raya

فهرس المقال


( 3 )

إمهال إبليس ( لعنه الله ) إلى اليوم المعلوم

قال تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ  أَجْمَعِينَ ([156]).

بعد عصيانه واستكباره على الأمر الإلهي بالسجود لخليفة الله اُنظِر إبليس ولم يمنح الإمهال إلى الوقت الذي طلبه ( يوم البعث ) وإنما إلى يوم الوقت المعلوم ، وكان سبب إنظاره ما سبق من عبادته ، عن الحسن بن عطية ، قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : ( إن إبليس عبد الله في السماء الرابعة في ركعتين ستـة آلاف سنة ، وكان من إنظار الله إياه إلى يوم الوقـت المعلـوم بما سبق من تلك العـبادة ) ([157]).

وبالرغم من أنّ تلك العبادة كانت لأجل الدنيا والتمكين من الإمهال ولم تكن خالصة لله سبحانه كما يقول أمير المؤمنين (ع) : ( ..  فإنه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام ، لم يرد بها غير زخرف الدنيا ، والتمكين من النظرة ... ) ([158])، إلا انه سبحانه ما كان ليضيع عمل عامل ، فان كان للدنيا فلا يضيعه في الدنيا وان كان للآخرة فهو محفوظ له هناك ، فتبارك الله العدل الوهاب .

فهبط إبليس ( لعنه الله ) وهو يحمل عار الإباء والتكبر على الله تعالى بتكبره على السجود لخليفته ، فكان من مسكنه وقراءته وطعامه وشرابه وبيته ومجلسه في هذه الأرض ما يبينه لنا الحديث الآتي :

جاء في الأثر أن إبليس تكلم وقال : ( يا رب إنك أغويتني وأبلستني ، وكان ذلك في سابق علمك فأنظرني إلى يوم يبعثون . قال : ﴿ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ .. قال : إنك أنظرتـني ، فأين مسكـني إذا هبطت إلى الأرض ؟ قال : « المزابـل » . قال : فما قراءتي ؟ قال : « الشعر » . قال: فما مؤذني ؟ قال : « المزمار » . قال : فما طعامي ؟ قال : « ما لم يذكـر عليه اسمي » . قال : فما شرابي ؟ قال : « الخمور جميعها » . قال : فما بيتي ؟ قال : « الحمام » . قال : فما مجلسي ؟ قال : « الأسواق ، ومحافل النساء النائحات » . قال : فما شعاري ؟ قال : « الغناء » . قال : فما دثاري ؟ قال : « سخطي » . قال: فما مصائدي ؟ قال: « النساء » .

قال إبليس : لا خرجت محبة النساء من قلبي ، ولا من قلوب بني آدم ، فنودي : يا ملعون ، إني لا أنزع التوبة من بني آدم حتى ينزعوا بالموت ، فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين .

فقال آدم : يا رب ، هذا عدوي وعدوك أعطيته النظرة ، وقد أقسم بعزتك أنه يغوي أولادي ، فبم أحترز عن مصائده ومكائده ؟ فنودي : يا آدم ، قد مننت عليك بثلاث خصال : واحدة لي ، وواحدة لك ، وواحدة بيني وبينك ، أما التي لي فهي أن تعبدني ولا تشرك بي شيئاً ، وأما التي لك فهو ما عملت من صغيرة وكبيرة من الحسنات فلك الحسنة بعشر أمثالها والعشر بمائة والمائة بألف وأضعفها لك كالجبال الرواسي، وإن عملت سيئة فواحدة بواحدة ، وإن أنت استغفرتني غفرتها لك وأنا الغفور الرحيم . وأما التي بيني وبينك فلك الدعاء والمسألة ومني الإجابة ، فابسط يديك فادعني فإني قريب مجيب ... ) ([159]).

هبط ( لعنه الله ) وكل همه حرف الناس عن السجود لخلفاء الله في أرضه وحملهم على الاعتراض عليهم بكل ما أوتي من قوة ، خصوصاً وأنّ سجوده السابق قبل الامتحان لم يكن إلا لنيل هذا التمكين والإمهال لمحاربة خلفاء الله بجيوش البشر العملاقة التي توعد بإغوائها جميعاً ما خلا عباد الله المخلصين الذين رفضوا الانقياد له واختاروا بفضل الله السير والسجود لدعاة الحق والصراط المستقيم ، فكان علياً (ع) مضرب مثل الرحمن تقدست آلاؤه في الآيات المتقدمة عند قول إبليس : ﴿ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، فأجابه الحق سبحانه : ﴿ قَالَ هَذَا صِرَاطُ عليٍّ مُسْتَقِيمٌ ، وليس ( صراطٌ علَيَّ ) وهو ما ذكره آل محمد عدل القران ، وما بعد قولهم إلا الضلال والحسد لآل محمد خلفاء الله في أرضه بل سادتهم ، فلا يعديكم إبليس بدائه ، وهذه نماذج مما قالوه :

عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين ، عن أبيه ، قال : ( قام عمر بن الخطاب إلى النبي ، فقال : إنك لا تزال تقول لعلي بن أبي طالب : أنت مني بمنزلة هارون من موسى وقد ذكر الله هارون في القرآن ولم يذكر علياً ؟ فقال النبي : يا غليظ ، يا أعرابي ، إنك‏ ما تسمع الله يقول : هذا صراطُ عليٍّ مستقيم ) ([160]).

فهل تخطِّئون رسول الله - والعياذ بالله - وقد استشهد بالآية لعلي (ع) ، أم تصرّون على الاستنان بسنة عمر ( لعنه الله ) الذي أقسم به إبليس بقوله : ( ربِّ بما أغويتني ) ([161]) ، ومعلوم أن ( ما ) تستعمل لغير العاقل وقد ورد في كلام أهل البيت أن عمر يمثل الجهل كله .

نعم ، أبى إبليس السجود لآدم (ع) ولكن لما جاء سيد خلفاء الله بعد محمد اشتدت المواجهة بين خط الساجدين الذي يقوده خليفة الهي دائماً وخط المعترضين الذي يقوده إمام ضلال دائماً ، جاء كبير أئمة الضلال ( عمر لعنه الله ) الذي استنجد به إبليس - وقد أقسم به في الآية عند توعده بإغواء الخلق كلهم إلا المخلصين - لمواجهة سيد خلفاء الله بعد حبيبه محمد وهو علي أمير المؤمنين (ع) الذي ذكره الله تعالى في الآية التي تليها مباشرة ﴿ قَالَ هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيمٌ ، فسلام على من ذكره الله تعالى مثلاً لخط الساجدين بل إمامهم بعد الساجد الأول حبيب الله ورسـوله ، وسلام على مثَلَك اليوم الذي سيتضح بعد قليل .

وعن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد الله (ع) قال : ( هذا صراطُ عليٍّ مستقيم ) ([162]) ، وواضح أن الإمام الصادق (ع) يريد أن يصحح ما تقرأه الناس دفعاً لحق علي (ع) في كتاب الله حسداً وبغضاً ، وهو ما أوضحه (ع) في أحاديث أخرى ، فعن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي عبد الله (ع) قال : سألته عن قول الله U :﴿ قالَ هذا صِراط عَليّ مُسْتَقِيمٌ ، قال : ( هو - والله - علي (ع)، هو - والله - الميزان والصراط المستقيم ) ([163]).

وعن عبد الله بن أبي جعفر ، عن أخيه جعفر الصادق (ع) ، عن قوله : ﴿ هذا صِراط عَليّ  مُسْتَقِيمٌ ، قال : ( هو أمير المؤمنين (ع) ) ([164]).

وبعد هذا ، مَن الذي نوّن كلمة ( صراط ) في الآية وقد كان حقها الضم ؟ ومَن الذي جعلها منكّرة بالتنوين وكان حقها أن تكون معرّفة بإضافة علي (ع) لها ؟ ومتى كان صراط الله تعالى نكرة لا يعرف لتكون كل هذه الجرأة بتنكيره ، أ كلّ هذا لزحزحتها عن أمير المؤمنين وسيد المتقين (ع) ؟!!

ثم مَن الذي حرّك كلمة ( علي ) فيها وجعلها تُقرأ ( علَيَّ ) دفعاً لها عن أمير المؤمنين (ع) ، وهي بوضوح تذكر اسمه كما رأينا بعض ما قاله الطاهرون محمد واله ، من فعل ذلك ؟!!

حقاً أن إبليس ( لعنه الله ) جاد في وعده بإغواء أكثر الناس عن خلفاء الله في أرضه ودعوتهم لرفضهم والاعتراض عليهم ، وما ذكر نموذج - من بين الأمثلة التي يصعب حصرها - لأفعاله التي يريد بها إغواء الناس عن سادة الخلق ( آل محمد ) وتحريف ما جاء في حقهم من ربهم تكرّماً وفضلاً ، وقد قام بتنفيذ هذا المخطط هذه المرة جند إبليس الذين ما آمنوا برسالة محمد يوماً ، وتعاهدوا على زحزحتها عمن اصطفاهم الله حججاً على خلقه علياً وأولاده الأئمة والمهديين ، وأكمل اللغويون المشوار بعدهم فلوّنوا الحركات بخطٍ واضح ؛ ظنّاً منهم أنهم قادرون على إطفاء نور الله ، والله يأبى إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون بخلفاء الله الآبين السجود لهم تأسياً بإبليس ، ولذا اُمرنا أن نقرأ كتاب الله كما يقرأ الناس إلى حين مجيء القائم (ع) .

عن سالم بن أبي سلمة قال : قرأ رجل على أبي عبد الله (ع) وأنا أسمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأها الناس ، فقال أبو عبد الله (ع) : ( مه مه ! كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم ، فإذا قام أقرأ كتاب الله على حدّه ، وأخرج المصحف الذي كتبه علي ) .

وقال : ( أخرجه علي (ع) إلى الناس حيث فرغ منه وكتبه فقال لهم : هذا كتاب الله كما أنزله الله على محمد وقد جمعته بين اللوحين ، فقالوا : هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن ، لا حاجة لنا فيه ، قال : أما والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبداً ، إنما كان علي أن أخبركم به حين جمعته لتقرأوه ) ([165]).

وكيف يقبلوه وفيه ما لا يخدم مخططهم الذي تعاهدوا عليه في إقصاء خلفاء الله الحقيقيين ، أما وقد جاء اليوم قائم آل محمد ويمانيهم ( السيد احمد الحسن (ع) ) فستظهر الحقيقة ويُقرأ القرآن على تنزيله الذي أراده الله تعالى ، وستسجد البشرية طوعاً وكرهاً لخلفاء الله وسادتهم ، ويُخزى إبليس ( لعنه الله ) وينكص على عقبيه لما يرى كل جهده الجهيد كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف في يوم الله المعلوم الذي يقوم فيه قائم آل محمد وقائد جيش الغضب الإلهي بجنده وهو المعدّ لقطع دابر الظلمة الكفرة .

فاليوم المعلوم الذي اُنظر إليه إبليس ( لعنه الله ) هو يوم قيام القائم (ع) ، عن جابر بن يزيد ، عن أبي جعفر (ع) في قوله U : ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ، [قال‏] : ( يعني بهذه الآية إبليس اللعين خلقه وحيداً من غير أب ولا أم ، وقوله : ﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً يعني هذه الدولة إلى يوم الوقت المعلوم ، يوم يقوم القائم (ع) ، ﴿ وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ   أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً ([166]) يقول : معانداً للأئمة ، يدعو إلى غير سبيلها ، ويصد الناس عنها وهي آيات الله ) ([167]).

وعن وهب بن جميع مولى إسحاق بن عمار ، قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن قول إبليس : ﴿ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قال له وهب : جعلت فداك ، أي يوم هو ؟ قال : ( يا وهب ، أ تحسب أنه يوم يبعث الله فيه الناس ؟ إن الله أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا ، فإذا بعث الله قائمنا كان في مسجد الكوفة ، وجاء إبليس حتى يجثو بين يديه على ركبتيه ، فيقول : يا ويله من هذا اليوم ، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه ، فذلك اليوم هو الوقت المعلوم ) ([168]).

اليوم المعلوم إذن هو قيام القائم (ع) ، فهي المدة التي قضاها الحق سبحانه لانقضاء مهلة إبليس     ( لعنه الله ) ، ولذا صار كل همه وسعيه حرف الناس عن نصرة القائم (ع) بعد استنهاض كل طاقاته واستنفار جنده من الإنس والجن جميعاً لحمل الناس على حرب المعدّ لقطع دابر الظلمة المتكبرين على الله تعالى ورفض حاكميته المتمثلة بطاعة خلفاء الله في أرضه .

وليس غريباً بعد هذا أن نقرأ في كلماتهم ما سيفعله إبليس وجنده وخصوصاً العلماء غير العاملين - فهي عادتهم كلما يبعث داعي الله وقد فعلوا كثيراً وسيفعلون – من فعلات لإضلال الناس وتحشيدهم لقتال آل محمد ، وفي صيحته وندائه الذي يأتي بعد صيحة الحق مثالاً .

صيحة إبليس ( لعنه الله ) :

عن زرارة ، عن أبي عبد الله (ع) قال : ( ينادي مناد باسم القائم (ع) )، قلت : خاص أو عام ؟ قال : ( عام ، يسمع كل قوم بلسانهم ) قلت : فمن يخالف القائم (ع) وقد نودي باسمه ؟ قال : ( لا يدعهم إبليس حتى ينادي فيشكك الناس ) ([169]).

وعن عبد الله بن سنان ، قال : كنت عند أبي عبد الله (ع) ، فسمعت‏ رجلاً من همدان يقول له: إن هؤلاء العامة يعيرونا ويقولون لنا : إنكم تزعمون أن منادياً ينادي من السماء باسم صاحب هذا الأمر وكان متكئاً ، فغضب وجلس ، ثم قال : ( لا ترووه عني وارووه عن أبي ولا حرج عليكم في ذلك ، أشهد أني قد سمعت أبي (ع) يقول : والله إن ذلك في كتاب الله U لبين ، حيث يقول : ﴿ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ([170]) ، فلا يبقى في الأرض يومئذ أحد إلا خضع وذلت رقبته لها ، فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء : ألا إن الحق في علي بن أبي طالب وشيعته .

قال : فإذا كان من الغد صعد إبليس في الهواء حتى يتوارى عن أهل الأرض ، ثم ينادي : ألا إن الحق في عثمان بن عفان وشيعته ، فإنه قتل مظلوماً فاطلبوا بدمه .

قال : فيثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت على الحق وهو النداء الأول ، ويرتاب يومئذٍ الذين في قلوبهم مرض ، والمرض والله عداوتنا ، فعند ذلك يتبرءون منا ويتناولونا ، فيقولون : إن المنادي الأول سحر من سحر أهل هذا البيت ) ثم تلا أبو عبد الله (ع) : ﴿ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ([171]) ) ([172]).

واضح أن الرواية الشريفة لا تتحدث عن المنحرفين عن ولاية آل محمد منذ أول زمان الإسلام فهم متبرئون من خلفاء الله وأوصياء نبيه منذ ذلك الحين وملبّين لإبليس نداءه ، فلا تضيف إلى باطلهم شيئاً صعدتُه ونداؤه لتشكيك الناس بالقائم (ع) بالصيحة الثانية التي تأتي مباشرة بعد صيحة الحق الأولى ، فالرواية توصف المرتابين بأنهم يتبرؤون من أهل البيت - والعياذ بالله - بعد سماع صوت إبليس ، وهو يعني أنهم لا اقل يدعون ولايتهم للطاهرين إلى فترة نداء إبليس بمظلومية عثمان ، إذ يقول الإمام (ع) : ( فعند ذلك ) أي عند صعود إبليس في الهواء وندائه ( يتبرؤون منا ويتناولونا ... ) ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، هذا أولاً .

وثانياً : إذا كان القوم - أو لا اقل من ضمن القوم الذين يسمعون - شيعة يدعون ولاية أهل   البيت ، فما بالهم يشككون بالصيحة الأولى التي ذكرت علياً (ع) وشيعته ؟! ثم كيف يسمحوا لأنفسهم أن يشكوا في ذلك بسبب صيحة إبليس التي تنادي بمظلومية عثمان وقتله ؟! وهل يخطر ببال موالٍ لأمير المؤمنين (ع) الارتياب لمثل ذلك ؟

أمّا أن في القوم السامعين لنداء إبليس شيعة فهذا مما لا شك فيه ، بدليل ما ذكرته الرواية الشريفة وتم إيضاحه في الفقرة الأولى ، إذن أين المشكلة ؟

المشكلة أن الأمة - وخصوصاً التي تدعي ولاية آل محمد - قد ابتعدت عنهم وتركت استقاءها من عذب فراتهم ، وآثرت الاستقاء من آجن ممن اختاروهم أئمة بأهوائهم وتركوا من اختارهم الله أئمة لهم ، فتاهوا وضاعوا ، والآن فلنستمع لآل محمد وهم يتحدثون عن جواب ذلك عساه يكون عبرة لمعتبر قبل فوات الأوان ، وسيكون مختصراً لئلا يخرج البحث عن قصده .

ورد في رواياتهم روحي فداهم ما يذكر صيحة الحق بعدة مضامين ، هذه بعضها ([173]) :

1-    عن أبي جعفر (ع) : ( ينادي منادي باسم القائم واسم أبيه ) .

2-    عن أبي جعفر (ع) : ( ألا إن المهدي من آل محمد فلان بن فلان ) .

3-    عن أبي عبد الله (ع) : ( إن فلان هو الأمير ) .

4-    عن أبي عبد الله (ع) : ( ألا أن فلان صاحب الأمر فعلامَ القتال ) .

5-    عن أبي عبد الله (ع) : ( فيم القتل والقتال … صاحبكم فلان ) .

6-    عن أبي عبد الله (ع) : ( ألا إن الحق في علي بن أبي طالب ) .

7-    عن أبي عبد الله (ع) : ( وينادي منادي أن علياً وشيعته هم الفائزون ) .

لابد أن يعلم قبل كل شيء أن الإمامين الهمامين الباقر والصادق عليهما السلام يتحدثان عن شخص واحد ستكون إحدى آياته ودلائله الصيحة الأولى الدالة عليه ، وأنهما عليهما السلام بصدد اصطناع الأمة المعدودة وتعريفها بقائدها كما مرّ في التمهيد عند استعراض فضّ كل واحد من الأوصياء الختم الذي يخصه في الوصية المقدسة والعمل بما فيه ، ولا يصح أن يخطر في بال احد ليتوهم أنّ ما ذكر من المضامين التي تخص صيحة الحق ونداءه في كلام الإمامين أنهما يتكلمان عن عدة أشخاص ، فان راية الحق ترفع من قبل واحد لا أكثر والحق لا يتعدد ، فمن هو المنادى باسمه والذي وصِف بأنه : ( القائم ، والمهدي ، والأمير ، وصاحب الأمـر ، وصاحبكم ، وانه علـي بن أبي طالب (ع) ) ؟

كما أن المنادى باسمه ليس هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) بشخصه ، وإلا فلماذا يرتاب من يدعي انه من شيعته بليلة واحدة تفصل بين النداء الأول ونداء إبليس في الغد مباشرة ، والذي يكون سبباً ليس فقط لعدم نصرة داعي الحق بل للبراءة من أهل البيت  وتناولهم والعياذ بالله ؟ وهل يزيد ذكر اسم علي (ع) بنداء الهي وسماعه ممن يواليه إلا إيماناً وتصديقاً ، فما بال القوم إذن سرعان ما يتبرؤون بل يقولون انه من سحر أهل هذا البيت ، ومن يجرؤ على قول ذلك ممن يدعي انه موالٍ له ولأولاده الطاهرين ؟!

إنه مَثَل علي (ع) في زمنه وقطعة منه وروحه ، والإمام المهدي محمد بن الحسن (ع) وان كان كذلك روحي فداه لكنه الآخر غير مقصود بالمنادى ؛ ذلك أنّ ما قلناه في أبيه أمير المؤمنين (ع) يأتي فيه فمَن من الشيعة سيستمع إلى صيحة إبليس ( لعنه الله ) إن كانت الصيحة باسم الإمام (ع) ، ومن منهم لا يزيده ذكر اسم الإمام (ع) إيماناً ، في حين أن الرواية تقرر حقيقة خطرة للغاية وهي التبرّي منهم   - والعياذ بالله - بعد سماع نداء إبليس أخزاه الله ، بمعنى أن الصيحة ستكون حداً فاصلاً في إعلان جماعة - وهم كثر كما سيتضح -كانوا يدّعون مولاة آل محمد براءتهم منهم باستماعهم للنداء الثاني ورفضهم الأول ، أو بالأحرى لرفضهم واعتراضهم على من يكون النداء الإلهي به .

فمن هو إذن ؟

هو مَثَل علي (ع) في وصية رسول الله  ليلة وفاته والذي خصه جده المصطفى بمقطع من وصيته المباركة وركّز على ذكر أسمائه وصفاته كتركيزه على أول الأئمة الاثني عشر ، انه أول المهديين الاثني عشر وأول المؤمنين بابيه كما كان جده أمير المؤمنين (ع) أول المؤمنين برسول الله ، وأن يكون أولُ مؤمن بالحجة في وقته هو الوصي ولا يسبقه بالإيمان به احد حقيقةً لا ينبغي التشكيك فيها من قبل مؤمن بالله ورسله ، فهي سنة الله في حججه ولن تجدوا لسنته سبحانه تبديلاً ولا تحويلاً .

( احمد ، وعبد الله ، والمهدي ) أسماؤه التي خصه بها جده رسول الله في وصيته .. ( ابن الإمام المهدي ، وأول مقرب إليه ، وأول مؤمن به ) صفاته التي تميز بها في الوصية المقدسة .. وإذا ما قارنّا ذلك بمضامين صيحة الحق ، فهو - أي وصي الإمام أحمد عليهما السلام – إذن :

القائم .. وكل آل محمد قوّام بالحق ، لكنه القائم الذي سيبتلى به الناس في زمن الظهور المقدس ، والذي ورد في حقه انه علامة حتمية لظهور الإمام (ع) ، فعن الثمالي قال : قلت لأبي عبد الله (ع) إن أبا جعفر (ع) كان يقول : خروج السفياني من المحتوم ، والنداء من المحتوم ، وطلوع الشمس من المغرب من المحتوم وأشياء كان يقولها من المحتوم ، فقال أبو عبد الله (ع) : ( واختلاف بني فلان من المحتوم وقتل النفس الزكية من المحتوم ، وخروج القائم من المحتوم .. ) ([174]).

وليس بخافٍ أن العلامة شيء ومن تدل عليه العلامة شيء آخر ، وقد جُعل القائم هنا علامة حتمية لظهور الإمام المهدي (ع) لا انه الإمام نفسه ، فكيف يكون الشيء علامة حتمية لنفسه ؟

والمهدي .. الذي سينادى باسمه ويقال : ( ألا إن المهدي من آل محمد ) .. وإلا فهل يشك احد من الشيعة وهم يستمعون النداء الإلهي في أن الإمام المهدي (ع) من آل محمد حتى يكون النداء الثاني - وهو لإبليس - ذا تأثير اكبر ويحصل التبرّي من آل محمد ؟!

روى حذلم بن بشير قال : قلت لعلي بن الحسين (ع) : صف لي خروج المهدي وعرفني دلائله وعلاماته فقال : ( يكون قبل خروجه خروج رجل يقال له عوف السلمي بأرض الجزيرة ويكون مأواه تكريت وقتله بمسجد دمشق ، ثم يكون خروج شعيب بن صالح من سمرقند ، ثم يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس ، وهو من ولد عتبة بن أبي سفيان ، فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي ثم يخرج بعد ذلك ) ([175]).

ومعلوم أن الرواية لا تتحدث عن الإمام المهدي (ع) لأنه أساساً ليس بظاهر قبل السفياني ليختفي بعد ظهوره ، بل السفياني نفسه علامة حتمية على ظهور الإمام (ع) . فالمهدي هنا يقصد به أول المؤمنين بالإمام المهدي (ع) ووصيه ، وهو احمد الذي ذكره رسول الله  في وصيته وأعطاه اسم المهدي أيضاً.

وهو الأمير .. أمير جيش الغضب الذي ولّي البيعة من قبل أبيه ( الملك ) روحي فداه ، فهو قائد جيشه ووصيه ورسوله إلى الناس ويمينه ويمانيه ، وقد عرفنا سابقاً أن أسماء من يبايع بين الركن والمقام بنص حديث رسول الله - وبعد عرضها على الوصية المقدسة - هي أسماؤه سلام الله عليه .

وأيضاً :

8-   روى السيد ابن طاووس : ( قال أمير الغضب ليس من ذي ولا ذهو لكنهم يسمعون صوتاً ما قاله إنس ولا جان بايعوا فلاناً باسمه ليس من ذي ولا ذهو ولكنه خليفة يماني ) ([176]).

9- وقال : ( فيجتمعون وينظرون لمن يبايعونه فبيناهم كذلك إذا سمعوا صوتاً ما قال إنس ولا جان بايعوا فلاناً باسمه ليس من ذي ولا ذه ولكنه خليفة يماني ) ([177]).

وهو نفسه الخليفة اليماني الذي ذكره الإمام الباقر (ع) ووصفه بأنه صاحب أهدى الرايات الذي يدعوكم إلى الإمام المهدي (ع) ، وبيّن وجوب النهوض إليه واستحقاق النار عند الالتواء عليه ، فهو إذن خليفة الهي ومعصوم بنص نفس الحديث الشريف ، وبه سيكون النداء .

وصاحب الأمر .. الذي ذكره الإمام الباقر (ع) وهو يعدد سننه من الأنبياء ، عن أبي بصير ، قال : سمعت أبا جعفر (ع) يقول : ( في صاحب الأمر سنة من موسى وسنة من عيسى وسنة من يوسف وسنة من محمد ، فأما من موسى فخائف يترقب ، وأما من عيسى فيقال فيه ما قيل في عيسى ، وأما من يوسف فالسجن والتقية ، وأما من محمد فالقيام بسيرته وتبيين آثاره ، ثم يضع سيفه على عاتقه ثمانية أشهر ولا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله . قلت : وكيف يعلم أن الله U قد رضي ؟ قال : يلقي الله U في قلبه الرحمة ) ([178]) .

فواضح أنها لا تتحدث عن الإمام المهدي (ع) ، فهو وان كان صاحب الأمر أيضاً إلا انه لا يسجن كما هو معلوم ، ثم إن من ورد في وصفه في الرواية بأنه يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر هو من يقوم بالسيف قبل الإمام (ع) لقتال السفياني وجيشه ، وهذه وظيفة اليماني كما قررته روايات الطاهرين .

وعن ضريس الكناسي قال : سمعت أبا جعفر (ع) يقول : ( إن صاحب هذا الأمر فيه سنة من يوسف : ابن أمة سوداء يصلح الله أمره في ليلة واحدة ) ([179]) ، ومعلوم أن الإمام المهدي (ع) أمه نرجس وهي بنت قيصر الروم وحفيدة وصي عيسى (ع) وليست سوداء .

وهو مَثَل علي بن أبي طالب (ع) اليوم بعد أن كان أبيه الإمام المهـدي (ع) مَثَل جده المصطفـى ، فعن أبي مروان قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله U : ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ([180])، قال : فقال لي : ( لا والله ، لا تنقضي الدنيا ولا تذهب حتى يجتمع رسول الله وعلي بالثوية ، فيلتقيان ويبنيان بالثوية مسجداً له اثنا عشر ألف باب ) ، يعني موضعاً بالكوفة ([181]) .

إن هذا المسجد الذي سيبنى له علاقة بالقائم (ع) كما لا يخفى ، فعن مفضل بن عمر قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : ( إن قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها ، واستغنى العباد من ضوء الشمس ، ويعمر الرجل في ملكه حتى يولد له ألف ذكر ، لا يولد فيهم أنثى ، ويبني في ظهر الكوفة مسجداً له ألف باب ويتصل بيوت الكوفة بنهر كربلاء وبالحيرة ، حتى يخرج الرجل يوم الجمعة على بغلة سفواء يريد الجمعة فلا يدركها ) ([182]) .

لأن الصلاة خلفه تعدل الصلاة خلف رسول الله ، فعن أبي جعفر (ع) في خبر طويل :       ( يدخل المهدي الكوفة ، وبها ثلاث رايات قد اضطربت بينها ، فتصفو له فيدخل حتى يأتي المنبر ويخطب ، ولا يدري الناس ما يقول من البكاء .. فإذا كانت الجمعة الثانية ، قال الناس : يا ابن رسول الله الصلاة خلفك تضاهي الصلاة خلف رسول الله والمسجد لا يسعنا فيقول : أنا مرتاد لكم فيخرج إلى الغري فيخط مسجداً له ألف باب يسع الناس عليه أصيص ، ويبعث فيحفر من خلف قبر       الحسين (ع) لهم نهراً يجري إلى الغريين حتى ينبذ في النجف .. ) ([183]).

وهو رجل من علي (ع) ، بل إنّ أمير المؤمنين (ع) يعتبر فعلَه فعلُه ، عن عباية الأسدي قال : سمعت أمير المؤمنين(ع) وهو مشنكى - كذا في المصدر - وأنا قائم عليه : ( لأبنين بمصر منبراً ، ولأنقضن دمشق حجراً حجراً ، ولأخرجن اليهود والنصارى من كل كور العرب ، ولأسوقن العرب بعصاي هذه ، قال : قلت له : يا أمير المؤمنين كأنك تخبر أنك تحيى بعد ما تموت ؟ فقال : هيهات يا عباية ذهبت في غير مذهب يفعله رجل مني ) ([184]).

وإذا كان فعله هو فعل أمير المؤمنين (ع) فالصيحة باسمه يعني الصيحة باسم علي (ع) ، ويعرف بعد هذا معنى ما ورد في الصيحة بـ ( أن الحق مع علي ) أو ( علي وشيعته هم الفائزون ) ، ويتضح سبب تأثر الناس بالنداء الثاني وتبرئهم من أهل البيت والعياذ بالله ؛ ذلك أن الصيحة ستكون باسم من هو مَثَل أمير المؤمنين (ع) اليوم وبراءتهم منه يعني براءتهم من أمير المؤمنين (ع) وأهل البيت كلهم ؛ لان المنكر لآخرهم كالمنكر لأولهم ، هكذا شاء الله .

وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد ، عن آبائه ، قال : ( زاد الفرات على عهد أمير       المؤمنين (ع) فركب هو وابناه الحسن والحسين فمر بثقيف ، فقالوا قد جاء علي يرد الماء ، فقال علي (ع) : أما والله لاُقتلن أنا وابناي هذان وليبعثن الله رجلاً من ولدي في آخر الزمان يطالب بدمائنا ، وليغيبن عنهم ، تمييزاً لأهل الضلالة حتى يقول الجاهل : ما لله في آل محمد من حاجة ) ([185]).

وليس هو الإمام المهدي لأنه (ع) يظهر في آخر الزمان لا انه يبعث ، فبعثته بعد شهادة أبيه الإمام العسكري (ع) والأرض لا تخلو من حجة كما هو واضح ، كما أن غيبته متأخرة عن بعثته ، في حين أن من يتحدث عنه أمير المؤمنين (ع) من ولده ستكون بعثته في آخر الزمان وغيبته بعد بعثته وطلبه بدماء آبائه الطاهرين .

وكذلك : عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (ع) أنه قال وهو يتحدث عن راية القائم (ع) : ( ... وهي عندنا هناك لا ينشرها أحد حتى يقوم القائم (ع) فإذا قام نشرها فلم يبق في المشرق والمغرب أحد إلا لعنها ، ويسير الرعب قدامها شهراً ، [ ووراءها شهراً ] وعن يمينها شهراً ، وعن يسارها شهراً . ثم قال : يا أبا محمد إنه يخرج موتوراً غضبان أسفاً ، لغضب الله على هذا الخلق عليه قميص رسول الله الذي كان عليه يوم احد ، وعمامته السحاب ، ودرع رسول الله السابغة ، وسيف رسول الله ذو الفقار ، يجرد السيف على عاتقه ثمانية أشهر يقتل هرجاً . فأول ما يبدأ ببني شيبة فيقطع أيديهم ويعلقها في الكعبة ، وينادي مناديه هؤلاء سراق الله ، ثم يتناول قريشاً فلا يأخذ منها إلا السيف ، ولا يعطيها إلا السيف ولا يخرج القائم (ع) حتى يقرأ كتابان كتاب بالبصرة ، وكتاب بالكوفة بالبراءة من علي (ع) ) ([186]).

ومرة أخرى يقف المرء مذهولاً أمام الحقيقة التي تذكرها الرواية وهي التبرؤ من علي (ع) في مدينتين يدعي أهلها التشيع كما هو معلوم ، ولكن إذا ما ضممناها إلى ما تقدم وما سيأتي من روايات شريفة يتبين المراد ، وأنّ من يُقرأ الكتاب باسمه في الكوفة والبصرة هو مَثَل علي (ع) ومَن يكون فعله فعل جده (ع) ، كما تقدم توضيحه .

وهذا الولد الطاهر من آل البيت ( القائم احمد (ع) ) هو نفسه الذي عناه أمير المؤمنين أيضاً في حديثه للأصبغ بن نباتة لما رآه متفكراً في أمر هذا الولد منهم الذي يبعث في آخر الزمان ، قال : أتيت أمير المؤمنين (ع) فوجدته ينكث في الأرض فقلت له : يا أمير المؤمنين مالي أراك مفكراً تنكت في الأرض أرغبة منك فيها ؟ قال : ( لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا قط ولكني تفكرت في مولود يكون من ظهر الحادي عشر من ولدي هو المهدي الذي يملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، يكون له حيرة وغيبة تضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون . قلت: يا مولاي فكم تكون الحيرة والغيبة  ؟ قال : ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين ، فقلت : وإن هذا الأمر لكائن ؟ فقال : نعم كما أنه مخلوق ، وأنى لك بهذا الأمر يا أصبغ ، أولئك خيار هذه الأمة مع أبرار هذه العتـرة ، قال : قلت : ثم ما يكون بعد ذلك ؟ قال : يفعل الله ما يشاء فإن له بداءات وإرادات وغايات ونهايات ) ([187]).

فهو إذن ابن الإمام المهدي (ع) ومن أهل بيته الذي يأتي قبله ، فعن أمير المؤمنين (ع) قال : ( إذا بعث السفياني إلى المهدي جيشاً يخسف به بالبيداء وبلغ ذلك أهل الشام قالوا لخليفتهم قد خرج المهدي فبايعه وأدخل في طاعته وإلا قتلناك فيرسل إليه بالبيعة ، ويسير المهدي حتى ينزل بيت المقدس وتقبل إليه الخزائن وتدخل العرب والعجم وأهل الحرب والروم وغيرهم في طاعته من غير قتال حتى يبني المساجد بالقسطنطينية وما دونها ، ويخرج قبله رجل من أهل بيته بأهل الشرق ويحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر يقتل ويمثل ويتوجه إلى بيت المقدس ... ) ([188]) .

وعن أبي بصير ، عن أبي عبد الله (ع) قال : ( الله أجل وأكرم وأعظم من أن يترك الأرض بلا إمام عادل ، قال : قلت له : جعلت فداك فأخبرني بما أستريح إليه ، قال : يا أبا محمد ليس يرى امة محمد فرجاً أبداً ما دام لولد بني فلان ملك حتى ينقرض ملكهم ، فإذا انقرض ملكهم أتاح الله لأمة محمد برجل منا أهل البيت ، يشير بالتقى ، ويعمل بالهدى ولا يأخذ في حكمه الرشا . والله إني لأعرفه باسمه واسم أبيه ([189])، ثم يأتينا الغليظ القصرة ، ذو الخال والشامتين القائد العادل ، الحافظ لما استودع ، يملأها عدلاً وقسطاً كما ملأها الفجار جوراً وظلماً ) ([190]).

وإذا كان الإمام المهدي (ع) هو الغليظ القصرة ذو الخال والشامتين ، فمن هو الرجل الذي قال عنه الإمام الصادق (ع) : ( منا أهل البيت ) وانه يعرف اسمه ، علماً أن الإمام المهدي (ع) يعرفه الكل ، وليس الإمام الصادق (ع) بعد ذلك بحاجة إلى أن يقسم على انه (ع) يعرفه باسمه واسم أبيه . ثم إن العمل بالهدى - وهي إحدى صفاته - أليس له علاقة بصاحب أهدى الرايات الذي ذكره الإمام الباقر (ع) عند حديثه عن اليماني ( وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني هي راية هدى ) ، خصوصاً ونحن نعرف أن الهدى هو هدى الله وهو هدى محمد وآل محمد ، وهداهم واحد ومن يدعو إليه واحد ، ولذا عبر عنه (ع) بأنه ( منا أهل البيت ) .

كما أن الإمام الصادق (ع) يعبر عن مجيء الإمام المهدي (ع) بعد هذا الرجل بـ ( ثم يأتينا .. ) فمَن من أهل البيت موجود قبل مجيء الإمام المهدي (ع) وظهوره غير المعبر عنه في الرواية بـ ( أتاح الله لأمة محمد برجل منا أهل البيت ) ، ولكننا إذا عرفنا أن هذا الرجل ليس منهم فحسب بل هو مَثَل علي (ع) - كما ظهر آنفاً - يتضح قوله : ( ثم يأتينا .. ) الذي يشير إلى وجوده (ع) بوجود مَثَله روحي فداهم أجمعين .

إلا أن هذا الرجل الطاهر ليس متاحاً للناس أجمعين - وان كانت دعوته لهم كلهم كما هو واضح في رواية اليماني - وإنما هو متاح لأمة محمد فقط وقد توضح أيضاً معناها في التمهيد ، وليس هو تحديد في رحمة الله والعياذ بالله لكنه ما اختاره الناس لأنفسهم من صدهم وتكبرهم على دعاة الحق متى ما صدح به رجل الهي ممن اجتباهم الله وخصهم لرسالاته ودينه .

هو إذن ( أحمد ) كما اسماه جده رسول الله في وصيته المقدسة ليلة وفاته ، وهو الولد الذي يكون من ظهر الحادي عشر من ولد أمير المؤمنين (ع) ، والذي قال عنه الإمام الصادق (ع) انه منهم أهل البيت ومن أهل بيت الإمام المهدي (ع) ، بل عبّر عن أفعاله بأنها فعله (ع) كما سبق ، كما انه صاحب المضامين التي ورد عنهم في كيفية صيحة الحق ، وعشرات الروايات الأخرى التي وصفته باسمه ومسكنه وعلمه وصفته البدنية وكل ما يتعلق بأمره التي بحاجة إلى معجم كبير لتصنيفها ولا يسعها هذا البحث وان كان يصعب لمثلي حصرها ، فأصبح أمره أوضح من الشمس في رابعة النهار ، ولكنها لذي عينين .

وأخيراً : لكل طالب حق هذه الرواية لمن تكون باسمه صيحة الحق ليضمها إلى كل ما تقدم : المفضل يا مولاي فكيف يدري ظهور المهدي (ع) وان إليه التسليم ؟ قال (ع) : ( يا مفضل يظهر في شبهة ليستبين فيعلو ذكره ويظهر أمره وينادي باسمه وكنيته ونسبه ، ويكثر ذلك على أفواه المحقين والمبطلين والموافقين لتلزمهم الحجة بمعرفتهم به ، على انه قد قصصنا ودللنا عليه ونسبناه وسميناه وكنيناه وقلنا سمي جده رسول الله وكنيته لئلا يقول الناس ما عرفنا له اسماً ولا كنية ولا نسباً .

والله ليتحقق الإيضاح به وباسمه ونسبه وكنيته على ألسنتهم حتى ليسميه بعضهم لبعض كل ذلك للزوم الحجة عليهم ، ثم يظهره كما وعد به جده في قوله U : ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ([191]) ) ([192]).

* * * * * *

أما صيحة إبليس ( لعنه الله ) فبعض ما تساءلنا عنه في صيحة الحق يأتي فيها أيضاً ، فإذا كان الذين يتبرؤون من أهل البيت يحسبون على الشيعة كما تقدم ، فكيف يمكن تصوّر أن شيعياً يستمع لإبليس وهو ينادي بمظلومية عثمان قبال حق علي (ع) ؟!

وكما توضح في صيحة الحق في أنها تكون بمَثَل علي (ع) ، فكذلك الحال في صيحة إبليس أخزاه الله فإنها تكون بمَثَل عثمان في هذا الزمان ، ولما كان يتجلبب زوراً بزي أهل الدين والعلم والنسك والزهادة وإمامة الأمة يشتبه الأمر على الناس فيضيع من لم يكن لديه نور من الله ، ويتبرأ من آل محمد والعياذ بالله لأجله بل يتناولهم ويتهمهم بالسحر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

فمجيء داعي الحق وإعلانه دعوته الإلهية لا يزيدها مواجهة الطواغيت الظلمة الواضحين جهاراً إلا التفاف الناس المظلومة حولها ، ومع أن المظلومين هم الأكثر دوماً ولكننا نجد أن كل دعاة الحق لما جاءوا نصروهم القلة المستضعفة ، فأين يكمن السبب ومن هم طواغيت الداخل المتسترين والمنافقين ؟

إنهم أدعياء العلم الذين تسنّموا دفة قيادة الناس بلا تنصيب الهي بل حيلة وخداعاً ليوهموا الناس عبر منظومة اُريد لها أن تستقر في الوعي ؛ لكثرة التثقيف بها والتركيز عليها ، نعم تطعّم بشيء من الحق ولكن ليس لأنهم يعتقدون بالحق وأئمته ، بل لخداع الناس بالشعار وتمرير مشروعهم عليهم ، فتكتمل خطة إبليس في أخفى حلقاتها المدخرة لمحاربة خلفاء الله في أرضه وتحديداً القوام منهم وتأخير مشاريعهم الإلهية ، فكان علماء السوء غير العاملين الخنجر الذي يطعن الأمة المنتظرة دائماً ، ولنا في موسى (ع) مثالاً ، فقد كان المصلح المنتظر الذي يترقبه بنو إسرائيل ويتباشرون بولادته والاستعداد لاستقباله في الوقت الذي كان فرعون وجنوده يستضعفونهم ويذلونهم ، ولكن ما إن جاء موسى (ع) وباشر دعوته وعبر بقومه البحر نرى السامري - وهو العالم عند بني إسرائيل - يصنع عجلاً بوحي إبليس ليعبد من دون الله في غيبة موسى واستخلافه هارون (ع) ، ولما منعهم هارون اعترضوا عليه وكادوا أن يقتلوه ، فكان العالم غير العامل سلاح إبليس لحرب خلفاء الله .

وكذا الحال عند بعثة عيسى (ع) ، فقد بعث وعلماء بني إسرائيل حبهم للمال والدنيا لا يكاد يوصف فاقتدى بهم أتباعهم تماماً كما هو حال الأمة اليوم ، فنسخت شريعة موسى (ع) على يديه وكان سبب النسخ في بعضه - إن لم يكن أهم الأسباب - ما اعمله العلماء من تحريف ومن تحليل ما حرمه الله وتحريم ما أحلّه إرضاءً للأهواء وتملّقاً للطواغيت ، تماماً أيضاً ما وصف به مجيء قائم آل محمـد (ع) الذي ينسف ما شرّعه علماء السوء بالأهواء والتخرّصات ويستأنف الدعوة إلى الله والإسلام من جديد ([193]) بعد أن انكبّ القوم من كبيرهم إلى صغيرهم على الدنيا .

وكان الفشل باستقبال عيسى (ع) بل محاربته ومحاولة قتله والوشي به لظلمة الرومان يقوده علماء الضلالة أيضاً ، والحال نفسه لما بعث حبيب الله ورسوله محمد ، وحديث مجابهة علماء اليهود والنصارى والأحناف وغيرهم له واضحة لكل من اعتقد به ، ثم شريح وأمثاله مع سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي (ع) لما أفتى بخروجه عن الدين ووجوب قتاله ، فهل يأتي القائم (ع) بغير سنة الله في حججه ، وهل ستتغير سنته سبحانه في أعدائهم وهم علماء السوء في كل مرة ؟! لا والله ، فلا تحويل ولا تبديل في سننه سبحانه ، فكان مَثَل عثمان من سينادي به إبليس وهو عالم غير عامل شأنه شأن السامري وبلعم بن باعوراء وشريح وعثمان والشمر وغيرهم الكثير . ومن اختار اليوم الاصطفاف مع من نصب العداء لقائم آل محمد (ع) لو قدّر له أن يكون أيام موسى وهارون عليهما السلام لاختار الوقوف مع السامري ضدهما ، ومع علماء بني إسرائيل ضد عيسى (ع) ، ومع علماء اليهود والنصارى والأحناف ضد رسول الله ، ومع شريح ضد الحسين (ع) .

عن مالك بن ضمرة ، قال : قال أمير المؤمنين (ع) : ( يا مالك ابن ضمرة ، كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا ، وشبك أصابعه وأدخل بعضها في بعض ، فقلت : يا أمير المؤمنين ما عند ذلك من خير ؟ قال : الخير كله عند ذلك يا مالك ، عند ذلك يقوم قائمنا فيقدم سبعين رجلاً يكذبون على الله وعلى رسوله فيقتلهم ، ثم يجمعهم الله على أمر واحد ) ([194]).

فمن الذي يكذب على الله ورسوله ويفرّق الناس بكذبه عليهم غير علماء السوء الذين بتطهير الأرض منهم يجمع الله الناس على أمر واحد ؟ إنهم إذن من تتم صيحة إبليس بكبيرهم عثمان العصر الذي يسعى لمحاربة خليفة الله القائم (ع) بكل جهده وخطه بما أوحى له إبليس من ضلال لإبعاد الناس عن آل محمد وتأخير اليوم المعلوم الذي أنظره الله تعالى إليه ، فهل من عاقل لينقذ نفسه من شراك إبليس وجنده ، وسيأتي مزيد من التوضيح لذلك في الفصول القادمة إن شاء الله تعالى .

* * * * * *

  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • 1
  • 2