raya

فهرس المقال


( 4 )

درس اليوم الأول

الفشل في الامتحان بخليفة الله يعني الطرد من رحمة الله

إذا ما أردنا أن نستخلص الدرس من اليوم الأول الذي جعل الله تعالى فيه ادم (ع) خليفة له في أرضه ، لا يمكننا إغفال هذه الحقيقة الكبرى : إن الامتحان الإلهي في يومه الأول كان بخليفته في أرضه ، والطرد من رحمة الله - نستجير بالله - تكون نصيب مَن فشل في السجود له وطاعته كما حصل لإبليس لعنه الله .

على هذا الأساس يمكننا أن نتعرض لأمر له مساس تام بهذه الحقيقة المستقاة من درس اليوم الأول ألا وهي الروايات المتكاثرة الواردة عن أئمة الهدى في الغربلة والتمحيص والامتحان الوارد على الأمة المنتظرة للإمام المهدي (ع) وفشل اغلبها في انتظاره سوى العدة التي خرجت بفضل الله ورحمته من وعد إبليس بإغواء الخلق كلهم ، وهذه نماذج منها :

عن صفوان بن يحيى قال : قال أبو الحسن الرضا (ع) : ( والله ما يكون ما تمدون أعينكم إليه حتى تمحصوا وتميزوا ، وحتى لا يبقى منكم إلا الأندر فالأندر ) ([195]).

وعن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد الله (ع) أنه سمعه يقول : ( ويل لطغاة العرب ، من شر قد  اقترب ، قلت : جعلت فداك كم مع القائم من العرب ؟ قال : شئ يسير . فقلت : والله إن من يصف هذا الأمر منهم لكثير . فقال : لابد للناس من أن يمحصوا ، ويميزوا ، ويغربلوا ويخرج في الغربال خلق كثير ) ([196]).

وعن سليمان بن صالح رفعه إلى أبي جعفر الباقر (ع) قال : قال لي : ( إن حديثكم هذا لتشمئز منه القلوب قلوب الرجال ، فانبذوا إليهم نبذا فمن أقر به فزيدوه ، ومن أنكره فذروه ، إنه لابد من أن تكون فتنة يسقط فيها كل بطانة ووليجة حتى يسقط فيها من يشق الشعرة بشعرتين حتى لا يبقى إلا نحن وشيعتنا ) ([197]).

وعن ابن نباتة ، عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : ( كونوا كالنحل في الطير ليس شئ من الطير إلا وهو يستضعفها، ولو علمت الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعل بها ذلك ، خالطوا الناس بألسنتكم وأبدانكم وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم ، فو الذي نفسي بيده ما ترون ما تحبون حتى يتفل بعضكم في وجوه بعض ، وحتى يسمي بعضكم بعضا كذابين ، وحتى لا يبقى منكم - أو قال : من شيعتي - كالكحل في العين والملح في الطعام وسأضرب لكم مثلاً : وهو مثل رجل كان له طعام فنقاه وطيبه ثم أدخله بيتاً وتركه فيه ما شاء الله ، ثم عاد إليه فإذا هو قد أصابه السوس فأخرجه ونقاه وطيبه ثم أعاده إلى البيت فتركه ما شاء الله ، ثم عاد إليه فإذا هو قد أصاب طائفة منه السوس فأخرجه ونقاه وطيبه وأعاده ، ولم يزل كذلك حتى بقيت منه رزمة كرزمة الأندر لا يضره السوس شيئاً ، وكذلك أنتم تميزون حتى لا يبقى منكم إلا عصابة لا تضرها الفتنة شيئاً ) ([198]).

والأحاديث في ذلك كثيرة جداً ، وقد وردت في باب التمحيص والامتحان قبل ظهور الإمام  المهدي (ع) للناس ، ولكن السؤال بم تمتحن الناس وتميَّز وتغربل وتمحّص ؟ وبم تفتتن فتظهر الدفائن وتسقط البطائن والولائج وتتكشف الأقنعة ؟ وواضح أن السقوط في هذا الامتحان والاختبار لا ينفع معه ادعاء توحيد أو ولاية ، بدليل أن الفاشل فيه ساقط من نظر الله ومطرود من رحمته ما لم يتدارك نفسه برحمة منه سبحانه فيعود إلى صوابه ولم يطاله سيف حجة الله .

أرجو أن يكون درس اليوم الأول وافٍ بالإجابة عن هذا التساؤل ؛ فلا محيص عن القول بأنه امتحان بخليفةٍ من خلفاء الله في أرضه وحجة من حججه على خلقه ، فيكون اجتيازه بفضل الله سبباً في الإبقاء في ثلة خط الساجدين لخلفاء الله المرضيين عنده سبحانه ، والفشل فيه سبباً في الخروج من الربقة والطرد من رحمة الله واستحقاق نار جهنم والعياذ بالله ، وإنكار حجة وخليفة من خلفاء الله في أرضه في وقته وعند الامتحان به يعني إنكار كل من كان قبله من حجج الله طرّاً ، فعن حمران بن أعين قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن الأئمة ، فقال : ( من أنكر واحداً من الأحيـاء فقد أنكر الأمـوات ) ([199]) .

ولما كان حال الفاشل في الامتحان المذكور مطرود من رحمة الله ويحشر في زمرة إبليس لعنه الله فالممتحن فيه إذن واحداً منهم ، وإذا كان كل ذلك قبل ظهور الإمام المهدي (ع) للناس ، فمَن غير خليفة الله ( اليماني ) ورد عن أهل البيت في حقه بانّ الملتوي عليه من أهل النار حتى وإن صلى وصام وادعى ولاية لآل محمد من قبل ، ومَن غيره يدعو إلى صاحبكم والى الحق والصراط المستقيم ، وهي خصائص من كان خليفة لله لا غير .

إنه إذن الامتحان بمن تتم الصيحة باسمه ، قائم آل محمد ويمانيهم (ع) ، فمن قبِلَه قَبِل آباءه الطاهرين وحجج الله الماضين ، ومن ردّه ردّ كل حجج الله واستحق النار حتى وإن ادعى ولاية كذباً وزوراً ، كل ذلك بقول الإمام الباقر (ع) لما أطلق استحقاق الملتوي عليه النار بلا تفصيل ، فانظروا هذا ثم انظروا هل جاءكم داعي الله اليوم احمد الحسن (ع) بغيره .

وكما كان الامتحان الإلهي بآدم (ع) وباقي خلفاء الله سبباً في تمييز خط الساجدين عن خط المعترضين المتكبرين ، كان احمد الحسن (ع) اليوم سبباً في هذا التمييز أيضاً ، فأفصح القوم عن سرائرهم ورفع كل من نعق وراءه ناعق صيصيته قبال آل محمد ، واظهر حقده وحسده وتكبره على من خصه الله بكرمه واجتباه بفضله واصطفاه لرسالته ، وهو داء إبليس ( لعنه الله ) دوماً كلما بعث نبي أو وصي .

وأيضاً : كما لم تنفع الأربعة آلاف عام زمن سجدة واحدة سجدها إبليس ( أخزاه الله ) بعد فشله في اجتياز الامتحان بالخليفة ، كذلك لا تنفع من يدعي انه على ولاية آل محمد - فضلاً عن غيرهم - ويفشل في الامتحـان بخليفة الله اليوم الذي جاء بكل ما جاء به خلفاء الله من قبله كما تقدم .

عن أمير المؤمنين (ع) - في حديث طويل - قال فيه : ( ومن سلم الأمور لمالكها لم يستكبره عن أمره كما استكبر إبليس عن السجود لآدم (عليه السلام) ، واستكبر أكثر الأمم عن طاعة أنبيائهم ، فلم ينفعهم التوحيد كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل ، فإنه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام ، لم يرد بها غير زخرف الدنيا ، والتمكين من النظرة . فلذلك لا تنفع الصلاة والصيام إلا مع الاهتداء إلى سبيل النجاة وطريق الحق ، وقد قطع الله عذر عباده بتبيين آياته وإرسال رسله لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، ولم يخل أرضه من عالم تحتاج الخليقة إليه ، ومتعلم على سبيل نجاة ، أولئك هم الأقلون عدداً ) ([200]).

فالامتحان والتمحيص الذي يحصل اليوم يكشف عن حقيقة ما يدعيه الناس من إيمان بآيات الله وغيبه وملكوته وإتباعٍ لعلي وأولاده ، ومن اعتقاد بكلام حججه وخلفائه بل سادتهم ، وستسقط كل بطانة ووليجة وادعاء وتبان الأمور على حقائقها ، فيظهر المؤمن إيمانه ويبرز الكافر كفره المستور بغلاف النفاق فان الزمن كفيل بكشفه وان طال ، وخير مظهرٍ له الامتحانُ بحجة من حجج الله ، فيبقى الأندر فالأندر هم من يكتب لهم اجتياز هذه الفتنة وأما الغالبية العظمى فحالها هو ما أوضحته روايات   الطاهرين وحسبنا الله ونعم والوكيل .

بقي أن نشير إلى أن الامتحان الأول كان على ظهر الكوفة ، قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) : ( أول بقـعة عبد الله عليها ظهر الكوفة ، لما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم على ظهر الكوفة ) ([201]). وفي ذلك آية للمتوسمين فانّ الكوفة التي شاء الله سبحانه أن يكون الامتحان الأول بخليفته عليها ، شاء الله أن يعاد الامتحان فيها اليوم بخليفته أيضاً ، والنجاة لمن وفق للسجود له كما سجد الملائكة ، والطرد لمن أبى وتكبر كما تكبر إبليس ، ولا إنظار لأحد بعده كإنظاره وإمهاله ؛ لأنّ الفرق بين الامتحانين هو أن الأول كان لبداية دولة إبليس في حين أن الامتحان اليوم هو لبداية دولة العدل الإلهي والقضاء على إبليس الذي ستكون نهايته في الكوفة أيضاً على يد القائم في اليوم المعلوم ، وهو قريب إن شـاء الله تعالى ، والحمد لله رب العالمين أن هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

 

تابع تتمة الكتاب

  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • اسأل نفسك وليسأل كل منصف نفسه السؤال الحتمي بعد معرفة ما روي في كتب المسلمين أن رسول الله محمداً (ص) عندما مرض بمرض الموت طلب ورقة وقلم ليكتب كتاباً وصفه رسول الله محمد (ص) بأنه كتاب يعصم الأمة التي تتمسك به من الضلال إلى يوم القيامة، فمنعه عمر وجماعة معه من كتابة هذا الكتاب في حادثة رزية الخميس المعروفة، فالسؤال هو: هل يقبل أحد أن يتهم رسول الله محمداً (ص) أنه قصَّر في كتابة هذا الكتاب المهم والذي يعصم الأمة من الضلال بعد أن كانت عنده فرصة لأيام قبل وفاته يوم الاثنين ليكتبه ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني الوصية المقدسة الكتاب العاصم من الضلال
  • 1
  • 2