raya

· ( الرفع وجسد المرفوع ) ..


ما زلنا مع العبد الصالح (عليه السلام) ومسألة الرفع .

 

سألته فقلت : في كتاب المتشابهات / الجزء الأول ، وفي قضية بيان رفع آدم رفع تجلٍ بينت مولاي أنّ بدنه له وجود في الأرض وإلا لكان ميتاً ، والإمـام المهدي (عليه السلام) أيضاً مرفوع رفع تجلٍ ، فهل أنّ بدنه المادي الجسماني موجود في الأرض كآدم (عليه السلام) ، أو في المسألة شيء آخر ؟

فأجابني (عليه السلام) : ( نعم له وجود بصورةٍ ما ، وليس موجوداً كغيره من الناس ، آدم المرفوع له وجود وكذا غيره من المرفوعين . هناك شيء ربما يوضح لك شيئاً من الأمر ، هل تعرف ما هو الحسد ، وكيف يكون أثره ، ولماذا الحسد من الكبائر ويحاسب صاحبه إن لم يكن فعلاً فعله بنفسه وبيديه ؟

الآن ، فلننظر في الإنسان وفي وجوده في العالم الجسماني أولاً ، فالعالم الجسماني في حقيقته هو تكثف قوة أو قدرة ، ولهذا التكثف مدى يتراوح بين أعلى قيمة وأدنى قيمة ، وهذا أظنك تراه بوضوح من خلال المواد الجسمانية المختلفة التي تعرفها ، مع أنها تقع متقاربة في المستوى والاختلاف بينها ليس كبيراً ، فأنت أكيد تصنف الغاز الذي يحيط بالأرض بتصنيف يختلف عن الماء وأيضاً الحجر وهكذا ، وأنت لا ترى الهواء أو الغاز المحيط بالأرض ، وعدم رؤيتك له لا تنفي وجوده في هذه الأرض .

الآن ، الإنسان - أي إنسان - يمتد وجوده من السماء الأولى أو نهايتها السفلى وهذه هي نفسه حتى أكثف ما في هذا العالم الجسماني ، ولذا تجد في تركيب جسم الإنسان المعادن ، فهناك في الحقيقة نفس وجسم مادي مرئي وجسم مادي غير مرئي ، ولكي أسهل عليك الأمر أقول جسم واحد غير مرئي ، ولكن الحقيقة أنّ هناك تجليات كثيرة جداً وظهورات كثيرة جداً وبعددها توجد أجسام للإنسان ، ولذا قال تعالى : ﴿ إِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ ([1])، فالعد ممكن ولكن الإحصاء غير ممكن ، والسبب : أنّ عدد وجودات الإنسان المفاض عليها النعم يساوي امتداد وجوده تقسيم تجليه ([2])، وبما أنّ التجلي لابد أن يكون أقل ما يمكن لكي يتم الاتصال بين وجودات الإنسان ، أي إنه يكون كشريحة تكامل، فيكون أقرب ما يكون للصفر .

فالآن ، أي رقم تقسمه على صفر ما هو الناتج ؟ الناتج ما لا نهاية ، والما لا نهاية لا تعد ولا تحصى ، ولكن نحن ليس لدينا صفر ، بل رقم هو أقرب ما يمكن للصفر ، وناتج قسمة أي رقم على أقرب رقم للصفر ما هو ؟ الناتج يكون رقماً كبيراً جداً ، هو ضمن دائرة الأعداد ولكنه غير قابل للإحصاء ، كبير فوق القدرة على الإحصاء .

لأقرب لك الصورة : تصور أنّ هذا الرقم عبارة عن واحد وأمامه عدد من الأصفار تحتاج أنت مليار سنة ضوئية لتحصيها ، فلو كانت نعم الله عشر نعم أو مئة أو ألف فهي تعد وتحصى ، وإن قلت لك : عدّد لي نعم الله عليك ، فمهما عددت لن تصل لمليون بل أشك أنك تستطيع أن تعد ألف نعمة ، فكيف إذن يقول تعالى أنها لا تحصى ، وكيف يقول مع أنها ممتنعة على الإحصاء ولكنها واقعة ضمن المعدود ؟

هذه الأمور والتناقضات تحلها معرفتك أنّ الإنسان له تجليات ووجودات كثيرة كما بينت بحيث إنها تعد ولكن لا يمكن إحصاؤها ، فكل نعمة من نعم الله مفاضة على كل هذه التجليات وبالتالي تكون نعمة واحدة كافية لأن تسمى لا تحصى . الآن جسم واحد من هذه الأجسام أو التجليات يكفي ليكون وجوداً ثالثاً ويؤثر كما يؤثر هذا الجسم في هذا العالم الجسماني .

فالآن نعود للحسد : شخص يتمنى مثلاً سيارة شخص آخر ، ويتمنى أن تزول منه وتصير عنده ، فهذه السيارة وهي تسير في الطريق تنقلب وتتحطم ، أليس هذا هو نوع من الحسد ؟ لماذا هو حرام ولماذا يعاقب عليه الشخص الحاسد إذا لم يكن هو فعلاً قد قلب السيارة بيديه ؟

نعم قلبها بجسمه الثالث أو وجوده الجسماني غير المرئي ، ولكنه مؤثر بهذا العالم الجسماني . فهناك مراتب من هذه التجليات التي ذكرتها سابقاً هي غير مرئية ، ولكنها تمتلك من الكثافة ما يكفيها لتكون مؤثرة بهذا العالم الجسماني وما فيه ، فالله سبحانه امتحن الإنسان بأن جعل له القدرة على التأثير على الغير بهذا التجلي أو الجسم الغير مرئي ، وأمره أن لا يفعل الشر بهذه القدرة ، فإن فعل الشر يحاسب ؛ لأنه فعله بيده وليس الحسد فقط أمراً نفسياً كما يتوهم الناس .

الآن وجود المرفوع هو نوع من هذه التجليات والوجودات ، فله جسم من هذا النوع .

فقلت : هل هذه المراتب كلها دون النقطة المرفوع إليها أم هي أيضاً مرتبة من مراتب الرفع .

فقال (عليه السلام) : ( الرفع هو أن لا يكون له جسم مادي كهذا الجسم ، ولكنه يبقى له تجلٍ وجسم في مرتبة فوق وجود هذا الجسم المادي ، يعني الآن إذا مسكت ورقة بيدك لها أعلى ولها أسفل ، افرض أنّ أعلى نقطة في الورقة هي نفس الإنسان وأسفل نقطة في الورقة هي جسم الإنسان المرئي في هذا العالم الجسماني ، وهذه الورقة هي وجود الإنسان ، وتخيل أنّ هناك شرائح متوازية صغيرة جداً وعدداً هائلاً تتكون منها هذه الورقة ، هذه الشرائح هي تجليات الإنسان الأخرى غير ( المرئية ) وغير ( النفس ) في نهاية السماء الأولى .

الآن ، الرفع هو عبارة عن إلغاء وجود الإنسان في أسفل الصفحة يعني تجعله متجلياً إلى فوق الأسفل بسنتمتر مثلاً ، ومن هذا السنتمتر إلى أسفل الصفحة لا وجود له ، تلغي وجوده في هذه المرتبة ، هذا مثال ضربته لك لتتوضح لك الصورة أكثر ) .[3]

فقلت : هل أنّ أقصى نقطة للمرفوع هو السماء الأولى ، أي يرفع وهو ما زال في هذا العـالم ، أم يمكن أن يتعداه للأعلى .

فقال (عليه السلام) : ( أكيد أنه يتعدى بحسب مقامه ، أنا تكلمت لك عن الإنسان بأدنى وجوده فتكون نفسه في أسفل السماء الأولى ، ولكن من يرتقي يرتقي فيكون له حظه الذي ارتقى له بفضل الله ، وعندها تكون أعلى صفحة وجوده هو أعلى مقام وصل له ) .

فقلت : وهل يرتقي بنفسه أيضاً فتكون النفس قد تجاوزت عالمها ، أم يرتقي بشيء آخر ، بمعنى أنّ عالم الأنفس هو دون السماء الأولى فبماذا يرتقي إلى ما فوق السماء الأولى .

فقال (عليه السلام) : ( عالم الأنفس ليس دون السماء الأولى ، بل هو في أسفلها ، نهايتها ، هذا هو ما للكل فيه حظ ، أما فوق هذا فبحسب سعي الإنسان ، والإنسان كلما يرتقي يتغير حاله ، أنت تريد أن تفهم الفرق بين النفس والروح ، هناك كتاب كتبته قبل فترة في مسألة الروح ، إن شاء الله سأحاول نشره ، فهذا الأمر يحتاج كلاماً كثيراً ).

* * *

[1] - ابراهيم : 34.

[2] - أي لكي نحصل على عدد وجودات الانسان من السماء الأولى حتى هذا العالم الجسماني ، فنحن بحاجـة الى أن نقسّـم ( امتداده من السماء الاولى إلى هذا العالم ) على ( تجليه ) الذي لابد أن يكون بأفضل صورة ، ونعني بالافضل أن يسمح بترشح النور إلى ما بعده من تجلي وظهور ، ولا يكون كذلك الا إذا كان بنحو من الرقة وأقل ما يمكن بنحو يبدو فيه ذلك الامتداد عموداً واحداً متصلاً ، رغم أنه في الحقيقة عبارة عن ضم تجلي الى تجلي وظهور إلى ظهور .

[3] - قال الشيخ ناظم العقيلي : ( ليس هناك رأياً واحداً ثابتاً حول طبيعة حياة الامام المهدي(عليه السلام) ، وحسب اطلاعي أنّ أول من تعرض لهذا الموضوع بالتفصيل هو الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر في " موسوعة الامام المهدي(عليه السلام) " الجزء الثاني المسمى بـ [ تاريخ الغيبة الكبرى ] ، حيث طرح اطروحتين لطبيعة حياة الامام المهدي(عليه السلام) أحدها اطروحة [ خفاء الشخص ] والثانية اطروحة [ خفاء العنوان ] ، وقد رجح الشهيد الصدر واختار اطروحة [ خفاء العنوان ] بمبررات قابلة للنقاش من أكثر من وجه ، بل هي معارضة أيضاً بأخبار وروايات أخرى .

وما يهمني الآن هو التعرض الى اطروحة [ خفاء الشخص ] ، وما هي ، وهل تعني الرفع أم لا ؟

وقد ذكر الشهيد الصدر ( رحمه الله ) بأنها الاطروحة التقليدية المتعارفة المركوزة في ذهن عدد من الناس وتدل عليها ظواهر بعض الادلة الروائية .

وتتلخص هذه الاطروحة بأن الامام المهدي(عليه السلام) غائب باختفاء جسده عن الناس بشكل اعجازي ، بحيث لا يراه ولا يسمعه أو يحس به أحد من الناس وإن وجد بينهم .. ، وهي في قبال اطروحة [ خفاء العنوان ] التي تعني أنه يرى جسمه ويسمع صوته ويعيش بشكل طبيعي بين الناس .. ولكن لا يعرفونه بأنه الامام المهدي(عليه السلام) .

وأذكر الآن تلخيص ما ذكره الشهيد الصدر عن اطروحة خفاء الشخص وسنعرف بعدها أنها تعني أنه مرفوع لا موجود على الارض كوجود سائر الناس ، قال : ( وهي الأطروحة التقليدية المتعارفة المركوزة في ذهن عدد من الناس ، وتدل عليه ظواهر بعض الأدلة على ما سنسمع ، وهي أن المهدي(عليه السلام) يختفي جسمه عن الأنظار ، فهو يرى الناس ولا يرونه ، وبالرغم من أنه قد يكون موجوداً في مكان إلا أنه يُرى المكان خالياً منه .

....... يتبرهن لدينا بوضوح كيف ولماذا تعلق الغرض الإلهي بحفظه وصيانته ، كما تعلق بطول عمره . فإذا كانت صيانته منحصرة باختفاء شخصه لزم على الله عز وجل تنفيذ هذه المعجزة وفاء بغرضه الكبير .

وتضيف هذه الأطروحة الأولى ، قائلة : بأن هذا الاحتجاب قد يزول أحياناً عندما توجد مصلحة في زواله ، كما لو أراد المهدي(عليه السلام) أن يقابل شخصاً من البشر لأجل أن يقضي له حاجة أو يوجه له توجيهاً أو ينذره إنذاراً ، فإن المقابلة تتوقف على رؤيته ، ولا تتم مع الاختفاء . ويكون مقدار ظهوره للناس محدوداً بحدود المصلحة ، فإن اقتضت أن يظهر للناس ظهوراً تاماً لكل رائي تحقق ذلك ، واستمرت الرؤية بمقدار أداء غرضه من المقابلة . ثم يحتجب فجأة فلا يراه أحد ، بالرغم من أنه لم يغادر المكان الذي كان فيه. وإذا اقتضت ظهوره لشخص دون شخص تعين ذلك أيضاً ، إذ قد يكون انكشافه للآخرين خطراً عليه .

وعلى ذلك تحمل كل أخبار مشاهدة المهدي(عليه السلام) خلال غيبته ، حتى ما كان خلال الغيبة الصغرى ، وخاصة فيما سمعناه في تاريخ الغيبة الصغرى بأن المهدي(عليه السلام) ظهر لعمه جعفر الكذاب مرتين ، ثم اختفى من دون أن يعلم أين ذهب ، فأنه يعطي أن الاختفاء كان على شكل هذه الأطروحة . وأما أخبار المشاهدة خلال الغيبة الكبرى ، فبعضها ظاهر في الدلالة على ذلك ، بل منها ما هو صريح به .... ) تاريخ الغيبة الكبرى ص35 – 37 ، دار القارئ ، بيروت – لبنان ، الطبعة الاولى 1428 هـ .

ومع أن الشهيد الصدر حاول أن يعطي تفسيراً لخفاء شخص الامام المهدي(عليه السلام) في غيبته على هذه الاطروحة ، إلا أنه بعيد وخصوصاً بعد أن سمعنا تفصيل السيد أحمد الحسن(عليه السلام) عن ماهية الرفع وكيفيته ، فهو أمر مقبول جداً وليس كما يتصوره البعض .

فقد بين الشهيد الصدر ( رحمه الله ) أن خفاء شخص الامام المهدي(عليه السلام) عن الانظار إما أن يكون من خلال التصرف في [ الرائي ] أو من خلال التصرف في [ المرئي ] .

وقال عن التصرف في الرائي : ( فتصرفها في الرائي هو جعله بنحو يعجز عن إدراك الواقع الذي أمامه ، فيرى المكان خالياً عن الإمام المهدي(عليه السلام) مع أنه موجود فيه بالفعل ... ) تاريخ ما بعد الظهور : ص47.

وقال عن التصرفي في المرئي : ( وأما تصرف المعجزة في المرئي أي الواقع الموضوعي القابل للرؤية ، فأوضح طريق لذلك هو أن تحول المعجزة دون وصول الصورة النورية الصادرة عن جسم المهدي(عليه السلام) أو ذبذباته الصوتية ، وغير ذلك مما تتقبله الحواس الخمس ... تحول دون وصولها إلى الرائي أو السامع . ومعه يكون الفرد عاجزاً أيضاً عن الإحساس بالواقع الموضوعي الذي أمامه ) نفس المصدر السابق .

وحسب ما بينه السيد أحمد الحسن(عليه السلام) عن موضوع [ الرفع ] ، يتضح أن اختفاء شخص الامام المهدي(عليه السلام) يكون من خلال التصرف في [ المرئي ] لا في [ الرائي ] ، وقد يكون أحياناً في الرائي ، ولكن بنحو يختلف عن تفسير الشهيد الصدر ( رحمه الله ) ، أو قل أنه نفس التفسير إلا أن الشهيد الصدر لم يبين كيف لا تصل الصورة النورية الصادرة عن جسم الامام المهدي(عليه السلام) أو ذبذبات صوته الى حواس الناس ، واكتفى بنسبة ذلك الى الاعجاز فقط .

والتجأ الشهيد الصدر ( رحمه الله ) الى القول بالاعجاز المتعارف ، لأن كل جسم مادي كثيف كالانسان ، لابد أن يكون خاضعا لقوانين المادة ، من حيث رؤيته وسماع صوته والاحساس به وما شابه ، فلا يتحرر من هذه القوانين إلا ان يفارق جسده كثافته المادية التي تستلزم رؤيته وسماع صوته والاحساس به ... الخ .

وعند التحقيق والتأمل ، لا يوجد فرق بين الاعجاز الذي قال به الشهيد الصدر في هذه الاطروحة ، وبين [ الرفع ] حسب ما بينه السيد أحمد الحسن(عليه السلام) ، لأن الاعجاز في منع وصول صورة جسم الامام المهدي(عليه السلام) وذبذبات صوته .. الى حواس الناس ، أقرب ما يمكن تصوره هو أن يرتقي جسمه عن الكثافة المادية المستلزمة لذلك ، أو كما يعبر السيد أحمد الحسن : أن يرفع إلى أحد تجلياته فوق مستوى الماديات وقوانينها ، فهو له وجود في الدنيا ولكنه ليس كوجود الناس المادي الصرف ، ومتى ما أراد أن يلتقي بشخص ما تعود الى جسمه ماديته الكثيفة فتجري عليه قوانين المادة من رؤية جسمه وسماع صوته .. الخ .

وإلا كيف يكون الانسان موجوداً بوجوده المادي الكثيف وواقعاً تحت قوانين المادة ، ولا تجري عليه تلك القوانين ؟!

فحتى الاعجاز لابد أن يكون بقانون تكويني ، قال تعالى : { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } القمر : 49 ، { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } الحجر : 21 ، { ... وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } الفرقان : 2 ، { ... قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً } الطلاق : 3.

فحتى نار إبراهيم(عليه السلام) عندما أراد الله أن ينقذه منها لم يكن ذلك بدون قانون تكويني وإن كنا لا نعلمه ، قال تعالى : { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ } الأنبياء : 69. [ كُونِي ] ، أي إن الله جل جلاله غيّر تكوينها من نار الى برد ، ولم تبق نار مع عدم احراقها ، أو أنه تعالى سلبها تكوينها المستلزم للاحراق ، المهم أنه تعالى كوّنها أو حوّلها الى شيء آخر غير النار الحارقة .

فهنا [ الجسد المادي ] اذا أراد له الله تعالى أن يتحرر عن قوانين المادة الظاهرية ، لابد أن يتغير تكوينه إلى تكوين لا سلطة لقوانين المادة عليه ، كأن يرتفع الى وجود مفارق للمادة وكثافتها .. وهذا الفهم موافق للقرآن والتقدير والقوانين ، حيث إنه لا يتم تعطيل الضوء عن نقل الصورة ، ولا الهواء أو الفضاء عن نقل الصوت ، ولا حواس اللمس عن اللمس ، وكذلك يحتفظ للجسد أو للوجود بانسجامه مع قوانين الله ، فهو تجري عليه قوانين المادة إن كان ماديا كثيفاً ، ولا تجري عليه تلك القوانين إن تخلى عن كثافته وارتقى الى وجود آخر له قوانين خاصة تختلف عن قوانين المادة .

والقصص كثيرة التي تروي لنا عن رؤية الامام المهدي(عليه السلام) واختفائه المفاجئ ... إذن أين ذهب إذا كان ما زال بوجوده المادي الكثيف ؟!!

وربما هذا البيان يفسر لنا كثير من الكرامات والمعجزات التي حصلت للرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وللائمة الطاهرين ((عليهم السلام)) أو لبعض الأولياء ، كحجبهم عن أنظار الناس أو حتى طي الارض لهم وما شابه ذلك . والفرق أن هذه الحالة تكون طارئة معهم .. وأما مع الامام المهدي(عليه السلام) بعد رفعه فتكون هي الحالة الدائمة .. ولكن يطرأ عليها الوجود المادي الكثيف كلما أراد الامام المهدي(عليه السلام) أن يلتقي بشخص أو يؤدي تكليفاً أو عملاً معيناً يتطلب ذلك .

وعمدة دليل الشهيد الصدر ( رحمه الله ) في ترجيح اطروحة [ خفاء العنوان ] على اطروحة [ خفاء الشخص ] ، هو أن اطروحة خفاء الشخص متوقفة على حصول الاعجاز الدائم في اختفاء شخص الامام المهدي(عليه السلام) وظهوره ، وهذا – كما يقول – لا ينسجم مع قانون الاعجاز العام الذي يجب أن يكون وفق مصالح وضوابط معينة لا أنه يكون على أي حال وفي أي مناسبة .

وهذا في الحقيقة لا يصمد أمام النقاش ، لأن تحديد المصلحة من عدمها لا يعلمه على الحقيقة الا الله تبارك وتعالى ، وخصوصاً في مسألة الامام المهدي(عليه السلام) ، قال تعالى : { ... وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } الإسراء : 85. هذا إن سلمنا بأن مسألة خفاء الشخص [ الرفع ] هي من الاعجاز الذي لا يكون الا حسب مصلحة وحكمة يعلمها الله تعالى ، ولكن قد يكون ذلك ليس من باب هكذا إعجاز ، بل قد يكون انه قانون تكويني غير داخل تحت هذا الاعجاز الذي يتكلم عنه الشهيد الصدر، وخصوصاً اذا لاحظنا بيان وتفسير السيد أحمد الحسن لمسألة [ الرفع ] .

وهناك روايات عن أهل البيت ((عليهم السلام)) تنص على مسألة [ خفاء الشخص ] بالنسبة للامام المهدي(عليه السلام) منها :

عن الريان بن الصلت ، قال : سمعت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) يقول - وسئل عن القائم - فقال : ( لا يرى جسمه ، ولا يسمى اسمه ) الكافي : ج1 ص333.

وعن داود بن القاسم الجعفري ، قال : سمعت أبا الحسن العسكري(عليه السلام) يقول : ( الخلف من بعدي الحسن ، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف ؟ فقلت : ولم جعلني الله فداك ؟ قال : إنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه ... ) الكافي : ج1 ص332 – 333.

وعن عبيد بن زرارة قال : سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول : ( يفقد الناس إمامهم ، يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه ) الكافي : ج1 ص 337 – 338.

وهذه الروايات صريحة – وخصوصاً الاولى والثالثة – بأن جسم الامام المهدي(عليه السلام) لا يرى ، ولكن الشهيد الصدر حاول أن يردها بما روي عن السفير الثاني : عن عبد الله بن جعفر الحميري ، عن محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه قال : سمعته يقول : ( والله إن صاحب هذا الامر ليحضر الموسم كل سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه ) كمال الدين وتمام النعمة : ص440.

ولكن الشهيد الصدر ( رحمه الله ) غفل عن أن هذه الخبر هو من كلام السفير الثاني [ محمد بن عثمان(عليه السلام) ] وليس رواية عن الامام المهدي(عليه السلام) ، فقد يكون كلام السفير عن حال الامام المهدي(عليه السلام) في الغيبة الصغرى ، بل هي كذلك ، بدليل مخاطبة السفير لمن حوله ووهو يقسم لهم عن أمر هو يعرفه أو مطلع عليه في الخارج في كل موسم في ذلك الوقت ، في حين أن كلامنا عن غيبة الامام المهدي(عليه السلام) في زمن الغيبة الكبرى وليس الصغرى .. وحتى لو كان هذا مجرد احتمال فهو يصلح للجمع بين الروايات .. فلا تعارض .

ثم قد تكون هذه الرواية ناظرة الى موسم الحج بالتحديد بل هذا هو ظاهرها ، واثبات شيء في وقت ما لا يعني اثباته في جميع الاوقات ، وأيضاً قد يكون الامام المهدي(عليه السلام) في مواسم الحج يراه بعض الناس ولا يراه البعض الآخر .. فتصدق كل الروايات .. ولا تعارض أيضاً .

فإن قلت : كيف يراه البعض دون البعض الآخر وهم في نفس المكان والزمان ، فإن كان بوجوده المادي الكثيف فلابد للجميع أن يراه وتسري عليه قوانين المادة بلا استثناء .. كما تقدم بيانه ؟!

أقول : في هذه الحال ليس ضرورياً أن يكون موجوداً بوجوده المادي الكثيف ، بل يمكن أن يكون موجوداً بوجوده الغير مادي ، والذين يرونه إما أن يكشف عن أبصارهم ، أو يرونه بوجودهم الغير مادي أيضاً ، فقد بيَّن السيد أحمد الحسن(عليه السلام) بأن لكل انسان وجودات متسلسلة من [ سماء الانفس ] والى هذا العالم المادي ، وما فوق [ سماء الانفس ] – أي أسفل السماء الاولى - يكون كل إنسان بحسبه .

وتدلنا الروايات على أن حياة الخضر(عليه السلام) هي كحياة الامام المهدي(عليه السلام) من حيث عدم رؤية جسمه ، كما في كلام أهل البيت ((عليهم السلام)) الاتي الذي يبين أن الخضر(عليه السلام) قد جاءهم وكلمهم من دون أن يروا جسمه او شخصه :

عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام ، قال : ( لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتاهم آت فوقف على باب البيت فعزاهم به ، وأهل البيت يسمعون كلامه ولا يرونه ، فقال علي بن أبي طالب(عليه السلام) : هذا هو الخضر(عليه السلام) أتاكم يعزيكم بنبيكم (صلى الله عليه وآله) ) كمال الدين وتمام النعمة : ص391.

وعن علي بن الحسين ((عليهم السلام)) - في حديث طويل - يقول في آخره : ( لما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجاءت التعزية جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه ، فقال : السلام عليكم ورحمة الله و بركاته " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيمة " إن في الله عزاء من كل مصيبة ، وخلفا من كل هالك ....... فقال علي بن أبي طالب(عليه السلام) : هل تدرون من هذا ؟ [ قالوا : لا ، قال : ] هذا هو الخضر(عليه السلام) ) كمال الدين وتمام النعمة : ص392.

وعلى هذا يتبين لنا أن الخضر(عليه السلام) أيضاً مرفوع كعيسى(عليه السلام) ، وهي حي كالامام المهدي(عليه السلام) وعيسى(عليه السلام) ، حسب الرفع الذي بينه السيد أحمد الحسن(عليه السلام) بياناً شافياً لم يسبقه أحد في ذلك ، وأنّى يكون ذلك عند غير عترة المصطفى ((عليهم السلام)).

ولعل الرواية الآتية تشير إلى أن هناك بيتاً في السماء للامام المهدي(عليه السلام) ، يسمى [ بيت الحمد ] : عن المفضل ، قال : " سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول : ( إن لصاحب هذا الأمر بيتاً يقال له : بيت الحمد ، فيه سراج يزهر منذ يوم ولد إلى يوم يقوم بالسيف ، لا يطفأ ) الغيبة للنعماني : ص245. ورواه الشيخ الطوسي بسنده عن سلام بن أبي عميرة عن الامام الباقر(عليه السلام) ، راجع كتاب الغيبة للطوسي : ص467.

وأيضاً لعل في الرواية الآتية نصاً او إشارة واضحة الى رفع الامام المهدي(عليه السلام) : عن أيوب بن نوح ، عن أبي الحسن الثالث(عليه السلام) قال : ( إذا رفع علمكم من بين أظهركم فتوقعوا الفرج من تحت أقدامكم ) الكافي : ج1 ص341.

فقد يراد من [ علمكم ] صاحب علمكم ، او علامتكم الى الله ، وهو الامام المعصوم ، المهدي(عليه السلام) ، وقد تكون هناك اشارة الى الرفع ايضا في الروايتين الاتيتين : عن مروان الأنباري قال : خرج من أبى جعفر(عليه السلام) : ( إن الله إذا كره لنا جوار قوم نزعنا من بين أظهرهم ) علل الشرائع ج 1 ص 244.

وعن محمد بن الفرج ، قال : كتب إلي أبو جعفر(عليه السلام) : ( إذا غضب الله تبارك وتعالى على خلقه نحانا عن جوارهم ) الكافي ج1 ص343. والله أعلم وأحكم ) .

  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • رجائي أن شيعة آل محمد (ع) يصطفون تحت هذه الراية فهي راية الحق الوحيدة البارزة، والمنادية بالحق، الراية الوحيدة التي لم تداهن ولم تدخل فيما دخل فيه أهل الباطل، ومُخطأ من شيعة آل محمد (ص) من يُعوِل على هؤلاء الذين أيديهم صفرات من الدليل سواء الشرعي أم العقلي على مايدعون من وجوب تقليد ونيابة، مُخطأ من يُعوِل على هؤلاء الذين لايثقون ببعضهم بعضا وكل واحد منهم اخذ مجموعة من شيعة آل محمد (ص) وحزَّبَهم لنفسه دون أن ينصبه الله، حتى فرقوا شيعة آل محمد (ع) شيعا وجعلوهم لايكادون يلتقون حتى في تحديد يومي العيدين...
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • اسأل نفسك وليسأل كل منصف نفسه السؤال الحتمي بعد معرفة ما روي في كتب المسلمين أن رسول الله محمداً (ص) عندما مرض بمرض الموت طلب ورقة وقلم ليكتب كتاباً وصفه رسول الله محمد (ص) بأنه كتاب يعصم الأمة التي تتمسك به من الضلال إلى يوم القيامة، فمنعه عمر وجماعة معه من كتابة هذا الكتاب في حادثة رزية الخميس المعروفة، فالسؤال هو: هل يقبل أحد أن يتهم رسول الله محمداً (ص) أنه قصَّر في كتابة هذا الكتاب المهم والذي يعصم الأمة من الضلال بعد أن كانت عنده فرصة لأيام قبل وفاته يوم الاثنين ليكتبه ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني الوصية المقدسة الكتاب العاصم من الضلال
  • 1
  • 2