raya

فهرس المقال

6 -  ( يدعو إلى الحق والى طريق مستقيم ):

والدعوة إلى الحق والى الصراط المستقيم لا يمكن أن تكون إلا من قبل المعصوم، لان غير المعصوم محتمل الصواب والخطأ، وإذا كان محتمل الخطأ لا يكون معصوما ، ولا يسمى أو يوصف بأنه يهدي إلى طريق أو صراط مستقيم ، لان الاستقامة تعني عدم الانحراف والخطأ أبدا في هداية الأمة، أي انه لا يدخل الأمة في ضلال ولا يخرجهم من هدى.

وقولي بأن غير المعصوم لا يهدي إلى الحق والى الصراط المستقيم ، أي على نحو الحتم والجزم، كما هو الحال في اليماني ، لا على نحو الجزئية والاحتمال، فأي إنسان ممكن أن يدعو إلى حق أو إلى الصراط المستقيم عموما كمن يدعو الناس إلى اتباع أهل البيت (ع)، ولكن هذا الشخص لا يمكن وصفه بأنه يدعو إلى تمام الحق والى حقيقة الصراط المستقيم – على نحو الجزم – فهو قد يدعو إلى عموم الحق ولكنه قد يخطأ في مصداقه أو في تفاصيله، أو انه ظاهرا مثلا: يدعو إلى أهل البيت (ع) ولكن حقيقته غير ذلك أو انه يسير بخلاف منهج أهل البيت (ع)، فهو قد يكون ضالا ذاتاً أو منهجاً أو انه يصيب أشياءً ويخطأ أشياءً أخرى ... إذن فاتباعه يؤدي إلى الضلال أو لا اقل انه محتمل الضلال.

أما اليماني فقد وصف بنص كلام الطاهرين بأنه ( يدعو إلى الحق ... ) والحق هنا محلى بـ ( ألـ ) مما يفيد كل الحق المطلوب لهداية الناس، واليماني مأمور بأتباعه ونصرته على نحو الإطلاق، وكذلك منهي عن الالتواء عليه على نحو الإطلاق، فإذن هو يدعو إلى الحق قولا ومنهجا وفعلا على نحو الحتم والجزم لا على نحو الجزئية أو الاحتمال ... الخ.

ولو تتبعنا هذه الصفة ( يهدي إلى طريق مستقيم ) في القران والسنة المطهرة، لوجدنا انها صفة للثقلين، أي القران والعترة وكذلك الأنبياء والرسل (ع).

قال الله تعالى حكاية عن قول الجن عندما سمعوا القران: { قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } الأحقاف30.

فلاحظ وصف القران في هذه الآية بأنه ( يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ) تجده تماما كوصف اليماني في رواية الإمام الباقر (ع) ( يدعو إلى الحق والى طريق مستقيم )، ولا يتصور احد أن هذا مجرد صدفة ، لان أهل البيت (ع) حكماء علماء يحسبون لكل كلمة ولكل حرف حسابه.

وقد وصف الإمام المهدي (ع) أبيه وكل أجداده بهذا الوصف - يهدي إلى الحق والى طريق مستقيم - ، في احد التوقيعات الصادرة عنه (ع):

( ... أو لم يعلموا انتظام أئمتهم بعد نبيهم صلى الله عليه وآله واحدا بعد واحد إلى أن أفضى الأمر بأمر الله عز وجل إلى الماضي - يعني الحسن بن علي عليهما السلام - فقام مقام آبائه عليهم السلام يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، كانوا نورا ساطعا ، وشهابا لامعا ، و قمرا زاهرا ، ثم اختار الله عز وجل له ما عنده فمضى على منهاج آبائه عليهم السلام حذو النعل بالنعل على عهد عهده ، ووصية أوصى بها إلى وصي ستره الله عز وجل بأمره إلى غاية وأخفى مكانه بمشيئة للقضاء السابق والقدر النافذ ، وفينا موضعه ، ولنا فضله ، ولو قد أذن الله عز وجل فيما قد منعه عنه وأزال عنه ما قد جرى به من حكمه لأراهم الحق ظاهرا بأحسن حلية ، وأبين دلالة ، وأوضع علامة ، ولأبان عن نفسه وقام بحجته ولكن أقدار الله عز وجل لا تغالب وإرادته لا ترد وتوفيقه لا يسبق .... ) كمال الدين وتمام النعمة باب45 ح42 ص 511.

وعن الرسول محمد (ص) في وصف أمير المؤمنين وعترته (ع): ( ... ومن اقتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم ، لم يهب الله عز وجل محبتهم لعبد إلا أدخله الله الجنة ) الأمالي للشيخ الصدوق ص 74.

وقال تعالى: { وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } آل عمران 101.

وهذه الآية تدل على أن اليماني معصوم ، وليس مجرد ممهد، والدليل على ذلك أن ذيل الآية مكون من فعل شرط وجوابه، وفعل الشرط هو ( وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ )، وجوابه هو ( فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )، أي ان الذي يعتصم بالله يهتدى إلى صراط مستقيم ، فكيف بمن هو يهدي ويدعو إلى صراط مستقيم ؟ أي انه هو من يعرف الناس ويدعوهم إلى الصراط المستقيم، فيكون هو أكثر الناس اعتصاما بالله تعالى.

فإن قيل: كثير من الناس يهتدون إلى الصراط المستقيم مع أنهم  غير معصومين !

أقول: لا يخفى أن مفهوم العصمة مفهوم مشكك وليس متواطئ أي انه متفاوت وليس متساوي النسبة بين البشر، فكل من يهتدي إلى الصراط المستقيم لابد أن يكون معصوما بنسبة ما وكل بحسبه وقدر اخلاصه واعتصامه بالله تعالى، كما أن الهداية إلى الصراط المستقيم أيضا نسبية أي تختلف باختلاف اليقين والمعرفة والنصرة ... الخ.

واليماني موصوف بأنه ( أهدى الرايات )، أي انه أكثر الناس اعتصاما بالله تعالى على الإطلاق ، و ( يدعو إلى الحق والى طريق مستقيم )، أي انه ليس أهدى الرايات فقط، بل انه هاد لغيره وعاصم لغيره ويعرف الناس بالصراط المستقيم ويدعوهم إليه، قال تعالى: { قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } يونس35.

إذن فاليماني مستغن عن كل الناس وكل الناس تحتاج إليه للهداية إلى الصراط المستقيم ، إذن فاليماني معتصم بالله وقد عصمه الله عن كل ضلال وانحرف عن الصراط المستقيم ، وان لم يكن كذلك لما صح وصفه بأنه : ( يدعو إلى الحق والى طريق مستقيم ).

ويزداد الأمر تأكيدا عندما نلاحظ أن اليماني مأمور بطاعته ( وإذا خرج اليماني فانهض إليه )، ومنهي عن معصيته ( ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه فمن فعل ذلك فهو من أهل النار )، فلو كان اليماني ممكن أن يضل أو ينحرف لما أطلق الأئمة (ع) وجوب طاعته وحرمة معصيته أو الالتواء عليه، بل ان الالتواء عليه يستلزم أن يكون الملتوي من أهل النار !

والآن نرجع إلى قوله تعالى: ( وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )، فقد اتضح لدينا بأن اليماني أهدى الناس، وهذا يعني انه أكثرهم اعتصاما بالله تعالى، بل ان اليماني هو من يعرف الناس بالصراط المستقيم ويدعوهم إليه، وواجب عليهم اتباعه وامتثال أوامره.

فإن قيل: سلمنا بأن اليماني حسب الروايات بأنه أهدى الناس إلى الصراط المستقيم ، والهداية إلى الصراط المستقيم لا تكون إلا بالاعتصام بالله ، إذن فهو أكثر الناس اعتصاما بالله، ولكن هل أن العصمة هي مجرد الاعتصام بالله تعالى وما هو الدليل الشرعي على ذلك ؟!

أقول:

لا يخفى أن لا حول ولا قوة للإنسان إلا بالله العلي العظيم، وإذا أوكل الله الإنسان إلى نفسه لا يهتدي إلى حق، وان أفضل ما يصعد إلى السماء الإخلاص وأفضل ما ينزل من السماء التوفيق، أي كلما زاد المؤمن إخلاصا واعتصاما بالله تعالى زاد توفيقا وتسديدا من الله جل جلاله، حتى يكون أهدى الناس ويكون هاديا لغيره، أو يكون حجة على غيره ويجب اتباعه ويحرم معصيته.

إذن فالعصمة هي من الله تعالى وتابعة إلى مقدار اعتصام الإنسان بالله جل جلاله، وقد نص الأئمة (ع) على ذلك في بعض الروايات:

الشيخ الصدوق بسنده عن علي بن الحسين (ع) قال : حدثني موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين عليهم السلام ، قال :

( الامام منا لا يكون إلا معصوما وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها ولذلك لا يكون إلا منصوصا . فقيل له : يا ابن رسول الله فما معنى المعصوم ؟ فقال : هو المعتصم بحبل الله ، وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة ، والامام يهدي إلى القرآن والقرآن يهدي إلى الامام ، وذلك قول الله عز وجل : " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) معاني الأخبار باب معنى عصمة الامام ح1  ص 132.

الشيخ الصدوق بسنده عن حسين الأشقر ، قال : قلت لهشام بن الحكم : ما معنى قولكم : " إن الامام لا يكون إلا معصوما " ؟ فقال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال : ( المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله ، وقال الله تبارك وتعالى : " ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم " ) معاني الأخبار باب معنى عصمة الامام ح2 ص 132.

وعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ( ... ومن اعتصم بالله عصمه الله ... ) الكافي ج 2 ص 65.

وعن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : قال إبليس : خمسة [ أشياء ] ليس لي فيهن حيلة وسائر الناس في قبضتي : من اعتصم بالله عن نية صادقة واتكل عليه في جميع أموره ... ) الخصال للشيخ الصدوق ص 285.

وعن الكاظم ( عليه السلام ) ، أنه قال لهشام في خبر طويل : ( عليك بالاعتصام بربك والتوكل عليه ، وجاهد نفسك لتردها عن هواها ، فإنه واجب عليك كجهاد عدوك ، قال هشام : [ فقلت له : ] فأي الأعداء أوجبهم مجاهدة ؟ قال : أقربهم إليك ، واعداهم لك ، وأضرهم بك ، وأعظمهم لك عداوة ، وأخفاهم لك شخصا مع دنوه منك ، ومن يحرض أعداءك عليك ، وهو إبليس الموكل بوسواس القلوب فلتشتد عداوتك له ، ولا يكونن أصبر على مجاهدتك لهلكتك منك على صبرك لمجاهدته ، فإنه أضعف منك ركنا في قوته ، وأقل منك ضررا في كثر شره ، إذا أنت اعتصمت بالله ( ومن اعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ) مستدرك الوسائل للميرزا النوري ج 11 ص 141 – 142، ح12654.

وعن صفوان قال : قال جعفر بن محمد عليهما السلام : ( من اعتصم بالله عز وجل هدي ... ) بحار الأنوار ج 66 ص 399.

إذن فاليماني معصوم ، ويدل على ذلك القران والعترة الطاهرة، فقوله تعالى: ( وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )، يدل على أن الهداية لا تكون إلا بالاعتصام بالله تعالى، وبما أن اليماني راية هدى وأهدى الرايات ويدعو إلى الحق والى طريق مستقيم ومأمور بطاعته ومنهي عن معصيته، إذن فهو معتصم بالله تعالى بل أكثر الناس اعتصاما بالله بدليل انه أهداهم أي انه لا يُدخل في ضلال ولا يُخرج من حق أبدا.

ولا ننسى تعريف الأئمة (ع) للعصمة بقولهم: ( هو المعتصم بحبل الله ، وحبل الله هو القرآن )، ( المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله ).

وقال الله تعالى: { وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } المؤمنون 73.

فهنا الله تعالى يصف رسوله (ص) بأنه يدعو إلى صراط مستقيم ، وكذلك نجد هذا الوصف لليماني  بقول الباقر (ع): ( يدعو إلى الحق والى طريق مستقيم )، وكذلك في قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } الشورى52.

وقال الله تعالى: { أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } الملك 22.

وفي الآية السابقة نجد الله تعالى قد وصف ( الأهدى ) بأنه: ( يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )، وأيضا نجد اليماني قد وصف بأنه ( أهدى الرايات )، ( ويدعو ... إلى طريق مستقيم )، أي انه يمشي سويا بدون انحراف على صراط مستقيم لا عوج فيه.

وقد روي في تفسير هذه الآية : عن الفضيل قال : دخلت مع أبي جعفر ( عليه السلام ): ( ... ثم تلا هذه الآية : " أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشى سويا على صراط مستقيم " يعني والله عليا ( عليه السلام ) والأوصياء ( عليهم السلام ) ... ) الكافي ج 8 ص 288.

والمتحصل مما سبق أن مجموع أوصاف اليماني تدل على انه إمام مفترض الطاعة ومعصوم، ولا يوجد في دعوته أي انحراف أو ضلال، وهكذا شخص يُعرف من خلال دعوته ومن خلال النص لا من خلال جهة أو مكان ظهوره، ولاسيما إذا لاحظنا أن الروايات تنص على أن الزمان والمكان متعرض للبداء والتغيير.

وقبل أن اختم هذه النقطة أود أن أسلط الضوء أكثر على ( الصراط المستقيم )، لنرى دقة وصف الأئمة (ع) عندما وصفوا اليماني بأنه يدعو إلى طريق مستقيم.

الصفار: حدثنا محمد بن الحسين عن النضر بن سويد عن خالد بن حماد ومحمد بن الفضيل عن الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال:

( أوحى الله إلى نبيه " فاستمسك بالذي أوحى إليك انك على صراط مستقيم " قال: إنك على ولاية علي وعلي هو الصراط المستقيم ) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص 91 – 92 / الكافي ج 1 ص 416 – 417.

الصفار: حدثنا عبد الله بن عامر عن أبي عبد الله البرقي عن الحسين بن عثمان عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة قال سئلت أبا جعفر عليه السلام: ( ....الى قوله (ع): واما قوله " وانك لتهدى إلى صراط مستقيم " انك لتأمر بولاية علي عليه السلام وتدعو إليها وعلي هو الصراط المستقيم وأما قوله " فاستمسك بالذي أوحى إليك انك على صراط مستقيم " انك على ولاية على وعلى هو الصراط المستقيم واما قوله " فلما نسوا ما ذكروا " يعنى فلما تركوا ولاية على وقد أمروا بها " فتحنا عليهم أبواب كل شئ " يعنى مع دولتهم في الدنيا وما بسط إليهم فيها، واما قوله " حتى إذا فرحوا بما أوتوا اخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون " يعنى قيام القائم ) بصائر الدرجات ص 97 – 98.

فالروايتان تنصان على أن ( الصراط المستقيم ) هو علي بن أبي طالب (ع) وولايته، وان الذي يدعو إلى ( صراط مستقيم ) يدعو إلى ولاية علي بن أبي طالب (ع)، والرواية الأخيرة تشير إلى أمر مهم وهو أن ولاية الإمام علي (ع) ستترك في آخر الزمان وقبل قيام القائم (ع)، ويكون ذلك مزامنا لدولة مبسوطة قد فتح الله على أهلها النعيم الدنيوي، وعند فرحهم بذلك يأخذهم الله بغتة بقيام القائم (ع).

وعن محمد بن الفضيل – في حديث طويل -، عن أبي الحسن الماضي ، عليه السلام قال : ( سألته عن قول الله عز وجل ...... قلت : " أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم " قال : إن الله ضرب مثل من حاد عن ولاية علي كمن يمشي على وجهه لا يهتدي لامره وجعل من تبعه سويا على صراط مستقيم ، والصراط المستقيم أمير المؤمنين عليه السلام ...... قلت: " حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا " يعني بذلك القائم وأنصاره ..... ) الكافي ج 1 ص 432 – 435.

إذن فعلي (ع) هو الصراط المستقيم ، والدعوة إلى ولايته وولاية أوصياءه هي الدعوة إلى الصراط المستقيم، واليماني الموعود موصوف بأنه: ( يدعو إلى الحق والى طريق مستقيم )، أي انه يدعو إلى ولاية أمير المؤمنين والأئمة من ذريته والى القائم (ع)، حيث أن اليماني أيضا موصوف بأنه ( يدعو إلى صاحبكم )، أي الإمام المهدي (ع)، أي ان اليماني يدعو إلى التنصيب والاختيار الإلهي المتمثل بأوصياء الرسول (ص) المنصوص عليهم بوصيته (ص)، بخلاف غيره من الرايات في عصر الظهور التي تكون إما أنها تدعو إلى حاكمية وتنصيب الناس وإما أنها مشوبة بذلك، ولذلك وصف اليماني بأنه : ( أهدى الرايات )، و ( يدعو إلى الحق والى طريق مستقيم ).

وهذه أهم صفة في دعوة اليماني ، حيث نجد الإمام الباقر (ع) جعل علة الأمر بطاعة اليماني والنهي عن مخالفته أو الالتواء عليه هو : ( لأنه يدعو إلى الحق والى طريق مستقيم ).

وسأذكر تمام العبارة ليكون الأمر واضحا للقارئ اللبيب: ( ... فإذا خرج اليماني فانهض إليه فان رايته راية هدى، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنه يدعو إلى الحق والى طريق مستقيم ).

والدعوة إلى الحق أي كل الحق ، والى الصراط المستقيم ، أي الذي لا اعوجاج فيه أبدا، أي انه يدعو إلى ولاية أمير المؤمنين (ع) بحقيقتها الناصعة، لا إلى صورتها التي شوهها فقهاء آخر الزمان، وجعلوها فقط كلمات تقال على المنابر لتدر عليهم الأموال وكثرة الأتباع والجاه، وافتوا بشرعية التشريع والحكم الطاغوتي ، وكأن الدين لا يصلح إلا أن يكون من مخدرات المساجد والصوامع !!

ويؤيد ذلك ما روي عن الإمام الصادق (ع):

عن هشام ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : لما خرج طالب الحق قيل لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : نرجو أن يكون هذا اليماني ؟ فقال: ( لا ، اليماني يوالي عليا عليه السلام ، وهذا يبرأ " منه "[55] ) الأمالي للشيخ الطوسي ح1375 ص 661.

فلا يخفى تأكيد الإمام الصادق (ع) على صفة ( ولاية أمير المؤمنين ) والتي هي الصراط المستقيم، التي يمتاز بها اليماني.

ومما يؤيد ذلك أيضا أن بعض الشيعة كاتب الإمام الصادق (ع) عندما ظهرت الرايات السود من خراسان آنذاك بأنهم قدَّروا أن يكون التمكين للإمام الصادق (ع)، أي انهم توقعوا أن هذه الرايات هي الرايات الممهدة أو رايات اليماني الموعود كما في الرواية السابقة، مع علمهم أنها اتجهت من خراسان وليس من بلاد اليمن:

الكافي : بسنده عن المعلى بن خنيس قال : ذهبت بكتاب عبد السلام بن نعيم وسدير وكتب غير واحد إلى أبي عبد الله عليه السلام حين ظهرت المسودة قبل أن يظهر ولد العباس بأنا قد قدرنا أن يؤول هذا الامر إليك فما ترى ؟ قال : ( فضرب بالكتب الأرض ، ثم قال : أف أف ما أنا لهؤلاء بإمام ، أما يعلمون أنه إنما يَقتُل السفياني ) الكافي ج8 ح 509 ص331 / بحار الأنوار ج 47 ص 297.

وقول الإمام (ع): ( أما يعلمون أنه إنما يقتل السفياني )، الظاهر رجوع الضمير في ( انه ) إلى صاحب الرايات السود ( أبي مسلم الخراساني ) الذي ظنوا به انه اليماني الموعود ، أو الممهد الذي به يؤول الأمر إلى أهل البيت (ع)، فبين لهم الإمام (ع) بأن ذلك إنما يقتل السفياني، وليس هذا – أبو مسلم الخراساني – الذي لم يخرج معه السفياني – عندما خرج للقتال ورفع الرايات السود -، وعلى هذا يكون الذي يقتل السفياني هو اليماني الموعود، بملاحظة الروايات التي تذكر مواجهة وقتال اليماني مع السفياني ... والله العالم.

وعلى أي حال فان صفة حاكمية الله والدعوة إلى ولاية أمير المؤمنين – الصراط المستقيم – هي من أبرز صفات اليماني التي يعرف بها ، ولا يوجد تأكيد على أن من علاماته خروجه من بلاد اليمن تحديدا، وسيأتي الكلام عن ذلك ومناقشته تفصيلا إن شاء الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وعلى اله الأئمة والمهديين ولعنة الله على ظالميهم ومنكري حقوقهم إلى يوم الدين.

تم تحرير هذا الجزء بتوفيق الله جل جلاله بتاريخ:

يوم الجمعة: 13 / صفر / 1431 هـ ق. 29 / 1 / 2010 م

  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • علي صلوات الله عليه نصر رسول الله محمد (ص) في أول بعثته فكان أول المؤمنين ثم وهو شاب صغير في العمر قدم حياته قربانا بين يدي الله سبحانه وفي كل مرة يخرج بجرح أو جروح مميتة ولكنها لا تثنيه أن يتقدم للموت مرة أخرى، قدم عبادة وإخلاصا، تصدق بكل ما يملك، بخاتمه، وبطعامه وهو صائم، وما كان ليعلم به احد لولا أن الله أنزل قرآنا يذكر فعله، كان علي صلوات الله عليه يخفي بكائه بين يدي الله سبحانه حتى على فاطمة صلوات الله عليها، علي سحق أناه ولم يطلب أن يذكر فوهبه الله حكما وعلما وفضله على العالمين.
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • 1
  • 2