raya

الملحق (2)

أما قصة العالِم (عليه السلام) مع موسى(عليه السلام) فهي أن موسى (عليه السلام) وقع في نفسه ما أتاه الله من العلم بعد أن كلمه الله سبحانه وتعالى على طور سيناء فأمر الله سبحانه وتعالى جبرائيل(عليه السلام) أن يدركه ويأمره بأتباع العالِم (عليه السلام) فأرتحل موسى(عليه السلام) ويوشع(عليه السلام) في طلب العالِم (عليه السلام) وكانت القصة التي وردت في القرآن وفيها ثلاثة أمور هي:

1- قصة السفينة وأصحابها:

وهي سفينة لجماعة من المؤمنين المخلصين وهم مساكين الله سبحانه وتعالى، أي مستكينين في العبادة بين يديه لا مساكين بمعنى محتاجين ، فمن يملك سفينة ليس بفقير فكيف يكون مسكيناً ([1])، والمسكين وهو من لا يملك لا قليلاً ولا كثيراً. وهؤلاء المؤمنون مساكين الله كانوا يتضرعون إلى الله ويدعونه أن يجنبهم الملك الطاغية وجنوده الذين كانوا يأخذون السفن ويسخرونها للعمل لصالح الآلة الإجرامية لهذا الملك، فهؤلاء المساكين كانوا لا يريدون أن يكونوا سبباً في إعانة هذا الطاغوت وذلك عندما يسخر سفينتهم لصالح إجرامه، وكانوا لا يريدون أن يفقدوا سفينتهم ولهذا أرسل الله لهم العالِم(عليه السلام) ليعمل على نجاتهم وسفينتهم من هذا الطاغية فجعل فيها عيباً ظاهراً علم أنه سيكون سبباً لإعراض الملك عنها وتركها تجوب البحر.

2- قصة الغلام:

وهو فتى كان أبواه مؤمنين صالحين مخلصين لله سبحانه وتعالى، وكانا يكثران من التضرع والدعاء إلى الله أن يهبهما ذرية صالحة بارة بهما وأن يعيذهما من عقوق الأبناء، وكان هذا الفتى - ظاهراً - صالحاً وهو ابن مؤمنين فيلحقهما من حيث الطهارة الظاهرية أو زكاة النفس الظاهرية، ولهذا قال موسى (عليه السلام) عنه (نفساً زكية) أي بحسب الظاهر؛ لأنه ابن مؤمنين وفي الوقت الحالي لأنه لم يظهر الكفر والفساد ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم ما في نفس هذا الفتى من: (الأنا والتكبر على أمر الله وحججه (عليهم السلام)).

فهذه النفس الخبيثة هي من أعداء الأنبياء والمرسلين ولهذا أرسل الله سبحانه وتعالى العالِم(عليه السلام) ليحقق لهذين المؤمنين أملهما بالذرية البارة المؤمنة الصالحة، ولم يكن هناك سبيل لتفريقهم إلا بقتل الغلام فقتله العالِم(عليه السلام) بأمر الله سبحانه واستجابة لدعاء أبويه، وفي الشرائع السابقة كان للأب أن يقتل ولده تقرباً إلى الله سبحانه وقصة إبراهيم(عليه السلام) وهو نبي مع ولده حين أراد ذبحه وقصة عبد المطلب (عليه السلام) وهو وصي مع ولده حين أراد قتله قربة لله ليست ببعيدة، فلما جاء الإسلام نسخ هذا الحكم وأصبح الأب لا يستطيع أن ينذر ولده للذبح لوجه الله ولكن إذا قتله فإنه لا يقتل به، وهذا الحكم يعرفه المسلمون فالقاتل يقتل إلا إن كان أباً.

ولهذا فإن الذي طلب قتل الغلام هو أبوه من حيث لا يشعر، فإن دعاءه كان طلباً لهلاك ولده فهو القاتل الحقيقي، والذي أمر بقتل الغلام هو الله سبحانه والذي نفذ هو العالم(عليه السلام) فلا يوجد أي مخالفة للشريعة الظاهرية في هذه المسألة كما توهم بعضهم أنه قصاص قبل وقوع الجناية؛ لأن قتل الغلام وقع بطلب من أبيه، وإن كان لا يعلم أن مقتضى دعائه هو قتل ولده وهلاكه.

كما أن هناك عدة أمور ربما تحل كثيراً من التساؤلات حول قصة موسى (عليه السلام) مع العالِم إذا عرفت وهي:

1/ كان العالِم يرى الحال والمستقبل في الباطن وموسى (عليه السلام) يرى الباطن ولكن في الحال فقط.

2/ إن العالِم لو قتل الغلام أمام الناس لما تركوه يذهب فلم يكن الناس يرون العالِم كما كان موسى (عليه السلام) يراه.

3/ إن مسألة قتل الغلام هي كما يقبض ملك الموت الروح أو أن يقلب ملك سيارة شخص وهو يقودها في الشارع فيموت الشخص بسبب الحادث فحال العالِم (عليه السلام) كان كحال الملائكة (عليهم السلام).

4/ كان الأمر الموجه من الله سبحانه إلى العالم إجمالياً ولم يكن تفصيلياً، وكمثال هكذا: (إحفظ السفينة لهؤلاء المساكين) ولم يأمره الله سبحانه وتعالى أن يحفظها بإعابتها، ولهذا نسب العيب لنفسه، قال تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ص: 39. وفي الرواية عنه (صلى الله عليه وآله) : (أن الله لم ينظر إلى الأجسام منذ خلقها).

3- قصة الجدار:

وهو جدار بيت لغلامين يتيمين ، أي إنهما صالحان، واليتيم: هو الفرد في قومه الذي لا يلحقه أحد في الصلاح والتقوى والطاعة، والكنـز الذي تحت الجدار كان أموالاً وذهباً أدخرها لهما أبوهم وكتب لهما نصيحة وأدخرها لهما مع الكنز، ولهذا فإن أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يعتبرون هذه النصيحة هي الكنـز الحقيقي لا أن المال والذهب هو الكنز، والنصيحة هي كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إني أنا الله لا إله إلا أنا من أيقن بالموت لم يضحك سِنُّه ، ومن أقر بالحساب لم يفرح قلبه ، ومن آمن بالقدر لم يخش إلا ربه)([2]).

وهذه الحكمة والنصيحة هي حرب على بخل أهل هذه القرية الذين أبوا أن يطعموهم، وهذا سبب آخر لبناء الجدار.

وفي بناء الجدار آية أخرى للمتوسمين - وهم آل محمد (عليهم السلام) - وهي أنه حاجز ومانع بين أهل القرية وبين الأخلاق الكريمة أو كنـز الغلامين اليتيمين. وفي الحقيقة إن الذي بنى الجدار هو بخل أهل هذه القرية، وفي بناء الجدار آيات لا يعقلها إلا العالمون.

ويبقى أن نعرف:

أن عمل العالِم (عليه السلام) كان كعمل الملائكة لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، فكان منفذاً لأمر الله سبحانه وتعالى، وجميع الأعمال الثلاثة التي قام بها كانت بأمر من الله، وكانت بطلب من أصحابها الذين عملت لأجلهم، فهي استجابة لدعائهم، فالسفينة خرقت بطلب من أصحابها والفتى قتل بطلب من والديه والجدار أقيم بطلب من والد الغلامين وكل هذه الطلبات كانت بدعاء وتضرع إلى الله من أناس مؤمنين مخلصين لله سبحانه وتعالى.

وكل أعمال العالِم (عليه السلام) عادت بالخير الكثير على أصحابها فالسفينة حفظت ولم يضطر أهلها لمعونة الظالم، والغلام العاق ذو الباطن الأسود قتل وأبدل أبويه بفتاة صالحة بارة ولدت الأنبياء ، والجدار حفظ المال والذهب والحكمة من أن تصل لغير أهلها.

وقال الصادق (عليه السلام): (وكان مثل السفينة فيكم وفينا ترك الحسين البيعة لمعاوية، وكان مثل الغلام فيكم قول الحسن بن علي (عليه السلام) لعبيد الله بن علي لعنك الله من كافر، فقال له: قد قتلته يا أبا محمد، وكان مثل الجدار فيكم علي والحسن والحسين (عليهم السلام))([3]).

ولزمان القائم (عليه السلام) سفينة وغلام وجدار تحته كنـز أيضاً ، أما السفينة وهي لأصحاب القائم (عليه السلام) فتعاب لتحفظ من الطواغيت: (يظهر في شبهة ليستبين) أي القائم (عليه السلام) كما ورد عنهم (عليهم السلام) ([4])، وأما الغلام فيقتل لأن باطنه اسود ومصاب بداء إبليس لعنه الله: (أنا خير منه)، وقد ورد عنهم (عليهم السلام) أن القائم(عليه السلام) يقتل أحد من يعملون بين يديه ومن المقربين منه(عليه السلام) .

وأما الكنـز فيخرج من تحت الجدار ويبث في الناس وهو علم آل محمد (عليهم السلام) ، عن الصادق (عليه السلام): (العلم سبعة وعشرون حرفاً فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثها في الناس وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً)([5]) المتشابهات : ج4.

[1]- المسكين المادي: هو من سكنت جوارحه لعدم امتلاكه لا قليل ولا كثير.

[2]- بحار الأنوار: ج13 ص312.

[3]- بحار الأنوار: ج13 ص307.

[4]- مختصر بصائر الدرجات : ص179، وفي البحار : ج53 ص3.

[5]- بحار الأنوار: ج 53 ص3 .

  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • علي صلوات الله عليه نصر رسول الله محمد (ص) في أول بعثته فكان أول المؤمنين ثم وهو شاب صغير في العمر قدم حياته قربانا بين يدي الله سبحانه وفي كل مرة يخرج بجرح أو جروح مميتة ولكنها لا تثنيه أن يتقدم للموت مرة أخرى، قدم عبادة وإخلاصا، تصدق بكل ما يملك، بخاتمه، وبطعامه وهو صائم، وما كان ليعلم به احد لولا أن الله أنزل قرآنا يذكر فعله، كان علي صلوات الله عليه يخفي بكائه بين يدي الله سبحانه حتى على فاطمة صلوات الله عليها، علي سحق أناه ولم يطلب أن يذكر فوهبه الله حكما وعلما وفضله على العالمين.
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • رجائي أن شيعة آل محمد (ع) يصطفون تحت هذه الراية فهي راية الحق الوحيدة البارزة، والمنادية بالحق، الراية الوحيدة التي لم تداهن ولم تدخل فيما دخل فيه أهل الباطل، ومُخطأ من شيعة آل محمد (ص) من يُعوِل على هؤلاء الذين أيديهم صفرات من الدليل سواء الشرعي أم العقلي على مايدعون من وجوب تقليد ونيابة، مُخطأ من يُعوِل على هؤلاء الذين لايثقون ببعضهم بعضا وكل واحد منهم اخذ مجموعة من شيعة آل محمد (ص) وحزَّبَهم لنفسه دون أن ينصبه الله، حتى فرقوا شيعة آل محمد (ع) شيعا وجعلوهم لايكادون يلتقون حتى في تحديد يومي العيدين...
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • 1
  • 2