raya

· ( معنى الرفع ) ..


وأما بخصوص الرفع وبيان معناه ، وهو الأمر الثاني الذي تبقّى من السؤال الذي تقدم حيث سألت العبد الصالح (عليه السلام) فيه ، وقلت : إننا لا نوفق في بيان الرفع ، أو لا أقل غير واضح جيداً عند بعضنا .

 

فأجابني (عليه السلام) : ( بالنسبة للرفع أعطيك مثالاً ، ولكن هل تعرف التفاضل والتكامل في الرياضيات ؟ لأن المثال يعتمد عليه نوعاً ما ) .

فقلت : ما أعرف ذلك .

فقال (عليه السلام) : ( الحمد لله ، تعرف المستقيم ، تعرف ( غير متناهي ) ماذا تعني في الرياضيات ؟

على كل حال ، سأحاول أن أجعله في أبسط صورة ممكنة ، افرض أنك لديك عصا ضعها عمودية ، أعلى موضع فيها هو نفس إنسانٍ ما ، أو أعلى مقام لذلك الإنسان ، وأوطأ موضع فيها هو الجسد ، ولكن أرجو أن تلتفت أنه مثال وليس الواقع كما هو .

الآن ، قسّم هذه العصا إلى شرائح في ذهنك ، ولكن لكي تكون الحالة أفضل ما يكون لابد أن تكون هذه الشرائح أصغر ما يمكن ،

الآن انظر للشرائح كم عددها ؟ لكي تعرف ذلك لابد من أن تقسّم طول العصا على طول الشريحة ، فإذا كان مثلاً طول العصا 1 ، وطول الشريحة أصغر ما يمكن ، هل تعرف أصغر رقم كم يساوي ؟ أصغر رقم يعبّر عن وجود ، هو ليس صفراً ولكنه أقرب ما يكون إلى الصفر ، وبما أنّ الأعداد غير متناهية ، فهو لا يمكن حصره ولكن يمكن تصوره ، فهو ليس واحداً بالعشرة ؛ لأن واحداً بالمائة أصغر ، وهكذا واحد بالألف أصغر ، وهكذا يمكنك إضافـة أصفار إلى ما لا نهاية ؛ لأن الأعداد غير متناهية ، فيكون تصورنا للنتيجة من خلال نتيجة التقسيم على صفر .

فنتيجة تقسيم طول العصا على صفر يساوي ما لا نهاية ، غير متناهي ، وبما أنّ الرقم ليس صفراً بل قريب منه تكون النتيجة كما قال تعالى : ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ ([1]) يعني ممكن العد ، من جهة الإمكان ممكن العد ولكن في الواقع هل يمكن عده ؟ لا ، ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ .

الآن ، هذه الآية أيضاً تبيّن لك معناها ، ربما سابقاً سألت نفسك : كيف لا تعد نعم الله عليّ كيف لا أحصيها ، مع أنها بحسب الظاهر معدودة ، أليس كذلك ؟ كم هو عدد النعم ، فليكن أي رقم فإنه معدود ، ولكن تبيّن لك لماذا هي غير قابلة للإحصاء ، أو أنّ إحصاءها غير ممكن في الواقع ؛ لأنها في الحقيقة مفاضة على كل وجود الإنسان ، على كل تجلياته ، وتجليات الإنسان إن أردت عدها هل يمكنك إحصاءها ؟ قد وضحت في المثال أنّ هذا غير ممكن ، هل هذا واضح الآن ؟ ) .

فقلت : نعم .

فقال (عليه السلام) : ( لا تقل : " نعم " إن كان هناك شيء مبهم ) .

وفعلاً كان هناك أمر مبهم غير واضح ، أوضحته في سؤالي فقلت : هل أنّ تجليات الإنسان تعني حالاته المختلفة التي يمرّ بها كالقيام والجلوس و .. و .. .

فقال (عليه السلام) : ( لا ، الآن أضرب لك مثالاً آخر : لنفرض أنّ الإنسان عبارة عن ضوء اُريد له أن يصل إلى مكان ، وفتحت أنت مصدر الضوء في مكانٍ ما ، فانتقال الضوء من المصدر ومن مكانه إلى المكان الآخر كيف يحصل ؟ يحصل بتجليه خطوة خطوة باتجاه الهدف ، هذه الخطوات - خطوات الحركة - هي تجليات الإنسان ، وفي الحقيقة أنها باقية كخطوات دائماً ومتجددة دائماً ؛ لأن المصدر دائم البث ، ولو انقطع البث لفني الإنسان وعاد عدماً .

الآن ، لو أرجعتك كم خطوة إلى الوراء لا يتغير فيك شيء ، فقط تكون غير مرئي في العالم الجسماني ، وسيكون لديك جسد أكثر نورانية وغير مثقل بالظلمة ، هذا هو الرفع وهو مراتب . لو أردتك أن تعود أقدمك كم خطوة فتكون تُرى وتحتاج ما يحتاج أهل ذلك العالم الجسماني مما يبقيهم فيه ، فالمرفوع هو في الناس وليس فيهم ([2]).

ولأنّ الإنسان عبارة عن وجود تجلياته التي عددها قريب من لا متناهي ، فانّ النعم الإلهية عليه لا تعد ، فالإنسان ( فطرة الإنسان ) قريب من اللامتناهي وهو الله سبحانه وتعالى ، فهو صورة اللاهوت ، ولذا قال علي (عليه السلام) في وصف حال الإنسان : " تحسب نفسك جرماً صغيراً وفيك انطوى العالم الأكبر " ([3]). قد أتعبتك ربما أو أزعجتك فاعذرني ) .

وحريٌ بالمؤمن الصمت وهو يقرأ هذا التوضيح الذي لو كان وحده لكفى يماني آل محمد السيد أحمد الحسن (عليه السلام) دليلاً على صدق دعوته الإلهية ، فسنين مرت وأدعياء العلم يقرأون قوله تعالى : ﴿ إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ([4]) ولا يعرفون معنى ذلك ، وكيف يكون عيسى (عليه السلام) متوفى ومرفوعاً ، وفي الوقت نفسه حياً لم يمت ويضرب به المثل للاستشهاد على طول حياة الإمام المهدي (عليه السلام) ، فماذا يعني الرفع وكيف يجتمع مع الوفاة وعدم الموت ؟ أسئلة بقيت بلا إجابة عندهم ، أو التخبط كحاطب ليل كما حصل عند المفسرين .

بل لو كان بيانه لمعنى قوله تعالى : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) لكفى العبد الصالح أيضاً ، إذ المعروف أنّ المعدود قابل للاحصاء ولكن أن يكون أمراً ما معدوداً كنعم الله ، ولكنه غير قابل للاحصاء في نفس الوقت كما في الآية ، فهو ما يحتاج الى البيان ، فلماذا لم يوضح معناها أدعياء العلم ، وليس غريباً بعد أن كان للقرآن أهله ، ولكن لماذا لم ينظروا إلى قول داعي الله بدل انتهاج نهج إبليس وجنده بالتكبر على حجج الله واتهامهم والاستهزاء بهم وتكذيبهم ومحاربتهم بلا دليل ؟!!

* * *

[1] - إبراهيم : 34.

[2] - قال أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد أن ضرب : ( .. أنا بالأمس صاحبكم واليوم عبرة لكم ، وغدا مفارقكم .. وإنما كنت جاراً جاوركم بدني أياماً ، وستعقبون مني جثة خلاء ، ساكنة بعد حركة ، وكاظمة بعد نطق ، ليعظكم هدوي وخفوف إطراقي ، وسكون أطرافي ، فإنه أوعظ لكم من الناطق البليغ .. ) الكافي : ج1 ص299 ح6.

[3] - انظر : أعيان الشيعة : ج1 ص552.

[4] - آل عمران : 55.

  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • اسأل نفسك وليسأل كل منصف نفسه السؤال الحتمي بعد معرفة ما روي في كتب المسلمين أن رسول الله محمداً (ص) عندما مرض بمرض الموت طلب ورقة وقلم ليكتب كتاباً وصفه رسول الله محمد (ص) بأنه كتاب يعصم الأمة التي تتمسك به من الضلال إلى يوم القيامة، فمنعه عمر وجماعة معه من كتابة هذا الكتاب في حادثة رزية الخميس المعروفة، فالسؤال هو: هل يقبل أحد أن يتهم رسول الله محمداً (ص) أنه قصَّر في كتابة هذا الكتاب المهم والذي يعصم الأمة من الضلال بعد أن كانت عنده فرصة لأيام قبل وفاته يوم الاثنين ليكتبه ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني الوصية المقدسة الكتاب العاصم من الضلال
  • رجائي أن شيعة آل محمد (ع) يصطفون تحت هذه الراية فهي راية الحق الوحيدة البارزة، والمنادية بالحق، الراية الوحيدة التي لم تداهن ولم تدخل فيما دخل فيه أهل الباطل، ومُخطأ من شيعة آل محمد (ص) من يُعوِل على هؤلاء الذين أيديهم صفرات من الدليل سواء الشرعي أم العقلي على مايدعون من وجوب تقليد ونيابة، مُخطأ من يُعوِل على هؤلاء الذين لايثقون ببعضهم بعضا وكل واحد منهم اخذ مجموعة من شيعة آل محمد (ص) وحزَّبَهم لنفسه دون أن ينصبه الله، حتى فرقوا شيعة آل محمد (ع) شيعا وجعلوهم لايكادون يلتقون حتى في تحديد يومي العيدين...
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • 1
  • 2