد موسى (ع) ويوشع (ع) إلا طلب الطعام من أهل القرية ليتمكنا من الاستمرار مع العالم ويقويا على التحرك معه ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾، وحتى إن موسى (ع) ولأن الجوع قد أرهقه لم يستطع أن يسكت وأعاد طلبه للطعام مرة أخرى عندما بنى العبد الصالح الجدار فقال له لو أنك طلبت منهم مقابلاً لهذا البناء طعاماً لي وليوشع (ع) ﴿ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾، عندها لم يكن أمام العالم (العبد الصالح) إلا مغادرة موسى(ع) ويوشع (ع) لأنهما أرهقا من الجوع والتعب.
عن أبي عبد الله (ع) في قول موسى لفتاه: ﴿آتِنا غَداءَنا﴾، وقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، فقال: (إنما عنى الطعام).
وقال أبو عبد الله (ع): (إن موسى (ع) لذو جوعات)([50]).
* * *
مَنْ هو العبد الصالح؟
ولماذا هو دون غيره اختير ليلتقي موسى؟
علمنا مما تقدم أن العبد الصالح هو نفسه مجمع البحرين، والبحران هما علي وفاطمة عليهما السلام، وبالتالي فهو أحد الأئمة أو المهديين (ع)، ويبقى أن نعرف من هو؟ ولماذا هو بالذات يلتقيه موسى (ع)؟ حيث إن تخصيصه بالذات دون غيره لابد أن يكون لسبب، والحقيقة أن العبد الصالح هو قائم آل محمد، وسبب التقاء موسى به بالذات؛ لأن موسى (ع) تمنى مقامه وتمنى أن يكون هو قائم آل محمد (ع)، والآن موسى بعد أن التقاه علم انه لا يمكن أن يكون قائم آل محمد بعد أن لمس فشله معه مرة بعد أخرى، فكان جواب الله لموسى (ع) على سؤاله عملياً وهو بالتقائه من تمنى مقامه ليعرف ويلمس موسى (ع) عجزه وقصوره وتقصيره.
عن سالم الأشل، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر (ع) يقول: (نظر موسى بن عمران في السفر الأول إلى ما يُعطى قائم آل محمد من التمكين والفضل، فقال موسى: رب اجعلني قائم آل محمد. فقيل له: إن ذاك من ذرية أحمد. ثم نظر في السفر الثاني فوجد فيه مثل ذلك، فقال مثله، فقيل له مثل ذلك، ثم نظر في السفر الثالث فرأى مثله، فقال مثله، فقيل له مثله)([51]).
وأيضاً كان للقاء موسى(ع) بقائم آل محمد بالذات فائدة كبرى لموسى (ع) حيث إن القائم هو من ينشر العلم والمعرفة والتوحيد الناتجة عن اجتماع البحرين علي وفاطمة عليهما السلام أي السبعة والعشرين حرفاً، ومع أن أي واحد من الأئمة والمهديين (ع) من ولد علي وفاطمة عليهما السلام يمكن أن يسمى مجمع البحرين ولكن لقائم آل محمد (ع) خصوصية مع هذا الاسم كونه من ينشر بين الناس علم التوحيد والمعرفة الناتج من اجتماع البحرين علي وفاطمة عليهما السلام؛
عن أبي عبد الله(ع) قال: (العلم سبعة وعشرون حرفاً فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثها في الناس وضمّ إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً)([52]).
وقضية موسى(ع) التي وجّه بسببها إلى لقاء العبد الصالح هي قضية معرفية وعلمية، وبالتالي فيكون خير من يلتقيه موسى (ع) هو من ينشر علم التوحيد بين الناس، علم التوحيد والمعرفة الناتجة من اجتماع بحري العلم والمعرفة علي (ع) وفاطمة عليهما السلام وقد روي عنهم (ع)؛
في تفسير القمي: (ج2 ص38): (...... لما أخبر رسول الله (ص) قريشاً بخبر أصحاب الكهف قالوا: أخبرنا عن العالم الذي أمر الله موسى (ع) أن يتبعه وما قصته، فأنزل الله عز وجل ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾.
قال: وكان سبب ذلك أنه لما كلم الله موسى تكليما وأنزل عليه الألواح وفيها كما قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ﴾ رجع موسى إلى بني إسرائيل فصعد المنبر فأخبرهم أن الله قد أنزل عليه التوراة وكلمه قال في نفسه: ما خلق الله خلقاً أعلم مني فأوحى الله إلى جبرئيل أن أدرك موسى فقد هلك وأعلمه أن عند ملتقى البحرين عند الصخرة رجلاً أعلم منك فصر إليه وتعلم من علمه، فنزل جبرئيل على موسى (ع) وأخبره فذل موسى في نفسه وعلم أنه أخطأ ودخله الرعب وقال لوصيه يوشع بن نون: إن الله قد أمرني أن أتبع رجلاً عند ملتقى البحرين وأتعلم منه، فتزود يوشع حوتاً مملوحاً وخرجا فلما خرجا وبلغا ذلك المكان وجدا رجلاً مستلقياً على قفاه فلم يعرفاه ......... ونسيا الحوت وكان ذلك الماء ماء الحيوان فحي الحوت ودخل في الماء فمضى موسى ويوشع معه حتى عشيا فقال موسى لوصيه: ﴿آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً﴾ أي عناء فذكر وصيه السمك فقال لموسى: إني نسيت الحوت على الصخرة، فقال موسى: ذلك الرجل الذي رأيناه عند الصخرة هو الذي نريده، فرجعا ﴿عَلى آثارِهِما قَصَصاً﴾ أي عند الرجل وهو في صلاته، فقعد موسى حتى فرغ من صلاته فسلم عليهما).
وعن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) قال: (إنما مثل علي (ع) ومثلنا من بعده من هذه الأمة كمثل موسى (ع) والعالم، حين لقيه واستنطقه وسأله الصحبة، فكان من أمرهما ما اقتصه الله لنبيه (ص) في كتابه، وذلك أن الله قال لموسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، ثم قال: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ﴾.
وقد كان عند العالم علم لم يكتب لموسى في الألواح، وكان موسى يظن أن جميع الأشياء التي يحتاج إليها في تابوته، وجميع العلم قد كتب له في الألواح، كما يظن هؤلاء الذين يدعون أنهم فقهاء وعلماء، وأنهم قد أثبتوا جميع العلم والفقه في الدين مما تحتاج هذه الأمة إليه، وصح لهم عن رسول الله (ص) وعلموه وحفظوه، وليس كل علم رسول الله (ص) علموه، ولا صار إليهم عن رسول الله (ص) ولا عرفوه، وذلك أن الشي‏ء من الحلال والحرام والأحكام يرد عليهم فيسألون عنه، ولا يكون عندهم فيه أثر عن رسول الله (ص) ويستحيون أن ينسبهم الناس إلى الجهل، ويكرهون أن يُسألوا فلا يجيبوا فيطلب الناس العلم من معدنه، فلذلك استعملوا الرأي والقياس في دين الله ، وتركوا الآثار ، ودانوا الله بالبدع، وقد قال رسول الله (ص) : كل بدعة ضلالة.
فلو أنهم إذا سئلوا عن شي‏ء من دين الله فلم يكن عندهم منه أثر عن رسول الله ردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم - من آل محمد (ع) - والذي منعهم من طلب العلم منا العداوة والحسد لنا، لا والله ما حسد موسى (ع) العالم - وموسى نبي الله يوحي الله إليه - حيث لقيه واستنطقه وعرفه بالعلم، ولم يحسده كما حسدتنا هذه الأمة بعد رسول الله (ص) على ما علمنا وما ورثنا عن رسول الله (ص)، ولم يرغبوا إلينا في علمنا كما رغب موسى (ع) إلى العالم وسأله الصحبة ليتعلم منه ويرشده.
فلما أن سأل العالم ذلك علم العالم أن موسى(ع) لا يستطيع صحبته ، ولا يحتمل علمه ، ولا يصبر معه، فعند ذلك قال العالم: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾، فقال موسى (ع) له وهو خاضع له يستعطفه على نفسه كي يقبله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾، وقد كان العالم يعلم أن موسى (ع) لا يصبر على علمه .
فكذلك - والله، يا إسحاق بن عمار - حال قضاة هؤلاء وفقهائهم وجماعتهم اليوم، لا يحتملون - والله - علمنا ولا يقبلونه ولا يطيقونه، ولا يأخذون به، ولا يصبرون عليه، كما لم يصبر موسى (ع) على علم العالم حين صحبه ورأى ما رأى من علمه، وكان ذلك عند موسى (ع) مكروهاً، وكان عند الله رضاً وهو الحق، وكذلك علمنا عند الجهلة مكروه لا يؤخذ، وهو عند الله الحق)([53]).
عن أبي عبد الله (ع) قال: (إن موسى صعد المنبر وكان منبره ثلاث مراق فحدث نفسه أن الله لم يخلق خلقاً أعلم منه، فأتاه جبرئيل فقال له: إنك قد ابتليت فانزل فإن في الأرض من هو أعلم منك فاطلبه، فأرسل إلى يوشع أني قد ابتليت فاصنع لنا زادا و انطلق بنا ...)([54]).
الروايات توضح أن قضية موسى(ع) معرفية علمية حيث كما يتبين لمن يقرأ الروايات أن موسى (ع) حدث نفسه إنه عالم فكان هذا اللقاء جواباً له ، وهو أراد بالعلم والمعرفة أنه حارب نفسه وتمكن من الأنا في داخله وخصوصاً بعد أن جاهد نفسه وكلّمه الله ونجح في الامتحان ولم يعتبر نفسه حتى خير من كلب أجرب ، وليس كما يتصور من يجهلون الحقائق انه وقع في نفسه أنه أعلم بالشريعة فقط ، وفي الرواية الأخيرة بيان ان المسألة متعلقة بالارتقاء والكمال (إن موسى صعد المنبر وكان منبره ثلاث مراق).
* * *
موسى (ع) نبي من أولي العزم من الرسل ومع هذا يفشل؟؟!!
إذن، جاء موسى (ع) للقاء العبد الصالح لأنه ظن أنه قد حارب نفسه وقتل الأنا في داخله فكان المطلوب منه أن يصبر ويحارب نفسه وهو يرافق العبد الصالح ولا يقول للعبد الصالح لو فعلت هذا ولو لم تفعل هذا، فهو عندما يواجه من هو أعلى منه مقاماً بهذه الأقوال يظهر بجلاء ووضوح الأنا التي في داخله مقابل من هو مأمور بإتباعه والانصياع لأمره.
والحقيقة أن الأمر يعود إلى مواجهة موسى (ع) مع الله سبحانه وتعالى فهو في كل مرة يقول أنا مقابل العبد الصالح يعني أنه قال أنا مقابل الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الامتحان بالتوحيد الذي فشل فيه كثير من السائرين إلى الله، أي إنهم يستهينون ربما بقولهم أنا مقابل خليفة الله أو مقابل أقواله عندما يقترحون بآرائهم مقابل أمر خلفاء الله - في حين أنها أنا مقابل الله سبحانه وتعالى في حقيقتها وواقعها - وفي حين أنهم جاءوا للامتحان بهذا فهم يفشلون ودون حتى أن يلتفتوا إلى فشلهم.
فشل موسى (ع) مع العبد الصالح ولكنه لم يكن فاشلاً في الامتحان الإلهي، بل حقق نجاحاً كبيراً ولكنه محدود في نفس الوقت فعندما حُمل على ما هو فوقه فشل.
العبد الصالح كان يقول لموسى (ع) أنت سترافقني وأنت تعرف أني حجة عليك والله أمرك بإطاعتي، ولكن لن تكون كما أمرك الله ولن تكون كما تعهدت، بل ستظهر الأنا من أعماقك وستعترض علي رغم كوني حجة عليك ورغم تعهدك بالصبر، ولكن قالها بتلك الصورة: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾، حيث إن محاربة الأنا مراتب فمن حارب نفسه في مرتبة ما أكيد انه يفشل لو اختبر في مرتبة أعلى ممن هو أعلى منه.
﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾: العبد الصالح كان شديداً مع موسى وحاسبه على كل مخالفة للاتفاق الذي جرى بينهما وبكّت موسى (ع) على أنه نقض بنفسه تعهده السابق.
وفي كل هذا نبّه العبد الصالح موسى إلى أنه أعلم منه وهو مأمور بإتباعه والتعلم منه ليعلم موسى (ع) جهله ولا يهلك، ومع هذا لم يصبر موسى (ع) واعترض وكان يكرر العبد الصالح في كل أقواله إن هناك خللاً عندك يا موسى فالتفت ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ...... قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ....... قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً ....... قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً ........ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾.
هل تلاحظ أن العبد الصالح لا يكاد يكلم موسى إلا وقال له أنت لا تستطيع الصبر معي؟
والحقيقة التي أراد العبد الصالح إيصالها لموسى (ع) أن هناك مراتب أعلى وأرقى مما وصلت إليه وارتقيته يا موسى، ذلك أن المخلوق الذي لديه أو حصَّلَ أو عرف كمالاً معيناً محدوداً ربما يظن أنه هو الكمال كله ولا يكون الكمال إلا به.
وأضرب هذا المثل: طير يطير بأقصى ارتفاع 100 متر وآخر يطير بأقصى ارتفاع 200 متر وآخر يطير بأقصى ارتفاع 1000 متر، فالذي يطير بارتفاع مائتي متر يرى الطيور التي تطير بارتفاع مائة متر دونه ولكنه إن فكر أنه وصل إلى القمة فقد شارف على الهلاك، وهذا ما حصل مع موسى(ع) ولهذا أمر الله جبرائيل أن يدركه ويوجهه إلى لقاء العبد الصالح.
وأيضاً الطير الذي يطير بارتفاع 1000 متر عندما يمتحن الطيور التي تطير على ارتفاع 100 متر أو 200 متر ليبين لها عجزها ونقصها فإنها ستفشل معه؛ لأنه سيحملها على الطيران بارتفاع 300 متر مثلاً وهو ارتفاع بقدر تيسره له عسير على من حدهم 100 أو 200 متر.
فالحق والحق أقول لكم: المفروض أن يكون نظرنا موجّه إلى الأعلى لنعرف عجزنا ونرتقي لا أن يكون موجّه إلى الأسفل لنفخر بكمالنا فنهلك.
والحقيقة أن كثيراً يظنون أنهم في القمة ولكنهم جميعاً ليسوا في القمة والذين في القمة الحقيقية في الخلق لا يرون أو يعتقدون أنهم في القمة؛ لأنهم ببساطة عرفوا أنها قمة وهمية وليست حقيقة فكيف يمكن أن تسمى قمة ونسبتها إلى ما فوقها صفر؛ لأنه مطلق وغير متناهي، وكيف يرون ويعتقدون أنها قمة وفي رؤيتهم هذه الخزي والعار كله؛ لأنها تعني أنهم يقولون أنا وبصلافة في مواجهته هو سبحانه وتعالى.
ولا يتوهم من يقرأ كلامي أن الأمر متعلق فقط بمن هو فوقهم أي إنهم إذا ما نظروا إلى من هم دونهم يعتقدون أنهم في القمة، بل هم لا يعتقدون مطلقاً أنهم في القمة؛ لأنهم ببساطة عرفوا الحقيقة التي ضيعها بقية الخلق ، فبقية الخلق إن نظروا إلى هؤلاء الأولياء (ع) بإخلاص سيرونهم نوراً ربانياً في حين أن هؤلاء الأولياء (ع) أنفسهم ينظرون إلى من خلقهم سبحانه وهو نور لا ظلمة فيه فيرون أنهم ظلمة، وهويتهم الظلمة هي التي تميزهم عنه سبحانه وتعالى ، وهذا يجعلهم في حساب دائم لأنفسهم وحسرة دائمة على ما فرطوا في جنب الله؛ لأنهم نظروا لأنفسهم والتفتوا إلى وجودها وطلبوا وجودها وبقاءها في مقابل وجود وبقاء الله سبحانه وتعالى.
قال أمير المؤمنين علي (ع): (إلهي قد جرت على نفسي في النظر لها فلها الويل إن لم تغفر لها)([55])، والمغفرة التي يطلبها علي (ع) هي التي تحققت لمحمد (ص) وهي المغفرة المترتبة على الفتح في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾([56]).
* * *
أين عصمة موسى (ع) في هذا اللقاء؟
العصمة هي: الاعتصام بالله عن محارم الله ولها جهة من العبد هي الإخلاص، وجهة من الرب سبحانه وهي التوفيق.
فكل إنسان - والحال هذه - مودع في فطرته قابلية العصمة، وما يمتاز به الحجج (ع) هو مقدار إخلاصهم فهم قد وصلوا بالإخلاص لله سبحانه وتعالى إلى درجة أن يكون التوفيق النازل عليهم ولهم حصناً يحصنهم عن محارم الله. وأيضاً الحجج يمتازون أن من يعرف الحقائق ومآل كل إنسان وما يصير إليه قد نص على عصمتهم وأوجب إتباعهم لأنهم لا يدخلون الناس في ضلال ولا يخرجونهم من هدى.
موسى (ع) نبي من أولي العزم من الرسل.
موسى (ع) نبي مرسل من الله معصوم منصوص العصمة.
ومع هذا يأمره الله سبحانه أن يتبع العبد الصالح ولا يخالفه وهو نفسه قد تعهد بعدم المخالفة ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ ولكنه أخلف وعده وخالف العبد الصالح.
ولو كانت المخالفة واحدة وفي مرة واحدة لهانت ولكنه خالف في كل الامتحانات والاختبارات، فهي كانت ثلاثة وخالف في ثلاثتها، يعني موسى(ع) هنا قد خالف أمر الله وإذا لم تشأ قول انه خالف أمراً مباشراً فليكن انه خالف تعهده، وهذا أكيد ينقض العصمة هنا وفي هذا الموقف.
ومن هذا الموقف وهذه الرحلة وما حصل فيها نستطيع أن:
نفهم معنى العصمة بوضوح.
ونفهم أيضاً أنها مراتب.
ونفهم أيضاً أنها بالنسبة لحجج الله منصوصي العصمة لها حد أدنى لا يمكن تجاوزه وهو الحد الذي يكونون فيه محققين لشرط النص على عصمتهم وهو أنهم لا يخرجون الناس من هدى ولا يدخلونهم في باطل.
ونفهم أيضاً أن المعصوم(ع) إذا حمل على ما هو فوقه لن يكون معصوماً في تلك المرتبة التي لم يرتقِ لها.
ونفهم أيضاً أن هذا النقض على عصمة المعصوم في مرتبة أعلى من العصمة لا ينقض عصمته في المرتبة الأدنى.
ونفهم ونعرف أيضاً الجواب على معصية آدم التي حصلت وكيف أنها لا تنقض عصمته ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾([57])، حيث إن اختباره كان في مرتبة أعلى ليتضح له ولغيره أنه ليس له عزم، وإن صاحب العزم وخليفة الله في أرضه حقاً هو من ذريته وهو محمد (ص)، فالخليفة الحقيقي المراد أن يصار إليه هو محمد (ص) وليس آدم، فالمراد هو خليفة الله المُرسِل لا خليفة الله المُرسَل([58]).
ونفهم أيضاً أن العلم والمعرفة هما أساس عصمة المعصوم ، ولهذا فالمعصوم يعصم بقدر علمه ومعرفته التي هي بالحقيقة تعود إلى نفس الجهتين (الإخلاص - التوفيق) ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾([59])، ومن هنا يكون سبب الفشل في مرتبة أعلى هو القصور العلمي والمعرفي للمعصوم (ع) عن الإحاطة بتلك المرتبة والمقام الأعلى.
ونفهم أيضاً لما خاطب الله بعض المعصومين بأنهم ظالمون في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾([60]) فهؤلاء الذين وصفوا بـ (ظالم لنفسه) هم من ضمن المصطفين الذين أورثوا الكتاب وهم المعصومون، وظلمهم لأنفسهم في تقصيرهم في الارتقاء أو يمكن القول تقصير في الإخلاص منع من التوفيق في مرتبة أعلى، أو بالخصوص منع من إفاضة العلم والمعرفة لمرتبة أعلى . وهذا التقصير أكيد انه ظلم للنفس؛ لأنه خسارة مقام أعلى وخسارة ارتقاء لمرتبة أعلى، وبالتالي أصبح الامتحان في تلك المرتبة الأعلى مقروناً بالفشل بالنسبة لهم([61]).
ونفهم أيضاً أن الامتحان في المرتبة الأعلى لا يكون في الفعل وعدمه بقدر ما يكون فيمن يقع عليه الفعل أي صاحب المرتبة الأعلى نفسه وما يتعلق به كعلمه ومعرفته، فكانت معصية آدم (ع) متعلقة بالشجرة والتعدي عليها أكثر من تعلقها بالثمرة ، فالمعصية الحقيقية كانت التعدي على الشجرة لا أكل الثمرة ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ﴾([62])، والشجرة كانت محمد وآل محمد (ع)، وأيضاً بالنسبة لموسى (ع) كان الاعتراض على العالم هو الخطأ الذي كرره فلم يكن امتحانه في الأمور الثلاثة بقدر ما كان في العالم نفسه ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ تدبر الآيات جيداً وانتبه إلى كلمة (معي) أي إنه يقول له ما دمت مرافقاً لك ستغفل وترفض قيادتي لك .
فالحقيقة أن اعتراضات موسى(ع) كلها كانت اعتراضات على القيادة المعصومة التي يعرفها من الله ولهذا كانت ردود العالم على موسى (ع) قوية وشديدة ، فلو كانت المسألة فقط متعلقة بجهل موسى (ع) بالأسباب لكان موسى (ع) معذوراً ولا داعي لمعاملة موسى (ع) بهذه الشدة .
ثم لو تدبرنا الآيات وكيف يعلل العالم سبب عدم صبر موسى (ع) معه بأنه الجهل به هو وعدم معرفته هو لأنه فوقه ومن مقام أعلى منه ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ يعني أنت لا تتمكن من الصبر معي لأنك لا تعرفني - وليس كما يتوهم من يقرأ الآية ربما بأن المراد أن موسى (ع) يجهل أسباب أفعال العالم فقط - ولهذا انظر ماذا كان جواب موسى(ع) وتدبره جيداً ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ ولنتدبر قول موسى (ع) ﴿ وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ﴾، فالأمر متعلق بالعبد الصالح نفسه لا بأفعاله، فامتحان موسى(ع) كان بالعبد الصالح (ع) نفسه لا بأفعاله أي إن الامتحان كان نسخة من الامتحان الأول المعروف وهو امتحان الملائكة وإبليس بآدم (ع)، انه امتحان بالسجود مرة أخرى تكرر مع موسى (ع) هذه المرة ولم يكن موسى(ع) رافضاً للسجود كإبليس لعنه الله وحاشاه (ع) من هذا، وأيضاً لم يكن معترضاً قبل السجود كالملائكة (ع) بل هو (ع) بادر إلى السجود ولكن رفع رأسه من سجوده ثلاث مرات، ويمكن أن تقول إنها ثلاث مرات متفاوتة ؛ الأخيرة أقلها والذي يفهم هذا يعرف أن الفرق بين موسى(ع) والملائكة كبير وعظيم فموسى(ع) أفضل من الملائكة وهذا بيّن هنا ، فالملائكة حُجّوا بعلم آدم قبل سجودهم له بينما موسى(ع) بادر للسجود دون سؤال ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾، فكيف لا يكون هذا الطاهر المقدس موسى (ع) نبياً من أولي العزم من الرسل وهذا هو حاله في الطاعة.
ونفهم أيضاً أن امتحان الأدنى بالأعلى لا يكون إلا بنزول الأعلى إلى الأدنى، والحقيقة أن ارتقاء الأدنى إلى الأعلى غير ممكن من دون تبدل مرتبة الإخلاص المتعلقة به وبعمله ، وبالتالي فالأمر محصور بنزول الأعلى إلى الأدنى، وهنا يكون الامتحان، حيث إن المخلوق أو الإنسان بالخصوص يتوهم دائماً أن المتواجد معه في نفس مستواه مساو له أو دونه:
﴿مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا﴾([63]).
﴿قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾([64]).
﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾([65]).
﴿مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾([66]).
﴿وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾([67]).
﴿قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ﴾([68]).
بل ولا يعتقد عادة أنه أعلى منه إلا عندما يجد ما يميزه بوضوح كالعلم مثلاً الذي جعل الملائكة تقرّ لآدم بالفضل، أو ربما يصل الأمر إلى أن الإنسان يريد ما يضطره إلى التصديق بهذا الفضل ، ولهذا يطلب الجهلة - وهم أكثر الناس - المعجزات التي تقهرهم على الاعتقاد بأفضلية الرسل (ع) ليؤمنوا بأفضليتهم وحقهم في القيادة ﴿مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وأكيد انه كلٌ بحسبه فالأنبياء (ع) أفضل من الملائكة، وليسوا كهؤلاء الجهلة ولكن الظلمة التي جعلت الملائكة يعترضون وجعلت أولئك الجهلة يكفرون بالرسل (ع) أيضاً موجودة في الأنبياء (ع) وفي موسى(ع) ، ولكنها بمستوى ضئيل جعل موسى (ع) فقط يغفل ويعترض ليندم بعد لحظات على غفلته واعتراضه ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾، التفت إلى قول موسى جيداً: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ أي إن موسى يقول للعبد الصالح أنا هذا حالي وأنت تعرفه فلا تتركني وأكمل معي هذه الرحلة لأتعلم أكثر، ثم بعد هذا يغفل ويسأل فلا يجد إلا التعهد بأنه سيترك السؤال ولا يجد إلا الاعتراف: إنه غفل وفشل ولم يصبر مع العبد الصالح ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾، ولهذا لم يكن كلام موسى (ع) في المرة الثالثة على شكل اعتراض أو سؤال بل هو اقتراح ﴿... قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾.
* * *
نصيحـــة:
موسى ضيع مجمع البحرين (العبد الصالح) مع أنه كان مستعداً أن ينفق عمراً طويلاً في البحث عنه.
موسى ضيع هدفه ولم يعرفه مع أنه جلس بقربه.
موسى (ع) تجاوز هدفه مع أنه مر به، وفي هذا عبرة وعظة بالغة لموسى(ع) ولكل سائر في طريق الله سبحانه.
أما موسى فقد أخذ عظته في حينها وعلم أن تضييع الهدف ممكن حتى مع المبالغة في طلبه وشدة الاهتمام به، ولهذا كان منكسراً عندما عاد للعبد الصالح الذي ضيعه وربما يمكن أن نقول: إنه لما مر بقرب هذا الإنسان لم يتصور أنه هو الهدف الذي يطلبه وكان هذا هو الدرس الأول لموسى(ع) حيث بقدر التفاته إلى نفسه وانشغاله بها ضيعه، ولهذا عندما عاد خاطب العبد الصالح بلغة المذنب (هل تقبل بعد أن ضيعتك مع اقترابي منك أن أرافقك وأتعلم منك) .. ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾.
أما نحن فلابد أن نعتبر ونتعظ بما حدث لموسى (ع) مع العبد الصالح فإذا كان موسى(ع) مع شدة طلبه للعبد الصالح حتى إنه جعل إمضاءه الحقب في البحث عنه أمراً طبيعياً بالنسبة له أي إنه قرر أن لقاءه بالعبد الصالح أمر عظيم يهون معه إمضاء الدهور بحثاً عنه، مع هذا مر بقربه ولم يعرفه، فهل يمكن أن يضيعوا هدفهم من يطلبون العبد الصالح اليوم؟ مع أنهم ليسوا كموسى(ع) لا من جهة الإخلاص ولا من جهة الاهتمام الذي جعل موسى(ع) يرى أن إمضاء الدهور سائحاً هائماً على وجهه أمراً قليلاً إن كانت نتيجته لقاءه بالعبد الصالح، هل يمكن أن يسأل كل إنسان عاقل يخاف سوء العاقبة نفسه هذا السؤال؟
* * *
المـلاحـــــــق
الملحق (1)

عن أبي سعيد الخدري في قوله عز وجل ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ قال: (علي وفاطمة، قال: لا يبغي هذا على هذه ولا هذه على هذا، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال: الحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين)([69]).
عن ابن عباس في قوله عز وجل: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ قال : ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ﴾ علي وفاطمة ، ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ﴾ قال النبي (ص)، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ﴾ قال: الحسن والحسين عليهما السلام)([70]).
عن أبي ذر رضي الله عنه في قوله عز وجل : ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ﴾ قال: (علي وفاطمة عليهما السلام، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال: الحسن والحسين عليهما السلام، فمن رأى مثل هؤلاء الأربعة علي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا كافر، فكونوا مؤمنين بحب أهل البيت ولا تكونوا كفاراً ببغض أهل البيت فتلقوا في النار)([71]).
عن ابن عباس أن فاطمة (ع) بكت للجوع والعرى فقال النبي (ص): (اقنعي يا فاطمة بزوجك فو الله إنه سيد في الدنيا وسيد في الآخرة وأصلح بينهما فأنزل الله ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ يقول: أنا الله أرسلت البحرين علي بن أبي طالب (ع) بحر العلم وفاطمة بحر النبوة يلتقيان يتصلان، أنا الله أوقعت الوصلة بينهما،ثم قال: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ مانع؛ رسول الله (ص) يمنع علي بن أبي طالب(ع) أن يحزن لأجل الدنيا ويمنع فاطمة أن تخاصم بعلها لأجل الدنيا، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ يا معشر الجن والإنس ﴿تُكَذِّبانِ﴾ بولاية أمير المؤمنين(ع) أو حب فاطمة الزهراء (ع)، فاللؤلؤ الحسن والمرجان الحسين ؛ لأن اللؤلؤ الكبار والمرجان الصغار)([72]).
عن يحيى بن سعيد القطان قال : سمعت أبا عبد الله(ع) يقول : في قوله عز وجل : ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ قال: (علي وفاطمة عليهما السلام بحران من العلم عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ الحسن والحسين عليهما السلام)([73]).
عن سفيان الثوري في قول الله عز وجل: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ قال: (فاطمة وعلي عليهما السلام، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال: الحسن والحسين عليهما السلام)([74]).
عن جابر عن أبي جعفر (ع) في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ قال: (علي وفاطمة، ﴿ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ﴾ قال: لا يبغي علي على فاطمة ولا تبغي فاطمة على علي، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال: الحسن والحسين عليهما السلام من رأى مثل هؤلاء الأربعة علي وفاطمة والحسن والحسين لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا كافر، فكونوا مؤمنين بحب أهل البيت ولا تكونوا كفاراً ببغض أهل البيت فتلقوا في النار)([75]).
قال حدثنا أبو القاسم العلوي (قال حدثنا فرات) معنعناً عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى : ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ قال: (علي وفاطمة ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ﴾ قال: رسول الله، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾، قال: الحسن والحسين عليهما السلام)([76]).
عن جعفر بن محمد الصادق (ع) قال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ قال: (علي وفاطمة بحران عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه، جاءهما النبي (ص) فأدخل رجليه بين فاطمة وعلي، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ الحسن والحسين عليهما السلام)([77]).
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقد سئل يوماً في محفل من المهاجرين والأنصار في قوله عز وجل: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ قال: (لا يبغي علي على فاطمة ولا تبغي فاطمة على علي ينعم علي بما أعد الله له وخصه من نعيمه بفاطمة اتصل معهما ابناهما حافين بهما منهم فيصل من النور كالحجال خصوا به من بين أهل الجنان يقف علي من النظر إلى فاطمة فينعم وإلى ولديه فيفرح والله يعطي فضله من يشاء وهذا أوسع وأرحم وألطف، ثم قرأ هذه الآية: ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين (ع) من غير تكلف وكل في أماكنه ونعيمه مد بصره ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾)([78]).
قال أبو عبد الله(ع) في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ قال: (علي وفاطمة بحران من العلم عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ الحسن والحسين عليهما السلام)([79]).
عن جويبر عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ قال: علي وفاطمة ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ قال: النبي (ص) ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال: الحسن والحسين)([80]).
عن محمد بن رستم، عن زاذان عن سلمان في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ﴾ قال: (علي وفاطمة، ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾، قال: النبي (ص)، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال: الحسن والحسين عليهما السلام)([81]).
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ﴾ قال: (علي وفاطمة، ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ قال: حب دائم لا ينقطع ولا ينفد، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ قال: الحسن والحسين)([82]).
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ قال: علي وفاطمة، ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ قال: حب لا ينقطع ولا ينفد أبداً، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال: الحسن والحسين)([83]).
عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ قال: علي وفاطمة ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ ود لا يتباغضان ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال: الحسن والحسين)([84]).
ومن تفسير الثعلبي ذكر الثعلبي في تفسير سورة الرحمن قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ... يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ وبالإسناد المتقدم قال: (وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري، حدثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله قال: قرأ أبي على أبي محمد الحسن بن علوية القطان من كتابه وأنا أسمع، حدثنا بعض أصحابنا حدثني رجل من أهل مصر يقال له طسم، حدثنا أبو حذيفة عن أبيه عن سفيان الثوري في قول الله عز وجل ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ قال: فاطمة وعلي، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال: الحسن والحسين)([85]).
قوله تعالى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ عن أنس قال: علي وفاطمة ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال: الحسن والحسين عليهما السلام، وعن ابن عباس: علي وفاطمة، ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ النبي (ص)، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ الحسن والحسين عليهما السلام)([86]).
نعيم الأصفهاني في ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين (ع) عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وعن أبي مالك عن ابن عباس والقاضي النطنزي عن سفيان بن عيينة عن جعفر الصادق(ع) - واللفظ له - في قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ قال: (علي وفاطمة بحران عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه). وفي رواية: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ رسول الله، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ الحسن والحسين عليهما السلام)([87]).
السيد الرضي في (المناقب الفاخرة): عن المبارك بن سرور، قال: أخبرني القاضي أبو عبد الله، قال: أخبرني أبي (رحمه الله)، قال: أخبرني أبو غالب محمد بن عبد الله يرفعه إلى أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: سئل ابن عباس عن قول الله عز وجل: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾، فقال: ( علي وفاطمة عليهما السلام، و﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ رسول الله (ص)، و﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال: الحسن والحسين عليهما السلام)([88]).
أبو علي الطبرسي: روي عن سلمان الفارسي ، وسعيد بن جبير، وسفيان الثوري: (أن البحرين علي وفاطمة عليهما السلام، ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ محمد رسول الله (ص)، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ الحسن والحسين عليهما السلام)([89]).
* * *
الملحق (2)
أما قصة العالِم (ع) مع موسى(ع) فهي أن موسى (ع) وقع في نفسه ما أتاه الله من العلم بعد أن كلمه الله سبحانه وتعالى على طور سيناء فأمر الله سبحانه وتعالى جبرائيل(ع) أن يدركه ويأمره بأتباع العالِم (ع) فأرتحل موسى(ع) ويوشع(ع) في طلب العالِم (ع) وكانت القصة التي وردت في القرآن وفيها ثلاثة أمور هي:
1- قصة السفينة وأصحابها:
وهي سفينة لجماعة من المؤمنين المخلصين وهم مساكين الله سبحانه وتعالى، أي مستكينين في العبادة بين يديه لا مساكين بمعنى محتاجين ، فمن يملك سفينة ليس بفقير فكيف يكون مسكيناً ([90])، والمسكين وهو من لا يملك لا قليلاً ولا كثيراً. وهؤلاء المؤمنون مساكين الله كانوا يتضرعون إلى الله ويدعونه أن يجنبهم الملك الطاغية وجنوده الذين كانوا يأخذون السفن ويسخرونها للعمل لصالح الآلة الإجرامية لهذا الملك، فهؤلاء المساكين كانوا لا يريدون أن يكونوا سبباً في إعانة هذا الطاغوت وذلك عندما يسخر سفينتهم لصالح إجرامه، وكانوا لا يريدون أن يفقدوا سفينتهم ولهذا أرسل الله لهم العالِم(ع) ليعمل على نجاتهم وسفينتهم من هذا الطاغية فجعل فيها عيباً ظاهراً علم أنه سيكون سبباً لإعراض الملك عنها وتركها تجوب البحر.
2- قصة الغلام:
وهو فتى كان أبواه مؤمنين صالحين مخلصين لله سبحانه وتعالى، وكانا يكثران من التضرع والدعاء إلى الله أن يهبهما ذرية صالحة بارة بهما وأن يعيذهما من عقوق الأبناء، وكان هذا الفتى - ظاهراً - صالحاً وهو ابن مؤمنين فيلحقهما من حيث الطهارة الظاهرية أو زكاة النفس الظاهرية، ولهذا قال موسى (ع) عنه (نفساً زكية) أي بحسب الظاهر؛ لأنه ابن مؤمنين وفي الوقت الحالي لأنه لم يظهر الكفر والفساد ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم ما في نفس هذا الفتى من: (الأنا والتكبر على أمر الله وحججه (ع)).
فهذه النفس الخبيثة هي من أعداء الأنبياء والمرسلين ولهذا أرسل الله سبحانه وتعالى العالِم(ع) ليحقق لهذين المؤمنين أملهما بالذرية البارة المؤمنة الصالحة، ولم يكن هناك سبيل لتفريقهم إلا بقتل الغلام فقتله العالِم(ع) بأمر الله سبحانه واستجابة لدعاء أبويه، وفي الشرائع السابقة كان للأب أن يقتل ولده تقرباً إلى الله سبحانه وقصة إبراهيم(ع) وهو نبي مع ولده حين أراد ذبحه وقصة عبد المطلب (ع) وهو وصي مع ولده حين أراد قتله قربة لله ليست ببعيدة، فلما جاء الإسلام نسخ هذا الحكم وأصبح الأب لا يستطيع أن ينذر ولده للذبح لوجه الله ولكن إذا قتله فإنه لا يقتل به، وهذا الحكم يعرفه المسلمون فالقاتل يقتل إلا إن كان أباً.
ولهذا فإن الذي طلب قتل الغلام هو أبوه من حيث لا يشعر، فإن دعاءه كان طلباً لهلاك ولده فهو القاتل الحقيقي، والذي أمر بقتل الغلام هو الله سبحانه والذي نفذ هو العالم(ع) فلا يوجد أي مخالفة للشريعة الظاهرية في هذه المسألة كما توهم بعضهم أنه قصاص قبل وقوع الجناية؛ لأن قتل الغلام وقع بطلب من أبيه، وإن كان لا يعلم أن مقتضى دعائه هو قتل ولده وهلاكه.
كما أن هناك عدة أمور ربما تحل كثيراً من التساؤلات حول قصة موسى (ع) مع العالِم إذا عرفت وهي:
1/ كان العالِم يرى الحال والمستقبل في الباطن وموسى (ع) يرى الباطن ولكن في الحال فقط.
2/ إن العالِم لو قتل الغلام أمام الناس لما تركوه يذهب فلم يكن الناس يرون العالِم كما كان موسى (ع) يراه.
3/ إن مسألة قتل الغلام هي كما يقبض ملك الموت الروح أو أن يقلب ملك سيارة شخص وهو يقودها في الشارع فيموت الشخص بسبب الحادث فحال العالِم (ع) كان كحال الملائكة (ع).
4/ كان الأمر الموجه من الله سبحانه إلى العالم إجمالياً ولم يكن تفصيلياً، وكمثال هكذا: (إحفظ السفينة لهؤلاء المساكين) ولم يأمره الله سبحانه وتعالى أن يحفظها بإعابتها، ولهذا نسب العيب لنفسه، قال تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ص: 39. وفي الرواية عنه (ص) : (أن الله لم ينظر إلى الأجسام منذ خلقها).
3- قصة الجدار:
وهو جدار بيت لغلامين يتيمين ، أي إنهما صالحان، واليتيم: هو الفرد في قومه الذي لا يلحقه أحد في الصلاح والتقوى والطاعة، والكنـز الذي تحت الجدار كان أموالاً وذهباً أدخرها لهما أبوهم وكتب لهما نصيحة وأدخرها لهما مع الكنز، ولهذا فإن أهل البيت (ع) كانوا يعتبرون هذه النصيحة هي الكنـز الحقيقي لا أن المال والذهب هو الكنز، والنصيحة هي كما قال الإمام الصادق (ع): (إني أنا الله لا إله إلا أنا من أيقن بالموت لم يضحك سِنُّه ، ومن أقر بالحساب لم يفرح قلبه ، ومن آمن بالقدر لم يخش إلا ربه)([91]).
وهذه الحكمة والنصيحة هي حرب على بخل أهل هذه القرية الذين أبوا أن يطعموهم، وهذا سبب آخر لبناء الجدار.
وفي بناء الجدار آية أخرى للمتوسمين - وهم آل محمد (ع) - وهي أنه حاجز ومانع بين أهل القرية وبين الأخلاق الكريمة أو كنـز الغلامين اليتيمين. وفي الحقيقة إن الذي بنى الجدار هو بخل أهل هذه القرية، وفي بناء الجدار آيات لا يعقلها إلا العالمون.
ويبقى أن نعرف:
أن عمل العالِم (ع) كان كعمل الملائكة لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، فكان منفذاً لأمر الله سبحانه وتعالى، وجميع الأعمال الثلاثة التي قام بها كانت بأمر من الله، وكانت بطلب من أصحابها الذين عملت لأجلهم، فهي استجابة لدعائهم، فالسفينة خرقت بطلب من أصحابها والفتى قتل بطلب من والديه والجدار أقيم بطلب من والد الغلامين وكل هذه الطلبات كانت بدعاء وتضرع إلى الله من أناس مؤمنين مخلصين لله سبحانه وتعالى.
وكل أعمال العالِم (ع) عادت بالخير الكثير على أصحابها فالسفينة حفظت ولم يضطر أهلها لمعونة الظالم، والغلام العاق ذو الباطن الأسود قتل وأبدل أبويه بفتاة صالحة بارة ولدت الأنبياء ، والجدار حفظ المال والذهب والحكمة من أن تصل لغير أهلها.
وقال الصادق (ع): (وكان مثل السفينة فيكم وفينا ترك الحسين البيعة لمعاوية، وكان مثل الغلام فيكم قول الحسن بن علي (ع) لعبيد الله بن علي لعنك الله من كافر، فقال له: قد قتلته يا أبا محمد، وكان مثل الجدار فيكم علي والحسن والحسين (ع))([92]).
ولزمان القائم (ع) سفينة وغلام وجدار تحته كنـز أيضاً ، أما السفينة وهي لأصحاب القائم (ع) فتعاب لتحفظ من الطواغيت: (يظهر في شبهة ليستبين) أي القائم (ع) كما ورد عنهم (ع) ([93])، وأما الغلام فيقتل لأن باطنه اسود ومصاب بداء إبليس لعنه الله: (أنا خير منه)، وقد ورد عنهم (ع) أن القائم(ع) يقتل أحد من يعملون بين يديه ومن المقربين منه(ع) .
وأما الكنـز فيخرج من تحت الجدار ويبث في الناس وهو علم آل محمد (ع) ، عن الصادق (ع): (العلم سبعة وعشرون حرفاً فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثها في الناس وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً)([94]) المتشابهات : ج4.
* * *
الملحق (3)
ومن هنا كلما كان شكر العبد عظيماً كان توفيق الله الذي توجّه به هذا العبد لهذا الشكر أعظم، فأصبحت النعمة على عباد الله المقربين أعظم، وأصبح عملهم وشكرهم نعمة جديدة تحتاج إلى شكر، وهذا الشكر بتوفيق الله وحوله وقوّته فهو نعمة جديدة أعظم من سابقتها تحتاج إلى شكر أعظم، وهكذا حتى ألجمهم الكريم بكرمه، فخرست ألسنتهم، وفاضت أعينهم من الدمع لمّا عرفوا أنّهم قاصرون عن شكره سبحانه، بل إنّهم في مقاماتهم المحمودة - لمّا عرفوا أنّهم لا يزالون مشوبين بالعدم وظلمته والنقص وحقيقـته - عدّوا وجودهم وبقاءهم ذنباً، فاستغفروا الله منه وتابوا إليه وطلبوا عفوه ورحمته. هذا مع أنّ وجودهم رهن بقاء هذا الحجاب، وبقاءهم رهن تشوبهم بالظلمة والعدم، وهذا أمير المؤمنين علي (ع) يقول: (إلهي قد جرت على نفسي في النظر لها، فلها الويل إن لم تغفر لها)([95]).
فعدَّ التفاته إلى وجوده ذنباَ، بل لعلّي أقول: عدَّ وجوده ذنباً لِـمَا فيه من شائبة العدم التي بدونها لا يبقى له اسم ولا رسم ، بل يفنى ولا يبقى إلاّ الله الواحد القهار.
وفي الحديث عن الصادق (ع): (فأوقفه جبرائيل موقفاً فقال له : مكانك يا محمد - أي هذا هو مقامك ، فجبرائيل لا يستطيع الوصول إلى مقام النبي فأشار له بالعروج إلى مقامه (ص) - فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملك قط ولا نبي، إنّ ربك يصلي، فقال: يا جبرئيل وكيف يصلي؟ قال: يقول سبوح قدوس أنا رب الملائكة والروح، سبقت رحمتي غضبي. فقال: اللهم عفوك، عفوك.
قال (ع): وكان كما قال الله: ﴿قاب قوسين أو أدنى﴾. قيل: وما قاب قوسين أو أدنى؟ قال (ع): ما بين أسّتها إلى رأسها. قال (ع): وكان بينهما حجاب يتلألأ يخفق ([96])، ولا أعلمه إلا وقد قال (ع): زبرجد، فنظر في مثل سم الإبرة([97]) إلى ما شاء الله من نور العظمة، فقال الله تبارك وتعالى .....)([98]).
أمّا طلب النبي للعفو فقد تبيّن، وأمّا خفق الحجاب فهو: استجابة منه جلَّ شأنه لطلب النبي للعفو، وإماطة حجاب العدم والظلمة عن صفحة وجوده المباركة، ولكنّها استجابة جزئيّة ، بما هو أهله سبحانه، فلو رفع الحجاب لما عاد للنبي اسم ولا رسم ولا حقيقة.
ومن هنا تعرف مقام هذا الكريم (ص)، فقد أعطى كلّه لله ، فأعطاه الله ما لم يعط أحداً من العالمين (فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة).
وهذا يفي بالمقام لتعلم أنّ الجميع يجب أن يحثوا الخطى إليه سبحانه ناكسي رؤوسهم، تائبين إليه، راجين عفوه ورحمته، متقلبين بين ركوع وسجود وخضوع وتذلل) من كتاب: (شيء من تفسير سورة الفاتحة).
* * *
) س/ في كتاب الآداب المعنوية للصلاة للسيد الخميني (قدس سره) ص320، قال: (أما عظمة متكلمه ومنشأه وصاحبه فهو العظيم المطلق الذي جميع أنواع العظمة المتصورة في الملك والملكوت وجميع أنواع القدرة النازلة في الغيب والشهادة رشحة من تجليات عظمة فعل تلك الذات المقدسة ولا يمكن أن يتجلى الحق تعالى بالعظمة لأحد وإنما يتجلى بها من وراء آلاف الحجب والسرادقات كما في الحديث: أن له تبارك وتعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفت لأحرقت سبحات وجه دونه ...).
س أ - هل هذه الحجب الظلمانية والنورانية مختلطة.
س ب - ما معنى حجب الظلمة وحجب النور.
س ج - كيف ترفع بعض حجب الظلمة وحجب النور.
س د - هل أن هذه الحجب لا ترفع أبداً كما قال السيد (قدس سره): (ولا يمكن أن يتجلى الحق تعالى بالعظمة لأحد)، ولو رفعت ماذا يحصل وما معنى الحرق.
ج/ الحجب الظلمانية هي جنود الجهل التي ذكرها الإمام الصادق(ع) والأخلاق الذميمة والأنا المغروسة في فطرة الإنسان فكلما زادت الأنا عند الإنسان زادت هذه الحجب، وكلما قلت الأنا عند الإنسان قلت هذه الحجب فهذه الحجب منشؤها الظلمة والعدم والمادة وهي ليست إلا سلب لكل خير.
أما الحجب النورانية فهي كلمات الله سبحانه وتعالى والفيض النازل منه سبحانه إلى خلقه ولها حال في كل مقام، ولكل إنسان سالك الطريق إلى الله سبحانه وتعالى فهي بالنسبة لخير الخلق محمد (ص) القرآن أو الحجاب الذي يخفق كما ورد في الرواية عن الصادق (ع) قال: (فأوقفه جبرائيل موقفاً فقال له مكانك يا محمد - أي هذا هو مقامك فجبرائيل لا يستطيع الوصول إلى مقام النبي (ص) فأشار له بالعروج إلى مقامه (ص) - فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملك قط ولا نبي إن ربك يصلي، فقال: يا جبرائيل وكيف يصلي؟ قال: يقول سبوح قدوس أنا رب الملائكة والروح سبقت رحمتي غضبي فقال (ص): اللهم عفوك عفوك. قال(ع): وكان كما قال الله: ﴿قاب قوسين أو أدنى﴾، قيل: وما قاب قوسين أو أدنى؟ قال(ع): ما بين أستها إلى رأسها، قال (ع): وكأن بينهما حجاب يتلألأ ويخفق، ولا أعلمه إلا وقد قال: زبرجد، فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة فقال الله تبارك وتعالى …) تفسير الصافي : سورة النجم .
وهذا الحجاب الزبرجد الأخضر الذي يخفق هو إشارة إلى حجب الظلمة وحجب النور وارتفاع حجب الظلمة بالفتح في مثل سم الإبرة وارتفاع حجب النور بالخفق الحاصل للحجاب، فحجب الظلمة تخرق بالتخلي عن جنود الجهل والأنا، وحجب النور يحتويها الإنسان ويفنى فيها عندما يتحلى بجنود العقل والأخلاق الكريمة، وهكذا الإنسان في مسيرته التكاملية يسعى إلى أن يصل إلى رفع الأنا عن صفحة وجوده والتحلي بجميع جنود العقل وهذا هو الفتح المبين ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ الفتح :1، وهذا هو المقام المحمود الذي وصل إليه الرسول الكريم محمد (ص) وقد تجلى في هذا المقام الله سبحانه وتعالى لمحمد (ص) في آنات: (وكان بينهما حجاب يتلألأ ويخفق) أي إن الحجاب يرتفع في آن ويعود في آن آخر، وحال ارتفاعه لا يبقى محمد (ص) بل يفنى ويحترق ولا يبقى وجه الله محمد (ص)، بل لا يبقى إلا الله الواحد القهار.
والحديث أعلاه المروي عنهم (ع) لا ينفي الكشف لحجب الظلمة والنور مطلقاً، بل ينفي الكشف التام الدائم، أما الكشف التام في آنات فهو حاصل لمحمد (ص) وهو (ص) يخفق مع خفق الحجاب والكون كله يخفق مع محمد (ص) ولو قرأت القرآن لخفقت مع خفقه ذهاباً ومجيئاً دون قصد منك لهذا الفعل ، بل كأنك مضطر إليه.
ج س : أ - ب / النور أو الحجب النورانية هي من الله سبحانه وتعالى وحجب الظلمة من المادة أو العدم والمخلوقات وجدت بإشراق النور في الظلمة، أو قل تجلي النور في الظلمة والاختلاط الحاصل بين النور والظلمة ليس بمعنى اختلاط مجانسة بل هو اختلاط تجلٍ وظهور، كما قال أمير المؤمنين (ع) ما معناه: (داخل في الأشياء بلا مجانسة وخارج منها بلا مزايلة).
ج س: ج/ ترفع حجب الظلمة والنور بالسعي إلى الله سبحانه وتعالى وتحصيل رضاه، وترفع حجب الظلمة خاصة بالتخلي عن جنود الجهل والأخلاق الذميمة وبالابتعاد عن الأنا وتركها، وترفع حجب النور بالعلم والمعرفة والتحلي بجنود العقل والأخلاق الكريمة وتسلق سلم الصعود إلى المقامات القدسية في الملأ الأعلى.
ج س: د/ اتضح مما سبق أنها رفعت بشكل تام لمحمد (ص) ولكن ليس على الدوام بل في آنات، كما اتضح أن العلة في عدم رفعها بشكل دائم هي أنها لو رفعت بشكل دائم لا يبقى للعبد هوية بل لا يبقى إلا الله الواحد القهار بعد احتراق العبد وفناءه في الذات الإلهية، ولم ترفع هذه الحجب بشكل تام لغير محمد (ص) وهو صاحب المقام المحمود، وقال سيد العارفين علي (ع): (لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً) وهذا الغطاء والحجاب الذي رفع لمحمد (ص)، وإلا فعلي (ع) كشف له الغطاء بالمراتب الأدنى من هذه المرتبة التي ذكرها(ع) ، وقد كان (ع) يسير في جبانة الكوفة ويكلم الموتى كما روى حبة العرني) من كتاب المتشابهات:ج2.
الملحق (4)
محمد (ص) ظهور الله في فاران :
وردت هذه العبارة في دعاء السمات الوارد عن الأئمة (ع): (...... وأسألك اللهم ..... وبمجدك الذي ظهر على طور سيناء، فكلمت به عبدك ورسولك موسى بن عمران (ع)، وبطلعتك في ساعير، وظهورك في فاران ...)([99]).
وطلعة الله في ساعير بعيسى(ع) ، وظهور الله في فاران بمحمد (ص). ولابد من الالتفات إلى أن عبارات الدعاء مرتبة تصاعدياً فمن نبي كلّمه الله هو موسى (ع)، إلى نبي مثّل طلعة الله وهو عيسى (ع)، إلى نبي مثّل ظهور الله هو محمد (ص).
والفرق بين الطلعة والظهور هو أن الطلعة هي الإطلالة والظهور الجزئي أي إن الطلعة هي تجلي بمرتبة أدنى من الظهور، فكلاهما - أي عيسى (ع) ومحمد (ص) - مثّلا الله سبحانه في الخلق، ولكن عيسى (ع) بمرتبة أدنى من محمد (ص)، وبعث عيسى(ع) كان ضرورياً للتمهيد لظهور وبعث محمد (ص) الذي مثَّل الله في الخلق فكان محمد (ص) خليفة الله حقاً، وإذا رجعنا إلى أصل وبداية الخلق وجدنا الله سبحانه وتعالى يخاطب الملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾([100]).
فإنه وإن كان آدم خليفة الله وباقي الأنبياء والأوصياء (ع) كذلك، ولكن الهدف الذي يراد الوصول إليه هو خليفة الله حقاً ، أي الشخص الذي يكون خليفة كاملاً لله سبحانه وتعالى، فيعكس اللاهوت في مرآة وجوده بشكل أكمل وأتم من كل الأنبياء والأوصياء (ع) فالمراد الوصول إليه هو شخص يخفق بين (الأنا والإنسانية) وبين (اللاهوت والذات الإلهية):
سأل أبو بصير أبا عبد الله (ع) فقال: جعلت فداك كم عرج برسول الله (ص)؟ فقال (ع): (مرتين فأوقفه جبرائيل موقفاً فقال له: مكانك يا محمد فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملك قط ولا نبي، إن ربك يصلي، فقال: يا جبرائيل وكيف يصلي؟ قال: يقول: سبوح قدوس أنا رب الملائكة و الروح، سبقت رحمتي غضبي، فقال: اللهم عفوك عفوك، قال : وكان كما قال الله: ﴿قاب قوسين أو أدنى﴾.
فقال له أبو بصير: جعلت فداك ما قاب قوسين أو أدنى ؟ قال(ع) : ما بين إسّتها إلى رأسها، فقال (ع): كان بينهما حجاب يتلألأ يخفق، ولا أعلمه إلا وقد قال: زبرجد، فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة، فقال الله تبارك وتعالى: يا محمد، قال: لبيك ربي، قال: من لأمتك من بعدك؟ قال: الله أعلم، قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين.
ثم قال أبو عبد الله لأبي بصير: يا أبا محمد والله ما جاءت ولاية علي عليه السلام من الأرض ولكن جاءت من السماء مشافهة)([101]).
فمحمد (ص) في الآن الذي يفنى في الذات الإلهية لا يبقى إلا الله الواحد القهار، ولا يبقى إلا نور لا ظلمة معه، وهو الله سبحانه وتعالى، فيكون هذا العبد قد كشف عنه الغطاء حتى عرف الله حق معرفته.
فهو فقط الذي يمكن أن يُعرّف الخلق بالله بشكل كامل وتام، وكذلك هو فقط خليفة الله الكامل، أي الذي تجلى فيه اللاهوت، أو الذات الإلهية بأكمل ما هو ممكن للإنسان.
ولتبيين هذا أكثر أضرب هذا المثل:
إذا كان إنسان لديه مصنع وفيه آلات وعمال فإذا كان هو بنفسه يدير هذا المعمل تكون نسبة الإنتاج في المصنع هي مائة بالمائة (100 %)، ثم بدا لهذا الإنسان أن يجعل شخصاً يخلفه في إدارة هذا المصنع فوجد إنساناً آخر يستطيع إدارة هذا المصنع، ولكنه إذا لم يشرف هو بنفسه على هذا الشخص تكون نسبة الإنتاج ثمانيين بالمائة (80 %)، فلابد له من الإشراف عليه لتبقى نسبة الإنتاج تامة (مائة بالمائة)، ثم إنه وجد إنساناً آخر أكثر كفاءة من السابق ، ولكنه أيضا يحتاج إلى الإشراف عليه وإلا ستكون النسبة (90 %)، فجعله خليفته في هذا المصنع واشرف عليه وعلى عمله لتبقى النسبة مائة بالمائة (100%)، ثم أخيراً وجد إنساناً مثله وكأنه صورة له يستطيع إدارة المصنع وبدون الإشراف عليه وتكون نسبة الإنتاج مائة بالمائة (100%)، فجعله خليفته على المصنع وأطلق يده يفعل ما يشاء فيه لأنه لا يشاء إلا مشيئة صاحب المصنع، فالآن الإشراف على هذا الخليفة الكامل من صاحب المصنع سيكون عبثاً.
فالذي يسمع بالنار يعرفها بقدر ما سمع عنها، وكذا من رآها يعرفها على قدر رؤيته لها. أما من احترق منه شيئاً بالنار فهو يعرفها يقيناً، لكن بقدر ما احترق منه بها، أما من احترق كله بالنار حتى أصبح هو النار فانه يعرفها بشكل كامل وتام، حتى إنك لا تستطيع أن تميزه من النار لأنه أصبح منها:
﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾([102]).
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾([103]).
* * *
والآن نعود إلى كون محمد (ص) خاتِـم النبيين وخاتـَمهم.
فهو صلوات ربي عليه آخر الأنبياء والمرسلين من الله سبحانه وتعالى ورسالته وكتابه القرآن وشريعته باقية إلى يوم القيامة فلا يوجد بعد الإسلام دين: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾([104]).
ولكن بقي مقام النبوة مفتوحاً لبني آدم، فمن أخلص من المؤمنين لله سبحانه وتعالى في عبادته وعمله يمكن أن يصل إلى مقام النبوة، كما بقي طريق وحي الله سبحانه وتعالى لبني آدم بـ (الرؤيا الصادقة) مفتوحاً، وموجوداً وملموساً في الواقع المعاش.
أما إرسال أنبياء (ممن وصلوا إلى مقام النبوة) من الله سبحانه وتعالى سواء كانوا يحافظون على شريعة محمد (ص) الإسلام، أم أنهم يجددون ديناً جديداً فهو غير موجود وهو الذي ختمه الله سبحانه وتعالى ببعثه محمداً (ص).
ولكن تجدد بعد بعث النبي محمد (ص) (الإنسان الكامل وخليفة الله حقاً ، وظهور الله في فاران وصورة اللاهوت) أمر الإرسال من محمد (ص)، فجميع الأئمة (ع) هم مرسلون إلى هذه الأمة، ولكن من محمد (ص) (الله في الخلق) قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾([105]).
عن جابر عن أبي جعفر (ع) قال سألته عن تفسير هذه الآية: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾، قال(ع): (تفسيرها بالباطن إن لكل قرن من هذه الأمة رسولاً من آل محمد يخرج إلى القرن الذي هو إليهم رسول، وهم الأولياء وهم الرسل، وأما قوله: ﴿فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ قال: معناه إن الرسل يقضون بالقسط وهم لا يظلمون كما قال الله)([106]).
وقال تعالى : ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾([107]).
عَنِ الْفُضَيْلِ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ فَقَالَ (ع): (كُلُّ إِمَامٍ هَادٍ لِلْقَرْنِ الَّذِي هُوَ فِيهِمْ)([108]).
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع): فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هاد﴾، فَقَالَ: (رسول الله (ص) الْمُنْذِرُ وَلِكُلِّ زَمَانٍ مِنَّا هَادٍ يَهْدِيهِمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ (ص)، ثُمَّ الْهُدَاةُ مِنْ بَعْدِهِ عَلِيٌّ ثُمَّ الْأَوْصِيَاءُ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ)([109]).
عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾، فَقَالَ: (رسول الله (ص) الْمُنْذِرُ وَعَلِيٌّ الْهَادِي يَا أَبَا مُحَمَّدٍ هَلْ مِنْ هَادٍ الْيَوْمَ؟ قُلْتُ: بَلَى جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا زَالَ مِنْكُمْ هَادٍ بَعْدَ هَادٍ حَتَّى دُفِعَتْ إِلَيْكَ، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لَوْ كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ آيَةٌ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مَاتَتِ الْآيَةُ مَاتَ الْكِتَابُ وَلَكِنَّهُ حَيٌّ يَجْرِي فِيمَنْ بَقِيَ كَمَا جَرَى فِيمَنْ مَضَى).
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ فَقَالَ: (رسول الله (ص) الْمُنْذِرُ وَعَلِيٌّ الْهَادِي أَمَا وَاللَّهِ مَا ذَهَبَتْ مِنَّا وَمَا زَالَتْ فِينَا إِلَى السَّاعَةِ).
فهم (ع) رسل هداة من محمد (ص) وإلى محمد (ص)، وأيضاً هم جميعاً عليهم صلوات ربي لهم مقام النبوة، بل إن شرط الإرسال الذي لا يتبدل هو: (تمام العقل) فلابد من الوصول إلى مقام السماء السابعة الكلية (سماء العقل).
وهذا الأمر الذي تجدد يقرؤه سواء كان يفقهه أم لا يفقهه كل من يزور أول رسول من محمد (ص) وهو علي بن أبي طالب(ع) ، بل لا يدخل إلى الحرم المطهر لأمير المؤمنين(ع) إلا بعد قراءته ، وهو بمثابة زيارة للنبي محمد (ص).
في زيارة أمير المؤمنين علي (ع) عن الصادق (ع): (... وتقول: السلام من الله على محمد أمين الله على رسالته وعزايم أمره ومعدن الوحي والتنزيل، الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل، والمهيمن على ذلك كله الشاهد على الخلق، السراج المنير، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته)([110]).
ووردت نفس العبارة في زيارة الحسين (ع) عن أبي عبد الله (ع)، قال: (... فإذا استقبلت قبر الحسين (ع) فقل: السلام على رسول الله (ص) أمين الله على رسله وعزائم أمره، الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل، والمهيمن على ذلك كله، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته)([111]).
وقال أمير المؤمنين علي (ع): (... وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يؤدي الإسلام ذاكرها ويؤمن من العذاب يوم الحساب ذاخرها، وأشهد أن محمدا عبده الخاتم لما سبق من الرسالة وفاخرها، ورسوله الفاتح لما استقبل من الدعوة وناشرها ....)([112]).
فمحمد (ص) ختم الإرسال من الله سبحانه وتعالى ، وفتح الإرسال منه (ص) (الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل).
وبهذا تبين كونه (ص) (الخاتـَم) أي الوسط بين أمرين، وكذا كونه (الخاتـِم) أي الأخير. وتبين أيضاً انه (خاتَم النبيين) بمعنى انه ما تختم به رسالاتهم أي إن رسالاتهم موقعة ومختومة باسمه (ص)، وذلك لأن إرسال الأنبياء السابقين وإن كان من الله سبحانه وتعالى ولكن أيضاً محمد (ص) هو الحجاب بين الله سبحانه وبين الأنبياء، فالرسالات منه تترشح، ومن خلاله تتنزل إلى الأنبياء. فمحمد (ص) هو صاحب رسالات الأنبياء السابقين، كونها تنزلت من خلاله ، وهو الحجاب الأقرب إلى الله سبحانه، فالإرسال السابق من الله ومن خلآل محمد (ع) الحجاب الأقرب لكونه لم يُبعث (ص) ، والإرسال اللاحق من محمد (ص) وبأمر الله كونه بُعث (ص).
واسم من أسماء علي ابن أبي طالب هو (رسول رسول الله (ص))، عن جميل بن صالح، عن ذريح قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يعوذ بعض ولده ويقول: (عزمت عليك يا ريح ويا وجع، كائنا ما كنت بالعزيمة التي عزم بها علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع) رسول رسول الله (ص) على جن وادي الصبرة فأجابوا وأطاعوا لما أجبت وأطعت وخرجت عن ابني فلان ابن ابنتي فلانة، الساعة الساعة)([113]).
* * *
الرسل من الرسل:
القرآن الكريم بين هذه القضية المهمة ، لكون الرسول محمد (ص) فاتح بابها الواسع، فهي حصلت فيما سبق وتحديداً مع عيسى(ع) (طلعة الله في ساعير)، والممهد لمحمد (ص) ودعوته الكبرى، التي سيكون فيها تحول كبير في منهج الإرسال الإلهي لأهل الأرض، واستخلاف خليفته سبحانه وتعالى في أرضه ، فقد أرسل عيسى (ع) رسلاً منه إلى أنطاكية، وهم أيضا رسل من الله؛ لأن عيسى (ع) يعمل بأمر الله سبحانه وتعالى.
﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾([114]).
وهذا الإرسال من رسول الله عيسى (ع) ذُكِرَ في القرآن في سورة يس([115])، قال تعالى: ﴿وَاضرِِب لَهُم مَّثَلاً أَصحَابَ القَرْيَةِ إذْ جَآءَهَا المُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾([116]). فالله يقول (أرسلنا)، مع أن المُرسِل عيسى (ع) فأصبحت الرسالة من عيسى (ع) هي رسالة من الله سبحانه وتعالى، لأن عيسى(ع) (مثَّل الله في الخلق) فهو (طلعة الله في ساعير).
ويبقى أمر لابد من معرفته في قضية الإرسال من الرُسُل، وهو كون المُرسِل لابد أن يكون بمقام اللاهوت للمُرسَل، ولذا فان المرُسِلين من المرُسَلين من الله سبحانه وتعالى لابد أن يكونوا بمقام الله في الخلق.
ولتتوضح هذه المسألة أكثر أقول:
في الإرسال من الله سبحانه وتعالى كان الله مع المُرسَلين يسمع ويرى فهو محيط بالمرُسَل وبأعدائه فلا يحصل خطأ في إيصال الرسالة ، كما لا يستطيع أعداء الله مهما حاولوا منع تبليغ الرسالة، قال تعالى: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾([117]).
ومن الضروري أن يكون الحال كذلك في الإرسال من الرُسُل (ع)، فلابد أن يكون المُرسِل الذي مثَّل الله محيطاً بالمُرسَل وبأعدائه، ويسمع ويرى وقادرا عالما بقدرة الله وعلمه، وإلا فلا يكون هذا الإرسال من الله حقيقة. وتماماً كما عبر عنه سبحانه ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾.
وإذا كان الأمر كذلك أصبح المُرسِل لاهوتاً بالنسبة للمُرسَل، ثم إن هذا المُرسِل أرسل رسوله بإذن الله سبحانه وتعالى فكيف يأذن له الله دون أن يجهزه بالقدرة الكاملة لهذا الإرسال الذي هو أيضاً إرسال منه سبحانه؛ لأنه إذا لم يكن الأمر كذلك، وكان هناك نقص فان هذا النقص ينسب إلى ساحة الله سبحانه وتعالى.
ثم إنّ الهدف من خلق بني آدم هو الوصول إلى هذه النتيجة، لأنها تمثل خلافة الله الحقيقية الكاملة التامة، وقد ذكرها سبحانه في محضر من الملائكة عندما أراد خلق آدم (ع): ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾([118]).
والخليفة الكامل لابد أن يكون صورة كاملة لمن استخلفه، فلابد أن يكون هذا الخليفة الكامل هو: (الله في الخلق) أو (أسماء الله الحسنى) أو (وجه الله)، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾([119]).
وأكيد أن النظر لا يوجه إليه سبحانه وتعالى، بل إن وجوه أوليائه الناضرة ناظرة إلى مربيها محمد (ص) الذي هو وجه الله سبحانه الذي واجه به خلقه، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾([120]).
وتعالى الله عن الإتيان والذهاب والحركة، وهي من صفات المخلوق ، فالمراد بهذه الآية محمد (ص) خليفة الله الكامل ، الذي يمثل اللاهوت (الله في الخلق)، وبدون أن يمارس الخليفة دور اللاهوت في إرسال المرُسَلين عمليا لا يكون خليفة الله الكامل حقاً وتماماً، بل ولا يتحقق الهدف من الخلق.
فانه بممارسة هذا الخليفة لدور اللاهوت يكون صورة كاملة يعرف بها الله سبحانه وتعالى فيتحقق الهدف من الخلق وهو المعرفة أي معرفة اللاهوت والتوحيد الحقيقي ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾([121])، أي إلا ليعرفون) من كتاب (النبوة الخاتمة).
* * *
الملحق (5)
السؤال الواحد والعشرون ما تفسير هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ فاطر:32.
المرسل: حسن علي
ج/ بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليماً .
أولاً: الاصطفاء يعني الاختيار والذي اختار هنا هو الله سبحانه وتعالى بل وفي الاصطفاء معنى آخر غير الاختيار وهو الفضل على من اختير من بينهم، ولذا كان من بين أشهر أسماء النبي محمد (ص) هو المصطفى.
وفي الآية أيضاً وصف لهؤلاء المصطفين وهو أنهم عباد الله وهو فضل عظيم لهم بلا شك فأنت تجد أن خير ما تشهد به لرسول الله محمد (ص) إنه عبد الله، وهذا الاسم لرسول الله (ص) (عبد) ورد في القرآن وفي موضع مدح عظيم لرسول الله محمد (ص) في سورة النجم.
ثم إن هؤلاء العباد المصطفون أورثوا الكتاب وورثة الكتاب هم الأنبياء والأوصياء لا غيرهم.
فهنا تجد أوصاف لا تنطبق إلا على نبي أو وصي وهي أنهم عباد الله حقاً والشاهد لهم الله ، أنهم مصطفون والذي اصطفاهم الله، أنهم ورثة الكتاب والذي أورثهم الله سبحانه.
ويبقى أنهم ثلاث مراتب:
1- ظالم لنفسه، 2- مقتصد، 3- سابق بالخيرات.
والسابق بالخيرات: هم فقط محمد وآل محمد (ع)
والمقتصد: هم نوح وإبراهيم (ع) والأنبياء المرسلون الأئمة من ولد إبراهيم (ع) .
وظالم لنفسه: هم باقي الأنبياء والمرسلين (ع) الذين سبقوا إبراهيم ومن ذرية إبراهيم (ع) ، قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ البقرة: 124.
أي الظالمين من الأنبياء وظلم الأنبياء ليس بمعصية بل هو تقصير في أداء العمل نسبة إلى غيره من الأنبياء الأئمة (ع) فنفس العمل إذا كلف به يونس (ع) ومحمد (ص) لن يكون أداء يونس (ع) له بنفس مستوى أداء محمد (ص) فهذا التقصير من يونس هو ظلم سبب له أن لا يكون من الأئمة من ولد إبراهيم (ع) وسبب له أن لا يكون بمرتبة محمد(ص) اقرأ المتشابهات إذا أردت تفصيلاً أكثر لهذه الآية) من كتاب الجواب المنير: ج2.
* * *

والحمد لله رب العالمين

الهوامش
[1]- الذاريات: 56.
[2]- الإمامة والتبصرة: ص137.
[3]- غيبة النعماني: ص178.
[4]- الكافي: ج1 ص227.
[5]- الكافي: ج1 ص189.
[6]- بحار الأنوار: ج52 ص138.
[7]- المطففين: 14.
[8]- يونس: 72.
[9]- الكهف: 60 - 82.
[10]- البرهان: ج16 مج5 ص53.
[11]- الغيبة للطوسي: ص476.
[12]- بحار الأنوار: ج53 ص59.
[13]- النساء: 130.
[14]- بحار الأنوار: ج53 ص85 ، بشارة الإسلام: ص 74.
[15]- الشعراء: 10 - 16.
[16]- الأعراف: 142.
[17]- الرحمن: 19 - 27.
[18]- تفسير القمي: ج2 ص244.
[19]- تفسير القمي: ج2 ص344.
[20]- البرهان: ج27 مج7 ص389.
[21]- بحار الأنوار: ج24 ص97، البرهان:ج27 مج 7، ج7 ص 387، تأويل الآيات: ج2 ص635.
[22]- انظر: الملحق (1).
[23]- الرحمن: 19 - 27.
[24]- القمي: ج2 ص 323، البرهان: ج27 مج7 ص390.
[25]- البقرة: 33.
[26]- المائدة: 23.
[27]- الكافي: ج1 ص293.
[28]- الكافي: ج1 ص 398.
[29]- الكافي ج1 ص 457.
[30]- الكافي: ج8 ص 114-117.
[31]- العهد القديم والجديد: ج1 / مجمع الكنائس الشرقية / سفر التثنية / الإصحاح الحادي والثلاثون.
[32]- العهد القديم والجديد: ج1 / مجمع الكنائس الشرقية / سفر التثنية / الإصحاح الرابع والثلاثون.
[33]- العهد القديم والجديد: ج 1 / مجمع الكنائس الشرقية: ص330 - 338 / سفر يشوع / الإصحاح الأول.
[34]- يوسف : 21.
[35]- يوسف : 42.
[36]- الكهف : 63.
[37]- الجن: 27 - 28.
[38]- ومثاله: عبد مؤمن صالح عابد ولكنه يملأ بطنه بالطعام في بعض الأحيان ... فالنور الذي حصله من الإيمان والصلاح والعبادة يؤثر إيجاباً، وأيضاً كلما زادت العبادة مثلاً زاد النور فالمسألة ليست ثابتة عند حد معين ... بينما كونه يملأ بطنه بالطعام في بعض الأحيان يؤثر سلباً على التذكر، وكلما زادت تلك الأوقات التي تكون فيها بطنه ممتلئة زاد التأثير السلبي، وكلما زاد قدر الملء لبطنه زاد الأثر السلبي أيضاً.
[39]- عن أبي عبد الله (ع) قال: ( إن الله علم لا جهل فيه ، حياة لا موت فيه ، نور لا ظلمة فيه ) وعن يونس بن عبد الرحمن: قال قلت لأبى الحسن الرضا (ع): روينا أن الله علم لا جهل فيه ، حياة لا موت فيه ، نور لا ظلمة فيه ، قال (ع) : ( كذلك هو ) التوحيد - الشيخ الصدوق: ص 137.
[40]- الذاريات: 56.
[41]- العنكبوت: 64.
[42]- العياشي: ج2 ص332.
[43]- بل ويوشع (ع) الذي سيفتح الأرض المقدسة .
[44]- أنا.
[45]- أنا وهو.
[46]- هو.
[47]- قد تبين أن العبد الصالح لم يكن قد حان وقته ولم يكن من أهل هذا العالم الجسماني، وفي المتشابهات يوجد توضيح أكثر وتجده أيضاً في الملحق (2).
[48]- بحار الأنوار: ج63 ص336 ، وسائل الشيعة: ج1 ص242.
[49]- بحار الأنوار: ج63 ص331.
[50]- البرهان: ج16 مج5 ص54 ، العياشي: ج2 ص330 ، بحار الأنوار: ج13 ص303.
[51]- كتاب الغيبة - محمد بن إبراهيم النعماني: ص 246 - 247.
[52]- بحار الأنوار: ج52 ص336.
[53]- البرهان: ج16 مج 5 ص 54.
[54]- العياشي: ج2 ص 332.
[55]- من المناجاة الشعبانية لأمير المؤمنين (ع) ، بحار الأنوار : ج 91 : ص 97.
[56]- راجع الملحق3 وكتاب النبوة الخاتمة، وأيضاً في شيء من تفسير سورة الفاتحة والمتشابهات تجد تفصيلاً .
[57]- طه: 121.
[58]- ارجع إلى الملحق4 ، وأيضاً تجد في كتاب النبوة الخاتمة تفصيلاً.
[59]- طه: 114.
[60]- فاطر: 32.
[61]- ارجع إلى الملحق5 ، وأيضاً في كتاب الجواب المنير ج2 والمتشابهات تجد تفصيلاً.
[62]- البقرة: 35، الأعراف: 19.
[63]- هود : 27.
[64]- إبراهيم : 10.
[65]- المؤمنون : 47.
[66]- الشعراء : 154.
[67]- الشعراء : 186.
[68]- يس : 15.
[69]- البرهان: ج27 مج7 ص387، بحار الأنوار: ج24 ص97، تأويل الآيات: ج2 ص 636.
[70]- البرهان: ج27 مج7 ص387، بحار الأنوار: ج24 ص97، تأويل الآيات: ج2 ص 636، بحار الأنوار: ج37 ص64، بحار الأنوار: ج37 ص96.
[71]- البرهان: ج27 مج7 ص387، بحار الأنوار: ج24 ص98، تأويل الآيات: ج2 ص 636، بحار الأنوار: ج37 ص64، تفسير فرات ‏الكوفي: ص460.
[72]- البرهان: ج27 مج7 ص387، المناقب - ابن شهر آشوب: ج3 ص319، بحار الأنوار: ج24 ص99.
[73]- البرهان: ج27 مج7 ص387، الخصال: ج1 ص 65، القمي: ج2، بحار الأنوار: ج24 ص98، و: ج37 ص95.
[74]- بحار الأنوار: ج24 ص99، بحار الأنوار: ج37 ص73.
[75]- بحار الأنوار: ج37 ص96
[76]- تفسير فرات ‏الكوفي: ص459
[77]- تفسير فرات‏ الكوفي: ص459
[78]- تفسير فرات ‏الكوفي: ص461.
[79]- روضة الواعظين: ج1 ص148.
[80]- شواهد التنزيل: ج2 ص284.
[81]- شواهد التنزيل: ج2 ص285.
[82]- شواهد التنزيل: ج2ص286.
[83]- شواهد التنزيل: ج2 ص287.
[84]- شواهد التنزيل: ج2 ص289.
[85]- العمدة: ص399.
[86]- كشف ‏الغمة: ج1 ص323، بحار الأنوار: ج37 ص96، كشف ‏اليقين: ص400.
[87]- المناقب: ج3 ص318.
[88]- البرهان: ج27 مج7 ص388.
[89]- مجمع البيان: ج9 ص336.
[90]- المسكين المادي: هو من سكنت جوارحه لعدم امتلاكه لا قليل ولا كثير.
[91]- بحار الأنوار: ج13 ص312.
[92]- بحار الأنوار: ج13 ص307.
[93]- مختصر بصائر الدرجات : ص179، وفي البحار : ج53 ص3.
[94]- بحار الأنوار: ج 53 ص3 .
[95]- إقبال الأعمال: ج3 ص629، الفصل:10، مناجاة شهر شعبان، بحار الأنوار: ج91 ص97.
[96]- يخفق: أي يتحرّك ويضطرب.
[97] - سم الإبرة: ثقبتها.
[98] - الكافي: ج1 ص443، عنه: بحار الأنوار: ج18 ص306، تفسير الصافي: ج5 ص87.
[99]- مصباح المتهجد - الشيخ الطوسي : ص419.
[100]- البقرة:30
[101]- الكافي: ج1 ص442.
[102]- النمل: 8.
[103]- العنكبوت: 43.
[104]- آل عمران: 85.
[105]- يونس: 47.
[106]- تفسير العياشي: ج2 ص123.
[107]- الرعد: 7.
[108]- الكافي: ج1 ص191.
[109]- الكافي: ج1 ص191.
[110]- منتهى المطلب (ط.ق) - العلامة الحلي: ج2 ص890، وفي تهذيب الأحكام - الشيخ الطوسي: ج6 ص25 وفي من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق: ج2 ص588 نفس العبارة: (الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل).
[111]- كامل الزيارات- جعفر بن محمد بن قولويه : ص367.
[112]- إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب: ج2 ص157.
[113]- الكافي - الشيخ الكليني: ج8 ص85.
[114]- الأنبياء: 27.
[115]- ورد عنهم (ع) في فضل سورة يس أنها تعدل اثنا عشر ختمة للقرآن ، ومن قرأها في الليل انزل الله ألف ملكاً يحرسونه حتى يصبح ، وهو آمن من شر السلطان والشيطان حتى يصبح . وفتحت سورة يس بحرف الإمام المهدي (ع) وهو حرف (س) ، وأما الياء فهي تعني النهاية أي إن النهاية والعاقبة للقائم (ع) . وكذا يس من أسماء النبي محمد (ص) فهو الخاتم لما سبق ونهاية ما سبق ، وكذا القائم يبعث كما بعث محمد (ص) وعلى سنته ، ويواجه الجاهلية كما واجهها رسول الله محمد (ص)، فهو اسم مشترك بينهما عليهما السلام.
[116]- يـس: 13- 14.
[117]- طـه: 46.
[118]- البقرة: 30.
[119]- القيامة: 22 - 23.
[120]- البقرة: 210.
[121]- الذريات: 56.

  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • علي صلوات الله عليه نصر رسول الله محمد (ص) في أول بعثته فكان أول المؤمنين ثم وهو شاب صغير في العمر قدم حياته قربانا بين يدي الله سبحانه وفي كل مرة يخرج بجرح أو جروح مميتة ولكنها لا تثنيه أن يتقدم للموت مرة أخرى، قدم عبادة وإخلاصا، تصدق بكل ما يملك، بخاتمه، وبطعامه وهو صائم، وما كان ليعلم به احد لولا أن الله أنزل قرآنا يذكر فعله، كان علي صلوات الله عليه يخفي بكائه بين يدي الله سبحانه حتى على فاطمة صلوات الله عليها، علي سحق أناه ولم يطلب أن يذكر فوهبه الله حكما وعلما وفضله على العالمين.
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • 1
  • 2