raya

فهرس المقال

1 – ( وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني ):

فهو أهدى الرايات في عصر الظهور، وهذا يعني بأنه الممهد الرئيسي لقيام الإمام المهدي (ع) ، وكل راية أو دعوة تعارضه فهي باطل وانحراف، ولا يمكن أن يُقرَن به احد مهما كان.

قال الله تعالى: { قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } القصص49.

وقال الله تعالى: { قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } القصص24.

ومن هذا نعرف أن في عصر الظهور المقدس هناك راية هي أهدى الرايات ، ومأمور بنصرتها ومنهي عن مخالفتها، وتدعو إلى الإمام المهدي (ع)، وتدعو إلى الحق والى طريق مستقيم، فهي راية محمد وال محمد (ع)، لأنها نفس أوصافها، وعندما نخوض في دراسة موضوع الرايات في عصر الظهور يطول الكلام جدا وسأحاول اختصاره قدر الإمكان، ولذلك أرجو من القارئ الكريم أن يتابع معي وبدقة إلى النهاية، لأنه سيتضح أن أهل البيت (ع) قد بينوا الأمر بصورة جلية ولكن بمناسبات وعبارات مختلفة:

عن أمير المؤمنين(ع ) في حديث طويل : ( … لنا راية من استضل بها كنته ومن سبق إليها فاز ومن تخلف عنها هلك، ومن فارقها هوى، ومن تمسك بها نجا … ) البحار ج10 ص89 - 111.

وهذا ايضا وصف الراية الموروثة من رسول الله (ص):

عن أمير المؤمنين (ع): ( ... ونشهد أن لا إله غيره وأن محمدا عبده ورسوله . أرسله بأمره صادعا، وبذكره ناطقا . فأدى أمينا ومضى رشيدا . وخلف فينا راية الحق من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها زهق. ومن لزمها لحق دليلها مكيث الكلام. بطئ القيام ، سريع إذا قام ... )[21].

بل نجد راية اليماني الموعود مشابهة لدين محمد (ص) واله (ع)، كما في الرواية الاتية:

عن محمد بن سنان قال : كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فأجريت اختلاف الشيعة ، فقال : ( يا محمد إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة ، فمكثوا ألف دهر ، ثم خلق جميع الأشياء ، فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوض أمورها إليهم ، فهم يحلون ما يشاؤون ويحرمون ما يشاؤون ولن يشاؤوا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى ، ثم قال : يا محمد هذه الديانة التي من تتدينها مرق ومن تخلف عنها محق ، ومن لزمها لحق ، خذها إليك يا محمد ) الكافي ج 1 ص 441 باب بلد النبي (ص) ووفاته ح5.

وهذا الوصف وُصِف به باب آل محمد (ع) والذي يكون عند التمييز – عصر الظهور – كما في قول أمير المؤمنين (ع) لبعض شيعته وقد ذكر تغلب أهل الباطل:

( يا معشر شيعتنا صلوا معهم الجمعات، وأدوا إليهم الأمانات، فإذا جاء التمييز قامت الحرب على ساق، فمعنا أهل البيت باب من أبواب الجنة من اتبعه كان محسناً، ومن تخلف عنه كان ممحقاً، ومن لحق به لحق بالحق. ألا إن الدين [ بنا ] فتح وبنا يختم، ولو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم واحد لولاه الله تعالى رجلاً منا يملاها عدلاً كما ملئت جوراً ) شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج 3 ص 389.

ولاحظ هنا أن أمير المؤمنين (ع) يشير إلى زمن قيام الإمام المهدي (ع) والحروب والفتن التي تسبقه، فتأمل في قوله (ع) عن هذا الباب: ( ومن لحق به لحق بالحق )، وقارنه مع وصف اليماني في كلام الإمام الباقر (ع): ( لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم )، و ( هي راية هدى ، لأنه يدعو إلى صاحبكم ). والحر تكفيه الإشارة.

فإن قلت: من أين لك إثبات أن راية اليماني هي راية أهل البيت (ع) ؟

أقول:

ثبت من خلال ما تقدم أن راية اليماني راية هدى بل أهدى الرايات ، وهي راية حق وتدعو إلى الحق والى الإمام المهدي (ع)، وممدوحة بمدائح عظيمة، وعندما نأتي إلى روايات أهل البيت (ع) نجدها تحذر بلهجة شديدة عن اتباع أي راية قبل قيام القائم (ع) وفي عصر الظهور ، إلا راية واحدة ، وصفت بعدة أوصاف وبألفاظ مختلفة، فتارة نجدهم يعبرون عنها بأنها حسينية، وتارة بأن مع صاحبها عهد رسول الله (ص)، وتارة بأنها مشرقية ، وتارة بأنها سوداء، وتارة بأن صاحبها خامل أصله، وتارة بأنها راية آل محمد وعلي (ص)، وتارة بأنها يسوقها رجل من آل محمد (ص) ... الخ.

وبما أن الحق واحد ولا يتعدد ، فلابد أن تكون هذه الراية الممدوحة من بين الرايات والمأمور باتباعها هي راية اليماني الموعود – أهدى الرايات – إذن فهي راية أهل البيت (ع) لا غير، ولنتصفح الروايات الآتية لنقف على الحقيقة بشكل أوضح:

  • عن الباقر (ع) قال : ( ... إياك وشذاذ من آل محمد (ع) فأن لآل محمد وعلي راية ولغيرهم رايات فالزم الأرض ولا تتبع منهم أحداً أبداً حتى ترى رجلاً من ولد الحسين (ع) معه عهد نبي الله ورايته وسلاحه فإن عهد نبي الله صار عند علي بن الحسين ثم صار عند محمد بن علي ويفعل الله ما يشاء فالزم هؤلاء أبداً وإياك ومن ذكرت لك ... ) إلزام الناصب 296 .

وفي الرواية السابقة لو قلنا بأن هذه الراية غير راية اليماني الموعود للزم أن تكون راية اليماني من ضمن الرايات الشاذة والمنهي عن اتباعها ، لأن الرواية لم تستثنِ غير راية واحدة حسينية، ومن المعلوم أن راية اليماني الموعود موصوفة بأنها أهدى الرايات وتدعو إلى الحق والى صراط مستقيم ومأمور بنصرتها، إذن فهي الراية الحسينية وهي راية آل محمد (ع).

ومما تقدم نعرف أن اليماني سيد حسيني ومن آل محمد ومعه عهد رسول الله (ص).

  • عن أبي جعفر (ع)  أنه سُئل عن الفرج متى يكون  فقال : ( إن الله عز وجل يقول : " فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ " ثم قال : يرفع لآل جعفر بن أبي طالب راية ضلال ثم يرفع آل عباس راية أضل منها وأشر ثم يرفع لآل الحسن بن علي (ع) رايات وليس بشئ ثم يرفع لولد الحسين عليه السلام راية فيها الأمر ) شرح الأخبار 3 /97.

وهذه الرواية أيضا تؤكد على أن الراية الحقة الوحيدة قبل قيام الإمام المهدي (ع) هي راية حسينية وفيها الأمر أي الفرج وقيام الإمام المهدي (ع) وإنشاء دولة العدل الإلهي الموعودة.

وقوله ( فيها الأمر ) له علاقة بوصف اليماني ( لأنه يدعو إلى صاحبكم )، أي إلى الإمام المهدي (ع)، ويمهد له قيامه المقدس.

  • عن أمير المؤمنين (ع) في حديث طويل : (... وتقبل رايات من شرقي الأرض غير معلمة ، ليست بقطن ولا كتان ولا حرير ، مختوم في رأس القناة بخاتم السيد الأكبر يسوقها رجل من آل محمد تظهر بالمشرق ، وتوجد ريحها بالمغرب كالمسك الأذفر يسير الرعب أمامها بشهر حتى ينزلوا الكوفة طالبين بدماء آبائهم . فبينما هم على ذلك إذ أقبلت خيل اليماني والخراساني يستبقان كأنهما فرسي رهان ... ) بحار الأنوار ج 52 ص 274.

وفي هذه الرواية عدة نقاط:

أ – بعد ان أسسنا نقطة هامة جدا وهي أن راية الهدى والحق في عصر الظهور واحدة وهي راية اليماني الموعود، يتبين أن هذه الراية أو الرايات التي في الرواية السابقة هي رايات اليماني الموعود ، لأنها موصوفة بصفات جليلة وعظيمة، وقد تقدم أن كل الرايات في عصر الظهور مذمومة إلا راية واحدة ( ... فأن لآل محمد وعلي راية ولغيرهم رايات فالزم الأرض ولا تتبع منهم أحداً أبداً حتى ترى رجلاً من ولد الحسين (ع) معه عهد نبي الله ورايته وسلاحه ... ).

ب – قوله (ع): ( وتقبل رايات من شرقي الأرض ):

نعرف منه أن هذه الرايات مشرقية ولا علاقة لها باليمن أو غيره، وجهة المشرق هنا هي العراق وإيران، إذن فحركة اليماني مشرقية مرددة بين العراق وإيران أو ان عصبة أنصارها منهما.

ج – قوله (ع): ( غير معلمة ، ليست بقطن ولا كتان ولا حرير ):

الرايات المعلمة الظاهر هي الرايات الملونة أو المرسوم على حافاتها رموز أو كتابة معينة، ومع مقارنة ذلك مع روايات أخرى يتبين أنها رايات سود لا يشوبها لون غير السواد، ولعل لها معنى باطني آخر وهي كونها هدى خالص لا يشوبه باطل، أي كوصف راية اليماني ( أهدى الرايات .. يدعو إلى الحق والى طريق مستقيم .. ).

وأما وصفها بأنها ليست من قطن ولا كتان ولا حرير، فلعل معناه أنها هي الراية الغالبة التي يتوارثها الأئمة (ع) كابر عن كابر، أو أنها منها ومنطوية تحتها هدفا ومنهجا ... الخ.

ويتضح هذا الأمر أكثر عندما نسمع وصف الراية المغلبة، وأنها ليست من قطن ولا كتان ولا حرير، في الرواية الآتية:

عن أبي بصير ، قال : " قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ( لا يخرج القائم ( عليه السلام ) حتى يكون تكملة الحلقة .

قلت : وكم تكملة الحلقة ؟

قال : عشرة آلاف جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، ثم يهز الراية ويسير بها فلا يبقى أحد في المشرق ولا في المغرب إلا لعنها ، وهي راية رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) نزل بها جبرئيل يوم بدر .

ثم قال : يا أبا محمد ، ما هي والله قطن ولا كتان ولا قز ولا حرير .

قلت : فمن أي شئ هي ؟

قال : من ورق الجنة ، نشرها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم بدر ، ثم لفها ودفعها إلى علي ( عليه السلام ) ، فلم تزل عند علي ( عليه السلام ) حتى إذا كان يوم البصرة نشرها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ففتح الله عليه ، ثم لفها وهي عندنا هناك لا ينشرها أحد حتى يقوم القائم ( عليه السلام ) ، فإذا هو قام نشرها فلم يبق أحد في المشرق والمغرب إلا لعنها ، ويسير الرعب قدامها شهرا ، وورائها شهرا ، وعن يمينها شهرا ، وعن يسارها شهرا ، ثم قال : يا أبا محمد ، إنه يخرج موتورا غضبان أسفا لغضب الله على هذا الخلق ... ) كتاب الغيبة للنعماني ص 319 - 320 بـ 19 ح1.

ويؤيد هذا الأمر أكثر ما تقدم من أن راية اليماني الموعود هي راية آل محمد وعلي (ص).

د – قوله (ع): ( مختوم في رأس القناة بخاتم السيد الأكبر ):

السيد الأكبر هو الرسول محمد (ص)، لا كما حاول الكوراني تحريفها، عندما قال: بأنه قد يكون السيد الخميني ( ره )، فقد جاء في دعاء الندبة :

( وصل على محمد جده رسولك السيد الأكبر ... ) المزار للمشهدي ص 583.

وايضا روى المفضل بن عمر في حديث طويل عن الامام الصادق (ع) في القائمة (ع) والرجعة: ( ... هيهات يا مفضل والله ليردن وليحضرن السيد الأكبر محمد رسول الله صلى الله عليه وآله والصديق الأكبر أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة عليهم السلام وكل من محض الإيمان محضا أو محض الكفر محضا ... ) بحار الأنوار ج 53 ص 14.

وهذا ان لم يعني أنها نفس راية رسول الله (ص) المغلبة ، فهي منها أي من يمثلها ويحكي عنها.

وأما مسألة خاتم رسول الله (ص)، فالمستفاد من الراويات أن له (ص) أكثر من خاتم، ولكن الأرجح – ان حملناه على المعنى المادي – هو الخاتم الذي أعطاه الرسول (ص) لعلي (ع) قبل وفاته:

عن أبان بن عثمان ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : لما حضرت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الوفاة .... قال – أي الامام علي (ع) - : فنظرت إليه حتى نزع خاتمه من أصبعه فقال : تختم بهذا في حياتي ، قال : فنظرت الخاتم حين وضعته في إصبعي فتمنيت من جميع ما ترك الخاتم ... ) الكافي ج1 ص236 باب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله (ص) ح9.

وقد احتج أمير المؤمنين (ع) على القوم بوراثته لهذا الخاتم:

عن أبي جعفر عليه السلام قال قال أمير المؤمنين عليه السلام حين قتل عمر ناشدهم قال: ( نشدتكم الله هل فيكم أحد ورث سلاح رسول الله ورأيته وخاتمه غيري قالوا لا ) بصائر الدرجات للصفار ص 202.

والظاهر ان هذا خاتم هو  خاتم سليمان (ع) الذي كان يفتخر به أمير المؤمنين (ع):

عن أبي جعفر عليه السلام قال : ( خرج أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة بعد عتمة وهو يقول همهمة همهمة ، وليلة مظلمة خرج عليكم الإمام ، عليه قميص آدم ، وفي يده خاتم سليمان ، وعصا موسى عليهما السلام ) الكافي ج 1 ص 231 – 232.

وخاتم سليمان كان عند الإمام الجواد (ع) أيضا:

عن الحسين بن موسى بن جعفر ، قال : ( رأيت في يد أبي جعفر محمد بن علي الرضا ( عليهما السلام ) ، خاتم فضة ناحل فقلت : مثلك يلبس مثل هذا ! قال ( عليه السلام ) : " هذا خاتم سليمان بن داود ( عليهما السلام ) " ) مستدرك الوسائل ج 3 ص 284.

وقد يكون هو نفسه الخاتم ذو الفص الأسود الذي أخرجه الإمام الصادق (ع)[22] لعبد الله بن سنان:

عن عبد الله بن سنان قال : ( ذكرنا خاتم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : تحب أن أريكه ؟ فقلت : نعم فدعا بحق مختوم ففتحه وأخرجه في قطنة فإذا حلقة فضة وفيه فص أسود عليه مكتوب سطران " محمد رسول الله " صلى الله عليه وآله قال : ثم قال : إن فص النبي صلى الله عليه وآله أسود ) الكافي ج 6 ص 473 – 474.

وقد روي عن الإمام علي (ع) أن خاتم سليمان عند دابة الأرض التي تخرج في آخر الزمان:

( ... وما ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال : خروج دابة ( من ) الأرض من عند الصفا ، معها خاتم سليمان بن داود ، وعصى موسى عليهم السلام ، يضع الخاتم على وجه كل مؤمن فينطبع فيه : هذا مؤمن حقا ، ويضعه على وجه كل كافر فينكتب هذا كافر حقا ... ) كمال الدين وتمام النعمة ص 527.

وأيضا روي أن خاتم سليمان يكون مع القائم (ع):

عن الريان بن الصلت قال: ( قلت للرضا عليه السلام: أنت صاحب هذا الأمر ؟

فقال : أنا صاحب هذا الأمر ولكني لست بالذي أملاها عدلا كما ملئت جورا ، وكيف أكون ذلك على ما ترى من ضعف بدني ، وإن القائم هو الذي إذا خرج كان في سن الشيوخ ومنظر الشبان ، قويا في بدنه حتى لو مد يده إلى أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها ، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها ، يكون معه عصا موسى ، وخاتم سليمان عليهما السلام . ذاك الرابع من ولدي ، يغيبه الله في ستره ما شاء ، ثم يظهره فيملأ [ به ] الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ) كمال الدين وتمام النعمة ص 376.

وقد قيل ان خاتم سليمان سداسي الشكل ، كما جاء في هامش بحار الأنوار ج 92 - هامش ص 28، رقم2: ( قيل : وصورة خاتم سليمان أن ترسم مثلثين متواردين ، بحيث يحصل من ذلك كوكبة لها ستة زوايا هكذا ( أي نجمة سداسية )[23] * وقيل يرسم ثلاث مثلثات متواردات ).

وايضا جاء ذلك في هامش مكارم الاخلاق للطبرسي هامش ص 402، رقم1: ( صورة خاتم سليمان - ( عليه السلام ) - في الكتب المشهورة هكذا : وفي بعضها كذا : وفي بعضها كذا : ). وذكر ان احد الاشكال هو النجمة السداسية.

وقد وردت النجمة السداسية في بعض أحراز الأئمة (ع)، وهي نجمة نبي الله داود (ع)، ولها أسرار عظيمة، والثابت أن مواريث الأنبياء كلها عند الرسول محمد (ص) وقد ورثها منه أمير المؤمنين (ع) وهكذا الأوصياء من بعده إلى القائم (ع)، وقد دلت الروايات السابقة على أن خاتم سليمان (ع) عند الأئمة (ع) وهم يتفاخرون به ويعظمونه اشد التعظيم.[24]

وعلى أي حال فالراجح أن لم يكن أكيدا أن المقصود من خاتم الرسول (ص) هو خاتم نبي الله سليمان (ع) وهو سداسي الشكل، وبغض النظر عن ذلك، فالمتحصل لدينا أن هذه الرايات المشرقية هي رايات آل محمد (ع) ومختومة بخاتم رسول الله (ص) أي انها منه وله واليه وليست برايات ضلال.

هـ - قوله (ع): ( يسوقها رجل من آل محمد تظهر بالمشرق ):

هنا تأكيد آخر على أن هذه الرايات تظهر بالمشرق ، وقوله بأنها يسوقها رجل من آل محمد (ع) أي يقودها سواء كانت قيادة فكرية وعقائدية أو قيادة مباشرة بأن يكون معها في نفس المسير، ومن هذا نعرف أن هذه الرايات يقودها رجل من آل محمد أي انه صاحب راية آل محمد وعلي (ع) كما في رواية الإمام الباقر (ع) وهي أيضا راية حسينية كما ثبت أيضا فيما تقدم ، إذن فلا يكون لها مصداق غير راية اليماني .. لأنه لا توجد أكثر من راية ممدوحة هكذا غير راية اليماني الموعود، وبذلك يتضح أن اليماني رجل من آل محمد ومعه عهد رسول الله (ص) – وصيته – أي انه وصي من الأوصياء.

و – قوله (ع): ( وتوجد ريحها بالمغرب كالمسك الأذفر ):

ربما الريح هنا كناية عن العلم والهداية وحسن السيرة، أي ان هذه الرايات تظهر بالمشرق ويبلغ هداها واستقامة منهجها إلى المغرب وتوجد هناك من يعرف ريحها ويحمله ويتعطر به. والله العالم.

ز – قوله (ع): ( يسير الرعب أمامها بشهر حتى ينزلوا الكوفة طالبين بدماء آبائهم ):

ومسألة مسيرة الرعب أمامها شهرا هي من صفات راية رسول الله (ص) التي جاء بها جبرائيل  (ع) من الجنة والتي هي راية الإمام المهدي (ع) كما سبق في رواية الإمام ( ... فإذا هو قام نشرها فلم يبق أحد في المشرق والمغرب إلا لعنها ، ويسير الرعب قدامها شهرا ، وورائها شهرا ، وعن يمينها شهرا ، وعن يسارها شهرا ... ).

وهذا يؤكد أكثر على أن هذه الراية هي راية الإمام المهدي (ع) أو انها راية اليماني الموعود التي هي أهدى الرايات ، والمأمور باتباعها ومنهي عن اتباع غيرها.

ح – قوله (ع): ( فبينما هم على ذلك إذ أقبلت خيل اليماني والخراساني يستبقان كأنهما فرسي رهان ... ):

الظاهر أن المقصود من خيل اليماني هنا ليس راية اليماني ولا جيشه الملتصق به منذ البداية، لان تكملة الرواية تبين أن هؤلاء – خيل اليماني – يظهرون الندم والتوبة عن تأخرهم وجلوسهم، وهذا هو قولهم كما جاء في تكملة الرواية: ( فيقول: لا خير في مجلسنا بعد يومنا هذا اللهم فانا التائبون ، وهم الابدال الذين وصفهم الله في كتابه العزيز " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " ).

وقد يكون هؤلاء من أتباع اليماني والخراساني وقد تأخروا عن النصرة أو عرض لهم أمر ما سبب تأخرهم ولذلك نرى حسرتهم وندامتهم .. فالرواية عبرت عنهم بـ ( خيل اليماني ) وليس اليماني نفسه.

وسيأتي إن شاء الله في الحلقات القادمة مبحث تعدد اليماني بمعنى أن أصحاب وأنصار وقادة اليماني الموعود كلهم يمانية نسبة إلى قائدهم ، أي ان كل واحد منهم يوصف بـ ( اليماني )، كما ان قادة وأتباع السفياني كل واحد منهم يسمى سفياني نسبة إلى قائدهم السفياني الأصل.

وعلى هذا فقد يكون ( خيل اليماني ) هي خيل احد قادة اليماني وأتباعه، وقد تأخروا أو حال بينهم وبين اللحوق حائل ما ... والله العالم.

ولا ننسى الأصل الأصيل الذي تقدم بيانه وهو أن راية اليماني هي أهدى الرايات ، وهي راية آل محمد (ع) ولا توجد راية غيرها مأمور بطاعتها ... الخ.

ولنأتي الآن إلى سماع رواية أخرى عن راية آل محمد في عصر الظهور المقدس.

  • عن أمير المؤمنين (ع) قال على منبر الكوفة : (( لابد من وجود رحى تطحن فإذا قامت على قطبها وثبتت على ساقها بعث الله عليها عبداً عنيفاً خاملاً أصله يكون النصر معه أصحابه الطويلة شعورهم أصحاب السبال سود ثيابهم أصحاب رايات سود ويل لمن لمن ناواهم يقتلونهم هرجاً والله لكأني أنظر إليهم وإلى أفعالهم ومايلقى الفجّار منهم والأعراب الجفاة يسلطهم الله عليهم بلا رحمة فيقتلونهم هرجاً على مدينتهم بشاطئ الفرات البرية والبحرية جزاء بما عملوا وما ربك بظلام للعبيد )) غيبة النعماني ص265 .

وأيضا في الرواية أعلاه عدة نقاط لابد من بيانها:

أ – قوله (ع): ( لابد من وجود رحى تطحن فإذا قامت على قطبها وثبتت على ساقها ... ):

نجد هذا الوصف للفتن ورحى الحرب: ( قامت على قطبها وثبتت على ساقها )، في غير هذه الرواية من كلام أهل البيت (ع)، ونجدهم يصرحون أو يشيرون بأنه حينئذ يكون الفرج برجل من آل محمد (ع)، بل ويشيرون إلى راية آل محمد في عصر الظهور المقدس:

عن أمير المؤمنين (ع) في خطبة طويلة: ( .... أما بعد ، فإنه لا بد من رحى تطحن ضلالة ، فإذا طحنت قامت على قطبها . ألا وإن لطحنها روقا وإن روقها حدها وعلى الله فلها . ألا وإني وأبرار عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغارا وأعلمهم كبارا . معنا راية الحق والهدى ، من سبقها مرق ومن خذلها محق ومن لزمها لحق . إنا أهل بيت من علم الله علمنا ، ومن حكم الله الصادق قيلنا ، ومن قول الصادق سمعنا . فإن تتبعونا تهتدوا ببصائرنا وإن تتولوا عنا يعذبكم الله بأيدينا أو بما شاء . نحن أفق الإسلام ، بنا يلحق المبطئ وإلينا يرجع التائب ) كتاب سليم بن قيس - تحقيق الأنصاري - ص 258 – 259.

فنجد أمير المؤمنين (ع) يخبر عن رحى الضلالة والحرب، ثم يخبر عن راية الحق والهدى التي من لزمها لحق ومن خذلها محق، وكأنه يقول عند ذلك فعليكم باتباع رايتنا المعصومة المنجية من تلك الفتنة، وقد عرفنا أن راية آل محمد وعلي (ع) في آخر الزمان هي راية اليماني الموعود، وهي متصفة بنفس الصفات التي ذكرها أمير المؤمنين (ع): ( راية الحق والهدى ، من سبقها مرق ومن خذلها محق ومن لزمها لحق ).

وكذلك نجد أمير المؤمنين (ع) يتكلم عن نفس الرحى الطاحنة، وخصوصا إذا قارنا بين الروايتين:

( لابد من وجود رحى تطحن فإذا قامت على قطبها وثبتت على ساقها ... ).

( لا بد من رحى تطحن ضلالة ، فإذا طحنت قامت على قطبها ).

ثم نجد الإمام علي (ع) بعد ذلك يطلب النصرة والاتباع لهذه الراية المهدية ، ويحذر عن خذلانها بالعذاب: ( فإن تتبعونا تهتدوا ببصائرنا وإن تتولوا عنا يعذبكم الله بأيدينا أو بما شاء ).

وأيضا قارن ذلك بوصف الباقر (ع) لليماني الموعود بوجوب نصرته وان المتخلف عنه من أهل النار، يتضح لك الحال بأوضح مقال.

والآن نأتي إلى قول أمير المؤمنين (ع) بعد قوله: ( لابد من وجود رحى تطحن فإذا قامت على قطبها وثبتت على ساقها ... ).

ب – قوله (ع): ( بعث الله عليها عبداً عنيفاً خاملاً أصله ):

أي ان بعد قيام الرحى يبعث الله تعالى عليها عبداً عنيفاً، أي يبعثه للحرب والقضاء على قطب رحى الباطل والفساد والإفساد، ووصفه بـ ( عبداً )، مأخوذ من العبودية والطاعة لله تعالى، أي إن هذا الرجل هو ( عبد الله ) في عصر الظهور، وطبعا هذا لا يعني انتفاء هذه الصفة عن غيره مطلقاً، بل يعني انطباقها عليه بأعلى مستوياتها في وقته ومحيطه، كما قال عيسى (ع): { قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً } الجن30، وكما وصف الله تعالى رسوله محمد (ص): { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } الجن19، وأيضا كما كان يقول أمير المؤمنين (ع) مفتخرا ( أنا عبد الله واخو رسول الله ).

ووصفه بـ ( عنيفاً ) يعني انه شديد صلب في أمره ، مأخوذ من العنف وهو ضد الرفق، وهذا أكيد نظرا إلى مهمة هذا الرجل الذي هو الممهد الرئيسي للإمام المهدي (ع) وقد استفاضت الروايات في وصف شدة الإمام المهدي (ع) وكثرة القتل والتنكيل الذي يوقعه بالظالمين والمنافقين والمنحرفين عند قيامه.

وأما وصفه بـ ( خاملاً أصله )، فهنا مفردتان لابد من الوقوف على معناهما وهما: ( خاملاً ) و ( أصله ):

ـ خاملاً: مأخوذ من ( خمل ) أي خفي، فيكون ( خاملاً ) بمعنى خافياً. قال الزبيدي في تاج العروس: ( [ خمل ] : خمل ذكره وصوته خمولا : خفي. قال المتنخل:

هل تعرف المنزل بالأهيل * كالوشم في المعصم لم يخمل ؟

أراد لم يدرس فيخفى ، هو من حد نصر ، هكذا صرح به الأزهري وابن سيده والجوهري والصاغاني وابن القطاع وابن القوطية .... ) تاج العروس ج14 ص212، مادة خمل.

إذن فالخمول هنا في هذا الحديث هو الخفاء وعدم الشهرة بين الناس.

ـ ( أصله ): واصل الشجر والنبات هو جذوره وعروقه، وقولهم قلعت الشجرة من أصلها أي من عروقها، وهو يطلق على الإنسان ويراد منه نسبه من الآباء والأجداد:

قال ابن منظور في لسان العرب: ( ... أنشد ثعلب : ورب حسيب الأصل غير حسيب أي له آباء يفعلون الخير ولا يفعله هو ... ) لسان العرب ج 1 ص 310، مادة حسب.

وهذا هو المتعارف بين الناس والمتبادر عندما يقال ( أصل فلان ) أي نسبه، والنسب هو الانتساب إلى الآباء .. والحسب هو مفاخر الآباء ومناقبهم .. أو مفاخر الرجل نفسه، وقد يطلق أيضا على المال .. الخ.

فيكون معنى ( خاملاً أصله ) أي خافياً نسبه، ومنه يتضح أن صاحب راية آل محمد وأهدى الرايات في عصر الظهور .. يوجد أمر خفي في نسبه، وهذه الإشارة من أهل البيت (ع) ليست اعتباطية – وحاشاهم من الاعتباط – فلهم في كل إشارة غاية أو غايات، وسيأتي بيان كيفية خفاء نسب اليماني وخموله في الحلقات القادمة إن شاء الله فانتظر.

وقوله ( بعث الله عليهم عبدا ... ) أي ان هذا الرجل مبعوث من الله بمعنى انه من جند الله تعالى، لا بمعنى انه سلطه عليهم كما يُسلط الظالم على الظالم .. ويعرف هذا من بقية فقرات الرواية وسائر الروايات أيضا، حيث نعرف انه الممهد للإمام المهدي (ع) وصاحب راية آل محمد (ع)، وهذا البعث والإرسال جاء في قوله تعالى:

{ فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً } الإسراء 5.

وتعال معي أيها القارئ لنقارن بين ألفاظ الآية والرواية:

بعثنا = بعث الله

عبادا لنا " عباد الله " = عبدا " عبد الله "

أولي بأس شديد = عنيفاً ... يسلطهم الله عليهم بلا رحمة فيقتلونهم هرجاً

وكما هو معلوم انه يمكن التعبير عن المفرد بالجمع للتعظيم أو ما شابه، وكذلك يمكن أن يعبر عن المجموع ويراد زعيمهم وقائدهم ، وأيضا قد يعبر عن الزعيم ويراد الأعم منه ومن قومه.

ولنسمع ما جاء عن أهل البيت (ع) في تأويل هذه الآية المباركة:

عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) في قوله تعالى : ( " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين " قال : قتل علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وطعن الحسن ( عليه السلام ) " ولتعلن علوا كبيرا " قال : قتل الحسين ( عليه السلام ) " فإذا جاء وعد أوليهما " فإذا جاء نصر دم الحسين ( عليه السلام ) : بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار " قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم ( عليه السلام ) فلا يدعون وترا لآل محمد إلا قتلوه " وكان وعدا مفعولا " خروج القائم ( عليه السلام ) ... ) الكافي ج 8 ص 206.

تفسير العياشي : عن حمران عن أبي جعفر عليه السلام قال : كان يقرأ ( بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد ) ثم قال : ( وهو القائم وأصحابه أولى بأس شديد ) تفسير العياشي ج 2 ص 281 / بحار الأنوار ج 51 ص 57.

واترك التعليق على هاتين الروايتين لان فيهما كلام طويل ربما يأتي في مستقبل هذه الدراسة إن شاء الله تعالى.

ج – قوله (ع): ( يكون النصر معه ):

والنصر هنا على الفاسقين والمنحرفين من بني العباس وأتباعهم وبني أمية وأشباههم أي كل عدو لآل محمد (ع)، وهذا النصر هو نصر وفتح للقائم (ع)، قال تعالى: { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } الصف 13.

قال علي بن ابراهيم القمي : ( "وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب"  يعنى في الدنيا بفتح القائم ... ) تفسير القمي ج 2 ص 366.

د – قوله (ع): ( أصحابه الطويلة شعورهم أصحاب السبال ):

قد تكون الشعور هنا كناية عن الأفكار والعلم ، أي ان علم هؤلاء المؤمنين المجاهدين وافر وكثير.

وأما ( أصحاب السبال )، فقد يراد منه وصف للشعر بأنه سبل أو سبط أي ليس بجعد، وهذا أيضا قد يكون على الظاهر، وقد يكون أيضا كناية عن سهولة أفكارهم بمعنى عدم تشوشها واضطرابها واعوجاجها.

وقد يكون السبال جمع سبلة وهي بمعان عديدة منها سبلة الشارب وتثنى سبالان، وهما طرفا الشارب النازلان على اللحية، وقيل هي اللحية وقيل انها مقدمة اللحية خاصة[25] .. وقد تعني أن هؤلاء أصحاب شجاعة ورجولة في ذات الله ودينه، أي ان شجاعتهم مقيدة بقيود الدين والأخلاق، لان الشارب يرمز للرجولة واللحية ترمز للدين .. والله العالم.

هـ - قوله (ع): ( سود ثيابهم أصحاب رايات سود ):

بعد بيان ان راية الحق في عصر الظهور هي واحدة ، وأنها راية اليماني الموعود وانه حسيني النسب وانه وصي ... فهنا يضاف شيء آخر وهو انه صاحب الرايات السود كما تدل عليه روايات أخرى، وكذلك ان اتباعه أصحاب ثياب سود.

و – قوله (ع): ( ويل لمن لمن ناواهم يقتلونهم هرجاً والله لكأني أنظر إليهم وإلى أفعالهم وما يلقى الفجّار منهم والأعراب الجفاة يسلطهم الله عليهم بلا رحمة فيقتلونهم هرجاً على مدينتهم بشاطئ الفرات البرية والبحرية جزاء بما عملوا وما ربك بظلام للعبيد ).

وهنا يبين الإمام علي (ع) شدة هؤلاء الأولياء ضد الفجار والأعراب الجفاة ، وانهم يقتصون من هؤلاء الفاسقين بلا رحمة هرجاً بشاطئ الفرات أي في العراق، ومسألة القتل بلا رحمة هرجاً وصف بها القائم (ع) أيضا:

عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر الباقر ( عليه السلام ) يقول: ( ... ويضع السيف على عاتقه ثمانية أشهر هرجا مرجا حتى يرضي الله. قلت: فكيف يعلم رضاء الله ؟ قال: يلقي الله في قلبه الرحمة ) الغيبة للنعماني ص 168.

وعن امير المؤمنين (ع) في خطبة له: ( ... فإذا كان ذلك ابتعث الله خير هذه الأمة ( أو قال : البرية ) فيقتلهم هرجا هرجا حتى يرضى الله ، وحتى يقول قريش والعرب : والله لو كان هذا من آل محمد لرحمنا . ويتمنون أنهم رأوني ساعة من نهار لأشفع لهم الله . فقام إليه رجل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ومتى يبلغ رضا الله ؟ قال : يقذف الله في قلبه الرحمة ، فيرفع السيف عنهم . فقال له : متى يكون ذلك ؟ قال : إن شاء الله ) شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج 3 ص 372.

والى هنا انتهينا من شرح الرواية السابقة بتوفيق الله تعالى ونشرع برواية أخرى أيضا لأمير المؤمنين (ع) وهي تنطبق انطباقا عجيبا مع سابقتها.

  • عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه قال : ( ملك بني العباس يسر لا عسر ، فيه دولتهم لو اجتمع عليهم الترك والديلم والسند والهند والبربر والطيلسان لن يزيلوه ، ولا يزالون في غضارة من ملكهم حتى يشذ عنهم مواليهم وأصحاب ألويتهم ، ويسلط الله عليهم علجا يخرج من حيث بدأ ملكهم ، لا يمر بمدينة إلا فتحها ، ولا ترفع له راية إلا هدها ، ولا نعمة إلا أزالها ، الويل لمن ناواه ، فلا يزال كذلك حتى يظفر ويدفع بظفره إلى رجل من عترتي ، يقول بالحق ويعمل به ) الغيبة للنعماني ص 258.

وهنا أيضا عدة نقاط:

أ – بنو فلان هنا هم بنو العباس في آخر الزمان، وهم آخر دولة في العراق قبل قيام الإمام المهدي (ع)، والظاهر أن التسمية هنا ليست بسبب النسب، بل بسبب المشابهة في المنهج والحكم، فأن بني العباس ابتدأت دولتهم برايات سود وشعارات الرضا من آل محمد (ع) ثم تتبعوا آل محمد وقتلوهم وسجنوهم ومثلوا بهم ... الخ، أي انها دولة مكر وخداع مقنعة ببرقع الدين وهي منه براء.

والدليل على أن آخر دولة للباطل في العراق تسمى دولة بني العباس الروايات الآتية:

عن الحسن بن الجهم ، قال : ( قلت للرضا ( عليه السلام ) : أصلحك الله ، إنهم يتحدثون أن السفياني يقوم وقد ذهب سلطان بني العباس.

فقال : كذبوا إنه ليقوم وإن سلطانهم لقائم ) الغيبة للنعماني ص 315.

وعن علي بن أبي حمزة ، قال : ( رافقت أبا الحسن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) بين مكة والمدينة ، فقال لي يوما : يا علي ، لو أن أهل السماوات والأرض خرجوا على بني العباس لسقيت الأرض دماءهم حتى يخرج السفياني .

قلت له : يا سيدي ، أمره من المحتوم ؟ قال : نعم ، ثم أطرف هنيئة ، ثم رفع رأسه ، وقال : ملك بني العباس مكر وخداع ، يذهب حتى يقال : لم يبق منه شئ ، ثم يتجدد حتى يقال : ما مر به شئ ) الغيبة للنعماني ص 314

عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ): ( لا بد أن يملك بنو العباس ، فإذا ملكوا واختلفوا وتشتت أمرهم خرج عليهم الخراساني والسفياني ، هذا من المشرق ، وهذا من المغرب ، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان ، هذا من هاهنا ، وهذا من هاهنا حتى يكون هلاكهم على أيديهما ، أما إنهما لا يبقون منهم أحدا أبدا ) الغيبة للنعماني ص 267.

وعن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) ( ... لا بد لبني فلان من أن يملكوا ، فإذا ملكوا ثم اختلفوا تفرق ملكهم ، وتشتت أمرهم ، حتى يخرج عليهم الخراساني والسفياني ، هذا من المشرق ، وهذا من المغرب ، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان ، هذا من هنا ، وهذا من هنا ، حتى يكون هلاك بني فلان على أيديهما ، أما إنهم لا يبقون منهم أحدا . ثم قال ( عليه السلام ) : خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة ، في شهر واحد ، في يوم واحد ، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا فيكون البأس من كل وجه ، ويل لمن ناواهم ، وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني ، هي راية هدى ، لأنه يدعو إلى صاحبكم ، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس وكل مسلم ، وإذا خرج اليماني فانهض إليه فإن رايته راية هدى ، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه ، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار ، لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم ... ) كتاب الغيبة للنعماني ص 264.

واعتقد أن الروايات لا تحتاج للتفصيل بالمعنى المراد، وسيأتي شرحها من جهات أخرى إن شاء الله تعالى.

ب – قوله (ع): ( ويسلط الله عليهم علجاً ):

في الرواية التي سبق شرحها قال أمير المؤمنين (ع): ( بعث الله عليها عبدا عنيفا ... )، هنا قال ( سلط الله عليهم علجا ... ) وهما متقاربان كما سيأتي.

ومنه وما سبق نعرف أن رحى الحرب والفتنة التي تدور المقصود بها في العراق خاصة، وان كان هذا لا ينفي وجود فتن وحروب في باقي الدول، ولكن التركيز في هذه الروايات على العراق كما لا يخفى.

وقيل في معنى ( العلج ) عدة معان: ( الرجل القوي الضخم..، الجلد الشديد في أمره ..، شديد صريع معالج للأمور ..، الكافر ..، الجافي في الخلقة ..، اللئيم )[26].

وطبعاً لا يمكن حمله على المعاني المذمومة، لأنه هو الذي يسلب ملك بني العباس ويسلمه إلى الإمام المهدي (ع) كما تبين نفس الرواية، بل ان الرواية تشهد على انه الشديد في الحرب القوي الحازم في أمره والمعالج للأمور الصعاب، لأنه موصوف بأنه لا ترفع له راية إلا هدها .. والويل لمن ناواه .. الخ.

وقد ذكر هذا المعنى ابن منظور في لسان العرب ضمن المعاني التي لمادة (علج ): ( علج: العِلْج: الرجل الشديد الغليظ وقيل هو كل ذي لحية والجمع أعلاج وعلوج ... واستَعْلَج الرجل: خرجت لحيته وغلظ واشتد وعبل بدنه ... وكل صلب شديد: عِلْج ...

والعُلَّج: الشديد من الرجال قتالا ونطاحا. ورجل عُلَّج: شديد العلاج. ورجل عَلِج، بكسر اللام، أي شديد. وفي التهذيب: عُلَج وعُلَّج ... ) لسان العرب ج 2 ص 327.

فيكون لفظ ( علج )، أما بفتح العين وكسر اللام هكذا ( عَلِج )، وأما بكسر العين وسكون اللام هكذا ( عِلْج )، وأما بضم العين وفتح اللام مع التشديد وبدونه هكذا ( عُلَج أو عُلَّج ).

وكذلك الزبيدي في تاج العروس حيث قال: ( ... وكل صلب شديد: علج. والعلج: " الرغيف " ...... وعالجه " أي الشيء، " علاجا ومعالجة: زاوله " ومارسه ....... وفي حديث علي رضي الله عنه " أنه بعث برجلين في وجه وقال: " إنكما علجان فعالجا عن دينكما " ، العلج: هو الرجل القوي الضخم. وعالجا: أي مارسا العمل الذي ندبتكما إليه واعملا به وزاولاه. وكل شيء زاولته ومارسته فقد عالجته. وعالج المريض معالجة وعلاجا عاناه و " داواه ". والمعالج: المداوي، سواء عالج جريحا أو عليلا أو دابة ........ وفي اللسان: العلج: الشديد من الرجال قتالا ونطاحا ) تاج العروس ج 3 ص 436 – 437.

ذكرت المعاني اللغوية التي تبين المعنى الحسن، مع اننا في غنى عنها بروايات أهل البيت (ع) التي بينت أن هذا الرجل هو من آل محمد وأهدى الرايات ومشرقي وحسيني ... الخ، ومنها يتضح معنى ( علجا ) وهو الشديد في أمره المعالج للأمور الصعاب من الحروب والأهوال، وهو مقارب لمعنى قول أمير المؤمنين (ع) في الرواية التي سبقت ( بعث عليهم عبدا عنيفاً ... ) أي عنيفا في الحروب ولا تأخذه في الله لومة لائم ولا يرحم أحدا من أعداء آل محمد (ع) لأنه العذاب الإلهي المصبوب على الجاحدين والغاصبين والمفسدين ، فكيف للمعالج أن يسمح ببقاء الداء والعلة في جسد الدين والأمة الإسلامية، بل ان الرحمة في هكذا مجال لا تسمى رحمة بل هي خيانة وتقصير في أداء التكليف الإلهي وتفريط في النصح لله ولعباده.

ج – قوله (ع): ( يخرج من حيث بدأ ملكهم ):

وتحديد ذلك يكون بالتدقيق في بداية ملك دولة بني العباس في آخر الزمان، وهذا بحث مؤجل إلى وقته .. إن شاء الله تعالى.

د – قوله (ع): ( لا يمر بمدينة إلا فتحها ، ولا ترفع له راية إلا هدها ، ولا نعمة إلا أزالها ، الويل لمن ناواه ):

وهذا يدل على ان هذا الرجل عند خروجه وقيامه بالسيف في الوقت المعلوم، يكون مؤيدا مظفرا بنصر الله تعالى، وهذا يساوي معنى قول أمير المؤمنين (ع) في الرواية السابقة : ( ... بعث الله عليها عبداً عنيفاً خاملاً أصله يكون النصر معه ... ويل لمن لمن ناواهم ... ).

وعميت عين لا ترى الحقيقة إن بانت كالشمس إذا انزاح عنها السحاب.

هـ - قوله (ع): ( فلا يزال كذلك حتى يظفر ويدفع بظفره إلى رجل من عترتي ، يقول بالحق ويعمل به ):

وهنا نقطتين:

الأولى: هي أن هذا الرجل ( العلج ) يخرج على بني العباس وينتصر عليهم ويسقيهم كأسا مصبرة وبدون رحمة ، وهو نفسه الـ ( العبد العنيف خامل الأصل ) الذي بين أمير المؤمنين (ع) انه يخرج على الظالمين في العراق ويقتلهم هَرْجا بلا رحمة، وهؤلاء أيضا بنو العباس.

وهذا الرجل المنصور المظفر صاحب الفتح يدفع بنصره إلى الإمام المهدي (ع) أي انه الممهد للإمام المهدي (ع)، وقد تبين من خلال الروايات التي ناقشناها وسيتبين أكثر مما سيأتي بأن هذا الممهد هو صاحب راية آل محمد (ع) وهو حسيني النسب ويخرج من المشرق وهو أهدى الرايات ويدعو إلى الحق والى طريق مستقيم وصاحب دعوة إلى الإمام المهدي (ع)، ودليل الانحصار به هو الروايات التي تنص على أن كل الرايات في عصر الظهور شاذة إلا راية واحدة، إذن فلابد أن تكون الراية صاحبة الظفر المدفوع للإمام المهدي (ع) هي راية الهدى والمأمور بنصرتها والمنهي عن الالتواء عليها.

الثانية: بعد إثبات أن آخر دولة للباطل في العراق هي دولة بني العباس، فنحن نعلم من خلال الروايات بأن الرايات التي تشارك في استئصالها وهلاكها ثلاث رايات: راية اليماني وراية الخراساني وراية السفياني.

فلابد أن يكون هذا العبد العنيف العلج أحد هذه الرايات الثلاث، ومن البديهي أن راية السفياني ساقطة رأساً لأنها راية ضلال، فيبقى الترديد بين راية اليماني والخراساني، وبعد الرجوع إلى ما أصلناه سابقا من أن الراية الممدوحة بمدائح عظيمة هي راية اليماني الموعود وهي راية آل محمد (ع) وقائدها رجل من آل محمد (ع) ... فتسقط راية الخراساني من الاحتمال ، ويكون اليماني هو الرجل العلج العنيف خامل الأصل الذي كون النصر معه والذي يدفع بنصره وظفره إلى الإمام المهدي (ع).

وراية الخراساني إما أن تكون منطوية تحت راية اليماني وتابعة لها وإما أن تكون راية ضلال، وان شاء الله سيأتي تفصيل هذه المسألة في الحلقات القادمة .. فانتظر.

وقد وردت روايات وأخبار عن طرق العامة تتكلم عن الذي يؤدي الطاعة للمهدي (ع) ويقاتل عنه، أتعرض لها باختصار:

عن أبي قبيل عن شفى عن تبيع عن كعب، قال: ( إذا ملك رجل الشام وآخر مصر فاقتتل الشامي والمصري وسبى أهل الشام قبائل من مصر وأقبل رجل من المشرق برايات سود صغار قبل صاحب الشام ، فهو الذي يؤدي الطاعة إلى المهدي ، قال أبو قبيل : ثم يملك رجل أسمر يملاها عدلا ثم يسير إلى المهدي ، فيؤدي إليه الطاعة ويقاتل عنه ) الملاحم والفتن ص 121 الباب 100.

وهذا الخبر ينص على أن الذي يؤدي الطاعة للمهدي (ع) ويقاتل عنه رجل اسمر يأتي من المشرق صاحب رايات سود صغار وهو معاصر للسفياني الملعون، ونستفيد من هذا الخبر صفة أخرى لصاحب راية الهدى في عصر الظهور وهو انه اسمر اللون، وانه يملأ الأرض عدلاً قبل أن يسلمها للإمام المهدي (ع).

وأما وصف راياته بأنها سود صغار فستأتي أيضا روايات أو أخبار تنص على ذلك.

بقيت مسألة في الخبر السابق لا ينبغي إغفالها وهي أن الخبر كأنه يوحي بوجود أكثر من مهدي، فهو قال أولا: ( ... وأقبل رجل من المشرق برايات سود صغار قبل صاحب الشام ، فهو الذي يؤدي الطاعة إلى المهدي )، ثم قال: ( قال أبو قبيل : ثم يملك رجل أسمر يملاها عدلا ثم يسير إلى المهدي ، فيؤدي إليه الطاعة ويقاتل عنه ).

فإن كان كلام أبي قبيل متفرعاً عن الكلام الأول، فالخبر يدل على أن صاحب الرايات السود الصغار يسلم الأمر لمهدي غير الإمام المهدي الحجة ابن الحسن (ع) أي يسلمها إلى الرجل الأسمر الذي يملاها عدلا .. ثم هذا الرجل الأسمر – المهدي – يسلمها إلى المهدي الأصل الحجة ابن الحسن (ع) ويقاتل عنه.

وأما إذا كان كلام أبي قبيل الأخير مستقلا عن الكلام الأول فهو ظاهر في أن الرجل الأسمر هو صاحب الرايات السود الصغار المشرقية وهو الذي يسلمها إلى الإمام المهدي الحجة ابن الحسن (ع) .. والله العالم.

وسيأتي إن شاء الله أن اليماني أيضا يسمى مهدي وان هذا الاسم أو الصفة ليس مختصا فقط بالإمام المهدي الحجة ابن الحسن (ع).

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه: ( ذكر بلاء يلقاه أهل بيته حتى يبعث الله راية من المشرق سوداء ، من نصرها نصره الله ، ومن خذلها خذله الله حتى يأتوا رجلا اسمه كاسمي فيولوه أمرهم ، فيؤيده الله وينصره )[27].

وقول الرسول (ص) عن هذه الراية : ( من نصرها نصره الله ، ومن خذلها خذله الله ) يعني وجوب نصرتها وحرمة الالتواء عليها، بل كلام الرسول (ص) يوحي بأنها الراية الوحيدة التي يكون بها النصر والفرج والتمهيد للإمام المهدي (ع): ( حتى يبعث الله راية من المشرق سوداء ).

وان قلنا بأن هذه الراية غير راية اليماني الموعود يكون التناقض على قدم وساق ، بل يكون اليماني مأمورا بنصرة هذه الراية السوداء المشرقية وإلا فهو مخذول وحاشاه، في حين اننا نجد الإمام الباقر (ع) يصف راية اليماني بأنها أهدى الرايات، وقد تقدم أن بها النصر والفتح وهي التي تدفع بنصرها إلى الإمام المهدي (ع)، إذن فلا محيص عن القول بأن هذه الراية السوداء المشرقة هي نفسها راية اليماني الموعود أو انها تابعة له وجزء من ثورته المقدسة ، بل ان أوصافها مواطئة لأوصاف راية اليماني ومؤكدة لها.

وقد جائت هذه الرواية بألفاظ أخرى دالة على المطلوب وزيادة بل منها تنص على أن في هذه الرايات المهدي (ع). وسيأتي تفصيل ذلك في الحلقات القادمة إن شاء الله.

عن سعيد بن المسيب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تخرج من المشرق رايات سود لبني العباس ، ثم يمكثون ما شاء الله ، ثم تخرج رايات سود صغار تقاتل رجلا من ولد أبي سفيان وأصحابه من قبل المشرق ، ويؤدون الطاعة للمهدي )[28].

نستفيد من هذه الرواية أمر جديد في معرفة راية الهدى والحق في عصر الظهور، وهو انها مسبوقة برايات سوداء أخرى تخرج من المشرق وتمتاز بأنها سود كبار .. ثم بعد ذلك بزمن ليس بالقصير تخرج الرايات السود الصغار التي تحارب السفياني وتؤدي الطاعة للمهدي (ع).

عن جابر عن أبي جعفر ، قال : ( تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان الكوفة ، فإذا ظهر المهدي بمكة بعثت إليه بالبيعة ) الملاحم والفتن ص123 الباب 105.

وعن الرسول (ص) قال : ( إذا رأيتم الرايات السود قد جائت من قبل خراسان فأتوها فان فيها خليفة الله المهدي )[29].

ورد هذا الحديث بألفاظ متقاربة وهناك أحاديث كثيرة بمعناه، ولابد من نقاش نقطتين فيه:

الأولى: انها تبين أن هناك مهدي يأتي من المشرق مع الرايات السود بينما الروايات متواترة عن أهل البيت (ع) تنص على انه يأتي من مكة، وكذلك روايات كثيرة عن طرق أبناء العامة، وتفصيل الكلام في هذه النقطة موكول إلى محله في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى.

الثانية: نجد هذه الرواية وغيرها تنص على أن الراية السوداء المنصورة والمأمور بنصرتها وعدم التخلف عنها تأتي من خراسان، ونجد التأكيد على نصرتها شديد جدا، فهي إذن لا يمكن بحال أن تكون غير راية اليماني الموعود ، ولكن ليس هذا هو السؤال المهم الآن، بل السؤال المهم هو هل أن اليماني خراساني الأصل أي البلد أم لا ؟!

والجواب: أكيد كلا .. وهذا بالنظر إلى عموم الروايات .. فأننا لا يمكن أن ننظر إلى رواية واحدة أو روايات في مسألة متشابهة ، كما سبق التنبيه على ذلك، بل لابد من النظر إلى عموم الروايات ومحاولة إرجاعها إلى أصولها وتقييد وتخصيص وتفسير وإحكام بعضها بالبعض الآخر، وسيأتي إن شاء الله تعالى بأن اليماني الموعود لابد أن يكون من العراق أي أصله وبلده، ومن البصرة بالخصوص، وهذا بحث ليس هنا محله كما قلت.

فيبقى احتمالان لتوجيه هذه الروايات:

الاحتمال الأول: ان يضطر اليماني الموعود بعد مراحل من دعوته وظروف وأحداث قاهرة إلى الهجرة من العراق هو وبعض أو كل أنصاره إلى إيران ، وتجتمع له أنصار هناك ويقوى أمره، ثم عند توجه السفياني نحو العراق يتوجه هو أيضا ويتسابق معه نحو الكوفة بالتحديد.

الاحتمال الثاني: ان تكون هذه الرايات منسوبة لليماني ليس لان شخص اليماني فيها بالفعل أو قائد لها بالمباشرة، بل آمنت به وبدعوته وأعدت نفسها لنصرته، وعندما يتوجه السفياني نحو الكوفة، تخرج هذه الرايات ملبية لأمر اليماني الموعود، والظاهر أن عدد أفرادها سيكون هو الثقل الأكبر من جيش اليماني ولذلك ركزت الروايات عليها، فقد روي أن قوامها ( 12000 ) ألفا، ويؤيد هذا الاحتمال الرواية الآتية التي تصف هذه الرايات بأن فيها نفر من أصحاب القائم (ع):

عن ابي  جعفر ( عليه السلام ) في حديث طويل: ( .... ويبعث السفياني جيشا إلى الكوفة وعدتهم سبعون ألفا ، فيصيبون من أهل الكوفة قتلا وصلبا وسبيا ، فبينا هم كذلك إذ أقبلت رايات من قبل خراسان وتطوي المنازل طيا حثيثا ومعهم نفر من أصحاب القائم ... ) كتاب الغيبة للنعماني ص 289 – 291.

فالظاهر هنا من ( أصحاب القائم ) ليس الجيش أو مطلق الأنصار، بل إن لهم مزية خاصة من الصحبة، وإلا فهؤلاء الاثنا عشر ألفاً كلهم يصدق عليهم أنهم جيش وأنصار للقائم (ع)، في حين انه (ع) عبر عن هؤلاء الأصحاب بالنفر، وقيل ان النفر هم العشرة فما دون من الرهط أو القرابة أو الخاصة ... وإذا كانوا هؤلاء أصحاب للقائم (ع) بمعنى المصاحبة، فالروايات تبين أن الإمام المهدي (ع) في هذا الوقت لم يقم، فكيف صاحبوه ؟!

والجواب محصور بأمرين:

الأمر الأول: ان يكون هناك ظهور مبكر للإمام المهدي (ع) قبل فترة ليست بالقصيرة من خروج السفياني، وهذا الوجه محتمل وخصوصا إذا لاحظنا بعض الروايات التي تنص على أن هناك اثنا عشر شخصا يرونه ويكذبهم الناس .. ولكن هذا الوجه ربما سيضعف في مستقبل البحث عندما يتبين تعدد القوام وان القائم كما يصدق على الإمام المهدي (ع) كمصداق أعلى ، أيضا يصدق على غيره كاليماني الموعود كمصداق أدنى منه.

الأمر الثاني: ان يكون هؤلاء الأصحاب ، هم أصحاب اليماني الموعود، وهم من خُلَّص أصحابه والمقربين إليه، وقد صحبوه وعايشوه لفترة بحيث يكون لهم هذا التمييز عن غيرهم، وخصوصا إذا لاحظنا أن تمييزهم جاء في وسط جيش موصوف بالإيمان وبصفات جليلة أخرى.

فكما كررت مرارا بأن اليماني الموعود أيضا قائم بأمر القائم الأصل وهو الحجة ابن الحسن (ع)، بل سيتضح أن كل أو أكثر الملاحم والحروب ستجري على يد اليماني الموعود وبإشراف وتوجيه الإمام المهدي (ع)، بل سيتضح في مستقبل هذا البحث أن هناك روايات تكلمت عن القائم أو عن المهدي (ع) وتقصد اليماني الموعود.

فقد يكون هؤلاء أصحاب اليماني الموعود هم من يقود هذه الرايات المشرقية الخراسانية نيابة عن اليماني الموعود، ويكون بقية الجيش قد آمنوا بدعوة اليماني من دون أن يصاحبوه أو من دون أن يروه أصلا، بل آمنوا من خلال حسن سيرته وقوة حجته واستقامة نهجه وضلال من ناواه وخالفه، فكما يقال ( تعرف الأشياء بأضدادها ).

ولو قارنا رواية: ( ... فبينا هم كذلك إذ أقبلت رايات من قبل خراسان وتطوي المنازل طيا حثيثا ومعهم نفر من أصحاب القائم ... )، ... مع الرواية التي ناقشناها في الصفحات السابقة وهي:

( وتقبل رايات من شرقي الأرض غير معلمة ، ليست بقطن ولا كتان ولا حرير ، مختوم في رأس القناة بخاتم السيد الأكبر يسوقها رجل من آل محمد تظهر بالمشرق ، وتوجد ريحها بالمغرب كالمسك الأذفر يسير الرعب أمامها بشهر حتى ينزلوا الكوفة طالبين بدماء آبائهم ).

لعرفنا أن الروايتين تتكلمان عن نفس الرايات المشرقية ، وقد أشرت سابقا إلى أن معنى ( يسوقها رجل من آل محمد )، أي يقودها اليماني الموعود الذي هو من آل محمد (ع)، وقلت أيضا بأنه لا يشترط أن يقودها اليماني بصورة مباشرة بحيث يكون فيها ومن ضمنها، بل قد تكون تحت قيادته ورهن إشارته، فالسائق هو القائد المرشد والباعث والمدبر، وفيه دلالة على انقياد هذا الجيش له وإجماعهم عليه، وهذه القيادة كما تصدق بالمباشرة أيضا تصدق بالنيابة وبامتثال الأمر والنهي الغير مباشرين للقائد.

ويؤكد هذا المعنى أكثر فأكثر الرواية الآتية:

عن الإمام الباقر (ع) : (( إن لله كنزاً بالطالقان ليس بذهب ولا فضة إثنا عشر ألفاً بخراسان شعارهم ( أحمد أحمد ) يقودهم شاب من بني هاشم على بغلة شهباء عليه عصابة حمراء كأني أنظر إليه عابر الفرات فإذا سمعتم بذلك فسارعوا إليه ولو حبواً على الثلج )) منتخب الأنوار المضيئة ص343.

فالرواية هذه تتكلم عن نفس الرايات الخراسانية المشرقية المأمور باتباعها، وتنص الرواية على أن شعارهم ( أحمد أحمد )، والشعار هو العلامة، وهي اما أن تكون للجيش ليعرف بها بعضه البعض الآخر ككلمة سر، أو كعلامة يَسِمون بها أنفسهم ليتميزون عن غيرهم، كان تكون مكتوبة على الأعلام والرايات أو ما شابه ذلك أو انه هتافهم عند الحرب.

والمعنى الثاني اقرب وأوفق، لان الرواية بصدد التعريف بهذا الجيش والهداية إليه، فهي تذكر صفاته وعلامته ثم تختم بقوله (ع): ( فإذا سمعتم بذلك فسارعوا إليه ولو حبواً على الثلج )، أي إذا سمعتم بهؤلاء القوم الذين يأتون من خراسان والذين شعارهم ( احمد احمد ) ويقودهم شاب من بني هاشم عليه عصابة حمراء، فسارعوا إلى نصرتهم.

والجيش الذي يرفع اسما معينا كشعار يعرف به، لابد أن يكون لهذا الاسم قدسية خاصة، وعادة ما يكون هو إمام القوم أو قائدهم .. كما هو متعارف في هذا الزمان.

وقد تقدم بيان أن أهدى وأفضل وأقدس شخصية في عصر الظهور هي شخصية اليماني الموعود، وهو حامل راية آل محمد (ع)، وعرفنا أيضا أن الراية الوحيدة المأمور باتباعها هي راية اليماني الحسيني .. إذن فلابد أن تكون هذه الرايات تابعة إليه ومقتدية به، وشعارها ( احمد احمد ) هو اسم اليماني الموعود، ويتأكد ذلك أكثر إذا عرفنا في مستقبل هذا البحث أن أول أنصار الإمام المهدي (ع) أسمه أحمد، وان وصي الإمام المهدي (ع) أيضا اسمه أحمد، كما جاء في وصية الرسول محمد (ص) وقد وصفه الرسول (ص) بأنه أول المؤمنين، وسيتبين أن لا معنى لذلك إلا أن يكون أول المؤمنين والمصدقين بالإمام المهدي (ع) في عصر الظهور، وانه من ذريته وولده، وبه سيتضح معنى الروايات التي تصف حامل وقائد راية آل محمد (ع) بأنه رجل من آل محمد وان معه عهد رسول الله (ص) وانه من أهل بيت الإمام المهدي (ع).

وقوله: ( يقودهم شاب من بني هاشم )، ليس بالضرورة أن يكون هذا الشاب هو اليماني الموعود، فقد يكون قائدا منصبا من قبل اليماني الموعود لقيادة الرايات المشرقية .. والله العالم.

  • عن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) قال: ( يخرج رجل قبل المهدي من أهل بيته بالمشرق يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر يقتل ويمثل ويتوجه إلى بيت المقدس فلا يبلغه حتى يموت )[30].

ولابد من التوقف عند ثلاث نقاط في هذا الحديث:

  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • اسأل نفسك وليسأل كل منصف نفسه السؤال الحتمي بعد معرفة ما روي في كتب المسلمين أن رسول الله محمداً (ص) عندما مرض بمرض الموت طلب ورقة وقلم ليكتب كتاباً وصفه رسول الله محمد (ص) بأنه كتاب يعصم الأمة التي تتمسك به من الضلال إلى يوم القيامة، فمنعه عمر وجماعة معه من كتابة هذا الكتاب في حادثة رزية الخميس المعروفة، فالسؤال هو: هل يقبل أحد أن يتهم رسول الله محمداً (ص) أنه قصَّر في كتابة هذا الكتاب المهم والذي يعصم الأمة من الضلال بعد أن كانت عنده فرصة لأيام قبل وفاته يوم الاثنين ليكتبه ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني الوصية المقدسة الكتاب العاصم من الضلال
  • 1
  • 2