raya

فهرس المقال


إنّ الحقيقة التي لابد أن تقال إنّ البحث فيما يرتبط بدعوة الحق اليوم وما أشار به الطاهرون إلى قائدها احمد (ع) لَيثقل كاهل الباحث وهو يسبر أغوار بحر علومهم ورواياتهم ، ومن ثم ليس بوسعي سوى الاعتذار إلى الله من التقصير وأنا بصدد التمهيد للكلام عن المعترضين ، وسأكتفي بعد الذي تقدم  بالإشارة باختصار ([86]) إلى دليلين يرشدان إلى القائم المخفي الاسم بنص كلام آبائه الطاهرين ؛ هما : الرؤيا والاستخارة ، فقد استهزأ بهما القوم رغم أنهما آيتين إلهيتين تعرِّفان بصاحب هذا الأمر والقائم به .

أولاً : الرؤيا وصاحب الأمر :

لا شك أن الرؤيا ذات قدر شريف عند حجج الله وخلفائه في أرضه ، كيف وقد وصفها الحق سبحانه بأنها ( أحسن القصص ) ، قال تعالى : ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ * إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ([87]) ، فسمّى U رؤيا يوسف (ع) بأحسن القصص وجعل تأويلها علامة على نبوته ، ومدح خليله إبراهيم (ع) لتصديقه بها ، قال تعالى : ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ([88]). وذمّ من كذّب بها وسماها أضغاث أحلام ، قال تعالى : ﴿ بَلْ قَالُوا أَضْغَـاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِـنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ([89]) ، ولم يرد التعبير عنها بـ ( أضغاث احلام ) - كما هو الرائج اليوم - الا من قبل المنكرين والمتكبرين على الحق اذا جاءهم ، قال ملأ فرعون وزبانيته عنها : ﴿ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعَالِمِينَ ([90]).

ولما كانت رؤيا المؤمن تجري مجرى كلام كلم به الرب عبده كما في الحديث الشريف ([91]) ، اهتم بها الرسول الأكرم غاية الاهتمام ، عن الإمام الرضا (ع) قال : ( إن رسول الله كان إذا أصبح قال لأصحابه : هل من مبشرات ، يعني به الرؤيا ) ([92]).

ومن لطف الله سبحانه بعبده المؤمن أن يبشره بحاله في الآخرة وهو بعدُ ما زال في الدنيا ، والبشارة هي الرؤيا الحسنة ، فعن جابر عن أبي جعفر (ع) قال : ( قال رجل لرسول الله : في قول الله U : ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا ([93])، قال : هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشر بها في دنياه )([94]).

ولو نظرنا إلى تكملة الآية الشريفة التي بيّنها رسول الله لوجدناها تقول : ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، ويا لها من حقيقة كبيرة أن يعبر الحق سبحانه عن الرؤيا بأنها كلماته التي لا تبديل لها ، فاستخفاف القوم بها اليوم يعني استخفافهم بكلمات الله ، والحمد لله على نعمة الهداية .

ولسنا هنا نتكلم عن مطلق الرؤيا بل خصوص الرؤى التي يكون فيها احد المعصومين بما لها من ارتباط بصاحب الأمر كما ورد في الروايات الشريفة ، فمن الواضح أن الرؤيا المشتملة على احد المعصومين صادقة باعتبار عدم تمثل الشيطان ( لعنه الله ) بهم صلوات الله عليهم ، فقد ورد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (ع) أنه قال له رجل من أهل خراسان : يا بن رسول الله ، رأيت رسول الله في المنام كأنه يقول لي : كيف أنتم إذا دفن في أرضكم بضعتي ، واستحفظتم وديعتي ، وغيب في ثراكم نجمي ؟ فقال له الرضا (ع) : ( أنا المدفون في أرضكم ، وأنا بضعة من نبيكم ، وأنا الوديعة والنجم ، ألا فمن زارني وهو يعرف ما أوجب الله تبارك وتعالى من حقي وطاعتي ، فأنا وآبائي شفعاؤه يوم القيامة ، ومن كنا شفعاؤه نجا ولو كان عليه مثل وزر الثقلين الجن والإنس . ولقد حدثني أبي ، عن جدي ، عن أبيه (ع) أن رسول الله قال : من رآني في منامه فقد رآني ، لأن الشيطان لا يتمثل في صورتي ، ولا في صورة أحد من أوصيائي ، ولا في صورة أحد من شيعتهم ، وإن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءاً من النبوة ) ([95]).

ولأن لها ارتباطاً وثيقاً بصاحب هذا الأمر والقائم به لم يعط الإمام الرضا (ع) كل تفاصيل الرؤيا لمن سأله ، فعن البزنطي قال : سألت الرضا (ع) عن مسألة الرؤيا فأمسك ثم قال : ( إنا لو أعطيناكم ما تريدون ، لكان شراً لكم واخذ برقبة صاحب هذا الأمر ) ([96])، في إشارة منه (ع) إلى ارتباط الرؤيا بصاحب هذا الأمر ، وأنها سترشد إليه كما هو الحاصل اليوم برغم استهزاء المستخفين بآيات الله .

وعلى هذا الأساس ورد عن أبي بكر الحضرمي ، قال : دخلت أنا وأبان على أبي عبد الله (ع) وذلك حين ظهرت الرايات السود بخراسان ، فقلنا : ما ترى ؟ فقال : ( اجلسوا في بيوتكم فإذا رأيتمونا قد اجتمعنا على رجل فانهدوا إلينا بالسلاح ) ([97]).

وواضح أن اجتماعهم على رجل له علاقة بالرايات السود - كما هو مورد السؤال - الممهدة للإمام المهدي (ع) لا يكون بأجسادهم الشريفة في هذا العالم ، فلم يبقَ إلا اجتماعهم في الرؤى الصادقة التي يرشدون فيها المؤمنين بكلمات الله إلى إتباع ابنهم صاحب أهدى الرايات وقائد الجيش الإلهي الذي يرفع الرايات السود المشرقية التي قال عنها رسول الله : ( ... ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقاتلونهم قتالاً لا يقاتله قوم ثم ذكر شاباًً فقال إذا رأيتموه فبايعوه فإنه خليفة المهدي ) ([98]) ، وقد اتضح خليفة المهدي (ع) في الوصية المقدسة .

مع ملاحظة أن قوله (ع) ( فانهدوا إلينا بالسلاح ) يعني الأمر بالنهوض إليه ، وهي عبارة قريبة مما ورد عن الإمام الباقر (ع) ( فانهض إليه ) وهو يتحدث عن اليماني والأمر بالنهوض إليه ، وسيأتي مزيد توضيح لذلك في الفصل الأول عند الحديث عن صيحة الحق وصيحة إبليس ( لعنه الله ) .

وهذه العلامة الإلهية - اعني الرؤيا الصادقة بالمعصومين - في دلالتها على صاحب الأمر والقائم به قد تجلت بأوضح صورها آيةً تدل على داعي الحق اليوم السيد احمد الحسن (ع) ، وأمام الجميع مئات الرؤى الصادقة بالمعصومين صلوات الله عليهم وهي ترشد المؤمن إلى داعي الحق ( احمد ) ، وبإمكان الكل مراجعة ذلك في الكتب التي كتبها الأنصار والشهادات التي يتلونها يومياً على مسامع طلاب الحقيقة في استفساراتهم عن الدعوة اليمانية المباركة .

بقي أن ما يثيره علماء الضلالة حول هذه الآية بل غيرها من أدلة الحق من وصية وعلم وعشرات الروايات الشريفة ما هو إلا سفسطات وشكوك بآيات الله وموازينه في حججه ودلائله فيهم ، ومنها الهجمة الشرسة التي شنعوا بها على الحق وأهله ووصفهم للرؤى الصادقة وكلمات الله كما في النصوص الشريفة بأنها أضغاث أحلام ، والحال أنهم يقرؤون في مصادر الشيعة الأساسية أكثر من واقعة ساهمت فيها الرؤيا الصادقة بإتباع الحق ، وأمامهم الأمثلة الآتية كشاهد لا أكثر :

- مجيء السيدة نرجس واقترانها بالإمام الحسن العسكري (ع) .

- اهتداء وهب النصراني لنصرة الحسين (ع) واستشهاده بين يديه في يوم عاشوراء .

- إسلام سعيد بن العاص الأموي وإيمانه برسول الله .

وليس لهم بعد هذا إلا قول : وما يدريكم أن من ترونهم هم المعصومين أنفسهم ، وهل رأيتم في حياتكم رسول الله أو احد أوصيائه الطاهرين لتقولوا بأن من ترونهم هم المعصومين ؟

وليس عجيباً صدور هذا ممن لا يفقه من كلام الله حرفاً بل يعبد الله على حرف ، وإلا فهل يريدوا بذلك حصر باب الرؤى بالمعصوم بمن شاهده بعينه في حياته ، ومتى رأت عينا وهب النصراني عيسى (ع) في الحياة الدنيا ليعرف أن الذي رآه في رؤياه هو من نظرته عيناه ، أو تلومونه لأنه استمع أمر عيسى (ع) ونصر الحسين (ع) ؟!! أو تلومون السيدة الطاهرة نرجس لأنها رأت رسـول الله وفاطمة وهما يأمرانها بالذهاب إلى الإمام الحسن العسكري (ع) ، وهي التي لم تراهما في الحياة الدنيا ؟!! أو تنقضون عشرات الأحاديث التي وردت عن أئمة الهدى فيمن أراد رؤية رسول الله أو احد الطاهرين في المنام وهي في عصور متأخرة عن المعصوم الذي يطلب رؤيته ؟!! وهذه نماذج منها :

عن سهل بن صغير قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : ( من أراد أن يرى سيدنا رسول الله في منامه فليصل العشاء الآخرة ، وليغتسل غسلاً نظيفاً ، وليصل أربع ركعات بأربع مرة آية الكرسي وليصل على محمد وآله عليه وعليهم السلام ألف مرة وليبت على ثوب نظيف لم يجامع عليه حلالاً ولا حراماً ، وليضع يده اليمنى تحت خده الأيمن وليسبح مائة مرة : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا    الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وليقل مائة مرة : ما شاء الله ، فإنه يرى النبي في منامه ) ([99]).

وذكر السيد علي بن طاووس فيمن أراد رؤيا أمـير المؤمنين (ع) في المنام ، قال : إذا أردت ذلك ، فقل عند مضجعك : ( اللهم إني أسألك يا من لطفه خفي ، وأياديه باسطة لا تنقضي ، أسألك بلطفك الخفي الذي ما لطفت به لعبد إلا كفي ، أن تريني مولاي علـي بن أبي طالـب (ع) في منامي ) ([100]).

إذن ، ماذا بقي في أيدي المنكرين والمستهزئين بالرؤيا الصادقة إلا رد كلمات الله بلا دليل الكاشف عن خبث السريرة وعظم الجرأة على آيات الله ودلائله في أنبيائه وحججه ، والتي عدها أهل البيت من أجزاء النبوة كما ورد في الأحاديث الشريفة ، عن هشام بن سـالم ، عن أبي عبـد الله (ع) قال : سمعته يقول : ( رأي المؤمن ورؤيـاه في آخر الزمان على سبعـين جـزءاً من أجزاء النبوة ) ([101]).

وذكر آخر الزمان حكمته واضحة ، وقد بان - وان كان مختصراً - ارتباط الرؤيا الصادقة بصاحب هذا الأمر وأنها آية إلهية ترشد إليه ، والحمد لله على نعمه .

  • رجائي أن شيعة آل محمد (ع) يصطفون تحت هذه الراية فهي راية الحق الوحيدة البارزة، والمنادية بالحق، الراية الوحيدة التي لم تداهن ولم تدخل فيما دخل فيه أهل الباطل، ومُخطأ من شيعة آل محمد (ص) من يُعوِل على هؤلاء الذين أيديهم صفرات من الدليل سواء الشرعي أم العقلي على مايدعون من وجوب تقليد ونيابة، مُخطأ من يُعوِل على هؤلاء الذين لايثقون ببعضهم بعضا وكل واحد منهم اخذ مجموعة من شيعة آل محمد (ص) وحزَّبَهم لنفسه دون أن ينصبه الله، حتى فرقوا شيعة آل محمد (ع) شيعا وجعلوهم لايكادون يلتقون حتى في تحديد يومي العيدين...
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • اسأل نفسك وليسأل كل منصف نفسه السؤال الحتمي بعد معرفة ما روي في كتب المسلمين أن رسول الله محمداً (ص) عندما مرض بمرض الموت طلب ورقة وقلم ليكتب كتاباً وصفه رسول الله محمد (ص) بأنه كتاب يعصم الأمة التي تتمسك به من الضلال إلى يوم القيامة، فمنعه عمر وجماعة معه من كتابة هذا الكتاب في حادثة رزية الخميس المعروفة، فالسؤال هو: هل يقبل أحد أن يتهم رسول الله محمداً (ص) أنه قصَّر في كتابة هذا الكتاب المهم والذي يعصم الأمة من الضلال بعد أن كانت عنده فرصة لأيام قبل وفاته يوم الاثنين ليكتبه ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني الوصية المقدسة الكتاب العاصم من الضلال
  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • 1
  • 2