raya

إن واحدة من خدع هذه الحضارة المعاصرة أنها اغتصبت مساحات الفكر البشري وراحت توحي للناس أن لكل واحد منهم الحق الطبيعي في التعبير عما يجود به فكره من أفكار ، وحاولت هي التواري خلف الشاشات لترقب الذي يحقق مصالحها فتهرع إليه داعمة إياه ومساندة لنتاجه الذي أيقنت أنه يصب في خدمتها وإن بعد حين ،

وحتى مساندتها إياه لن تكون ظاهرة بل هي تفسح له مساحات أكبر كي يستطيع من خلال تلك المساحات بث ما أنتجه فكره ظانا أن ما يتحقق له بفضل نتاج فكره حسب وليس خلفه أياد مهدت له هذا الظهور والبروز ، ذلك أن الحضارة المعاصرة هي حضارة رأي بامتياز ، بمعنى أنها ترى بالإنسان هو مصدر كل شيء ، والحياة تبدأ منه ، وإليه تعود!!! فمن ثم هو البداية وهو النهاية ، ولقد وجد هذا الاتجاه لدى الإنسان هوى ورغبة واندفاعا ، ذاك أن الإنسان خلق مركب من الفجور الذي يلائم ذلك الاتجاه ، والتقوى التي هي بعكس ذلك الاتجاه تماما حيث أن التقوى تريد من الإنسان أن يكون مثل كلمة ربه سبحانه التي بها عُرف ، فالبداية والنهاية في ساحة التقوى هي ليس الإنسان ، وإنما هي كلمة (الله) التي هي الظهور لاسمه المقدس سبحانه ، وهذا يتطلب من الإنسان كي يصل إلى مقام الكلمة أن يكون كما هي ، ذاك أنها موجود يتسم بغاية التسليم حيث أننا لم نسمع أو نقرأ أو حتى لم يمر في خاطرنا أن الكلمة بوصفها وجودا ممكنا امتنعت من الحضور إذا ما استدعيت ، أو أنها تمردت على أمر صاحبها أو أنها خانت ما عاهدت عليه صاحبها ، فهي وجود كامل التسليم تامّه ، ليس لها جهة تتوجه إليها غير الجهة التي أوجدتها ، قال تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) .
ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ص) ـ ما معناه ـ (من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها) ، وليس أدل على ذلك العصيان والتمرد من انحراف البشرية عن مراد الله سبحانه ، وإعراضها عما يرضيه ، والعمل على ما يسخطه ؛ ذاك أن حركة البشرية في فضاء حاكمية الناس هو تمرد ما بعده تمرد على أمر الله سبحانه وإرادته ، بل أن كل صور الفساد وحالاته وبشاعتها مرده إلى ذلك الفضاء الفاسد الذي اختارته الإرادة البشرية المفتقرة محاولة خداع نفسها أن افتقارها لموجدها هو سر غناها!!! ولاشك في أن هذا التصور يعبر عن مدى اعتباط الفكر البشري ، وحتى نهج الاعتباط الذي بشر به في هذا العصر فكان من ثماره ما أسماه الساسة الأمريكان بـ(الفوضى الخلاقة) هو في واقعه يكشف عن انسلاخ الفكر البشري من إنسانيته العاقلة لينحاز إلى إنسانيته الظلومة الجهولة ، قال تعالى {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}(الأحزاب/72) ، وهذه الأمانة التي شرّقَ المفسرون ـ من دعاة الرأي ـ وغرّبوا في تفسيرها ، إمعانا منهم بالانحراف عن سبيل الله سبحانه ، هي ؛ حاكمية الله سبحانه (الولاية) التي تمرد عليها المسلمون في السقيفة ، وحشدوا كل إمكاناتهم الفكرية لمحاصرة قول آل محمد(ص) فيها ومحاولة تهميشه وتغييبه من ساحة الفكر ، ولو من باب كونه المعادل الموضوعي لما طرحته ساحة السقيفة التي أسست لمشروع ظالم حرمت من خلاله البشرية الإفادة من امتيازات المشروع الإلهي في الحاكمية!!!
إن هذا الذي نشهده اليوم من صعود لنجم الحضارة المادية ، أو حضارة الرأي على الرغم من اتفاق عموم أهلها على تجيير تلك الحضارة باسم الأوربيين ، والثورة الصناعية وعصر التنوير ، وما إلى ذلك من المسميات التي تحاول إخفاء أصل تلك الحضارة وأسها وهو سقيفة الظلم والجهل التي صرفت الأمر عن مساره الحق ، ذاك أن وجود النبي محمد(ص) في هذا العالم ليس حدثا اعتياديا ، بل هو حدث استثنائي بكل مقاييس الحدث الاستثنائي حيث أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان خاتم الأنبياء ، ولعل من معاني هذا الختم ؛ أنه الفرصة الأخيرة للبشرية كي تعود إلى سبيل الله سبحانه باختيارها فتنال بذلك خير الدنيا والآخرة ، لقد كان رسول الله(ص) فرصة الإنسانية الحق للعودة إلى الله سبحانه طائعة مختارة ، فكان وجود رسول الله(ص) على الأرض هو بداية عهد جديد للبشرية ، عهد لحاكمية الله التي عاشتها أمم سابقة مع أنبيائها(ع) ، وهذا العهد الجديد هو آخر عهد للبشرية كي تؤكد لبارئها استحقاقها للسير في سبيله كي تصل إلى مقام الكلمة ، مقام النور الذي لا ظلمة فيه ، مقام التقوى الزاكية ، غير أن البشرية بكل ما فعلت مع رسول الله(ص) وهو المبعوث رحمة للعالمين وليس للعرب وحدهم أو لأهل الأرض حسب ، بل هو مبعوث الله سبحانه إلى العوالم كلها حاملا لها رسالة ربها الخاتمة ، الرسالة التي تنبئ عن اقتراب العود إليه سبحانه آثرت الانحراف عما جاء حاملا إليها ، ولذلك كان القرآن هو البشرى العظيمة للبشرية كلها بل للكون كله لأنه نزل إلى الأرض ليخبر عن اقتراب موعد الأوبة إلى الله سبحانه ، وهذه الأوبة تكون على مراحل ؛ صغرى بقيام حاكميته على أرضه ، ووسطى ؛ بالرجعة إلى عالم ينتصر فيه من محض الإيمان محضا على من محض الكفر محضا ، وكبرى ؛ تلك التي يكون فيها الخلق فسطاطين ، فسطاطا يخلد في الجحيم مهانا (من آمن بحاكمية الناس وعمل لها وبها) ، وفسطاطا يخلد في الجنة مكرما (من آمن بولاية الله وعمل لها وبها) .
إن انقلاب البشرية على حاكمية الله سبحانه في السقيفة شكل انعطافة لمسيرتها التاريخية ، على الرغم من أن المنهج الإلهي في دعوته إلى سبيله قد سار على وفق ما أراد الله سبحانه {ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}(النحل/125) ، وليس أدل على هذا النهج من مسعى محمد وآل محمد(ص) في الناس ومحاولتهم في إعادتهم إلى جادة الصواب باذلين بإزاء ذلك الغالي والنفيس ، وليس هناك أغلى على الله سبحانه ورسوله(ص) وعلي(ص) من الحسن والحسين(ص) اللذين بذلا مهجهما في سبيل الله سبحانه وهما يعظان هذه الأمة التي اختارت الانحراف الكامل عن سبيل ربها ، ووصلنا اليوم إلى مرحلة الجدال بالحسنى ، وها هو اليوم برعم محمد(ص) الطبين يجادل العالم كله بحكمة سبيل الله وحاكميته ، والناس تلقاه بالاتهام والتكذيب ، وكأنهم ـ سبحان الله العلي العظيم ـ لم يخطئوا سبيل من سبقهم من الأمم!!! تماما كما أخبر رسول الله(ص) عندما قال ـ ما معناه ـ (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو أنهم دخلوا جحر ضب لدخلتموه) ، نعم ها هي الأمة تحذو حذو من سبق مع وصي ورسول الإمام المهدي(ص) السيد أحمد الحسن على الرغم من هذا الكم العظيم من الروايات لآل محمد(ص) التي بينت حال الدعوة وصاحبها ، وحتى القرآن الكريم يتحدث عن تلك الدعوة العظيمة في سوره وآياته ، لقد كان من المثير والغريب عند تدبر الكتاب أن نجد احتفاءه بقصص عدد من الأنبياء من دون أن يذكر الآخرين(ع) ، وكأن هناك غاية من ذكر هؤلاء الأكارم(ع) دون غيرهم ، ولم نلحظ أن هناك غير آل محمد(ص) من أشار إلى هذا المفصل الواضح تماما في القرآن ، بل أن الأوضح من ذلك احتفاؤه بقصة موسى كليم الله(ع) ، فقد ذكرها الحق سبحانه في أكثر من سياق وبين الكثير من جوانبها وبثها في معظم كتابه ، حتى لا تكاد تقرأ سورة إلا وفيها إشارة إلى قصة موسى(ع) إما مباشرة ، وإما غير مباشرة!!! أ لا يشكل ذلك باعثا للتفكر والتدبر الذي دعا الله سبحانه عباده إليه؟؟!! نعم لقد حاول المفسرون من دعاة الرأي صرف الأمر عن مؤداه ، بل وغيروا الكثير من تفاصيله ، إلا أنهم مع القصص القرآني وقفوا عاجزين تماما ، بل وانفضح هشاشة منهجهم الذي نهجوا ، ومن ثم انكشف تنكبهم عن الصراط!!! حيث أنهم لما اصطدموا بالقصص هرعوا إلى أحبار اليهود ورهبانهم الذين ذم القرآن الكريم انحرافهم عن سبيل موسى(ع) وكشف باطلهم ، ولاشك في أن نهج أولئك المفسرين بأخذ تفسير القصص عن أولئك الإسرائيليين ، وما سمي فيما بعد بالإسرائيليات ، هو بيان واضح عن انحرافهم عن سبيل الله سبحانه ، فكيف يقول الله سبحانه لرسوله(ص) {... ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ...}(النحل/89) ، ثم يكون تبيانه في ميدان آخر؟؟؟!!! هل يستقيم ذلك؟! بالطبع لا يستقيم ، إذن لابد أن يكون التبيان في الكتاب لا في سواه ، وهنا انكشف انحراف أولئك الذين انحازوا إلى ما يرون برأيهم ، على حساب ما بينه آل محمد(ص) وهم المنصبون قوّاما على الكتاب ، وهم بيانه للناس ، قال تعالى {وما أرسلنا من قبلك إلا رجلا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}(النحل/44) ، وأهل الذكر هم آل محمد(ص) وهم القيمون على الكتاب بتنصيب الله سبحانه لهم ، فلا أحد يدّعي تفسير القرآن وبيانه غيرهم (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) ، وبما أن القرآن هو دستور الله وتشريعه للناس ، فالقيمون عليه لابد أن يكونوا هم الحاكمون للناس بالكتاب ، وهم الناطقون به لا أحد سواهم ، ولذلك من يدعي اتباع القرآن من دون آل محمد(ص) هو ذاته الذي يقول عنه القرآن {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون * ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون * أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون}(البقرة/84-87) .
إن دعوة وصي ورسول الإمام المهدي(ص) السيد أحمد الحسن الناس لكي يعودوا إلى حاكمية الله سبحانه كي ينقذوا أنفسهم من الهلاك في بحر حاكمية الضلال ؛ حاكمية الناس التي دفعوا في سبيلها الذي ثمرته سخط الله سبحانه من الأثمان ما كانوا سيتجنبون دفع عشر معشاره لو أنهم أسلموا لله سبحانه ولحاكميته ، ولم يروا لهم مع قول الله سبحانه قولا ولا رأيا . إن هذا العداء لدعوة وصي ورسول الإمام(ص) هو عداء ليس لشخصه وإنما لما يدعو إليه ، فهو قبل أن يصدع بأمر الله سبحانه وأمر وليه الأعظم الإمام المهدي(ص) ، كان بين الناس وبين طلبة الحوزة العلمية في النجف الصادق الأمين كما كان يوصف جده رسول الله(ص) قبل أن يصدع بدعوته ، وما إن صدع بدعوته حتى صار عدوا للدين والإسلام وهو ساحر وهو مجنون وهو ضال ، وما إلى ذلك من التهم التي كان يتهم بها أنبياء الله ورسله(ع) ، والحق أنهم لا يكذبونه وإنما يكذبون من أرسله ، قال تعالى {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون}(الأنعام/33) ، نعم هم يجحدون بحاكمية الله سبحانه ويعادونها لأن ظهورها وتمكنها سيفضح فساد حاكمية الناس وعظم المأساة التي تسببت بها سقيفة الظلم والجهل ، ويشاء الله سبحانه أن يفتن الناس بما انتهجوه كي يكشف لهم زيفه وعقمه وفساده ، وذلك من خلال ممارسة الحاكمية من كل الذين رضوا لأنفسهم هذا المسار ، وتكون كلمة الله وحاكميته هي الفيصل في آخر الزمان ليخزي الله سبحانه أولئك الذين ظلموا والذين أعانوا والذين قبلوا بفعل الظالمين ، حيث ورد عن الإمام الباقر(ص) قوله (إن دولتنا آخر الدول ، ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلا ملكوا قبلنا ، لئلا يقولوا إذا رأوا سيرتنا : إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء ، وهو قول الله تعالى {والعاقبة للمتقين})(الإرشاد للشيخ المفيد :2/385) ، وهذا وعد غير مكذوب ولذلك كانت حرب أولئك شرسة على حاكمية الله سبحانه .

  • رجائي أن شيعة آل محمد (ع) يصطفون تحت هذه الراية فهي راية الحق الوحيدة البارزة، والمنادية بالحق، الراية الوحيدة التي لم تداهن ولم تدخل فيما دخل فيه أهل الباطل، ومُخطأ من شيعة آل محمد (ص) من يُعوِل على هؤلاء الذين أيديهم صفرات من الدليل سواء الشرعي أم العقلي على مايدعون من وجوب تقليد ونيابة، مُخطأ من يُعوِل على هؤلاء الذين لايثقون ببعضهم بعضا وكل واحد منهم اخذ مجموعة من شيعة آل محمد (ص) وحزَّبَهم لنفسه دون أن ينصبه الله، حتى فرقوا شيعة آل محمد (ع) شيعا وجعلوهم لايكادون يلتقون حتى في تحديد يومي العيدين...
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • 1
  • 2