raya

فهرس المقال

المعترضون

على خلفاء الله


الشيخ

عـلاء السـالم

( الطبعة الأولى )



قال تعالى : ﴿ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ( يس : 30 ) .

يقول السيد احمد الحسن (ع) : ﴿ لقد ابتلي أمير المؤمنين علي (ع) بمعاوية بن هند (لعنه الله) ، وجاءه بقوم لا يفرقون بين الناقة والجمل ، وقد ابتليت اليوم كما ابتلي أبي علي بن أبي طالب (ع) ، ولكن بسبعين معاوية (لعنه الله) ، ويتبعهم قوم لا يفرقون بين الناقة والجمل ، والله المستعان على ما يصفون .

والله ما أبقى رسول الله ، وآبائي الأئمة شيء من أمري إلا بيّنوه ، فوصفوني بدقة ، وسمّوني ، وبيّنوا مسكني ، فلم يبق لبس في أمري ، ولا شبهة في حالي ، بعد هذا البيان .

وأمري أبين من شمس في رابعة النهار ، وأني : أول المهديين واليماني الموعود . بيان اليماني / المتشابهات ج4، السيد احمد الحسن (ع) .




وصلى الله على محمد واله الطاهرين الأئمة والمهديين وسلّم تسليماً

نصيحة البحث :

قال السيد احمد الحسن (ع) في نصيحته لكتابة هذا البحث :  ( كتاب منكري خلفاء الله في أرضه منذ آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. ليس ضرورياً أن يكون هذا هو العنوان ، ولكن هذا هو مختصر لما يتضمنه الكتاب أو البحث ، أي الذي يكتب هو يختار العنوان المناسب ، ويمكن أن يتعرض الكتاب إلى :

- اليوم الأول آدم خليفة الله في أرضه .

- معترضين يتوبون ، منكر لا يتوب .. أي الملائكة وإبليس على التوالي .

- والمرور بأنبياء الله ورسله إلى يومنا هذا .

- المقارنة بين كل المنكرين .. مقولاتهم التي قصها تعالى علينا في القرآن ، وما يجمعهم من وحدة المنهج في الإنكار والمحاربة والمحاججة بالباطل ، ووحدة الأهداف ووحدة المضمون .

- أيضاً الكثرة ومناقشتها .. لماذا المنكرون دائماً هم الكثرة ؟ هل المشكلة في خلفاء الله ، أم في الناس وما هي مشكلة الناس ؟

إذا عرفت سبب الامتحان الأول تستطيع الإجابة على هذا السؤال :

إظهار ( أنا ) المخلوق بشكل جلي يعاقب عليه ، أي انه طالما استبطن مواجهة ربه بـ ( أنا ) ، فالآن تجلى له في خليفة ليقول أنا خير منه ، ولم يكن ليجرأ على النطق بها أمام الله القهار ، ولكنه كان ينطق بها في كل آن بنظره المنصبّ على نفسه ، أولئك الذين لا يكادون يرون أيديهم ، أعمتهم الأنا ، فهم كل همهم أنفسهم وما يلائمها وتجنب ما ينافيها ظاهراً .

الآن ، تجلى لهم الذي خلقهم في خليفته ليظهر على الملأ ما انطوت عليه أنفسهم الخبيثة من إنكار له سبحانه ولفضله . ولو قربت لك الصورة أكثر في مثل مادي : فحالهم كمن ركز نظره على نفسه وهو يواجه ربه دون أن ينطق أو يقول : أنا خير ممن خلقني ، أو أن يقول : نفسي أهم عندي ممن خلقني ، ولكن حاله ونظره المنصبّ على نفسه ينطق بهذا . الآن امتحنه الذي خلقه بمثله - ظاهراً - إنسان فمباشرة نطق بما انطوت عليه نفسه فقالها جهاراً دون حياء : أنا خير منه ) انتهى كلامه صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرين المنتجبين .

وأجدني - وأعوذ بالله من الأنا - عاجزاً عن قول شيء  بعد هذا سوى الدعاء بما دعا به روحي فداه : ( إلهي إن عظيم ذنبي كف يدي عن انبساطها إليك وكثرة ودوام تقصيري سوّدا وجهي عندك فاغفر ذنبي وبيض وجهي فإنه لا سبيل لذلك إلا فضلك ومنك وعطائك الابتداء ، وأنت تعلم أني لا أريد بذلك إلا أن أكون أهلاً أن أقف بين يديك وأحـمُدك وحدك لا شريك لك على كل نعمة أنعمت وتنعم بها عليَّ وعلى والديَّ وعلى كل أحد من خلقك . إلهي وعزتك وجلالك وعظمتك ، لو أني منذ بدعت فطرتي من أول الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيتك بكل شعرة وكل طرفة عين سرمد الأبد بحمد الخلائق وشكرهم أجمعين ، لكنت مقصراً في بلوغ أداء شكر أخفى نعمة من نعمك عليَّ ، ولو أني كربت معادن حديد الدنيا بأنيابي ، وحرثت أرضها بأشفار عيني ، وبكيت من خشيتك مثل بحور السماوات والأرضين دماً وصديداً ، لكان ذلك قليلاً في كثير ما يجب من حقك عليَّ ، ولو أنك إلهي عذبتني بعد ذلك بعذاب الخلائق أجمعين ، وعظمت للنار خلقي وجسمي ، وملئت جهنم وأطباقها مني حتى لا يكون في النار معذب غيري ، ولا يكون لجهنم حطب سواي ، لكان ذلك بعدلك عليَّ قليلاً في كثير ما استوجبته من عقوبتك .

إلهي فمع عظيم ما استحق من عقوبتك بعدلك ، تفضلت عليَّ وجعلتني انطق بحمدك وأذكر أسمائك وأسماء سادتي من الأوصياء أنبياءك ورسلك الذين أتشرف أن أكون حفنة تراب تحت أقدامهم المباركة إلهي فاغفر لي وأقل عثرتي واجعلهم يغفرون لي ويقيلون عثرتي ) .

فماذا بقي وما بوسعي قوله ، ولولا أن نصرتكم هي أمل وشوق وأمنية شائق يتمنى لكان الخرس أفضل نصيب عباد الله بين يديه سبحانه وأيديكم ، ولكن مظلوميتكم سادتي آل محمد تنطق الأخرس ورب العباد لما يرى جرأة من جرت نعمتكم عليه عليكم ، فكانت هذه المحاولة الخجلة لنصرتكم ، راجياً منكم قبولها بعظيم فضلكم وبحر كرمكم وقبول صاحبها خادماً لتراب تطأه أقدامكم ، ووالله لئن حُرمتُ من صحبتكم لعظم جرمي وإسرافي في حقكم فهو استحقاقي وقدري ، ولكن تبقى عينيّ فقيرٍ تربو جودكم ، وتنتظر سد فقره ورفع حاجته ، ويبقى قلب من اغرق نفسه في بحر ذنوبه يهفو لمد يد رحيمة تنتشله من غرقه ، وقلوبكم تسع رحمة الله كلها فما بالها لم تسع عبداً ضعيفاً ليس له طاقة على احتمال بعدكم ، أو لا اقل يدعي الانتساب إليكم .

إليكم سادتي آل محمد ، إليك سيدي يماني آل محمد اهدي ما جمعته في هذا البحث وأقول معترفاً بتقصيري في نصرتكم : خادمكم ببابكم فاقبلوه ، واعتذر على جرأتي وقلة حيائي .


  • · لماذا الخليفة ؟
  • · هل وضع الله سبحانه قانوناً لمعرفة خليفته في أرضه ؟
  • · وهل جاء داعي الحق اليوم ( احمد الحسن (ع) ) بغيره ؟
  • · من لديه الجرأة على الاعتراض على اختيار الله ، ومن هم المعترضون ؟

أسئلة أربعة بحاجة إلى إجابة ؛ وهي من الأهمية بمكان بحجم أهمية المصير في نظر الإنسان المعتقد بالرجوع إلى ربه الذي يشهد كل ما في الوجود بالرجوع إليه ﴿ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ([1])،    ﴿ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ([2])؛ ذلك أن الرجوع المطلوب من المخلوق والمرضي عند خالقه سبحانه هو العود بولي الله وخليفته في أرضه في سفر الإنسان نحو الآخرة ، وكأنه قد خلق وانزل إلى هذه الأرض ليبحث عن ضالة خلق لأجلها ، وقد شاء الله سبحانه أن يكون مفاتح الحصول عليها لا تتم إلا بمعرفة خليفة الله في أرضه وحجته على خلقه وإلا التيه والضياع وخسران الدنيا والآخرة ، وكيف لا يوصف بذلك من لم يظفر بضالته التي خلق لأجلها ويحقق هدف وجوده ومجيئه ، فبأي شيء يعود وقد ضيع غايته وبات أعمى يترنح بين ظلمات الهوى والدنيا والشيطان ، ويا لها من خسارة كبرى إن كانت غايته هي الله سبحانه ومعرفته ، وبماذا يوصف الراجع من دونها إلا مضيعاً لربه الكريم الذي خلقه فسوّاه فعدله ، وماذا وجد من فقدك حتى ولو رأى الخلق كلهم أن معه الدنيا كلها ؟! رحماك يا رب .

نعم ، خلق الإنسان لغاية وهدف وليس للعبث مجال في ساحته المقدسة تعالى الله سبحانه عن ذلك علواً كبيراً ، قال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ([3]) ، أي ليعرفون ( ولم يقل إلا ليأكلون أو إلا ليعملون ، فإذا كان لابد من العمل والأكل والشرب ، فليكن للعبادة نصيب أعظم وأوفر واكبر ، فأجملوا في الطلب يرحمكم الله ، ولا تكن الدنيا منتهى همكم ، ومبلغ علمكم . واعبدوا الله حق عبادته ، لتكن الآخرة لكم ، فان إليها المآل وفيها محط الرحال ، والمقر بعد الآجال ، فلا تغرنكم الحياة ولا يغرنكم بالله الغرور ، فانه سبحانه وتعالى يخاطبكم فيقول : يا بن آدم أما تنصفني ، أتحبب إليك بالنعم وتتمقت إلي بالمعاصي ، خيري إليك منـزل وشرّك إليّ صاعد ، ولا يزال ملك كريم يأتيني عنك في كل يوم وليلة بعمل قبيح . يا بن آدم لو سمعت وصفك من غيرك وأنت لا تعلم مَن الموصوف لسارعت إلى مقته ([4]) ) ([5]).

إنها إذن معرفة الله الغاية التي خلقنا من اجلها ، قال الله تبارك وتعـالى في الحديث القدسـي : ( كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن اُعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ) ([6]) ، وإذا كانت معرفة الله سبحانه هي غاية الخلق والإنسان منه ، فالسؤال الذي يطرح نفسه : هل يستطيع المخلوق أن يتعرف على خالقه سبحانه بنفسه ؟ لاسيما والمعرفة - حالها حال أي شيء يحدث في عالم الخلق كله - من الله سبحانه ، فعن محمد بن حكيم قال : قلت لأبي عبد الله (ع) : المعرفة من صنع من هي ؟ قال : ( من صنع الله ، ليس للعباد فيها صنع ) ([7]).

فليسأل كل منا ربه الكريم الذي خلقه : الهي كيف لي أن أعرفك ؟ وأعني بسؤال الله سبحانه واستماع إجابته ما يشمل إجابة حججه وخلفائه في أرضه فإنهم جميعاً لا ينطقون عن الهوى بل هو وحي ربهم ، ولذا صار قبول قولهم وطاعتهم طاعة الله ورد قولهم - والعياذ بالله - رد على الله سبحانه .

وقد شاء سبحانه ومشيئته كائنة أن تتم معرفته عن طريق حجته وخليفته في أرضه باعتباره مثله الأعلى في خلقه ، وبمثابة المرآة التي تعكس صفات الكمال والجلال للخالق إلى المخلوق ، فيكون المستخلَف مثالاً لمن استخلفه ووجهاً يقابل به خلقه ومعرفته معرفته .

عن موسى بن عبد الله النخعي انه قال للإمام الهادي (ع) : علمني يا ابن رسول الله قولاً بليغاً كاملاً إذا زرت واحداً منكم فقال : ( إذا صرت إلى الباب فقف .. وقل : ... السلام على محالّ معرفة الله ومساكن بركة الله ومعادن حكمة الله وحفظة سرّ الله .. السلام على الدعاة إلى الله والأدلاء على مرضاة الله ... من أراد الله بدأ بكم ومن وحّده قبل عنكم ومن قصده توجه بكم ) ([8]).

فمن أراد معرفة الله إذن بدأ بمعرفة حججه وخلفائه ليعرّفوه بخالقه ويدلّوه على مرضاته ، ومن هنا يتضح لنا بعض معاني ما جاء في كلام الطاهرين التي تذكر أن لا بقاء للأرض وأهلها بلا حجة ، عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا (ع) قال : ( قلت له : أتبقى الأرض بغير إمام ؟ قال : لا ، قلت : فانا نروي عن أبي عبد الله (ع) أنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط الله تعالى على أهل الأرض أو على العباد ، فقال : لا ، لا تبقى إذاً لساخت ) ([9]).

ليس فقط أن الله سبحانه يسخط على أهل الأرض لخلوها من خليفته وحجته بل لا وجود لها ولهم أصلاً بلا حجته ؛ إذ لا يفعل الله سبحانه السفه وحاشاه بل هو الحكيم الذي لا يوجد خلقه بلا غاية ، والغاية - وهي المعرفة كما توضح - لا تكون إلا بحجة وخليفة لله في أرضه ، ومن ثم يكون فرض عدم وجوده سبباً لانعدام الأرض وأهلها ( وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ).

الآن وقد بان - بإيجاز - جواب التساؤل عن ضرورة وجود خليفة الله في أرضه نشرع في بيان قانون الله سبحانه لمعرفة حجته ، فهو الآخر في غاية الأهمية بعد أن توضح أهمية الخليفة الإلهي ودوره .


هل وضع الله سبحانه قانوناً لمعرفة خليفته في أرضه ؟

ولا أحسب أن عاقلاً يتأمّل آلاء الله يحيد عن الإيجاب بدلاً بعد أن كان الرجوع المرضي له سبحانه لا يتم إلا بمعرفة خليفة الله في أرضه وإتباعه ، وخطور شيء آخر في البال يعني نسبة غير الحكمة لله تعالى عن ذلك علواً كبيراً .

وإذا كانت حكمته سبحانه تفرض وجود قانون الهي يعرّف خلقه بحجته ، فانه تبارك وتعالى مَن يضع القانون لعباده رحمة بهم ؛ فان من يُراد وضع القانون لمعرفتهم هم خلفاؤه في أرضه وحججه على خلقه في كل زمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فسنّة الله لا تتغير ولا تتبدل دائماً وأبداً ، وغاية الخلق لما كانت تتحصل بمعرفتهم فإحكام القانون الإلهي سيأتي منه سبحانه بدرجة تنسجم وتلك الغاية الكبرى ، كيف إذا كانت هي ( معرفة الله ) وهي البداية والمنتهى .

( فالنتيجة أن مقتضى الحكمة الإلهية هو وضع قانون لمعرفة خليفة الله في أرضه في كل زمان ، ولابد أن يكون هذا القانون وضع منذ اليوم الأول الذي جعل فيه الله سبحانه خليفة له في أرضه ، فلا يمكن أن يكون هذا القانون طارئاً في إحدى رسالات السماء المتأخرة عن اليوم الأول ؛ لوجود مكلفين منذ اليوم الأول ، ولا أقل أن القدر المتيقن للجميع هو وجود إبليس كمكلف منذ اليوم الأول ، والمكلف يحتاج هذا القانون لمعرفة صاحب الحق الإلهي ، و إلا فإنه سيعتذر عن إتباع صاحب الحق الإلهي بأنه لم يكن يستطيع التمييز ، ولا يوجد لديه قانون الهي لمعرفة هذا الخليفة المنصب من قبل الله سبحانه وتعالى .

والقدر المتيقن للجميع حول تاريخ اليوم الأول الذي جعل فيه الله خليفة له في أرضه هو :

1. إن الله نص على آدم وانه خليفته في أرضه بمحضر الملائكة وإبليس .

2. بعد أن خلق الله آدم (ع) علَّمه الأسماء كلها .

3. ثم أمر الله من كان يعبده في ذلك الوقت الملائكة وإبليس بالسجود لآدم .

قال تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ([10]) ، ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ([11]) ، ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ([12]) ، ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ([13]).

هذه الأمور الثلاثة هي قانون الله سبحانه وتعالى لمعرفة الحجة على الناس وخليفة الله في أرضه وهذه الأمور الثلاثة قانوناً سَنَّه الله سبحانه وتعالى لمعرفة خليفته منذ اليوم الأول ، وستمضي هذه السنة الإلهية إلى انقضاء الدنيا وقيام الساعة .

﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً([14]).

﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً([15]) ) ([16]).

حقاً وصدقاً ستمضي سنّة الله في حججه على خلقه في قانونه الذي خصهم به وبقيت أيدي سائر الخلق منه صَفِرَةً خالية ، وأجسادهم من ثوب الخلافة الإلهية عارية ، فانّ قياسها لا يليق إلا بأهلها الذين انتجبهم الله سبحانه من خلقه ، فخصهم بنصّه وعلمه وأمره ، قال تعالى : ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ([17]).

وبهذا القانون المحكم جاء حجج الله طرّاً أنبياء كانوا أو أوصياء أقوامهم داعين إلى الله ، فكان النص الإلهي المبرز عبر وصية إلهية يذكر فيها الحجة السابق من يليه باسمه وصفته ، وكان العلم الذي اختصهم الله به ، ثم أمر الله سبحانه لخلقه بطاعتهم ، بهذا جاء نوح قومه وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وعلي والهما الطاهرين من مضى منهم إلى ربه ومن سيحكم الله بهم الأرض ومن عليها إلى قيام يوم الدين ، عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين ، وفي هذا نصوص شريفة كثيرة هذا نموذج منها :

عن أبي عبد الله (ع) ، قال : ( قال النبي : أنا سيد النبيين ، ووصيي سيد الوصيين وأوصياؤه سادة الأوصياء . إن آدم عليه السلام سأل الله تعالى أن يجعل له وصياً صالحاً ، فأوحى الله U إليه : إني أكرمت الأنبياء بالنبوة ، ثم اخترت خلقي وجعلت خيارهم الأوصياء .

فقال آدم (ع) : يا رب اجعل وصيي خير الأوصياء  .

فأوحى الله إليه : يا آدم ، أوص إلى شيث فأوصى آدم إلى شيث ، وهو هبة الله بن آدم . وأوصى شيث إلى ابنه شبان .. وأوصى شبان إلى مخلث ، وأوصى مخلث إلى محوق ، وأوصى محوق إلى عثميثا ، وأوصى عثميثا إلى أخنوخ وهو إدريس النبي (ع) ، وأوصى إدريس إلى ناحور ، ودفعها ناحور إلى نوح النبي (ع) وأوصى نوح إلى سام ، وأوصى سام إلى عثامر ، وأوصى عثامر إلى برعثباشا وأوصى برعثباشا إلى يافث ، وأوصى يافث إلى بره ، وأوصى بره إلى حفسه ، وأوصى حفسه إلى عمران ، ودفعها عمران إلى إبراهيم الخليل (ع) ، وأوصى إبراهيم إلى ابنه إسماعيل ، وأوصى إسماعيل إلى إسحاق وأوصى إسحاق إلى يعقوب ، وأوصى يعقوب إلى يوسف ، وأوصى يوسف إلى بثريا ، وأوصى بثريا إلى شعيب ، ودفعها شعيب إلى موسى بن عمران (ع) ، وأوصى موسى إلى يوشع بن النون ، وأوصى يوشع إلى داود النبي ، وأوصى داود إلى سليمان ، وأوصى سليمان إلى آصف بن برخيا ، وأوصى آصف إلى زكريا ، ودفعها زكريا إلى عيسى بن مريم (ع) ، وأوصى عيسى إلى شمعون بن حمون الصفا ، وأوصى شمعون إلى يحيى بن زكريا ، وأوصى يحيى بن زكريا إلى منذر ، وأوصى منذر إلى سليمة ، وأوصى سليمة إلى بردة ، ثم قال : ودفعها إلي بردة ، وأنا أدفعها إليك يا علي ، وأنت تدفعها إلى وصيك ، ويدفعها وصيك إلى أوصيائك من ولدك واحداً بعد واحد ، حتى تدفع إلى خير أهل الأرض بعدك . ولتكفرن بك الأمة ، ولتختلفن عليك اختلافاً كثيراً شديداً ، الثابت عليك كالمقيم معي والشاذ عنك في النار ، والنار مثوى الكافرين ) ([18]).

وعنه (ع) قال : ( أترون الموصي منّا يوصي إلى من يريد ! لا والله ولكن عهد من الله      ورسوله لرجل فرجل حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه ) ([19]).

وعنه (ع) أيضاً : ( أوصى موسى إلى يوشع بن نون ، وأوصى يوشع بن نون إلى ولد هارون ولم يوص إلى ولده ولا إلى ولد موسى أن الله U له الخيرة يختار ما يشاء ممن يشاء ، وبشر موسى ويوشع بالمسيح (ع) فلما أن بعث الله U المسيح (ع) قال المسيح لهم : إنه سوف يأتي من بعدي نبي اسمه أحمد من ولد إسماعيل (ع) يجئ بتصديقي وتصديقكم عذري وعذركم وجرت من بعدي في الحواريين في المستحفظين وإنما سماهم الله U المستحفظين ، لأنهم استحفظوا الاسم الأكبر ... فلما بعث الله محمداً أسلم له العقب من المستحفظين وكذبه بنو إسرائيل ، ودعا إلى الله U وجاهد في سبيله ، ثم أنزل الله جل ذكره عليه أن أعلن فضل وصيك فقال : رب إن العرب قوم جفاة لم يكن فيهم كتاب ولم يبعث إليهم نبياً ولا يعرفون نبوة الأنبياء ولا شرفهم ولا يؤمنون بي إن أنا أخبرتهم بفضل أهل بيتي فقال الله جل ذكره : ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ([20]) ﴿ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ([21]) ، فذكر من فضل وصيه ذكراً فوقع النفاق في قلوبهم فعلم رسول الله ذلك وما يقولون فقال الله جل ذكره : يا محمد ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ([22]) فإنهم لا يكذبونك ﴿ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ ([23]) لكنهم يجحدون بغير حجة لهم .. ثم قال جل ذكره : ﴿ وآت ذا القربى حقه وكان علي (ع) ، فكان حقه الوصية التي جعلت له ، والاسم الأكبر ، وميراث العلم ، وآثار علم النبوة ) ([24]).

وأي حجة تبقى للمنافقين والمنكرين الجاحدين الضائقة صدروهم حسداً بما خص الله به حججه الطاهرين وفضلهم الذي آتاهم الله تعالى إياه ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً ([25])، وهم يريدون رد حق الأوصياء وما خصهم ربهم به من وصية وعلم إلهيين .

قال أمير المؤمنين (ع) : ( لا يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد ، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً ، هم أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفئ الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة ) ([26]).

والوراثة هي ( ميراث العلم وآثار علم النبوة ) التي أشار لها وارث علي (ع) ولده الصادق (ع) في الحديث السابق ، فآل محمد هم العلماء الذين ورثوا الأنبياء - كما في الحديث - في علومهم وآثارهم ولا يشاركهم احد في ذلك بعد أن حكم أبيهم أمير المؤمنين بأنهم صلوات ربي عليهم لا يقاس بهم احد ، فليتقي الله كل ما يحاول سرقة ألقاب حجج الله ، واليه سبحانه المشتكى من قوم تنكروا لحججه وخلفائه بل سادتهم .

جدير ذكره هنا أن قانون الله في حججه وميزانه في خلفائه لا يخطئ صاحبه ، فلا يزن ابن أنثى به نفسه وهو مدعٍ باطل إلا وكان الافتضاح والهلاك نصيبه لا محالة مهما حاول وتصنّع وسعى ، وهل سعيه إلا فند وأيامه إلا عدد ، وما ادعى هذا الموقع الإلهي الخطير - الذي اختص به الحق سبحانه نفسه وجعل أمر تنصيب خليفته بيده - احد إلا وقصم الله ظهره وتبّر عمره بل افتضح من وقته بادعائه ما ليس له ، كيف وبارئ النسم من العدم يقول جل وعلا عن حبيبه وسيد أنبيائه ورسله : ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ([27]) .

وعلى هذا الأساس كان أئمة الهدى يجيبوا على من يسألهم عن ميزان معرفة الإمام بذكر الوصية المقدسة والعلم ، قيل لأبي عبد الله (ع) بأي شيء يعرف الإمام ؟ قال : ( بالوصية الظاهرة وبالفضل ، إن الإمام لا يستطيع أحد أن يطعن عليه في فم ولا بطن ولا فرج فيقال : كذاب ويأكل أموال الناس وما أشبه ذلك ) ([28]).

وعبر (ع) بـ ( الظاهرة ) باعتبار أن الحجة الموصي لا يخرج كل ما في الوصية المقدسة إلى الناس بل يُظهر منها ما يثبت به للأمة حق الموصى به وتقام عليهم الحجة البالغة ، ويبقى تفاصيل ما في الوصية المقدسة بيد الأوصياء واحداً بعد واحد إلى قيام الساعة .

عن سليم بن قيس الهلالي عن ابن عباس في حديث أنه دخل على علي بن أبي طالب (ع) بذي قار فأخرج له صحيفة وقال : ( يا ابن عباس هذه صحيفة أملاها عليَّ رسول الله وخطي بيدي ، قال : فأخرج إلي الصحيفة ، فقلت يا أمير المؤمنـين أقرأها ، وإذا فيها كل شيء منذ قبض رسـول الله إلى قتل الحسين (ع) ومن يقتله ومن ينصره ومن يستشهد معه ، وكان فيما قرأه كيف يصنع به وكيف تستشهد فاطمة وكيف يستشهد الحسين وكيف تغدر به الأمة ، ثم أدرج الصحيفة وقد بقي ما يكون إلى يوم القيامة وكان فيما قرأ منها أمر أبي بكر وعمر وعثمان ، وكم يملك كل إنسان منهم ، وكيف بويع علي ووقعة الجمل ومسيرة عائشة وطلحة والزبير … إلى أن قال : فلما أدرج الصحيفة قلت : يا أمير المؤمنين لو كنت قرأت عليَّ بقية الصحيفة ، قال : لا ولكني محدثك ما يمنعني منها ، ما يلقي أهل بيتك وولدك من أمر فضيع من قتلهم لنا وعداوتهم وسوء ملكهم وشؤم قدرتهم فأكره أن تسمعه فتغتم ويحزنك … إلى أن قال ابن عباس : لأن يكون نسخني ذلك الكتاب أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس ) ([29]).

والوصية المقدسة كتاب مختوم نازل من السماء ليس للحجة الموصي دخل في تحديد الأوصياء المذكورين فيه ، فعن معاذ بن كثير ، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) أنه قال :         ( الوصية نزلت من السماء على رسول الله كتاباً مختوماً ، ولم ينزل على رسول الله كتاب مختوم إلا الوصية ، فقال جبرئيل (ع) : يا محمد هذه وصيتك في أمتك إلى أهل بيتك ، فقال رسول الله : أي أهل بيتي يا جبرئيل ؟ فقال : نجيب الله منهم وذريته ليورثك علم النبوة قبل إبراهيم ، وكان عليها خواتيم ففتح علي (ع) الخاتم الأول ومضى لما أمر فيه ، ثم فتح الحسن (ع) الخاتم الثاني ومضى لما أمر به ، ثم فتح الحسين (ع) الخاتم الثالث فوجد فيه أن قاتل وأقتل وتقتل واخرج بقوم للشهادة ، لا شهادة لهم إلا معك ففعل ، ثم دفعها إلى علي بن الحسين (ع) ومضى . ففتح علي بن الحسين الخاتم الرابع فوجد فيه أن أطرق واصمت لما حجب العلم ، ثم دفعها إلى محمد بن علي         ( عليهما السلام ) ففتح الخاتم الخامس فوجد فيه أن فسر كتاب الله تعالى وصدق أباك وورث ابنك العلم واصطنع الأمة ، وقل الحق في الخوف والأمن ولا تخش إلا الله ، ففعل ثم دفعها إلى الذي يليه .

فقال معاذ بن كثير : فقلت له : وأنت هو ؟ فقال : ما بك في هذا إلا أن تذهب يا معاذ فترويه عني نعم أنا هو ، حتى عدد علي اثني عشر اسماً ثم سكت ، فقلت : ثم من ؟ فقال : حسبك ) ([30]).

ويمكن الإشارة هنا إلى :

  • · إن لكل وصي من أوصياء محمد المذكورين في الوصية خاتم يخصه ، ومن ثم ينبغي التسليم للأوصياء كلٌ في وقته ، فهو يعمل بما يريده الله سبحانه منه حتى وان لم يستوعب أصحابه فعله ، ومن هنا كان النجاة في التسليم لا غير وإلا الرد على الله والعياذ بالله .
  • · إن الإمام الصـادق (ع) سكت عن ما بعد الإمام الثاني عشر من أوصياء رسـول الله محمـد وقال للسائل : ( حسبك ) أي كفاك الآن ، ومن ثم يحق لنا التساؤل من أين جاء حصر آل محمد الأوصياء بـ (12 فقط) ، في حين أن المطالع لوصية رسول الله - كما سيتضح بعد قليل - يجد أنها تشير بوضوح إلى حقيقة أخرى ، وتقديس الرقم المذكور وإن كان حق في وقته ولكن بعد رفع (حسبك) ومجيء وقت بيان الوصية المقدسة التي تحدد الأوصياء من بعد رسول الله والى يوم القيامة يكون التشبث به - أي بالرقم المذكور - وجحود داعي الحق منهم حتى وإن ثبت بقانون الله في حججه المتقدم كتشبث إبليس بالسجود لله فقط وعدم قبوله بالسجود لآدم رغم أن الذي يدعي السجود إليه - وهو الله تبارك وتعالى - هو من أمره بذلك .
  • · لا يفوتني أيضاً أن أشـير إلى أن الإمـام الباقـر (ع) لما فض خاتمه كان بعض ما وجـد فيه ( واصطنع الأمة ) ، وقد ورّث ابنه الإمام الصادق (ع) ذلك العلم الذي يصطنع به أمة جده المصطفـى ، ولكن السؤال من هم امة رسول الله الذين وصفهم الله تعالى بقوله : ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ([31]) ؟

والجواب : هم أصحاب القائم (ع) فـ ( هم الأمة المحمدية الحقيقية ، وهم : الثلاث مائة والثلاث عشر ، والوسط هو : ( الصراط المستقيم وهو المهدي الأول ) ؛ لأنه وسط بين الأئمة والمهديين ، فالأمة الوسط هم أتباع المهدي الأول ، وأنصار الإمام المهدي (ع) ، وهم أيضاً ( خير أمة أخرجت للناس ) ، بل و ( خير أئمة ) ، لأنهم قادة ) ([32]).

وإذا اتضح أن الأمة الوسط التي يصطنعها الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام هي أصحاب     القائم (ع) وأنصاره ، قد نعرف بذلك بعض سرّ التركيز على قضية الإمام المهدي ووصيه عليهما السلام وأنصارهم ومجمل ما يرتبط بدولة العدل الإلهي من قبل هذين الإمامين الهمامين عليهما السلام.

* * * * * *

الآن ، وقد اتضح - باختصار - قانون الله تعالى في حججه وخلفائه في أرضه ، هل يخشى بعد هذا امرؤ آمن بربه وبما سنّه من قانون أحكمه سبحانه غاية الإحكام وأتقنه غاية الإتقان وجعله بنحوٍ لا يخطئ أهله ولا يليق إلا بهم ، هل يخشى ادعاءات الدجالين وتقولات المتقوّلين ؟ وهل يعذر من سار وراء إمام ضلالة وسيد قوم يقود أتباعه إلى جهنم وهو يظن بسيره خلفه انه يحسن صنعاً ؟ وبالمقابل أيضاً : هل يعذر من يتخلف عن نصرة داعي الحق بحجة كثرة الدعاوى الباطلة وانه قد التبس عليه الأمر ؟

المفروض أن لا يخشى الأول الوقوع في شراك إبليس وجنده ، ولا يعذر الثاني بطاعته لسيده وكبيره كما حكاه لنا القران الكريم ([33]) ، ولا الثالث بتخاذله عن نصرة حجة الله وداعيه ؛ ذلك أن مدعي الباطل خالي الوفاض من أيٍّ من مقومات الخلافة الإلهية وقانونه سبحانه في حججه على خلقه ، يتضح ذلك بسؤاله :

- أين الوصية الإلهية التي ذُكرتَ فيها من قبل الحجج السابقين عليك ؟

- أين علمك وإجابتك عن عظائم الأمور ؟

- أين أمرَ الله تعالى بطاعتك وإلامَ تدعو وقد رفعت رايتك ؟

هكذا وببساطة لمن تيقن بآيات الله وبيّناته في حججه على خلقه ، فقانون الله في خلفائه صلوات الله عليهم رغم إحكامه وتحصينه من الاختراق من قبل الخلق كافة بأنسهم وجنهم غير الحجج الإلهيين فقط ، إلا انه يدركه كافة الخلق بكل مستوياتهم ، وبهذا تقام الحجة عليهم ﴿ قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّـةُ الْبَالِغَـةُ ([34])، فلا يعذر الذي سار وراء من يتوهمه كبيراً وتبين انه يقوده إلى جهنم ، ولا الذي تخاذل عن نصرة داعي الحق لأي سبب كان يعتقد - حرصاً على دينه كما يسمع ذلك من قبل الكثير أو كثرة الفتن الموجبة للإيهام أو غير ذلك - وهو إلى ترك الدين أحق بالوصف منه إلى الحرص عليه ؛ ذلك أن الدين هو شرعة الله سبحانه وقد أتمه واحكمه ونصب حججه وسلّحهم بقانونه ، فأقام على خلقه به الحجة وبين لهم المحجة ولو سأل الخائفون أو المتخاذلون عن الالتحاق بركب حجج الله عند إعلان دعوتهم أنفسهم :

هل ترك الله حججه بلا قانون يعرفون به ؟ الجواب : لا ، بل وضع سبحانه كما تبين .


وهل قانونه سبحانه يخُترق فيدعيه ويتصف به من ليس بحجة ؟ لا أيضاً .

فالوصية الإلهية : هل ادعاها يوماً غير وصي ، أو هل جاء وصي بلا وصية ؟ كذلك : لا .

والعلم الإلهي : هل سلح الله تعالى به مدع كاذب ؟ لا .

وهل أمر الله تعالى يوماً بطاعة غير حجته على خلقه ؟ لا ، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً .

إذن ، ما عذر من تخلف عن نصرة داعي الحق إذا جاء في أي زمن وهو متصف بقانونه سبحانه في حججه وخلفائه ، لا والله لا عذر لهم ولا عاذر . نعم ، لا يبقى سوى الشك والعياذ بالله بقانون الله ،  ولسان حالهم يقول : من يقول إن الذي أتى بالوصية هو نفسه الشخص المذكور فيها ؟ وربما سؤال   آخر : ما يجيب به - بل كل علمه الذي بينه - من يقول انه علم الهي وحكمة إلهية ؟

أما جواب التساؤل الأول ، فللإنسان أن يطالع رسالات السماء ودعاتها من الأنبياء والأوصياء ويرى متى جاء احد منهم من دون أن يوصي به الحجج السابقين بوصية تخصه وتبين وصفه واسمه للأمة اللاحقة ، ومتى اخترق هذا الميزان يوماً - أي متى رفع مدع كاذب وصية إلهية وقال هو ذا اسمي فيها - ليسمح الإنسان لنفسه ويعذر بشكه في انطباق الوصية المرفوعة من قبل داعي الحق والتي يشير فيها الحجة السابق إليه باسمه وصفته ؟!

وهذا ما أجاب به الإمام الرضـا (ع) علماء اليهود والنصارى لما بين لهم وصف جده رسـول الله واسمه في كتبهم فاقروا بالاسم والصفة ولكنهم شككوا في أن الموصوف هو جده ، وهذا مقطع من محاججته (ع) مع جاثليق النصارى ورأس الجالوت وهي طويلة نأخذ طرفاً منها : ( .. قال الجاثليق : صفه - أي رسول الله - قال : لا أصفه إلا بما وصفه الله هو صاحب الناقة والعصا والكسـاء ﴿ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ([35]) يهدي إلى الطريق الأفضل والمنهاج الأعدل والصراط الأقوم ، سألتك يا جاثليق بحق عيسى روح الله وكلمته هل تجد هذه الصفة في الأنجيل لهذا النبي ؟ فأطرق الجاثليق ملياً وعلم إنه إن جحد الإنجيل فقد كفر ، فقال : نعم هذه الصفة في الإنجيل ، وقد ذكر عيسى في الإنجيل هذا النـبي وقد صح في الإنجيل فأقررت بما فيه صفة محمد .

فقال : فخد عليّ في السفر الثاني فأني أوجدك ذكره وذكر وصيه وذكر ابنته فاطمة وذكر الحسن والحسين ، فلما سمع الجاثليق ورأس الجالوت ذلك علما أن الرضا(ع) عالم بالتوراة والإنجيل فقالا : والله لقد أتى بما لا يمكننا رده ولا دفعه إلا بجحود الإنجيل والتوراة والزبور ، وقد بشّر به موسى وعيسى عليهما السلام جميعاً ، ولكن لم يتقرر عندنا بالصحة إنه محمد هذا ، فأما اسمه محمد فلا يصح لنا أن نقر لكم بنبوته ونحن شاكون إنه محمدكم .

فقال الرضا (ع) : احتججتم بالشك فهل بعث الله من قبل أو من بعد من آدم إلى يومنا هذا نبياً اسمه محمد ؟ وتجدونه في شيء من الكتب التي أنزلها على جميع الأنبياء غير محمد ؟ فأحجموا عن     جوابه .. ) ([36]).

واحتجاجه (ع) يثبت حقيقة لا مفرّ لطالب النجاة من الإيمان بها وهي : إن ما يخص الحجج الإلهيين أنبياء كانوا أو أوصياء من ميزان به يعرفون لا يشاركهم به احد من الخلق ، وان الوصية بهم لا تخترق أبداً فيدعيها غير صاحبها ، ولذا قال (ع) : ( فهل بعث الله من قبل أو بعد من آدم .. ) ، فجعل (ع) عدم ادعاء غير صاحب الاسم والوصف المذكور لهذا الوصف المقدس دليل كونه المقصود به بمجرد رفعه له وقوله انه صاحبه ، ولا ينبغي مطالبته بالدليل بعد بيان حقه والوصية به ، فهي دليل صدقه وبها يعرف كونه خليفة الله في أرضه ، ومطالبة الآتي بها بالدليل بعد رفعه لها يعني جعل الوصية مستدلَّة في حين أن الله تبارك وتعالى أراد منها أن تكون دليلاً على صدق المدعي وبها يوزن حقه ، إلا أن أصحاب المقاييس المقلوبة اليوم لما صاروا يرون الحق باطلاً وبالعكس جعلوا الوزن موزوناً والموزون وزناً ، ولا ادري كيف يجرأ الإنسان فيجعل ما أراده الله وزناً موزوناً ، وهل هذا إلا تحدٍ له سبحانه والعياذ بالله ؟!

وأما جواب التساؤل الثاني - من يقول إنّ الحجة إذا استدل بعلمه وبينه للناس هو فعلاً حكمة وعلم الهي - فجوابه : إنّ كلام حجج الله نور وكلام غيرهم ظلمة ، وما فيها من نور إن كان فهو من حجج الله ، ويعتمد في سعته وضيقه على ما يستقيه المتكلم من نورهم صلوات الله عليهم وإخلاصه لهم ، قال الإمام الهادي (ع) في الزيارة الجامعة في وصف كلام آل محمد : ( كلامكم نور ) . أما إذا وصل الإنسان إلى حد لا يستطيع فيه التمييز بين نورهم وبين ظلمة غيرهم فهو بالحقيقة لا يستطيع التمييز بين ما هو من الله وبين ما هو من إبليس ( لعنه الله ) ، وهذا هو التيه والضياع بعينه ، ويا لها من مصيبة كبرى أن يصل الإنسان إلى تضييع ربه وخالقه وعدم معرفة نوره الآتي من حججه وخلفائه ، والحال انه يدعي انه على نور الله وعلى صراط حججه ، ولو كان فعلاً كذلك لعرف ما هو من الله ، فمن تخفى عليه حكمة الحجج الإلهيين وعلمهم ميت القلب ، وعودة الحياة إليه لا يكون إلا باللجوء إلى الله سبحانه ، ومن لم يجعل الله له نوراً بسوء صنيعه وقبيح جرمه فما له من نور .

ثم إنّ بإمكانه - إن كان له إمام يقتدي به حقاً - أن يراجع كلام حجج الله الماضين ويرى نوره ثم يرى حكمة وعلم داعي الحق اليوم ، وينظر هل تعدو حكمته وعلمه حكمة وعلم حجج الله الطاهرين ، أما من لا يرى نور الشمس لأنه ربط عينه وأغمضها عمداً ، ففي الحقيقة لا يلام إلا هو لأنه أعمى عينه ، ويبقى للنور أهله الذين يرونه بعين القلب والبصيرة بتوفيق الله لهم ، وما ربك بظلام للعبيد .

وهل جاء السيد احمد الحسن (ع) بغير هذا ؟

السيد احمد الحسن (ع) وصي ورسول الإمام المهدي (ع) إلى الناس كافة واليماني الموعود الذي وصفته روايات أهل البيت باسمه وصفته وعلمه وحكمته ومسكنه وكل ما يتعلق بأمره ، وقد دعا الناس وأوضح لهم حقه وأبان لهم آياته ودلائله ، أتاهم بقانون الله في حججه وخلفائه في أرضه ، وعشرات الأدلة الأخرى . وسأعـرض لذلك بإيجاز ومن أراد التفصيل فليراجع ما خطته يمين اليمـاني (ع) في تبيان حقه فيما احكمه من متشابهات وفيما عرض له من سير الأنبياء في اضاءات وباقي كتبه الشريفة ، ويمين أنصاره أمثال كتاب : ( الوصية والوصي أحمد الحسن ) للشيخ ناظم العقيلي ، و ( اليمـاني حجة الله ) للشيخ حيدر الزيادي ، و ( موجز عن دعوة السيد احمـد الحسـن (ع) ) للأستاذ عبد الرزاق الأنصاري وغيرها .

  • · أما الوصية المقدسة فهي ما ورد عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ، عن أبيه الباقر ، عن أبيه ذي الثفنات سيد العابدين ، عن أبيه الحسين الزكي الشهيد ، عن أبيه أمير المؤمنين قال : ﴿ قال رسول الله في الليلة التي كانت فيها وفاته لعلي (ع) : يا أبا الحسن ، أحضر صحيفة ودواة  فأملا رسول الله وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع فقال : يا علي انه سيكون بعدي إثنا عشر إماماً ومن بعدهم إثنا عشر مهدياً ، فأنت يا علي أول الإثني عشر إمام ، سمّاك الله تعالى في سمائه علياً المرتضى وأمير المؤمنين والصديق الأكبر والفاروق الأعظم والمأمون والمهدي فلا تصح هذه الأسماء لأحد غيرك .

يا علي ، أنت وصيي على أهل بيتي حيّهم وميتهم وعلى نسائي فمن ثبتها لقيتني غداًً ومن طلقتها فأنا برئ منها لم ترني ولم أرها في عرصة القيامة ، وأنت خليفتي على أمتي من بعدي فإذا حضرتك الوفاة فسلّمها إلى ابني الحسن البر الوصول ، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابني الحسين الشهيد الزكي المقتول ، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه سيد العابدين ذي الثفنات علي ، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد الباقر ، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه جعفر الصادق ، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه موسى الكاظم ، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه علي الرضا ، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد الثقة التقي ، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه علي الناصح ، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه الحسن الفاضل ، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد  فذلك إثنا عشر إماماً .

ثم يكون من بعده إثنا عشر مهدياً فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى إبنه أول المقربين ( المهديين ) له ثلاثة أسامي : أسم كاسمي وأسم أبي وهو عبد الله ، وأحمد ، والاسم الثالث المهدي ، وهو أول المؤمنين ([37]).

وبعد ورود هذه الوصية المباركة في المصادر الأساسية ، وموافقتها كتاب الله الذي ينطق بوجوبها عند الوفاة ، فلا عذر لمن يعتذر عن إتباع الوصي ( أحمد ) المذكور فيها باسمه وصفته سوى الشك في الانطباق بمعنى : مَن يقول انه نفسه احمد الذي ذكره رسول الله في وصيته ؟ .

والجواب هو ما أجاب به الإمام الرضا (ع) جاثليق النصارى ورأس الجالوت كما تقدم لما شككا في أن صاحب الوصف المذكور في كتبهم هو لمحمد الذي يتحدث عنه الرضا (ع) ، وهذا هو   قولهم : ( وقد بشّر به موسى وعيسى عليهما السلام جميعاً ، ولكن لم يتقرر عندنا بالصحة إنه محمد هذا ، فأما اسمه محمد فلا يصح لنا أن نقر لكم بنبوته ونحن شاكون إنه محمدكم ) وهو كلام الكثيرين اليوم لما يروا الوصية المقدسة أو يسمعوا بها ، ولكن التشكيك ليس في الموصي هذه المرة إنما في وصي من أوصيائه .

وما أجاب به الرضا (ع) هو جوابهم ، فنقول لمن يشك بأحمد (ع) وانه المذكور في الوصية :       ( احتججتم بالشك فهل بعث الله من قبل أو من بعد من آدم إلى يومنا هذا وصياً اسمه أحمد وتجدونه في شيء من الكتب التي أنزلها على جميع الأنبياء غير أحمد الحسن ) ، فان قبلتموه فاشكروا الله على ذلك ، وإن رددتموه - كما يفعل الكثير اليوم - فليتبوأ الراد مقعده من النار ؛ لأن الرد على حجج الله يعني الرد على الله سبحانه ، وليس هذا فحسب بل يمسي الراد أخس من جاثليق النصارى ورأس الجالوت ، فإنهما لا اقل أحجما عن جواب الإمام الرضا (ع) ، أما ما يطلقه البعض من التعبير بضربها عرض الحائط أو أنها رواية متهالكة ويقصد بذلك الوصية المقدسة ، ففيه من الجرأة على الله وحججه بل على سيد خلق الله طرّاً محمد المصطفى ما يعجز الفكر عن وصفه وتحمل وزره .

هذا وهم يقرؤون أن الوصية من مختصات الأوصياء كما توضح هذا فيما سبق ، وأضيف هنا أيضاً ما رواه معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (ع) قال : سمعته يقول : ( اللهم يا من أعطانا علم ما مضى وما بقى ، وجعلنا ورثة الأنبياء ، وختم بنا الأمم السالفة ، وخصنا بالوصية ) ([38]).

فكيف يسمح المرء - إن كان عاقلاً فعلاً - لنفسه في أن يتصور إتيان غير وصي بوصية وهي من مختصاتهم صلوات الله عليهم ، والمختص بهم كما هو واضح لا يشاركهم به أحد غيرهم وإلا صار مشتركاً لا مختصاً ، وهل عاقل من يقول غير هذا ؟! ولكنه المراء والجدال بالباطل وهم يعلمون .

ومما يؤكد صدور الوصية المقدسة من الرسول الأكرم ليلة وفاته بعد القرائن القرآنية ([39]) :

1-  عن الإمام موسى بن جعفر (ع) قال : ( قلت لأبي عبد الله (ع) : أليس كان أمير المؤمنين كاتب الوصية ورسول الله المملي عليه وجبرئيل والملائكة المقربون ؟ قال : فأطرق طويلاً ثم قال : يا أبا الحسن قد كان ما قلت ولكن حين نزل برسول الله الأمر نزلت الوصية من عند الله كتاباً مسجلاً نزل بها جبرئيل مع أمناء الله تبارك وتعالى من الملائكة فقال جبرائيل : يا محمد مُر بإخراج من عندك إلا وصيك ليقبضها منّا وتشهدنا بدفعك إياها إليه ضامناً لها - يعني  علياً (ع) - وفاطمة فيما بين الستر والباب ) ([40]).

2-  عن سليم بن قيس الهلالي : قال الإمـام علي (ع) لطلحة : ( ألست قد شهدت رسـول الله حين دعا بالكتف ليكتب فيها مالا تضل الأمة ولا تختلف ، فقال صاحبك ما قال : إن نبي الله يهجر ، فغضب رسول الله ثم تركها ، قال : بلى قد شهدت ذلك . قال : فإنكم لما خرجتم اخبرني بذلك رسول الله بالذي أراد أن يكتب فيها وأن يشهد عليها العامة فأخبره جبرئيل : إن الله U قد علم من الأمة الاختلاف والفرقة ، ثم دعا بصحيفة فأملى عليّ ما أراد أن يكتب في الكتف وأشهد على ذلك ثلاث رهط : سلمان وأبا ذر والمقداد وسمى من يكون من أئمة الهدى الذين أمر الله بطاعتهم إلى يوم القيامة . فسماني أولهم ثم ابني هذا - وأدنى بيده إلى الحسن - ثم الحسين ثم تسعة من ولد ابني هذا - يعني الحسين - كذلك كان يا أبا ذر وأنت يا مقداد ، فقاموا وقالوا : نشهد بذلك على رسول الله .. ) ([41]).

وأما الاثنا عشر مهدياً والأوصياء من ذرية الإمام المهدي (ع) فلم تنفرد بذكرهم الوصية المقدسة ، بل أشارت لهم روايات كثيرة وردت عن أئمة الهدى ، هذه بعضها :

- عن أبي حمزة ، عن أبي عبد الله (ع) في حديث طويل أنه قال : ( يا أبا حمزة إن منا بعد القائم أحد عشر مهدياً من ولد الحسين (ع) ) ([42]).

- عن أبي بصير قال : ( قلت للصادق جعفر بن محمد عليهما السلام : يا ابن رسول الله إني سمعت من أبيك (ع) أنه قال : يكون بعد القائم اثنا عشر إماماً ، فقال : إنما قال : اثنا عشر مهدياً ولم يقل : إثنا عشر إماماً ، ولكنهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقنا ) ([43]).

- عن أبي عبد الله (ع) : ( إن منا بعد القائم (ع) اثنا عشر مهدياً من ولد الحسين (ع) ) ([44]).

- عن حبة العرني قال : خرج أمير المؤمنين (ع) إلى الحيرة فقال : ( لتصلن هذه بهذه وأومأ بيده إلى الكوفة والحيرة حتى يباع الذراع فيما بينهما بدنانير وليبنين بالحيرة مسجد له خمسمائة باب يصلي فيه خليفة القائم عجل الله تعالى فرجه لأن مسجد الكوفة ليضيق عنهم ، وليصلين فيه إثنا عشر إماماً عدلاً ، قلت : يا أمير المؤمنين ويسع مسجد الكوفة هذا الذي تصف الناس يومئذ ؟! قال : تبنى له أربع مساجد مسجد الكوفة أصغرها وهذا ومسجدان في طرفي الكوفة من هذا الجانب وهذا الجانب وأومأ بيده نحو البصريين والغريين ) ([45]).

- وعن أبي الحسن الضراب في الصلاة التي رواها عن الإمام المهدي (ع) ، وفيها : ( اللهم أعطه في نفسه وذريته وشيعته ورعيته وخاصته وعامته و عدوه وجميع أهل الدنيا ما تقر به عينه وتسر به نفسه وبلغه أفضل ما أمله في الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير ... وصل على وليك وولاة عهدك والأئمة من ولده ومد في أعمارهم وزد في آجالهم وبلغهم أقصى آمالهم ديناً ودنيا وآخرة إنك على كل شيء قدير ) ([46]).

- وعن يونس بن عبد الرحمن عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام أنه كان يأمر بالدعاء للحجة صاحب الزمان (ع) فكان من دعائه له صلوات الله عليهما : ( اللهم صل على محمد وآل محمد ، وادفع عن وليك وخليفتك وحجتك على خلقك ..... اللهم فصل عليه وعلى آبائه وأعطه في نفسه ووَلَدِه وأهله وذريته وأمته وجميع رعيته ما تقر به عينه وتسر به نفسه وتجمع له ملك المملكات كلها ... اللهم وصل على ولاة عهوده ، وبلغهم آمالهم وزد في آجالهم وانصرهم وتمم لهم ما أسندت إليهم أمر دينك، واجعلنا لهم أعواناً وعلى دينك أنصاراً وصل على آبائه الطاهرين الأئمة الراشدين ) ([47]) .

- عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا في ذكر الكوفة : ( فيها مسجد سهيل الذي لم يبعث الله نبياً إلا وقد صلى فيه ، ومنها يظهر عدل الله ، وفيها يكون قائمه والقوام من بعده ، وهي منازل النبيين والأوصياء والصالحين ) ([48]).

وعدد القوام بعد الإمام المهدي (ع) هو اثنا عشر ، إلا أن أولهم موجود في زمن الظهور المقدس وهو وصي الإمام المهدي (ع) وأول مؤمن به وأول مقرب إليه ورسوله إلى الناس والممهد لدولة العدل الإلهي ، وهناك الكثير من الروايات التي أشارت إلى الحقيقة التي بينتها الوصية المقدسة .

  • · وأما العلم والحكمة - فقرة القانون الإلهي الثانية في حججه سبحانه - فهو الآخر قد توفر عليه داعي الحق احمد الحسن (ع) ، وليست هي مجرد دعوى فحسب بل بإمكان الباحث الطالب عن الحق أن يرجع إلى ما خطه يراعه الشريف ، وهذا بعضه :

1 - المتشابهات .. في أربعة أجزاء .   2 - اضاءات من دعوات المرسلين .. في ثلاثة أجزاء .

3 - العجل .. في جزءين .            4 -  التيه .

5 - الجهاد باب الجنة .                6 - شيء من تفسير الفاتحة .

7 - النبوة الخاتمة .                     8 - حاكمية الله لا حاكمية الناس .

9 - الجواب المنير .. في جزأين . وغيرها من الرسائل والبيانات والخطب والأجوبة مما أوضح فيه علمه وحكمته التي يجد وضوحها القارئ كالشمس في رابعة النهار .

على أن ما كتبه أنصاره من عشرات المؤلفات التي تثبت الحق بادلته التي أرادها الله سبحانه فالحق فيها مستقىً من علمه (ع) ، وبإمكان الباحث الرجوع إليها ليقف على حقيقة الأمر .

عن المفضل بن عمر قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : ( إن لصاحب هذا الأمر غيبتين في إحداهما يرجع فيها إلى أهله ، والأخرى يقال : في أي واد سلك ، قلت : كيف نصنع إذا كان ذلك ؟ قال : إن ادعى مدع فاسألوه عن تلك العظائم التي يجيب فيها مثله ) ([49]).

فإجابة مدعي الحق على العظائم طريق لمعرفة حقه والإيمان به وصدقه في دعواه ، والمدعي هنا ليس هو الإمام المهدي (ع) كما هو واضح ؛ فان إمامته ثابتة وحالها في الغيبة والظهور سواء ، بينما تكون الإجابة من مدع الحق في الرواية - ولأجل تمييزه عن مدعي الباطل وهم كثر - دليل صدقه ، هذا ولكن الأمة ومنذ سنين مديدة تثقف وبكثافة على رفض كل دعوة لها اتصال بالإمام المهدي (ع) ، رفضها لأجل أنها دعوة ومن دون نظر إلى الدليل لا إثباتاً ولا نفياً ، وها هي اليوم تجني فساد تلك التربية البعيدة عن منهج أهل البيت في القبول والرفض وتصطدم برفض داعي الحق الموعود بحجة أن هناك قبله من ادعى ، وكأنّ دين الله وخلفائه وحججه بلا موازين ، وأنّ الأمور اختلطت إلى حدٍ لم يعد للتمييز بين حجة الله وبين الدجالين مجال ؟!!

ومثل هذا التصور فيه من الجرأة على الله وحججه ودينه ما فيه ، وقد بان فيما سبق بقانون معرفة الحجة - وبما سيأتي من البيان -  أن للحجج الإلهيين قانون محكم لا يتخلف أبداً ، وأنّ قضية الحق وداعيه اليوم السيد احمد الحسن (ع) واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار لكل ذي بصيرة .

وكما كان العلم احد موازين معرفة حجج الله فيما مضى ، فعن أبي سعيد الخدريّ أنّه قال : ( إنّ سلمان قال : قلت لرسول الله : لكلّ نبي وصي ، فمَن وصيّك ؟ فسكت عَنّي ، فلمّا كان بعد رآني فقال : يا سلمان ؛ فأسرعت إليه وقلت : لبّيك ، فقال : تعلم مَن وصيّ موسى ؟ قلت : نعم ، يوشع بن نون ، فقال : لِمَ ؟ قلت : لأنّه أعلمهم يومئذٍ ، قال : فإنّ وصيّي وموضع سرّي وخير مَن أُخلّف بعدي ينجز موعدي و يقضي دَيني ، عليّ بن أبي طالب ) ([50]).

فكذلك اليوم قد توفر عليه داعي الله ، وبضمّه إلى الوصية المقدسة ورفعه لراية البيعة لله ورفض حاكمية الناس بكل صورها يكتمل القانون الإلهي في الحجج الإلهيين في السيد احمد الحسن (ع) ، والحمد لله الذي يخلق ويصطفي لرسالاته من يشاء من خلقه .

وقفة مع المقصود بـ (صاحب الأمر ) و ( القائم ) :

عن الحارث بن المغيرة النصري قال : قلت لأبي عبد الله (ع) : بم يُعرف صاحب هذا الأمر ؟ قال : ( بالسكينة والوقار والعلم والوصية ) ([51]).

وكون أئمة الهدى من آل محمد كلهم يعرفون بذلك أمر لا ريب فيه ، فمطلق الإمام منهم يعرف بما ذكر ، عن الحارث بن المغيرة قال : قلت لأبي عبد الله (ع) : بأي شيء يعرف الإمام ؟ قال:   ( بالسكينة والوقار ، قلت : وبأي شيء ؟ قال : وتعرفه بالحلال والحرام ، وبحاجة الناس إليه ولا يحتاج إلى أحد ، ويكون عنده سلاح رسول الله ، قلت : يكون إلا وصياً ابن وصي ؟ قال : لا يكون إلا وصياً وابن وصي ) ([52]).



ولكنا لسنا بصدد الكلام عن مطلق الإمام منهم روحي فداهم ، بل عن خليفة الله اليماني احمد الحسن (ع) بالخصوص ، والذي وصفه الإمام الباقر (ع) فقال : ( .. وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني هي راية هدى ؛ لأنه يدعو إلى صاحبكم ، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس وكل مسلم ، وإذا خرج اليماني فانهض إليه فإن رايته راية هدى ، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه فمن فعل ذلك فهو من أهل النار ؛ لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم ) ([53]).

يقول السيد احمد الحسن (ع) في الاستدلال بها على حقه ما هذا نصه : ( وفيها :

أولاً : ( لا يحل لمسلم أن يلتوي عليه فمن فعل ذلك فهو من أهل النار ) : وهذا يعني أن اليماني صاحب ولاية إلهية ، فلا يكون شخص حجة على الناس بحيث إن إعراضهم عنه يدخلهم جهنم وإن صلوا وصاموا إلا إذا كان من خلفاء الله في أرضه ، وهم أصحاب الولاية الإلهية من الأنبياء والمرسلين والأئمة والمهديين .

ثانياً : ( أنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم ) : والدعوة إلى الحق والطريق المستقيم أو الصراط المستقيم تعني أن هذا الشخص لا يخطأ فيُدخل الناس في باطل أو يخرجهم من حق ، أي انه : ( معصوم منصوص العصمة ) ، وبهذا المعنى يصبح لهذا القيد أو الحد فائدة في تحديد شخصية اليماني ، أما افتراض أي معنى آخر لهذا الكلام ( يدعو إلى الحـق وإلى طريق مستقيـم ) فانه يجعل هذا الكلام منهم بلا فائدة ، فلا يكون قيداً ولا حداً لشخصية اليماني وحاشاهم من ذلك .

النتيجة مما تقدم في أولاً وثانياً : إن اليماني حجة من حجج الله في أرضه ومعصوم منصوص العصمة وقد ثبت بالروايات المتواترة والنصوص القطعية الدلالة إن الحجج بعد الرسول محمد ، هم : الأئمة الإثني عشر وبعدهم المهديين الإثني عشر ، ولا حجة لله في الأرض معصوم غيرهم ، وبهم تمام النعمة وكمال الدين وختم رسالات السماء . وقد مضى منهم أحد عشر إمام ، وبقي الإمام المهدي (ع) والإثنى عشر مهدياً ، واليماني يدعو إلى الإمام المهدي (ع) فلابد أن يكون اليماني أول المهديين ، لأن الأحد عشر مهدياً بعده هم من ولده : ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( آل عمران : 34 ) ، ويأتون متأخرين عن زمن ظهور الإمام المهدي (ع) ، بل هم في دولة العدل الإلهي ، والثابت أن أول المهديين هو الموجود في زمن ظهور الإمام المهدي (ع) ، وهو أول المؤمنين بالإمام المهدي (ع) في بداية ظهوره وتحركه لتهيئة القاعدة للقيام كما ورد في وصية رسول الله ، ومن هنا ينحصر شخص اليماني بالمهدي الأول من الإثني عشر مهدياً ... ) ([54]).

وإذا كان اليماني حجة وخليفة لله في أرضه بالبيان أعلاه فانه يعرف بما عرف به آل محمد ، وقد أوضح الإمام الصادق (ع) بالحديثين المتقدمين وغيرهما مما ورد عن أئمة الهدى بم يعرف الإمام منهم صلوات الله عليهم ، وعليه فما ورد في حقهم من بعض الألقاب والصفات يأتي في احمد (ع) ، كيف وهو وصي من آل محمد كما أشارت له الوصية المقدسة والوصي يعرف بما عرف به مَن سبقه من الأوصياء ، فـ ( القائم ) أو ( صاحب الأمر ) يطلق عليهم وفي هذا أحاديث كثيرة هذا شاهد منها :

عن محمد بن سنان عن الحسن بن الحسن في حديث له ، قال : ( قلت لأبي الحسن موسى (ع) : أسألك ؟ فقال : سل إمامك ، فقلت : من تعني فاني لا أعرف إماماً غيرك ؟ قال : هو علي ابني قد نحلته كنيتي ، قلت : سيدي أنقذني من النار ، فإن أبا عبد الله قال : إنك القائم بهذا الأمر ! قال : أو لم أكن قائماً ؟ قال : يا حسن ما من إمام يكون قائماً في امة إلا وهو قائمهم ، فإذا مضى عنهم فالذي يليه هو القائم والحجة حتى يغيب عنهم ، فكلنا قائم فاصرف جميع ما كنت تعاملني به إلى ابني علي والله والله ما أنا فعلت ذاك به ، بل الله فعل به ذاك حباً ) ([55]).

وعن أبي عبد الله (ع) في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى ([56]) قال : ( نحن والله أولي النهى ونحن قوام الله على خلقه وخزانه على دينه ... ) ([57]).

وكذلك كلهم أصحاب الأمر والأحق به ، وفي ذلك قال أمير المؤمنين (ع) : ( يا معاشر المهاجرين والأنصار الله الله لا تنسوا عهد نبيكم إليكم في أمري ، ولا تخرجوا سلطان محمد من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم ، وتدفعوا أهله عن حقه ومقامه في الناس ، يا معاشر الجمع إن الله قضى وحكم ونبيه أعلم وأنتم تعلمون أنا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم ... ) ([58]).

وما هم أحق به وأصحابه فابنهم اليوم صاحبه أيضاً وأحق به كما أن الإمام المهدي (ع) كذلك صاحبه ، فوصف ( صاحب الأمر ) كما يطلق على الإمام المهدي (ع) يطلق أيضاً على وصيه           ( احمد ) (ع) ، والسؤال : كيف يمكن التمييز بين الرواية التي تخص الإمام وبين التي تخص الوصي ، فهل من قاعدة تفيد في التمييز ؟

والجواب : ما أجاب به السيد احمد الحسن (ع) حول سؤال وجّه إليه حول هذا الموضوع ،   ومفاده : ( لو أن هناك قاعدة لما قال الإمام الباقر (ع) : ( لا والله لا يكون ذلك أبداً حتى يكون هو الذي يحتج عليكم بذلك ويدعوكم إليه ) .. صاحبها يعرفها ، ثم إن كلامهم ينطبق بعض الأحيان على الاثنين معاً ([59]) ) .

والرواية التي ذكرها (ع) هذا تمام نصها : عن مالك الجهني قال : قلت لأبي جعفر (ع) : إنّا نصف صاحب هذا الأمر بالصفة التي ليس بها أحد من الناس ، فقال : ( لا والله لا يكون ذلك أبداً حتى يكون هو الذي يحتج عليكم بذلك ويدعوكم إليه ) ([60]).

وإذا كان صاحبها هو الذي يعرفها ، وقد أوضح الإمام الباقر (ع) هذه الحقيقة في حديثه ، فما بال القوم ينكرون ذلك ويقولون باختصاص كل الروايات التي ورد فيها ( صاحب الأمر ) أو (القائم) بالإمام المهدي (ع) ، والحال أنهم يعرفون أن هذا لا يستقيم في أحاديث كثيرة ، هذه نماذج منها :

1- عن أبي عبد الله (ع) : ( قال صاحب هذا الأمر رجل لا يسميه باسمه إلا كافر ) ([61]).

في حين أننا نجد أن الإمام المهدي (ع) قد سموه آباؤه الطاهرون باسمه وكذلك شيعتهم ، ولما كان ذلك أمر واضح صار العلماء بصدد توجيه ذلك والتوفيق بين كفر من سمى صاحب الأمر وبين تسمية الإمام المهدي (ع) من قبل آبائه وشيعتهم ، فحمل البعض رواية تحريم ذكر الاسم على انه مختص بزمان الظلمة من بني العباس وغير ذلك مما ذكروه من توجيهات . ولكن بعد أن يتضح - كما يأتي بعد عرض الروايات - من المقصود بصاحب الأمر في الرواية لا نكون بحاجة إلى ما ذكر من توجيهات لا دليل عليها .

2- عن يزيد الكناسي قال : سمعت أبا جعفر (ع) يقول : ( إن صاحب هذا الأمر فيه سنة من يوسف ابن أمة سوداء ، يصلح الله أمره في ليلة واحدة ) ([62]).

وأيضاً صاحب الأمر هنا ليس هو الإمام المهدي (ع) ؛ لان أمه السيدة نرجس وهي بنت قيصر الروم وحفيدة الوصي شمعون ، وبشرتها ليست سوداء كما هو معلوم .

3- عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر (ع) أنه قال : ( صاحب هذا الأمر هو الطريد الفريد الموتور بأبيه ، المكنى بعمه ، المفرد من أهله ، اسمه اسم نبي ) ([63]).

والإمام المهدي (ع) ليس مكنى بعمه بل المكنى بعمه هو من يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر ، فعن عيسى الخشاب قال : قلت للحسين بن علي (ع) : أنت صاحب هذا الأمر ؟ قال : ( لا ، ولكن صاحب هذا الأمـر الطريد الشريد الموتور بأبيه ، المكنى بعمه ، يضع سيفه على عاتقه ثمانية أشهر ) ([64]).

ومن يضع السيف على عاتقه ثمانية أشهر ليس هو الإمام المهدي (ع) بل هو رجل من أهل بيته يخرج قبله بالمشرق ، عن أمير المؤمنين (ع) إنه قال : ( ... يخرج رجل قبل المهدي من أهل بيته من المشرق يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر ، يقتل ويقتل ويتوجه إلى بيت المقدس فلا يبلغه حتى    يموت ) ([65]).

وليس قبل ظهور الإمام المهدي (ع) إلى الناس احد من أهل بيته يمهد له ويحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر سوى ابنه وأول مؤمـن به ووصيه وخليفتـه ، فعن عن ثوبان قال : قال رسـول الله : ( يقتل عند كنـزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم لا تصير إلى واحد منهم ، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقاتلونهم قتالاً لا يقاتله قوم ، ثم ذكر شيئاً ( شاباًً ) فقال إذا رأيتموه فبايعوه فإنه خليفة المهدي ) ([66]).

4- عن أبى بصير قال : سمعت أبا جعفر الباقر (ع) يقول : ( في صاحب هذا الأمر سنن من أربعة أنبياء : سنة من موسى ، وسنة من عيسى ، وسنة من يوسف ، وسنة من محمد صلوات الله عليهم أجمعين ، فقلت : ما سنة موسى ؟ قال : خائف يترقب ، قلت : وما سنة عيسى ؟ فقال : يقال فيه ما قيل في عيسى ، قلت : فما سنة يوسف ؟ قال : السجن والغيبة ، قلت : وما سنة محمد ؟ قال : إذا قام سار بسيرة رسول الله إلا أنه يبين آثار محمد ويضع السيف على عاتقه ثمانية أشهر هرجاً هرجاً حتى رضى الله ، قلت : فكيف يعلم رضا الله ؟ قال : يلقى الله في قلبه الرحمة ) ([67]).

ولسنا بحاجة إلى مزيد توضيح لنثبت أنّ المقصود بصاحب هذا الأمر هنا ليس هو الإمـام المهـدي (ع) باعتبار انه لا يسجن كما هو معلوم ، وقد توضح مَنْ يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر فلا نعيد .

5- عن شعيب عن أبي حمزة قال : ( دخلت على أبي عبد الله (ع) فقلت له : أنت صاحب هذا الأمر ؟ فقال : لا ، قلت : فولدك ؟ قال : لا ، قلت : فولد ولدك ؟ قال : لا ، قلت : فولد ولد ولدك ؟ قال : لا ، قلت : فمن هو ؟ قال : الذي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً ، لعلى فترة من الأئمة يأتي كما أن رسول الله بعث على فترة من الرسل ) ([68]).

وغير خافٍ أن الإمام المهدي (ع)لم يأتِ ويبعث على فترة من الأئمة ، وإنما بعث بالإمامة بعد شهادة أبيه الإمام العسكري (ع) مباشرة ، وظهوره (ع) بعد إذن الله تعالى ليس بعثاً بالإمامة من جديد ؛ إذ هو إمام في غيبته ومن شك في ذلك فقد كفر بل هو ظهور بعد الغياب ، فمن هو صاحب الأمر الذي يبعث على فترةٍ كجده رسول الله ؟

6- عن حمران قال : قلت لأبي جعفر (ع) : ( جعلت فداك إني قد دخلت المدينة وفي حقوي هميان فيه ألف دينار وقد أعطيت الله عهداً أنني أنفقها ببابك ديناراً ديناراً أو تجيبني فيما أسألك عنه ، فقال : يا حمران سل تجب ، ولا تبعّض دنانيرك ، فقلت : سألتك بقرابتك من رسول الله أنت صاحب هذا الأمر والقائم به ؟ قال : لا ، قلت : فمن هو بأبي أنت وأمي ؟ فقال : ذاك المشرب حمرة ، الغائر العينين ، المشرف الحاجبين ، عريض ما بين المنكبين ، برأسه حـزاز ، وبوجهـه أثر ، رحم الله موسـى ) ([69]).

وقوله (ع) : ( رحم الله موسى ) ، أي موسى بن عمران (ع) فانه طويل واسمر وعريض ما بين المنكبين ، ولذا ورد هذا الوصف في روايات أخرى ، منها : ما عن حذيفـة بن اليمان عن رسـول الله أنه قال : ( المهدي من ولدي وجهه كالقمر الدري اللون لون عربي الجسم جسم إسرائيلي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ) ([70]).

وإذا كان الإمام المهدي (ع) شبيه جده رسول الله ، فرسول الله معلوم وصفه بقول أمير المؤمنين (ع) : ( كان حبيبي رسول الله صلت الجبين ، مقرون الحاجبين ، أدعج العينين ، سهل الخدين ، أقنى الأنف ، دقيق المسربة ، كث اللحية ، براق الثنايا ، كأن عنقه إبريق فضة ، كان له شعيرات من لبته إلى سرته ملفوفة كأنها قضيب كافور لم يكن في بدنه شعيرات غيرها، لم يكن بالطويل الذاهب ولا بالقصير النـزر ... ) ([71]).

وهذا نموذج من الروايات التي وصفت الإمام المهدي (ع) : ( ... ليس بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللازق ، بل مربوع القامة مدور الهامة صلت الجبين أزج الحاجبين ، أقنى الأنف ، سهل الخدين ، على خده الأيمن خال كأنه فتات مسك على رضراضة عنبر ... ) ([72]).

وعن إبراهيم بن مهزيار - وذكر قصة طويلة في بحثه عن صاحب الأمر (ع) - بعد وفاة أبيه الإمام الحسن العسكري (ع) ، حتى لقي صاحب الأمر (ع) ووصفه فيما وصفه بـ : ( أنه ناصع اللون ، واضح الجبين ، أبلج الحاجب ، مسنون الخدين ، أقنى الأنف ، أشم أروع كأنه غصن بان ، وكأن صفحة غرته كوكب دري ، بخده الأيمن خال ، كأنه فتاتة مسك على بياض الفضة ، فإذا برأسه وفرة سحماء سبطة ، تطالع شحمة أذنه ، له سمت ما رأت العيون أقصد منه ، ولا أعرف حسناً وسكينة وحياءً ) ([73]).

إذن ، هناك وصفان ، احدهما : للإمام المهدي (ع) ، والآخر : لشخص آخر وقد عبر عنه بصاحب هذا الأمر والقائم به أيضاً ، والوصفان مختلفان كما هو واضح ، فمن هو صاحب الوصف الآخر الذي ذكره الإمام الباقر (ع) وهو يصف صاحب هذا الأمر والقائم به غير من ورد ذكره في وصية رسول الله وروايات الأئمة الطاهرين ، انه وصف للمهدي الأول - أحمد (ع) - القائم المخفي الاسم حتى يأذن الله .

عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ، عن أبيه ، عن جده قال : ( قال أمير المؤمنين (ع) - وهو على المنبر - : يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان أبيض اللون ، مشرب بالحمرة ، مبدح البطن عريض الفخذين ، عظيم مشاش المنكبين بظهره شامتان : شامة على لون جلده وشامة على شبه شامة النبي ، له اسمان : اسم يخفى واسم يعلن ، فأما الذي يخفى فأحمد وأما الذي يعلن فمحمد ، إذا هز رايته أضاء لها مابين المشرق والمغرب ، ووضع يده على رؤوس العباد فلا يبقى مؤمن إلا صار قلبه أشد من زبر الحديد ، وأعطاه الله تعالي قوة أربعين رجلاً ، ولا يبقى ميت إلا دخلت عليه تلك الفرحة ( في قلبه ) وهو في قبره ، وهم يتزاورون في قبورهم ، ويتباشرون بقيام القائم صلوات الله عليه ) ([74]).

والوصف وإن كان هو للإمام المهدي (ع) ، وهو القائم ذو الاسم المعلن ( محمد ) من قبل آبائه الطاهرين ، إلا أن هناك اسم يخفى وهو ( أحمد ) وهو اسم وصيه وابنه - كما في الوصية المقدسة - ويكون ظهور الإمام المهدي محمد بن الحسن (ع) للأمة به في أول أمره ، ولذا صار هو الداعي إليه والآخذ البيعة من الناس له ، فعن حذيفة قال : سمعت رسول الله - وذكر المهدي - فقال : ( إنه يبايع بين الركن والمقام ، اسمه أحمد وعبد الله والمهدي ، فهذه أسماؤه ثلاثتها ) ([75]).

ولو نظرنا إلى أسماء ( المهدي ) الآخذ البيعة من الناس وعرضناها على الوصية المقدسة لوجدناها أسماء خصها رسول الله بأول المهديين وأول المؤمنين بالإمام المهدي (ع) وهو احمد ابنه ووصيه ، ولما كان ظهور أمرهم بالرجل منهم أو بولده ورد عن الإمـام الصـادق (ع) قوله : ( إذا قلنا في رجل قولاً ، فلم يكن فيه وكان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك ، فإن الله تعـالى يفعل ما يشاء ) ([76]).

7- عبد الله بن جعفر الحميري ، عن محمد ابن عمر الكاتب ، عن علي بن محمد الصيمري ، عن علي بن مهزيار ، قال : كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر (ع) أسأله عن الفرج ، فكتب إليّ :   ( إذا غاب صاحبكم عن دار الظالمين فتوقعوا الفرج ) ([77]).

وأيضاً صاحب الأمر هنا هو وصي الإمام المهدي (ع) وابنه لا نفس الإمام ، فانه (ع) غاب منذ مئات السنين عن دور الظالمين وقد اخبر أئمة الهدى بطول غيبته لا أن الفرج بعد غيبته ، في حين أن وصيه وابنه (ع) قد ورد في حقه غيبة عن دور الظالمين ولا تطول إن شاء الله كما اخبر الإمام أمير المؤمنين (ع) في حديثه للاصبغ بن نباتة .

8- عن ابن أبي يعفور قال : قال لي أبو عبد الله (ع) : ( أمسك بيدك هلاك الفلاني وخروج السفياني ، وقتل النفس ، وجيش الخسف ، والصوت ، قلت : وما الصوت هو المنادي ؟ قال : نعم ، وبه يعرف صاحب هذا الأمر ) ([78]).

وسيأتي في بحث صيحة الحق وصيحة إبليس لعنه الله في ( الفصل الأول ) من هو المنادى باسمه في النداء الإلهي ، فانه طريق لمعرفة صاحب الأمر والاهتداء إلى صاحب أهدى الرايات ، وسيتضح هناك انه الوصي احمد (ع) .

9- عن المفضل بن عمر قال : ( قلت لأبي عبد الله (ع) : ما علامة القائم ؟ قال : إذا استدار الفلك ، فقيل : مات أو هلك ؟ في أي واد سلك ؟ قلت : جعلت فداك ثم يكون ماذا ؟ قال : لا يظهر إلا بالسيف ) ([79]).

أما استدارة الفلك فقد فسره الإمام الصادق (ع) في كلامه باختلاف الشيعة بينهم ([80])، ويترتب على هذه العلامة القول عن القائم بـ ( مات أو هلك ؟ في أي واد سلك ؟ ) ، وهذا الترتب يعرف بقول الإمام : ( فقيل ) ، إذ الفاء تدل على الترتب بلا تراخي كما هو معلوم ، بمعنى أنّ القول المذكور يقال بعد حدوث الاختلاف بين الشيعة ، ثم بعد هذا لا يبقى إلا الظهور بالسيف .

وواضح أن الأمة وإن كانت قد قالت ما يشبه هذا عن الإمام المهدي (ع) بعد غيبته الصغرى ولكن لم يكن بعده ظهور بالسيف ، وأما بعد طول غيبته الكبرى وامتدادها فلا يكون ظهوره مباشرة بالسيف دون أن يسبقه مجيء اليماني قبله ودعوته إليه كما أكدته روايات الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين ، فبقي أن الذي يكون ظهوره بالسيف بعد أن تختلف الشيعة ويقال عنه : مات أو هلك في أي واد سلك هو القائم احمد (ع) ، وقد قيل عنه ذلك فعلاً ، ولم يبقَ إلا ظهوره بالسيف ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

ثم إن القول بموت الإمام المهدي (ع) باللسان لا يتوقع صدوره من فقهاء السوء برغم أن أفعالهم دالة على ذلك ؛ إذ فيه نقض لمشروعهم الشيطاني في بناء مؤسسة الفساد والإخطبوط المرجعي الذي يعد الجانب المالي فيه رأس الحربة الطاعنة في خاصرة الحق ، فضرورة الحديث عن آل محمد والدعوة الشكلية للإمام المهدي (ع) تحديداً باقية ببقاء المشروع التجاري بدين الله ، لذا لا تستغرب أن يُقرأ حديث عن آل محمد أو يُستخدم الحسين (ع) ويتاجر بدمه الطاهر ضمن الدعوة للانتخابات أو حاكمية الناس وتحشيد الآراء لتتسلق من خلاله اللصوص ساسة كانوا أو مراجع - إذ الطرفان في نهاية الأمر طالبا سلطة ورئاسة لا أكثر - للحكم بآراء الناس إن كانوا ساسة ، أو بما يسمى بأهل الخبرة الشبيه بمجلس الستة لمؤسسه عمر بن الخطاب إن كانوا مراجع ([81]) ، هذا والحسين (ع) لم يقتل هو والطاهرين من أهل بيته وصحبه وتسبى عياله إلا لترسيخ حاكمية الله ورفض حاكمية الناس المؤسَّس لها من الجبت والطاغوت لعنهما الله يوم السقيفة السيئ الصيت .

نعم ، هم قالوا نص ما ورد في الرواية - مات أو هلك ؟ في أي واد سلك - عن وصي الإمام المهدي (ع) ورسوله إلى الناس واليماني الموعود السيد احمد الحسن (ع) ، وها نحن نسمعها منهم ومن أتباعهم كل يوم ، ويؤكد اختصاص الرواية به - أو لا اقل شمولها له ولأبيه عليهما السلام - هو ما قاله الإمام الصادق (ع) في آخر الرواية الشريفة لـمّا قال له المفضل : جعلت فداك ثم ( أي بعد اختلاف الشيعة وقولهم بموت القائم أو سلوكه في أي وادي ) يكون ماذا ؟ فقال : ( لا يظهر إلا بالسيف ) ، وقد اتضح فيما سبق من عرض للروايات الشريفة من يحمل السيف ، فتأمل .

وأيضاً مما يؤكد إطلاق ( القائم ) على وصي الإمام المهدي (ع) في وصية رسول الله وهو ولده احمد (ع) هو :

12- عن أبي حمزة الثمالي قال : قلت لأبي جعفر (ع) : خروج السفياني من المحتوم ؟ قال : نعم والنداء‌ من المحتوم ، وطلوع الشمس من مغربها من المحتوم ، واختلاف بني العباس في الدولة من المحتوم وقتل النفس الزكية محتوم ، وخروج القائم من آل محمد  محتوم ... ) ([82]).

وواضح أنّ خروج القائم (ع) في الرواية ذُكر ضمن العلامات الحتمية للإمام المهدي (ع) ، وهو نفسه صاحب المواصفات والخصائص التي تقدم ذكرها ، وغيرها من الروايات الشريفة .

كان هذا عرض موجز لبعض ما ورد في تبيان حقيقة ( صاحب الأمر ) المخفي الاسم ( احمد ) ، وهناك الكثير من الروايات اعرضنا عن ذكرها خوف الإطالة .

* * * * * *

وباتضاح ذلك يعرف من المقصود بصاحب الأمر الذي ( يبعث ) في آخر الزمان والذي حدد أهل البيت كل ما يسهم بالتعرف عليه ونصرته وما يرتبط بأمره من بيان اسمه وصفاته الجسمانية ومسكنه وأمثال ذلك ، وكان على رأسها اشتماله على القانون الإلهي في حججه ، واليك بعض ما ورد في ذلك :

عن أبي عبد الله (ع) - في حديث طويل - قال : ( يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال لا تكون في غيره : هو أولى الناس بالذي قبله وهو وصيه ، وعنده سلاح رسول الله ووصيته ) ([83]).

فـ ( لا تكون في غيره ) يعني ما قلناه من اختصاص الحجج الإلهيين بخصائص لا يشاركهم فيها غيرهم من الناس ، وهي بحسب الرواية الشريفة :

1- إنه أولى بالذي قبله من الحجج ووصيه ، أولى به بكل ما أتى به من ربه ، وراية البيعة لله - أي حاكمية الله سبحانه - من ضمن ما أتى به آل محمد بل كل حجج الله وخلفائه .

2- عنده سلاح رسول الله وهو العلم والقرآن .

3- وعنده وصية رسول الله .

اعرفوا ذلك ثم اعرضوا هذه الخصال على احمد (ع) اليوم تجدوه أولى بالإمام المهدي (ع) لأنه ابنه ووصيه الوارث له بنص الوصية المقدسة ، وهو الذي توافر على سلاح رسول الله من علم بالقرآن وبعظائم الأمور وبكل ما تحلى به حجج الله وما اختصهم به من علم الهي ، وكتبه (ع) شاهدة بذلك ، ومعه أيضاً وصية جده المصطفى ، فماذا تريدون بعد هذا ؟!!

وعن أبي الجارود قال ، قلت لأبي جعفر (ع) : إذا مضى الإمام القائم من أهل البيت فبأي شيء يعرف من يجيء بعده ؟ قال : ( بالهدى والإطراق ، وإقرار آل محمد له بالفضل ، ولا يسأل عن شيء إلا بيَّن ) ([84]).

وكيف لا يعرف ( احمد (ع) ) بالهدى وهو - كما توضح - صاحب أهدى الرايات وقد وصفت رايته بالهدى في قول الإمام الباقر (ع) ، وقد اقر آل محمد له بالفضل وهو واضح لمن يطالع وصية رسول الله والعشرات من روايات الطاهرين ، وأيّ فضل اختص به داعي الله اليوم وسيد خلق الله وحججه قد خصّه بالذكر باسمه وصفته في وصيته المقدسة ، كما أنّ العلم فاض من جوانبه لأنصاره وغيرهم وقد بيَّن من عظائم الأمور ومتشابهاتها بل ما كل ما يُسأل عنه تماماً كما وصف .

* * * * * *

  • · وأما راية الحاكمية لله أو البيعة لله - فقرة القانون الإلهي الثالثة في حججه وخلفائه سبحانه - فهو الآخر متوفر عليه السيد احمد الحسن (ع) ، فبعد أن كان دين الله سبحانه هو حاكمية الله التي ضحى لأجلها جميع الأنبياء والمرسلين والأوصياء وكان الإمام الحسين (ع) شاهداً ماثلاً وحياً إلى يوم القيامة ، وهو أمر ثابت في مذهب أهل البيت ولا أظن أنّ أحداً يدعي الانتساب لهم ويجادل في هذا ، تنازل عنها - أي حاكمية الله - فقهاء السوء وانضموا إلى من سبقهم - وهم فريق البشرية الأكبر دائماً - بالقول بالانتخابات وحاكمية الناس وهي بالاتجاه المعاكس لما يريد الله سبحانه .

في عام (1920) اعتبر علماء الشيعة المشاركة بالانتخابات ضلال وانحراف ، فما عدا مما بدا ، هل أصبحت هدى الآن !! كلا والله ، ولكنها رحمة الله بالناس أن جعل أمر الحق محصور وبيّن بداعي الله تيسيراً منه سبحانه على خلقه لاجتياز الامتحان بخليفته ( احمد الحسن (ع) ) عند بعثه ودعوته الناس إلى الحق والصراط المستقيم ورفعه - وحده ووحده فقط - حاكمية الله منهجاً يدعو الناس إليه.

وعجب ضلال الناس بعد هذا اللطف الإلهي الكبير ، وهل يجدون الهدى في مكان آخر غير السيد احمد الحسن (ع) ليشتبه عليهم الأمر ؟! وهل يجدون الآخرين غير مصرحين بالباطل وهم يصرخون : ( حاكمية الناس ) ؟! الكل ولا يوجد منهم شاذ ، حتى هؤلاء السفهاء الذين يدّعون أنهم يدعون للإمام المهدي (ع) فهم بين مشارك ومؤيد للانتخابات وحاكمية الناس . وأعجب منه أن يقابل الإنسان هذه الآية العظيمة الدلالة على حجته سبحانه بالاستهزاء والاستخفاف ، وكم هو لؤم الإنسان مع ربه الكريم والرحيم به .

نعم ، على الناس أنّ تعرف أن الحق في هذا الزمان محصور بشخص واحد ، وصاحبه وحده فقط يرفع حاكمية الله شعاراً ونهجاً إلهياً يدعو إليه ، فلا يحتاج الإنسان إلى شيء لمعرفة الحق وداعيه سوى أن يعرف أنّ دين الله هو حاكمية الله ، فينظر إلى أصحاب الرايات المرفوعة ويرى راية الحق الوحيدة بينها وعلامتها الدعوة إلى حاكمية الله ليعرف صاحبها الموعود ، كيف وهي علامته ، ولهذا قالوا وهم يتحدثون عن رايتهم الحقة في آخر الزمان : ( أبين من الشمس ) ؛ لأن صاحبها محصور بشخص ولا يوجد غيره .

وها انتم ترون الكل اليوم دعاة لحاكمية الناس ، والحمد لله لم يقل احد بحاكمية الله غيره ، فهل تجدون هذا امتحان صعب أيها الناس ؟! حتى أنّ المسألة بالنسبة لطالب الحق في بحثه في دعوة الحق اليوم لا تحتاج إلى بحث وتحقيق ولا روايات ولا شيء آخر ، فقط أن يعرف أنّ دين الله هو حاكميـة الله ، ثم البحث عن صاحبها وتشخيصه من بين الرايات المرفوعة .

وإذا كان سبحانه يريد أن يعبد في أرضه ويحقق دينه وشريعته ، فالحكمة تقول إن يرسل هادياً ليحفظ الدين ويعيد للأمة صوابها بعد انحراف الكل عن صراط الله ، بل لا معنى للقول بعدم وجود الهادي قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ([85]). ثم ما هي علة وجود الرسل والحجج بين الناس واتصالهم بهم ؟ إذا كانت الهداية إلى الحق فهل الناس الآن - خصوصاً كبارهم من أدعياء العلـم - مستغنون عن الهادي ، وبمن ؟

ثم الذي أتى - أي السيد احمد الحسن (ع)- ألم يبين أنهم في ضلال وانحراف ، فلينظروا بما أتى به بل هم قبله مختلفون في المنهج الحق ، فمنهم الأخباريون والأصوليون والشيخية وغيرهم ربما ، بل الأصوليون مختلفون فيما بينهم أيضاً ، فأين الحق ؟ إذن ، هناك حاجة للهادي ، فما هو المانع من إرساله ، مع أن الحكمة تقول بإرساله خصوصاً مع وجود المستقبل ، أم تنوون تحديد رحمة الله وانتم اليوم تقفون عثرة - وأي عثرة - أمام الناس للإيمان بالحق ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .

* * * * * *



إنّ الحقيقة التي لابد أن تقال إنّ البحث فيما يرتبط بدعوة الحق اليوم وما أشار به الطاهرون إلى قائدها احمد (ع) لَيثقل كاهل الباحث وهو يسبر أغوار بحر علومهم ورواياتهم ، ومن ثم ليس بوسعي سوى الاعتذار إلى الله من التقصير وأنا بصدد التمهيد للكلام عن المعترضين ، وسأكتفي بعد الذي تقدم  بالإشارة باختصار ([86]) إلى دليلين يرشدان إلى القائم المخفي الاسم بنص كلام آبائه الطاهرين ؛ هما : الرؤيا والاستخارة ، فقد استهزأ بهما القوم رغم أنهما آيتين إلهيتين تعرِّفان بصاحب هذا الأمر والقائم به .

أولاً : الرؤيا وصاحب الأمر :

لا شك أن الرؤيا ذات قدر شريف عند حجج الله وخلفائه في أرضه ، كيف وقد وصفها الحق سبحانه بأنها ( أحسن القصص ) ، قال تعالى : ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ * إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ([87]) ، فسمّى U رؤيا يوسف (ع) بأحسن القصص وجعل تأويلها علامة على نبوته ، ومدح خليله إبراهيم (ع) لتصديقه بها ، قال تعالى : ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ([88]). وذمّ من كذّب بها وسماها أضغاث أحلام ، قال تعالى : ﴿ بَلْ قَالُوا أَضْغَـاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِـنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ([89]) ، ولم يرد التعبير عنها بـ ( أضغاث احلام ) - كما هو الرائج اليوم - الا من قبل المنكرين والمتكبرين على الحق اذا جاءهم ، قال ملأ فرعون وزبانيته عنها : ﴿ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعَالِمِينَ ([90]).

ولما كانت رؤيا المؤمن تجري مجرى كلام كلم به الرب عبده كما في الحديث الشريف ([91]) ، اهتم بها الرسول الأكرم غاية الاهتمام ، عن الإمام الرضا (ع) قال : ( إن رسول الله كان إذا أصبح قال لأصحابه : هل من مبشرات ، يعني به الرؤيا ) ([92]).

ومن لطف الله سبحانه بعبده المؤمن أن يبشره بحاله في الآخرة وهو بعدُ ما زال في الدنيا ، والبشارة هي الرؤيا الحسنة ، فعن جابر عن أبي جعفر (ع) قال : ( قال رجل لرسول الله : في قول الله U : ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا ([93])، قال : هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشر بها في دنياه )([94]).

ولو نظرنا إلى تكملة الآية الشريفة التي بيّنها رسول الله لوجدناها تقول : ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، ويا لها من حقيقة كبيرة أن يعبر الحق سبحانه عن الرؤيا بأنها كلماته التي لا تبديل لها ، فاستخفاف القوم بها اليوم يعني استخفافهم بكلمات الله ، والحمد لله على نعمة الهداية .

ولسنا هنا نتكلم عن مطلق الرؤيا بل خصوص الرؤى التي يكون فيها احد المعصومين بما لها من ارتباط بصاحب الأمر كما ورد في الروايات الشريفة ، فمن الواضح أن الرؤيا المشتملة على احد المعصومين صادقة باعتبار عدم تمثل الشيطان ( لعنه الله ) بهم صلوات الله عليهم ، فقد ورد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (ع) أنه قال له رجل من أهل خراسان : يا بن رسول الله ، رأيت رسول الله في المنام كأنه يقول لي : كيف أنتم إذا دفن في أرضكم بضعتي ، واستحفظتم وديعتي ، وغيب في ثراكم نجمي ؟ فقال له الرضا (ع) : ( أنا المدفون في أرضكم ، وأنا بضعة من نبيكم ، وأنا الوديعة والنجم ، ألا فمن زارني وهو يعرف ما أوجب الله تبارك وتعالى من حقي وطاعتي ، فأنا وآبائي شفعاؤه يوم القيامة ، ومن كنا شفعاؤه نجا ولو كان عليه مثل وزر الثقلين الجن والإنس . ولقد حدثني أبي ، عن جدي ، عن أبيه (ع) أن رسول الله قال : من رآني في منامه فقد رآني ، لأن الشيطان لا يتمثل في صورتي ، ولا في صورة أحد من أوصيائي ، ولا في صورة أحد من شيعتهم ، وإن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءاً من النبوة ) ([95]).

ولأن لها ارتباطاً وثيقاً بصاحب هذا الأمر والقائم به لم يعط الإمام الرضا (ع) كل تفاصيل الرؤيا لمن سأله ، فعن البزنطي قال : سألت الرضا (ع) عن مسألة الرؤيا فأمسك ثم قال : ( إنا لو أعطيناكم ما تريدون ، لكان شراً لكم واخذ برقبة صاحب هذا الأمر ) ([96])، في إشارة منه (ع) إلى ارتباط الرؤيا بصاحب هذا الأمر ، وأنها سترشد إليه كما هو الحاصل اليوم برغم استهزاء المستخفين بآيات الله .

وعلى هذا الأساس ورد عن أبي بكر الحضرمي ، قال : دخلت أنا وأبان على أبي عبد الله (ع) وذلك حين ظهرت الرايات السود بخراسان ، فقلنا : ما ترى ؟ فقال : ( اجلسوا في بيوتكم فإذا رأيتمونا قد اجتمعنا على رجل فانهدوا إلينا بالسلاح ) ([97]).

وواضح أن اجتماعهم على رجل له علاقة بالرايات السود - كما هو مورد السؤال - الممهدة للإمام المهدي (ع) لا يكون بأجسادهم الشريفة في هذا العالم ، فلم يبقَ إلا اجتماعهم في الرؤى الصادقة التي يرشدون فيها المؤمنين بكلمات الله إلى إتباع ابنهم صاحب أهدى الرايات وقائد الجيش الإلهي الذي يرفع الرايات السود المشرقية التي قال عنها رسول الله : ( ... ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقاتلونهم قتالاً لا يقاتله قوم ثم ذكر شاباًً فقال إذا رأيتموه فبايعوه فإنه خليفة المهدي ) ([98]) ، وقد اتضح خليفة المهدي (ع) في الوصية المقدسة .

مع ملاحظة أن قوله (ع) ( فانهدوا إلينا بالسلاح ) يعني الأمر بالنهوض إليه ، وهي عبارة قريبة مما ورد عن الإمام الباقر (ع) ( فانهض إليه ) وهو يتحدث عن اليماني والأمر بالنهوض إليه ، وسيأتي مزيد توضيح لذلك في الفصل الأول عند الحديث عن صيحة الحق وصيحة إبليس ( لعنه الله ) .

وهذه العلامة الإلهية - اعني الرؤيا الصادقة بالمعصومين - في دلالتها على صاحب الأمر والقائم به قد تجلت بأوضح صورها آيةً تدل على داعي الحق اليوم السيد احمد الحسن (ع) ، وأمام الجميع مئات الرؤى الصادقة بالمعصومين صلوات الله عليهم وهي ترشد المؤمن إلى داعي الحق ( احمد ) ، وبإمكان الكل مراجعة ذلك في الكتب التي كتبها الأنصار والشهادات التي يتلونها يومياً على مسامع طلاب الحقيقة في استفساراتهم عن الدعوة اليمانية المباركة .

بقي أن ما يثيره علماء الضلالة حول هذه الآية بل غيرها من أدلة الحق من وصية وعلم وعشرات الروايات الشريفة ما هو إلا سفسطات وشكوك بآيات الله وموازينه في حججه ودلائله فيهم ، ومنها الهجمة الشرسة التي شنعوا بها على الحق وأهله ووصفهم للرؤى الصادقة وكلمات الله كما في النصوص الشريفة بأنها أضغاث أحلام ، والحال أنهم يقرؤون في مصادر الشيعة الأساسية أكثر من واقعة ساهمت فيها الرؤيا الصادقة بإتباع الحق ، وأمامهم الأمثلة الآتية كشاهد لا أكثر :

- مجيء السيدة نرجس واقترانها بالإمام الحسن العسكري (ع) .

- اهتداء وهب النصراني لنصرة الحسين (ع) واستشهاده بين يديه في يوم عاشوراء .

- إسلام سعيد بن العاص الأموي وإيمانه برسول الله .

وليس لهم بعد هذا إلا قول : وما يدريكم أن من ترونهم هم المعصومين أنفسهم ، وهل رأيتم في حياتكم رسول الله أو احد أوصيائه الطاهرين لتقولوا بأن من ترونهم هم المعصومين ؟

وليس عجيباً صدور هذا ممن لا يفقه من كلام الله حرفاً بل يعبد الله على حرف ، وإلا فهل يريدوا بذلك حصر باب الرؤى بالمعصوم بمن شاهده بعينه في حياته ، ومتى رأت عينا وهب النصراني عيسى (ع) في الحياة الدنيا ليعرف أن الذي رآه في رؤياه هو من نظرته عيناه ، أو تلومونه لأنه استمع أمر عيسى (ع) ونصر الحسين (ع) ؟!! أو تلومون السيدة الطاهرة نرجس لأنها رأت رسـول الله وفاطمة وهما يأمرانها بالذهاب إلى الإمام الحسن العسكري (ع) ، وهي التي لم تراهما في الحياة الدنيا ؟!! أو تنقضون عشرات الأحاديث التي وردت عن أئمة الهدى فيمن أراد رؤية رسول الله أو احد الطاهرين في المنام وهي في عصور متأخرة عن المعصوم الذي يطلب رؤيته ؟!! وهذه نماذج منها :

عن سهل بن صغير قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : ( من أراد أن يرى سيدنا رسول الله في منامه فليصل العشاء الآخرة ، وليغتسل غسلاً نظيفاً ، وليصل أربع ركعات بأربع مرة آية الكرسي وليصل على محمد وآله عليه وعليهم السلام ألف مرة وليبت على ثوب نظيف لم يجامع عليه حلالاً ولا حراماً ، وليضع يده اليمنى تحت خده الأيمن وليسبح مائة مرة : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا    الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وليقل مائة مرة : ما شاء الله ، فإنه يرى النبي في منامه ) ([99]).

وذكر السيد علي بن طاووس فيمن أراد رؤيا أمـير المؤمنين (ع) في المنام ، قال : إذا أردت ذلك ، فقل عند مضجعك : ( اللهم إني أسألك يا من لطفه خفي ، وأياديه باسطة لا تنقضي ، أسألك بلطفك الخفي الذي ما لطفت به لعبد إلا كفي ، أن تريني مولاي علـي بن أبي طالـب (ع) في منامي ) ([100]).

إذن ، ماذا بقي في أيدي المنكرين والمستهزئين بالرؤيا الصادقة إلا رد كلمات الله بلا دليل الكاشف عن خبث السريرة وعظم الجرأة على آيات الله ودلائله في أنبيائه وحججه ، والتي عدها أهل البيت من أجزاء النبوة كما ورد في الأحاديث الشريفة ، عن هشام بن سـالم ، عن أبي عبـد الله (ع) قال : سمعته يقول : ( رأي المؤمن ورؤيـاه في آخر الزمان على سبعـين جـزءاً من أجزاء النبوة ) ([101]).

وذكر آخر الزمان حكمته واضحة ، وقد بان - وان كان مختصراً - ارتباط الرؤيا الصادقة بصاحب هذا الأمر وأنها آية إلهية ترشد إليه ، والحمد لله على نعمه .


ثانياً :
الاستخارة وصاحب الأمر :

آية إلهية أخرى مما لها علاقة بالتعرف على صاحب هذا الأمر استخف بها القوم وتحديداً كبارهم ، وهي الاستخارة ، فقد ورد عن أئمة الهدى في الحث عليها روايات كثيرة ، منها :

عن أمير المؤمنين (ع) قال : ( بعثني رسول الله على اليمن فقال وهو يوصيني: يا علي ما  حار من استخار، ولا ندم من استشار ... ) ([102]).

قيل للإمام الصادق (ع) : من أكرم الخلق على الله ؟ فقال (ع) : ( أكثرهم ذكراً لله وأعملهم   بطاعة الله . قلت : فمن أبغض الخلق إلى الله ؟ قال (ع) : من يتهم الله . قلت : أحد يتهم الله ؟      قال (ع) : نعم من استخار الله فجاءته الخيرة بما يكره فيسخط ، فذلك يتهم الله .. ) ([103]).

وقال أبو عبد الله (ع) : ( من دخل في أمر بغير استخارة ثم ابتلي لم يؤجر ) ([104]).

وعن المفضل قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : ( ما استخار الله U عبد مؤمن إلا خار له ، وإن وقع ما يكره ) ([105]).

وعنه (ع) قال : ( أنزل الله ، إن من شقاء عبدي أن يعمل الأعمال ولا يستخيرني ) ([106]).

ورغم هذا كله والكثير غيره من روايات الطاهرين استخف القوم بالاستخارة في إمكان إرشادها ومساهمتها في معرفة داعي الحق اليوم ، في حين أنهم يطالعون قول أمير المؤمنين (ع) وتحديده احد طرق معرفة ابنه القائم (ع) بالاستخارة ، فعن سليمان بن هلال قال : حدثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، عن الحسين بن علي ، قال : ( جاء رجل إلى أمير المؤمنين (ع) فقال له : يا أمير المؤمنين نبئنا بمهديكم هذا ؟ فقال : إذا درج الدارجون ، وقل المؤمنون ، وذهب المجلبون ، فهناك ، فقال : يا أمير المؤمنين عليك السلام ممن الرجل ؟ فقال : من بني هاشم من ذروة طود العرب وبحر مغيضها إذا وردت ، ومجفو أهلها إذا أتت، ومعدن صفوتها إذا اكتدرت لا يجبن إذا المنايا هلعت ، ولا يحور إذا المؤمنون اكتنفت ، ولا ينكل إذا الكماة اصطرعت ، مشمر مغلولب طفر ضرغامة حصد مخدش ذكر سيف من سيوف الله رأس قثم ، نشق رأسه في باذخ السؤدد ، وغارز مجده في أكرم المحتد فلا يصرفنك عن تبعته صارف عارض ينوص إلى الفتنة كل مناص إن قال فشر قائل وإن سكت فذو دعاير . ثم رجع إلى صفة المهدي عليه السلام فقال : أوسعكم كهفاً ، وأكثركم علماً ، وأوصلكم رحماً ، اللهم فاجعل بيعته خروجاً من الغمة واجمع به شمل الأمة ، فإن خار لك فاعزم ولا تنثن عنه إن وفقت له ولا تجيزن عنه إن هديت إليه ، هاه - وأومأ بيده إلى صدره - شوقاً إلى رؤيته ) ([107]).

ومعلوم أن أمير المؤمنين (ع) يتكلم عن المهدي الذي يبايع ( فاجعل بيعته خروجاً من الغمة ) ، ففي حقيقة الأمر هو نفسه من تحدث عنه رسول الله لما ذكر المهدي ووصف بيعته وحدد أسماءه ، عن حذيفة قال : سمعت رسول الله - وذكر المهدي - فقال : ( إنه يبايع بين الركن والمقام ، اسمه أحمد وعبد الله والمهدي ، فهذه أسماؤه ثلاثتها ) ([108]) ، والأسماء الثلاثة هي أسماء المهدي الأول وصي الإمام المهدي (ع) وأول مؤمن به وابنه ، كما جاء في الوصية المقدسة .

وباتضاح ذلك نقول : ها هو أمير المؤمنين (ع) يجعل خيرة الله طريقاً لمعرفته ( فإن خار لك فاعزم ولا تنثن عنه إن وفقت له ولا تجيزن عنه إن هديت إليه ) ، فما بال القوم إذن يستخفون بمقاييس الطاهرين وقد ورد كل ما به الحق عنهم في كلماتهم ؟!!

إن مجيء داعي الحق السيد احمد الحسن (ع) بقانون الله في حججه وخلفائه في أرضه ، ثم بعشرات الروايات الشريفة التي وصفته باسمه ومسكنه وعلمه وأدلته وكل ما يتعلق بأمره ، ثم دلالة الرؤيا الصادقة والاستخارة عليه لهو مجيء داعي الحق كما وصف تماماً من قبل الطاهرين ، فليذهب الجاحدون آل محمد حقهم بغيظهم وليزدادوا حنقاً وحسداً بما خص الله به آل محمد من فضل واصطفاء ، وعما قريب إن شاء الله سيكشف الصبح عن حقيقة الظالمين ومصيرهم .

يبقى أن إنكار علماء الضلالة لم يكن مجرد جحود في القلب المتكبر على حجج الله فحسب ، بل بتقولات وتفلسفات تطرح بكل ما أتوا من قوة مادية لتجييش الجيوش لقتال آل محمد ومحاربتهم وصرف الناس عن نصرتهم .

وبخصوص الاستخارة فقد شككوا الناس بانّ مجرد طرح دلالتها على معرفة أحقية السيد احمد الحسن (ع) يعني بطلانه - وحاشاه - بادعاء أنها لا يستدل بها في أمور العقيدة ؟ هذا ، وهم يروون - ولا اعرف هل يقرؤون ما يرووه عن الطاهرين أو لا - بان اهتداء صفوان بن يحيى للإمام علي بن موسى الرضا (ع) - لما وقف من يدعي التشيع آنذاك على إمامة الإمام الكاظم (ع) بفتوى من فقهاء الضلالة علي بن أبي حمزة وجماعته طمعاً في الرئاسة والمال الذي كان تحت أيديهم كما يحصل اليوم تماماً - كان بالاستخارة ، فوفقه الله للإيمان بالرضا (ع) وكان من بين النفر المؤمنين الذين لم يتجاوزوا عدد أصابع اليد ، فهل يشكك علماء السوء اليوم بسبب إيمان صفوان بالإمام الرضا (ع) ويلوموه لأنه لم يقف على الإمام الكاظم (ع) ويترك الإمام الرضا (ع) ، كما يشكون اليوم بسبب إيمان بعض الأنصار بسيدهم ( أحمد ) بالاستخارة التي فعلها صفوان واهتدى ؟!!

وأما رواية إيمان صفوان فهذا نصها : ( روى علي بن معاذ قال : قلت لصفوان بن يحيى : بأي شي‏ء قطعت على علي ؟ قال : صليت ودعوت الله واستخرت عليه وقطعت عليه ) ([109]).

* * * * * *

كان هذا بيان بعض ما جاء به السيد احمد الحسن (ع) داعياً إلى الله والى الحق والصراط المستقيم بشيراً ونذيراً بين يدي عذاب شديد ، وقد وجدنا وبوضوح أنّ كل ما جاء به بل كل كلمة تخرج منه عليها من الشواهد المعصومة من كلام الطاهرين ما يدحض لجاج القوم ومجادلتهم بالباطل ويبين جرأتهم على حجج الله وعنادهم وتكبرهم على خلفاء الله في أرضه ، وفي هذا أيضاً ورد عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر (ع) قال : سمعته يقول : ( إن حديث آل محمد صعب مستصعب ثقيل مقنع ، أجرد ذكوان ، لا يحتمله إلا ملك مقرب ، أو نبي مرسل ، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان أو مدينة حصينة ، فإذا قام قائمنا نطق وصدّقه القرآن ) ([110]).

نعم صدّقه القرآن ؛ الناطق منه والصامت على حدٍ سواء ، وهي حقيقة أصبحت واضحة بحمد الله ، والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً .



لماذا اعترض من اعترض .. ومن هم ؟

ليس بوسع احد إذا ما طالع كلام محمد واله ونظر أدلة ابنهم ويمانيهم السيد احمـد الحسـن (ع) إلا الإذعان والإيمان والقول بأنّ أمره أضوأ من الشمس كما نص عليه الإمام الصـادق (ع) في حديثه للمفضل بن عمر ([111]) ، وكان الحق كله في الإسراع إلى نصرته بعد وضوح حجته وسطوع حقه فتكون الأمة - خصوصاً من يدعي التشيع لأهل البيت منها - بذلك قد امتثلت أمر سادتها وسلمت قيادها بيد أئمتها بلا إهراق محجمة دم ، ولكانت عوناً لآل محمد على أعدائهم في تطهير الأرض من الظلم والجور الذي امتلأت به البشرية كلها حتى الحلقوم الذي ما بات يستنشق رحيق حق بين ظلام باطل قد استشرى في ولد ادم حتى النخاع .

ولكن المتابع لقضية الدعوة اليمانية المباركة يجد العكس تماماً ، فمنذ انطلاقة قائدها (ع) وندائه بالحق وتلبية القلة المستضعفة من جنده لندائه - تلك الثلة التي اختارها الله لنصرة قائم آل محمد بعد أن ميزت صوت راعيها رغم كثرة نهيق الحمير المتسلّقين والمدعين ما ليس لهم - ومباشرتهم بدعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة الواضحة ولسنوات عديدة ، منذ ذلك الحين والحرب قائمة وبشراسة منقطعة النظير على الدعـوة بكل تفاصيلها من قبل علماء الضلالة الخونة بوصف رسـول الله لهم وأتباعهم الذين ينعقون وراء كل ناعق خصوصاً إذا كان الناعق المتبوع ممن يحل لهم ما حرم الله ويبيح لهم دنيا يجمعوها ولو بقتل آل محمد وأنصارهم ومبايعة اليهود والنصارى واكل الربا والزنا .

فانهالت الفتاوى التي لم يكن لها عين ولا اثر عند احتلال بلاد أمير المؤمنين (ع) وانتهاك حرمات الله وتدنيس كتابه وسفك دماء الأبرياء وعاث أعداء الله في العباد والبلاد الفساد ، انهالت هذه المرة - دفاعاً عن الدين !!! - بإباحة دم قائم آل محمد ووجوب قتله وجنده ومحاربتهم وهدم مساجدهم وحسينياتهم واعتقالهم ، وفعلاً تم اعتقال الأنصار ولمرات عديدة من قبل ظلمة بني العباس في هذا الزمان ممن يدعون ولاء آل محمد كذباً وزوراً ، في حين يجوب النواصب وأتباع اليهود والسراق وأصحاب الميليشيات والخونة وأشباه الرجال بلاد علي والحسين طولاً وعرضاً . وقد مورس بحقهم شتى صنوف التعذيب وبأقسى صورة يتفطن إليها ظالم في فنون الجور والظلم ، كان ذلك بعد حملات استمرت مدة ليست بالقصيرة في التشنيع والتسقيط بوسائل يترفع عنها حتى الأراذل ، وقد كان ذلك بقيادة ما يسمون أنفسهم بـ ( المراجع ) وأبنائهم وحواشيهم والقريبين منهم ممن يتأثرون أيما تأثر بفقدان هذه الزعامة الابليسية التي تدر عليهم دنياهم ولو بسلب حق يتيم أو آهة أرملة .

وإذا كانوا لا يطيقون رؤية عالم عامل عنده شيء من الحق ولم يتحملوا مجاورته يوماً وهو على قيد الحياة حتى وصل بهم الحال إلى التعاون مع الظلمة لقتله وتصفيته بعد تسقيطه واتهامه بكل ما مكن إبليس من قذف مفسدةٍ في خواطرهم الجرداء من ذكر الله ومخافته ، فكيف وهم يرون ( احمد ) وقد جاءهم بالحق كله والذي لا يبقي لباطلهم ولزعاماتهم الكارتونية المضللة بخدائع التقديس ودموع عمر ابن سعد وقرآن ابن العاص ولهفة ابن المرادي للصلاة وتحت جعبته السيف المسموم لطبر هامـة علـي (ع) ، وكان احمد (ع) الوصي المذخور لكشف ذلك كله .

وبعد أن انكشف زيف كبار الباطل وقادته لمجموعة من الناس وبدأت الدعوة بالتوسع والانتشار أوحى إبليس ( لعنه الله ) لجنده المدخرين لقتال القائم في النجف ، فاجتمعوا لتحريك فلولهم على الحق وأهله غير مبالين - أو محتاطين في الدين !! - بطلب النجدة والاستعانة باليهود والأمريكان لقتل خيرة الله من خلقه ممن اختاروا نصرة آل محمد بل خلقوا لهذا ، فكانت محصلة اجتماع رموز الباطل صدور فرمان قضاة قريش في آخر الزمان - المتربعين على سدة الحكم في النجف الأشرف والمتهيئين لجمع جيش السفياني وتحريضه لقتال آل محمد - بالإيعاز لحكومة الزوراء باعتقال أنصار الحق ومطاردتهم وقتلهم لا لشيء فعلوه ولا لذنب اقترفوه سوى دعوتهم الناس لنصرة قائم آل محمد وتهيئة الناس لاستقبال الإمام المهدي (ع) المغيب ما يزيد على الألف والمائة والسبعين عاماً . فاعتقل العشرات وباشرت السلطة الجائرة بهدم حسينيات الدعوة اليمانية في أكثر من مدينة عراقية ، وكان مقرراً القضاء على الدعوة وأنصارها تماماً في ( محرم / 1429 ) ، ولكن - ولأن الذل والهوان ليس من شيمة دعاة الحق وأنصاره - أذِنَ قائم آل محمد (ع) ([112]) بالدفاع عن النفس لصد هجمة امة اختارت قتال أئمتها وأنصارهم ، فكانت الثلة التي أسندت ظهرها إلى الله وتوكلت عليه رغم قلتهم مقابل حزب الشيطان المؤتمر بأمر أخلص جنده الخونة المسندين أظهرهم إلى عالم مادي بأكمله والذي ما آمنوا بسواه إطلاقاً ، وبعد أن منّاهم إبليس بأنهم قادرون على القضاء على الحق وأهله فاتهم - وهم المستحمرون لإبليس دوماً - أن لا قوة إلا بالله ، فأخزى الله إبليس وجنده وكان مخطط القضاء على الدعوة اليمانية سبباً في انتشارها إلى الدنيا ، ومدعاة لوصول الحق إلى أهله في بلدان بعضها نائية لم يخطر في البال كيفية الوصول إليها ، ولكن كان ذلك من خلال دماء طاهرة أسيلت لأنصار الله وأجساد عذبت بفنون التعذيب ، وما زال الكثير منهم قابعين في زنزانات بني العباس الظلمة بشرع فقهائهم الخونة ، وقد حكموا هذا العام (1430هـ ) على (28) منهم بالإعدام من بين (35) من مجموع من حكم بالإعدام في العراق كله .

وأما يماني آل محمد (ع) فقد أمسى كما وصفه آباؤه الطاهرون شريداً طريداً ( صاحب هذا الأمر الطريد الشريد ، الموتور بأبيه المكنى بعمه ، يضع سيفه على عاتقه ثمانية أشهر ) ([113]) ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

إنها لمفارقة صعبة التصديق وما كانت لتأتي في بال موحد لولا ورود ما يشير إلى هذه الحقيقة المرة في كلمات الطاهرين في وصفهم لمجيء ابنهم القائم (ع) وما يلاقيه من قومه عند بعثه فيهم :

عن الفضيل بن يسار ، قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : ( إن قائمنا إذا قام استقبل من جهل الناس أشد مما استقبله رسول الله من جهال الجاهلية ، قلت : وكيف ذاك ؟ قال : إن رسـول الله أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة ، وإن قائمنا إذا قام أتى الناس وكلهم يتأول عليه كتاب الله ، يحتج عليه به .. ) ([114]).

وعن يقعوب السراج ، قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : ( ثلاث عشرة مدينة وطائفة يحارب القائم أهلها ويحاربونه : أهل مكة ، وأهل المدينة ، وأهل الشام ، وبنو أمية ، وأهل البصرة ، وأهل دست ميسان ، والأكراد ، والأعراب ، وضبة ، وغني ، وباهلة ، وأزد ، وأهل الري ) ([115]).

وعن بشير النبال ، قال : ( لما قدمت المدينة قلت لأبي جعفر (ع) : إنهم يقولون إن المهدي لو قام لاستقامت له الأمور عفواً ، ولا يهريق محجمة دم ، فقال : كلا والذي نفسي بيده لو استقامت لأحد عفواً لاستقامت لرسول الله حين أدميت رباعيته ، وشج في وجهه ، كلا والذي نفسي بيده حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق ، ثم مسح جبهته ) ([116]).

وغير خافٍ أنّ سادة المتأوّلين على القائم كتاب الله من الناس والمجيشين عليه جيوش الباطل هم العلماء غير العاملين ومن يساندهم من الساسة والملأ المقرب ، فهو حالهم الذي لا يتبدّل كلما بعث الله نبياً أو وصياً خليفة له في أرضه ، فهم النمرود وعلماء الدين غير العاملين في زمن إبراهيم (ع) ، وفرعون وعلماء الدين في زمن موسى (ع) ، وبيلاطس وهيرودس وقيصر الروم وعلماء اليهود غير العاملين في زمن عيسى (ع)، وكسرى وقيصر والحكام وعلماء الأحناف وعلماء النصارى وعلماء اليهود في زمن محمد ، وهؤلاء وحكام المسلمين وعلماء المسلمين في زمن الأئمة ، وهؤلاء كلهم وعلماء الشيعة غير العاملين في هذا الزمان .

ومن ثم لا تستغرب إذا قرأت ما ورد عن أبي جعفر (ع) : ( إذا قام القائم (ع) سار إلى الكوفة ، فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس يدعون البترية عليهم السلاح فيقولون له : ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة ، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم ، ثم يدخل الكوفة فيقتل بها كل منافق مرتاب ، ويهدم قصورها ، ويقتل مقاتليها حتى يرضى الله عز وعلا ) ([117]).

إنّ سنة الله في الذين كفروا واحدة لا تتبدل ، فقديماً قالها المنكر الذي اتهم رسول الله بعدم الذرية وأجابه الله سبحانه بقوله لنبيه : ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ، وأعادها اليوم من استنّ بسنن المتكبرين على حجج الله فاتهمّ الإمام المهدي (ع) بعدم الذرية رغم ورود الروايات الكثيرة بوجود الذرية وأنّ منهم من هو مفرد فيها بوصفه والدعاء له لعظم خطره عند آل محمد ، ومن أراد الوقوف على الحق في ذلك فليراجع ما خطه الإخوة أنصار الإمام المهدي (ع) وفقهم الله في هذا المجال ككتاب ( الرد الحاسم على منكري ذرية القائم ) للشيخ ناظم العقيلي حفظه الله .

ويبقى - كالعادة - أنّ علماء الضلالة هم من يقولون للقائم ارجع من حيث جئت ويجيشون بحسب الرواية المتقدمة بضعة عشر ألف نفساً لقتاله على أبواب الكوفة فقط ، وإلا فما ظنكم بالقائل هل يكون بقالاً أو نجاراً أو فلاحاً أو .. أو .. ، ولو قالها فمن يستمعه بربكم ؟!!

هذا باختصار حال المعترضين على خلفاء الله وحججه اليوم ، وأما تفصيل الكلام في حالهم عموماً فهو ما تتكفله فصول البحث الآتية ، وستكون كالتالي :

الفصل الأول : في خلافة آدم واعتراض إبليس ( لعنه الله ) في يوم الخلافة الأول .

الفصل الثاني : نماذج من المعترضين بعد إبليس لعنه الله .

الفصل الثالث : وحدة منهج المعترضين في القول والفعل والمحاججة بالباطل .

الفصل الرابع : الكثرة وخلفاء الله .

وأخيراً : خاتمة ...

فعلى الله سبحانه نتوكل وبه نستعين وهو حسبنا ونعم الوكيل ، والحمد لله رب العالمين .



الفصل الأول

في اليوم الأول :

آدم (ع) خليفة الله في أرضه

وإبليس يعترض

- استخلاف آدم (ع)

- سجود الملائكة لآدم (ع)

- إبليس ( لعنه الله ) يأبى السجود لخليفة الله

- إمهال إبليس ( لعنه الله ) إلى اليوم المعلوم

- الفشل في الامتحان بخليفة الله يعني الطرد من رحمة الله




استخلاف ادم (ع) :

ابتدأ الله سبحانه بخلقه في أرضه بخليفته وهو دليل كرمه ورحمته بهم ، ولأنه الحكيم المنزه عن خلاف الحكمة اوجد خليفته المعرِّف به قبل خلقه ، فكان آدم (ع) أول خليفة لله تعالى في هذه الأرض في دورتها الجديدة بعد أن قطنها من غير جنس البشر مخلوقات غيرهم كان من فعلهم ما بينه لنا الإمام الباقر (ع) عن آبائه عن أمير المؤمنين (ع) قال : ( إن الله لما أراد أن يخلق خلقاً بيده وذلك بعدما مضى عن الجن والنسناس في الأرض سبعة آلاف سنة فرفع سبحانه حجاب السموات وأمر الملائكة أن انظروا إلى أهل الأرض من الجن والنسناس فلما رأوا ما يعملون فيها من المعاصي وسفك الدماء والفساد في الأرض بغير الحق عظم ذلك عليهم وغضبوا لله تعالى وتأسفوا على الأرض ولم يملكوا غضبهم ، وقالوا : ربنا أنت العزيز القادر العظيم الشأن وهذا خلقك الذليل الحقير المتقلب في نعمتك المتمتع بعافيتك المرتهن في قبضتك وهم يعصونك بمثل هذه الذنوب ويفسدون في الأرض ولا تغضب ولا تنتقم لنفسك وأنت تسمع وترى وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه لك ، فقال جل جلاله : إني جاعل في الأرض خليفة تكون حجة لي في أرضي على خلقي .

قالت الملائكة : أتجعل فيها من يفسد فيها كما أفسد هؤلاء ويسفك الدماء كما فعل هؤلاء ويتحاسدون يتباغضون فاجعل ذلك الخليفة منا فانا لا نتحاسد ولا نتباغض ولا نسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، قال تبارك وتعالى : إني أعلم ما لا تعلمون إني أريد أن أخلق خلقاً بيدي واجعل من ذريته الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين وأئمة مهديين واجعلهم خلفائي على خلقي في أرضي يهدونهم إلى طاعتي وينهونهم عن معصيتي وأجعلهم حجة لي عليهم عذراً ونذراً ... ) ([118]).

فكان ما أراد سبحانه وكان ادم (ع) خليفته بعد أن نص عليه بقوله تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً في محضر ملائكته وإبليس ( لعنه الله ) الذي لم يكن منهم ولكنه التحق بهم لعبادته حتى ظن الملائكة انه واحد منهم . وبعد أن نص سبحانه على خليفته وعيّنه لم يترك القضية مسألة تعبدية فقط فهو وإن كان ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ([119])، إلا انه بلطفه أوضح لهم سبب النص على الخليفة المنصب إلهياً لما قال الملائكة اعتراضاً بعد التنصيب : ﴿ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ والسبب هو العلم الذي اختصه به ، قال تعالى : ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ، فلما اعترفوا بعجزهم عن ذلك ﴿ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ولم ينبئوه بأسماء من طلب إيضاحها منهم ، ومن أين لهم ذلك وقد اختص الله به خليفته ، قال سبحانه : ﴿ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فأنبأهم ، عندها أمر رب العزة من كان في ذلك المحضر من خلقه بالسجود لخليفته ، قال تعالى : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ([120]).

فانقسم الحضور عند التنصيب والأمر الإلهي بالسجود لخليفة الله إلى :

أ‌- معترض يتوب ، وهم الملائكة فهم وان اعترضوا بادئ الأمر على جعل ادم خليفة له سبحانه ولكنهم وبعد استيضاح سبب الاستخلاف رجعوا وتابوا فسجدوا لخليفة الله في أرضه .

ب- منكر لا يتوب ، وهو إبليس ( لعنه الله ) .

هذه قصة الاستخلاف في يومها الأول باختصار ، واليك التفصيل :


( 1 )

سجود الملائكة لآدم (ع)

لم يكن اعتراض الملائكة بادئ الأمر على استخلاف ادم على الأرض في بعض أسبابه إلا استحضاراً لما صنعه الجان عليها من فساد وسفك للدماء ومعصية الله سبحانه والذي استوجب غضبهم لله كما في الرواية المتقدمة ، ولم تشفع لهم غيرتهم السابقة في الوقوع في محذور الاستعجال وعدم التروي بتلقي الأمر الإلهي في استخلافه خليفة له في أرضه ، ولكنها الرحمة الإلهية الكبرى التي تداركتهم في نهاية الأمر فأذعنوا وأطاعوا وسجدوا لخليفته ، فكانت التوبة باب الله الكبير لأصحاب الخطايا .

عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام في قوله : ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء ردوا على الله فقالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ وإنما قالوا ذلك بخلق مضى يعنى الجان بن الجن ، ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ فمنوا على الله بعبادتهم إياه ، فأعرض عنهم ثم علم آدم الأسماء كلها ثم قال للملائكة : ﴿ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء قالوا : لا علم لنا ، قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم فأنبأهم ثم قال لهم : اسجدوا لآدم فسجدوا ، وقالوا في سجودهم في أنفسهم : ما كنا نظن أن يخلق الله خلقاً أكرم عليه منا نحن خزان الله وجيرانه وأقرب الخلق إليه ، فلما رفعوا رؤوسهم قال الله يعلم ما تبدون من ردكم علي وما كنتم تكتمون ، ظناً أن لا يخلق الله خلقاً أكرم عليه منا ، فلما عرفت الملائكة أنها وقعت في خطيئة لاذوا بالعرش وإنها كانت عصابة من الملائكة ، وهم الذين كانوا حول العرش ، لم يكن جميع الملائكة الذين قالوا ما ظننا أن يخلق خلقاً أكرم عليه منا وهم الذين أمروا بالسجود : فلاذوا بالعرش وقالوا بأيديهم وأشار بإصبعه يديرها فهم يلوذون حول العرش إلى يوم القيمة .

فلما أصاب آدم الخطيئة جعل الله هذا البيت لمن أصاب من ولده خطيئة أتاه فلاذ به من ولد آدم كما لاذوا أولئك بالعرش ، فلما هبط آدم إلى الأرض طاف بالبيت ، فلما كان عند المستجار دنا من البيت فرفع يديه إلى السماء فقال : يا رب اغفر لي فنودي إني قد غفرت لك ، قال : يا رب ولولدي قال : فنودي يا آدم من جاءني من ولدك فباء بذنبه بهذا المكان غفرت له ) ([121]).

إذن ، لم يكن ماضي الخليقـة على الأرض وحده السبب في اعتـراض الملائكة ، بل كان أيضاً ( الأنا ) بمستوى من مستوياتها والذي اوجب ظنهم بأن الله سبحانه ما هو بخالـق لخلق أكرم عليه منهم ، كيف وهم خزان الله وجيرانه واقرب خلقه إليه ؟! وقد دعاهم ذلك إلى المنّ بعبادتهم ، وفاتهم بغفلة ([122]) لم تدم طويلاً انه سبحانه القادر على كل شيء وأن خليفته أكرم عليه منهم وقد فضله خالقه U بالعلم بأسماء اعترفوا هم بأنفسهم بعدم علمهم بها عند عرضها عليهم ، فسجدوا له واعترفوا بخطيئتهم ولاذوا بعرش الله سبحانه وهم كذلك إلى يوم القيامة .

ثم إنّ من كان من الملائكة في محضر تنصيب الخليفة لم يكن كلهم بل كانت عصابة منهم وهم مَن كان حول العرش أي عينة منهم ، وفي هذا درس يؤخذ في مسألة الاختبار الإلهي لخلقه فهو وإن كان سبحانه عالم بمآلهم ولكن مشيئته اقتضت أن يقيم الحجة على عباده ، وإقامتها عليهم لا تعني أنهم يستجوبون كلهم فرداً فرداً في سوح الاختبار بخلفائه ، بل يقام الاختبار على عيّنة منهم لعلمه سبحانه بانّ إقامتها على هذه العيّنة يعني إقامتها على الكل ، وبه يقطع السؤال : لماذا يكون العذاب النازل على بقعة ما من الأرض نتيجة تكذيب خليفة من خلفاء الله شاملاً للجميع أو الأغلب في حين أنّ البعض قد لا يكون سامعاً بدعوة داعي الله أصلاً ، ولكن جواب هذا البعض لو كان ما يعدو جواب من أجاب بالرفض والتكبر على خليفة الله وهو سبحانه العالم بما يبدون وما كانوا يكتمون ، وهو ما سيحصل إن استمر البشر اليوم على منهجهم في تكذيب الإمام المهدي (ع) ووصيه المرسل إليهم من قبله .

ولنا أن نتساءل : ما هي الأسـماء التي تعلمها ادم (ع) من ربه وكانت دليل أفضليته على الملائكة ؟ ثم كيف كان سجود الملائكة له ؟

الأسماء التي تعلمها آدم (ع) من ربه :

عن الإمام الحسن العسكري (ع) في تفسير هذه الآية :﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها قال :      ( أسماء أنبياء الله ، وأسماء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهما ، وأسماء رجال من شيعتهم وعتاة أعدائهم . ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عرض محمداً وعلياً والأئمة ﴿ عَلَى الْمَلائِكَةِ أي عرض أشباحهم وهم أنوار في الأظلة ﴿ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن جميعكم تسبحون وتقدسون ، وأن ترككم ها هنا أصلح من إيراد من بعدكم ، أي فكما لم تعرفوا غيب من في خلالكم  فالحري أن لا تعرفوا الغيب إذا لم يكن ، كما لا تعرفون أسماء أشخاص ترونها . قالت الملائكة : ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ بكل شي‏ء ﴿ الْحَكِيمُ المصيب في كل فعل . قال الله U : يا آدم ، أنبئ هؤلاء الملائكة بأسمائهم وأسماء الأنبياء والأئمة ، فلما أنبأهم فعرفوها  أخذ عليهم العهد والميثاق بالإيمان بهم ، والتفضيل لهم ) ([123]).

وعن أيمن بن محرز ، عن الصادق جعفر بن محمد (ع) : ( إن الله تبارك وتعالى علم آدم (ع) أسماء حجج الله كلها ، ثم‏ عرضهم وهم أرواح على الملائكة ، فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين بأنكم أحق بالخلافة في الأرض- لتسبيحكم وتقديسكم - من آدم (ع) ، قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .

قال الله تبارك وتعالى : يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ وقفوا على عظم منزلتهم عند الله عز ذكره ، فعلموا أنهم أحق بأن يكونوا خلفاء في أرضه ، وحججه على بريته ، ثم غيبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبتهم ، وقال لهم : أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) ([124]).

بأسماء : محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وباقي آل محمد من الأئمة والمهديين وسائر حجج الله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه ، ابتدأ الله سبحانه تنصيب خليفته الأول وتعليمه ، وقد تم عرض هذه الأسماء على الملائكة ولكنهم لم يعرفوها وعرفها ادم (ع) بتعليم الله إياه ، فكان دليل أفضليته عليهم .

والحقيقة أن آدم (ع) بتعلّمه هذه الأسماء التي ابتدأت بـ ( محمد ) وهو سيد ولد ادم بما في ذلك حججه سبحانه يكون قد علم العلم كله والأشياء كلها ، فانه وعترته الطاهرة أصل كل خير في الوجود ، وبمعرفتهم يعرف الخير كله وتعرف الأشياء كلها .

عن جابر بن يزيد قال : قال لي أبو جعفر (ع) : ( يا جابر إن الله أول ما خلق خلق محمد وعترته الهداة المهتدين ، فكانوا أشباح نور بين يدي الله ، قلت : وما الأشباح ؟ قال : ظل النور أبدان نورانية بلا أرواح وكان مؤيداً بروح واحدة وهي روح القدس ، فبه كان يعبد الله وعترته ، ولذلك خلقهم حلماء علماء ، بررة أصفياء ، يعبدون الله بالصلاة والصوم والسجود والتسبيح والتهليل ، ويصلون الصلوات ويحجون ويصومون ) ([125]).

وعلى هذا يعرف بعض ما جاء في كلماتهم في تفسير الأسماء التي تعلمها ادم بالجبال والأودية وغير ذلك ، فعن أبي العباس عن أبي عبد الله (ع) ، قال : سألته عن قول الله : ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ماذا علمه ؟ قال : ( الأرضين والجبال والشعاب والأودية ، ثم نظر إلى بساط تحته ، فقال : وهذا البساط مما علّمه ) ([126]).

معنى سجود الملائكة :

بعد أن عرف الملائكة من ادم (ع) هذه الأسماء الطاهرة ورأوا أرواحهم المطهرة لما عرضت عليهم أمرهم الله سبحانه بالسجود لآدم إكراماً وتعظيماً لما حلّ في صلبه من أنوار محمد واله الطاهرين فالسجود كان لله تعالى عبودية ولآدم إكراماً وطاعة ؛ إكراماً لمن فاق فضلهم فضل خلق الله طراً من ملائكته المقربين وأنبيائه والمرسلين ، بل من بهم تم الاهتداء إلى معرفة توحيد الله وتسبيحه وتهليله وتحميده وتمجيده ، كما انه كان طاعة لخليفة الله في أرضه ، وهو الفقرة الثالثة في قانون تعريفه بحججه كما تقدم .

عن الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين قال : ( قال رسول الله : ما خلق الله U خلقاً أفضل مني ولا أكرم عليه مني . قال علي (ع) : فقلت : يا رسـول الله فأنت أفضل أو جبرئيل ؟ فقال : يا علي إن الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين ، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين ، والفضل بعدي لك يا علي وللائمة من بعدك ، وإن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا ، يا علي الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا .

يا علي لولا نحن ما خلق آدم ولا حوا ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الأرض ، فكيف لا نكون أفضل من الملائكـة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه ؟ لان أول ما خلق الله U خلق أرواحنا فأنطقنا بتوحيده وتحميده . ثم خلق الملائكة فلما شاهدوا أرواحنا نوراً واحداً استعظموا أمرنا فسبحنا لتعلم الملائكة أنا خلق مخلوقون وأنه منزه عن صفاتنا ، فسبحت الملائكة بتسبيحنا ونزهته عن صفاتنا ، فلما شاهدوا عظم شأننا هللنا لتعلم الملائكة أن لا اله إلا الله وأنا عبيد ولسنا بآلهة يجب أن يعبد معه أو دونه فقالوا : لا اله إلا الله . فلما شاهدوا كبر محلنا كبرنا لتعلم الملائكة أن الله أكبر من أن ينال عظم المحل إلا به ، فلما شاهدوا ما جعله  لنا من العز والقوة قلنا : لا حول ولا قوة إلا بالله لتعلم الملائكة أن لا حول لنا ولا قوة إلا بالله . فلما شاهدوا ما أنعم الله به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة قلنا : الحمد لله لتعلم الملائكة ما يحق لله تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمه فقالت الملائكة : الحمد لله ، فبنا اهتدوا إلى معرفة توحيد الله وتسبيحه وتهليله وتحميده وتمجيده .

ثم إن الله تبارك وتعالى خلق آدم فأودعنا صلبه ، وأمر الملائكة بالسجود له تعظيماً لنا وإكراماً ، وكان سجودهم لله U عبودية ولآدم إكراماً وطاعة ، لكوننا في صلبه فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون ... ) ([127]).

وفي توضيح معنى السجود لخليفة الله تعقيباً على رؤيا يوسف (ع) في قوله تعالى : ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ([128]) ، قال السيد احمد الحسن (ع) : ( الأحد عشر كوكباً : إخوة يوسف (ع) ، والشمس والقمر : يعقوب وأم يوسف راحيل رآهم يوسف في الرؤيا ساجدين له ، فما هو هذا السجود ، وكيف وقع ، وهل يصح السجود لغير الله ، وإذا كان لا يصح فما معنى سجودنا للكعبة وهي حجارة ، وما معنى سجود الملائكة لآدم وهو إنسان مخلوق ، وما معنى سجود إخوة يوسف ويعقوب وهو نبي ، وأم يوسف ليوسف (ع) ؟!

المرتكز في الأذهان عن السجود هو وضع الجبهة على الأرض ، أو الانحناء ووضعها على شيء منخفض عنها ، والمراد منه هو بيان الخضوع والتذلل والطاعة للمسجود له ، وربما كان السجود بالإيماء له بالرأس أو حتى برموش العين ، كما هو حال العاجز عنه بالصلاة .

والحقيقة أن الإنسان الخاضع الذليل لله والمطيع لأمر الله ساجد في كل أحواله نائماً وقائماً وقاعداً وماشياً والإنسان الذي لا يخضع لله ولا يتذلل لله ولا يطيع أمر الله ليس بساجد وان وضع جبهته على الأرض ، فالسجود الحقيقي إذن هو الطاعة وامتثال الأمر الإلهي ، وربما تم دون وضع الجبهة على الأرض ، وربما لا يتم بوضع الجبهة على الأرض .

فإبليس لم يرفض السجود لله ، ( بل له سجدة ستة آلاف عام ) ([129]) ، ولكنه رفض أن تكون قبلته في السجود لله آدم (ع) ، فهو في حقيقة أمره متكبر على الله وليس بخاضع ولا متذلل ولا مطيع لأمر الله وهو من الساجدين لله الذين حق عليهم العذاب ؛ لأنه لم يتخذ القبلة التي أمره الله أن يتخذها ، ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا  يَشَاءُ ([130]) ، فهؤلاء الذين حق عليهم العذاب يوصفون بأنهم يسجدون لله ، ولكنه ليس سجوداً حقيقياً لأنهم لم يطيعوا الله في السجود له سبحانه من حيث يريد والى القبلة التي أمرهم بها ...

فمن يعصِ الله فهو ليس عابداً ولا ساجداً لله بقدر تلك المعصية ، فإذا كانت المعصية متعلقة بالقبلة التي يتوجه إليها حال سجوده وطاعته ، أي انه اتخذ قبلة غير القبلة التي أمره الله بها ، فإنه في كل عمله عاصياً وليس عابداً ولا ساجداً لله ، ولا تزيده سرعة السير إلا بعداً ، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً([131]).

فهكذا إنسان تولى الشر والشيطان والظلمة ليس على جادة الطريق التي توصل إلى الهدف ، بل مستدبراً القبلة التي توصله إلى الله فتكون سرعة سيره ( سجوده وعبادته وطاعته المدّعاة ) سبباً في إيصاله إلى هاوية الجحيم ؛ لأن كل أعماله - سجوده ، عبادته ، طاعته - يستقبل بها قبلة لم يأمره الله بها ، بل نهاه الله عن استقبالها فيكون سجوده عبادته طاعته ، كلها مبنية على المعصية والذنب فتكون معاصي وذنوب ، فلا صام ولا صلى ، بل أذنب وعصى ﴿ فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى([132])، أي إن الأَولى هو التصديق بولي الله وحجته وخليفته سبحانه ( الرسول سواء كان نبياً أو وصياً ) ، والصلاة معه وهي الولاية لولي الله لأنها ولاية الله ، والسجود لولي الله أي طاعته ؛ لأنه سجود لله وطاعة لله ، ودون الخضوع لولي الله لا تنفع الأعمال الظاهرية ...

فإذا علمنا أن الله لم ينظر إلى الأجسام منذ خلقها فلا يكون سجود الأجسام إلا مرشد ودليل يدل على الحقيقة ويشير إليها ، وهذه الحقيقة هي الطاعة وامتثال الأمر الصادر من الله سبحانه وتعالى ، فإذا كان لسجود الأجسام قبلة وهي الكعبة ، فلا بد أن يكون لسجود الأرواح قبلة ، وقبلة الأرواح هو ولي الله ( حجة الله على خلقه ) ، فبطاعته يطاع الله وبمعصيته يعصى الله ، ولذلك كان الأمر للملائكة  ( الأرواح ) هو السجود لآدم ( الإنسان الكامل ) .. ) ([133]).

فسجد الملائكة في نهاية المطاف وبعد الاعتراض الذي تابوا عنه واعترفوا بخطيئتهم في محضر بارئهم ، فاجتازوا الامتحان الإلهي بخليفته سبحانه وحجته على خلقه .

* * * * * *



( 2 )

إبليس ( لعنه الله ) يأبى السجود لخليفة الله

قال تعالى : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ([134]) ، سجد الملائكة وأبى إبليس ( لعنه الله ) على التوالي فكان الخطان اللذان بزغا منذ فجر الامتحان الإلهي بخليفة الله في أرضه :

- خط الساجدين لخلفاء الله المطيعين لأمره في حججه ، ابتدأه الملائكة وسار من بعدهم عليه الثلة القليلة التي آمنت بالله وأطاعت أمره وسجدت لخلفائه وحججه على خلقه .

- خط المستكبرين الآبين السجود لخلفاء الله والذي قاده إبليس المستكبر على ربه بتكبره على خليفته وأمره بالسجود ، وكان من بعده جنده من شياطين الإنس والجن وهم السواد الأعظم من خلق الله وهي حقيقة واضحة لمن تأمل آي الذكر الحكيم ، وستتضح في فصول البحث اللاحقة إن شاء الله تعالى .

حقيقة إبليس ( لعنه الله ) :

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ([135]).

لم يكن إبليس أخزاه الله من جنس الملائكة بل كان من الجن ، عن جميل بن دراج ، عن أبي عبد الله (ع) قال : سألته عن إبليس أكان من الملائكة ؟ وهل كان يلي من أمر السماء شيئاً ؟ قال : ( لم يكن من الملائكة، ولم يكن يلي من السماء شيئاً، كان من الجن وكان مع الملائكة، وكانت الملائكة تراه أنه منها، وكان الله يعلم أنه ليس منها، فلما أمر بالسجود كان منه الذي كان ) ([136]).

ولكنه اُلحق بالملائكة بالولاء ، ولم تعلم الملائكة بذلك وكانوا يظنون انه منهم لشدة عبادته لله سبحانه ، فعن أبي عبد الله (ع) ( .. فإن إبليس كان مع الملائكة في السماء يعبد الله ، وكانت الملائكة تظن أنه منهم ولم يكن منهم ، فلما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم أخرج ما كان في قلب إبليس من الحسد ، فعلمت الملائكة عند ذلك أن إبليس لم يكن منهم ) .

فقيل له (ع) : كيف وقع الأمر على إبليس ، و إنما أمر الله الملائكـة بالسجود لآدم ؟! فقال : ( كان إبليس منهم بالولاء ولم يكن من جنس الملائكة ، وذلك أن الله خلق خلقاً قبل آدم ، وكان إبليس حاكماً في الأرض ، فعتوا وأفسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله الملائكة فقتلوهم ، وأسروا إبليس ورفعوه‏ إلى السماء فكان مع الملائكة يعبد الله إلى أن خلق الله تبارك وتعالى آدم ) ([137]).

خلق الله سبحانه ادم (ع) وكان سابقاً في علمه سبحانه بأنه خليفته المرتقب في أرضه على خلقه ، رغم أن هذه الحقيقة الكبرى بعدُ ما زالت مستورة عنهم ، ولما كان كل إناء ينضح بالذي فيه فقد كان يمرّ به إبليس وهو ما زال طينة لم تنفخ فيها الحياة فيمتلأ حنقاً وحسداً من هذا المخلوق الذي أوجس إبليس منه خيفة وأحسّ بعظم منزلته عند خالقه وإلا لمَ خلق و ( أنا مخلوق ) ؟! بلسان الحال هذا كان يحدث نفسه بما ينطوي عليه صدره .

في تفسير القمي ، قال أبو جعفر (ع) : ( وجدنا هذا في كتاب علي (ع) : فخلق الله آدم فبقي أربعين سنة مصوراً ، فكان يمر به إبليس اللعين ،  فيقول : لأمرٍ ما خلقت ! ) .

قال العالم (ع) : ( فقال إبليس : لئن أمرني الله بالسجود لهذا لأعصينه ) ، قالها اللعين وادم (ع) ما زال صورة بلا حياة ، فأسفر عن حقيقته وما كان يضمره بداخله بقوله هذا الكاشف عن أن إيمانه بربه والسجود له الذي كان يؤديه ظاهراً أمام جيرانه الملائكة ما هو إلا إرضاء لنفسه لأنها تحب ذلك ، لا لانّ الله سبحانه قد أمره بالسجود له ، ومعلوم أن التصنّع والادعاء مهما طال يكفي التمحيص والاختبار لفضحه وزواله في يومٍ ما ، وهذه هي إحدى حكمه سبحانه في اختبار خلقه وتمحيصهم وخصوصاً مدعي الإيمان منهم ليتوضح صاحب الإيمان المستقر في القلب منهم عمن استودع الإيمان فيه ويخرج منه عند الامتحان الإلهي ، والذي شاء الله سبحانه أن يكون دائماً بخليفته وحجته على خلقه .

قال (ع) : ( ثم نفخ فيه ، فلما بلغت الروح فيه إلى دماغه عطس فقال : الحمد لله ، فقال الله   له : يرحمك الله . قال الصادق (ع) : فسبقت له من الله الرحمة ، ثم قال الله تبارك وتعالى للملائكة : اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا له ، فأخرج إبليس ما كان في قلبه من الحسد فأبى أن يسجد ، فقال الله U : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ، فقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) ([138]).

لم يكن إبليس لعنه الله ليفاجئ بالأمر الإلهي بالسجود لآدم (ع) والامتحان بذلك ، فرحمة الله سبحانه اكبر من أن يُباغَت مخلوق بأمرٍ جديد عليه بالمرة وبلا تمهيد أصلاً ويكون إنكاره سبباً للطرد من رحمته التي وسعت كل شيء ومن ثم الخلود في نار سجّرها خالقها لغضبه ، فقد أحس لعنه الله مذ رأى صورة ادم وقبل أربعين عاماً من نفخ الروح فيه بأنه خلق لأمر ما ثم عاد وقال : ( لئن أمرني الله بالسجود له لأعصينه ) والعياذ بالله ، والامتحان كما هو معروف يأتي بعد فترة يتهيأ فيها الممتحَن ، كما انه وسيلة لكشف ما هو مستور ، إذن هناك شيء يظهر في ساحة الامتحان ولم يكن أبداً لطرح أمر غريب تماماً ، فما الذي انطوى عليه إبليس أخزاه الله ليسفر عنه الامتحان وتكون نتيجته فيه الإنكار لأمر الله سبحانه والفشل والكفر ؟

( الأنا ) سبب فشل إبليس ( لعنه الله ) :

كان الامتحان الإلهي لإبليس بالسجود لخليفته سبباً في كشف ما أضمره قلبه من الحسد والحقد الدفين لهذا المخلوق الكريم ، وبمعنى آخر كانت ( الأنا ) عنده بنحوٍ لا يطيق معها أن يرى من هو أكرم منه عند الله ، هذا باختصار ما أعده إبليس لعنه الله قبل امتحانه ، فكان جوابه الإنكار والإباء لما طلب منه ربه السجود لخليفته هذه المرة ويكون قبلته إليه ، وواضح أن الإنكار لا يأتي بلحظة واحدة من المخلوق بل تسبقه نيات وأفعال يتحتم أن تأتي النتيجة منسجمة معها غاية الانسجام .

إنها ( الأنا ) التي تجسدت في نفس إبليس بصورة حسد يتمنى فيه زوال ما اختص الله به ادم من فضل بحيث صار موضع تجلي الله بكماله وجلاله ووجه الله الذي يواجه به خلقه ، فبمجرد أن سمع أمر الله بالسجود لآدم اخرج فوراً الحسد الذي في قلبه وأبى ، أخرجه بحمية وغضب يعبر عن عظم الأنا التي استعرت في صدره وسعى طويلاً لخدمتها وهو الآن قد امتحن بأمر في غير صالحها ، عن أبي عبد الله (ع) قال : ( إن الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم وكان في علم الله انه ليس منهم ، فاستخرج ما في نفسه بالحمية والغضب ، فقال : خلقتني من نار وخلقته من طين ) ([139]).

فالحسد والغضب وغيرهما من صفات النفس الذميمة ما هي إلا جنود تخدم الأنا وتصرخ للدفاع عنها إذا ما مسّ حريمها ، تصرخ بفعل ينسجم مع كل صفة ذميمة من تلك الصفات فكان الحسد الذي لا يريد للغير أن يتحلى بخير قط بل يرجو زواله لتبقى ( أنا ) صاحبه بارزة ، وكان الغضب الذي ينتصر للأنا ولا يقبل حتى بالنصيحة رغم الباطل الذي يتحلى به صاحبها ، والكذب الذي يبرز ( أنا ) صاحبه رغم جهله العميق بالأمر الذي يتحدث به ، وهكذا في باقي الرذائل كالجبن والبخل وغيرها .

فالمهم كل المهم إبقاء الأنا بارزة بلا خدش أو مساس من أي شيء حتى وان كان كلمة حق قد يستدعي إغفالها نار جهنم ، وليس مهماً بعدها أن يكذِّب بأناه المقيتة هذه آيات الله وملكوته الشاهدة بصدق حججه وخلفائه في أرضه ، وليس مهماً أن يكذِّب داعي الله ولو جاء بقانونه سبحانه في حججه من وصية وعلم وراية ، بل غير مهم أيضاً أن يكذِّب عشرات ومئات روايات آل محمد وهم في كل وصف ذكروه فيها للوصي منهم ما لا تطيق الجبال رده ، كما هو الحال في حجة الله اليماني السيد احمد الحسن (ع) وصي ورسول الإمام المهدي (ع) ، فالمهم أن لا يقال له صحح مسيرتك واتبع من أدان الله خلقه بولايتهم ، كيف وهذه الكلمة تعني فيما تعنيه انه على خطأ الآن وهذا ما لا ترضاه الأنا أبداً ، رغم اعترافه بوصف اليماني في كلام أهل البيت وتحديداً الإمام الباقر (ع) الذي قال عنه بأنه ( يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم ) ([140]) ، الذي يعني أن حال الأمة قبل مجيئه على ضلال فيأتي هو (ع) ليصحح المسير ، ولو كانت الأمة قبله على الحق لما كان ما ذكر ميزة له ، فهل يعقل أن يقال لمن هو سائر على الحق والطريق المستقيم : سيأتيك من يأخذ بيدك إلى الحق والصراط المستقيم ويدعوك إليه ؟!

والإقرار بهذا الحال اضعف الإيمان لا اقل ، وربما يكون مدعاة للبحث في دعوة داعي الحق اليوم ولكنها ( الأنا ) التي تغلق باب طلب الحق والاستماع لكلمته ، فان مجرد الاستماع لأدلة المدعي يعني الصمت أمام متحدث ، وهذا ما لا تقبل به الأنا المقيتة حتى وان كان الناطق هم آل محمد ؟!

( الأنا ) .. من هذه النقطة المقيتة وهذا الداء القاتل - أعاذنا الله منه - ابتدأ أول المعترضين على خلفاء الله في أرضه إبليس ( لعنه الله ) رده للأمر الإلهي بالسجود لآدم (ع) ، فكان التكبر سلاح الأنا الذي رفعه بوجه خليفة الله عندما قاس نفسه إليه فرأى انه قد خلق من نار ومَن اُمر بالسجود له خلق من طين ، فكيف يسجد لمن يرى نفسه أفضل منه حتى وإن كان الآمر هو الله الواحد القهار ؟!

قال الصادق (ع) : ( أول من قاس إبليس واستكبر ، والاستكبار هو أول معصية عصي الله بها   قال : فقال إبليس : يا رب أعفني من السجود لآدم وأنا أعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرب ولا نبي مرسل ، فقال الله تبارك و تعالى : لا حاجة لي إلى عبادتك ، أنا أريد أن أعبد من حيث أريد لا       من حيث تريد فأبى أن يسجد ، فقال الله : فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ          الدِّينِ ) ([141]).

وفي تحديد سبب فشل إبليس في الامتحان بخليفة الله في اليوم الأول ، وكذلك فشل من سار على نهجه في رفض السجود لخلفاء الله كلما بعث منهم احد ، يقول السيد احمد الحسن (ع) : ( إظهار (أنا) المخلوق بشكل جلي يعاقب عليه ، أي انه طالما استبطن مواجهة ربه بـ ( أنا ) فالآن تجلى له في خليفة ليقول : أنا خير منه ، ولم يكن ليجرأ على النطق بها أمام الله القهار ، ولكنه كان ينطق بها في كل آن بنظره المنصبّ على نفسه ، أولئك الذين لا يكادون يرون أيديهم ، أعمتهم الأنا ، فهم كل همهم أنفسهم وما يلائمها وتجنب ما ينافيها ظاهراً .

الآن تجلى لهم الذي خلقهم في خليفته ليظهر على الملأ ما انطوت عليه أنفسهم الخبيثة من إنكار له سبحانه ولفضله ، ولو قربت الصورة أكثر في مثل مادي : فحالهم كمن ركز نظره على نفسه وهو يواجه ربه دون أن ينطق أو يقول : أنا خير ممن خلقني ، أو أن يقول : نفسي أهم عندي ممن خلقني ، ولكن حاله ونظره المنصبّ على نفسه ينطق بهذا ، الآن امتحنه الذي خلقه بمثله - ظاهراً - إنسان فمباشرة نطق بما انطوت عليه نفسه فقالها جهاراً دون حياء : أنا خير منه ) ([142]).

هكذا وبكل جرأة تقال ( الأنا ) من المخلوق في قبال ( هو ) التي تشير إلى الخالق سبحانه ، حتى لما يصل طغيانها إلى مستوى فاضح جلي وعند الامتحان بالخليفة يشهرها المخلوق في محضر خالقه قولاً وفعلاً بعد أن كان حاله ينطق بها قبل الامتحان بالخليفة في كل آن ،  فجاء الامتحان ليكشف ما كان منطوياً عليه قلبه فقال أمام ربه : أنا خير منه ، أي أنا خير من خليفتك ، لا اله إلا الله .. اللهم عفوك يا رب بحق محمد واله الطاهرين .

ومنه يفهم سرّ التركيز على محاربة ( الأنا ) في كلام الطاهرين وادعيتهم ، وهو واضح لمن طالعها ووقف على حِكَمها التي لا غنى للمخلوق عنها ، فقد اتضح أنها الداء الذي ابتلي به إبليس    ( لعنه الله ) عدو ابن ادم القديم ، وبها لا غير كان انحراف من سار على نهجه من أقوام الأنبياء والأوصياء والمرسلين والى يوم القيامة ، وبكلمة واحدة : ( الأنا ) نقطة التقاء كل المعترضين على خلفاء الله في أرضه من ادم (ع) والى آخر خليفة لله في هذه الأرض ، فلا يعديكم عدو الله بدائه ولا يجلبكم بندائه وهو الذي ما تمكن بأناه من اجتياز الامتحان بأولهم .

ولما كان التحلي بمكارم الأخلاق حربة الحق التي تطعن ( الأنا ) في الصميم في جنبتها المتعلقة بالجسد قال سيد خلفاء الله وحبيبه محمد : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ([143]) ، وورد أيضاً: ( تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة ) ([144])، باعتبار أن التفكر حربة الحق الأخرى التي تطعن (الأنا) في جنبتها المتعلقة بالروح ، وهو ما أوضحه السيد احمد الحسن (ع) في إجابته عن سؤال في كيفية محاربة الأنا في كتاب ( المتشابهات ) ([145]).



ماذا بعد فشل إبليس ( لعنه الله ) ؟

لم يكن إنكار إبليس أخزاه الله وفشله في امتحانه بالسجود لخليفة الله أمراً عابراً حدث في وقته وانتهى ، بل المسالة اكبر من ذلك بكثير ؛ ذلك أن المنكر الأول لم ينتهِ بعد وقصته تتكرر كل مرة يبعث الله فيها نبياً أو وصياً ، فهو لعنه الله وإن طرد من رحمة الله بسبب تكبره وعدم سجوده لخليفته إلا أن المنّان العدل سبحانه لم يكن ليضيع عملاً كان قد أتى به صاحبه يوماً ما في هذه الدنيا ، وقد توعد اللعين بإغواء الخلق اجمعهم إلا عباد الله المخلصين ، ولنا جميعاً أن ننظر هذا الحديث لنعتبر به بتوفيق الله وفضله :

عن الإمام الصادق (ع) لما قال الله تعالى لإبليس : ﴿ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ ، قال : ( فقال إبليس : يا رب ، وكيف وأنت العدل الذي لا يجور ولا يظلم ، فثواب عملي بطل ؟! قال : لا ، ولكن سلني من أمر الدنيا ما شئت ثواباً لعملك فأعطيك . فأول ما سأل البقاء إلى يوم الدين ، فقال الله : قد أعطيتك . قال : سلطني على ولد آدم ، فقال : سلطتك . قال : أجرني فيهم كمجرى الدم في العروق ، فقال : قد أجريتك . قال : لا يولد لهم ولد إلا ولد لي اثنان ، وأراهم ولا يروني ، وأتصور لهم في كل صورة شئت ، فقال : قد أعطيتك .

قال : يا رب زدني، قال : قد جعلت لك ولذريتك صدورهم أوطاناً ، قال : رب ، حسبي . فقال إبليس عند ذلك : ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ([146]) ﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ([147]) ) ([148]) ، الشكر لله رب العالمين على حسن قضائه .

إذن ، كم علينا أن نحذر إبليس ومكائده وقد أذن الله تعالى له في أن يتخذ من الصدور موطناً له ، ويجري في ولد ادم الخليفة - الذي أبى واستكبر على السجود له - مجرى الدم في العروق ، ماذا يظن المرء بعد هذا هل يترك عدو الله الإنسان لحاله في إيمانه وإعلان سجوده لخليفة الله عند الامتحان به ، خصوصاً والنفس فيها ما يعين إبليس ويخدم مشروعه في إبعاد الخلق عن السجود لخلفاء الله ، وكيف يسرّه فعل ما فشل به وصار سبباً لطرده من رحمة الله ، ولما كان يعلم بمصيره ومآله أصبح كل همه اخذ اكبر قدر من الناس معه إلى جهنم ، ومعلوم - كما هو في كلام الطاهرين - أن جهنم لا يدخلها موحد والموحدين هم من أدانوا الله بالسجود لحججه وخلفائه في أرضه ، فصار حربهم وتجيش الجيوش للقضاء عليهم وعلى دعواتهم الإلهية وإضلال الناس عنهم هدف إبليس الذي توعد به الخلق منذ اليوم الأول .

ثم إن إصراره وعدم ادخاره جهداً لتحقيق ما توعّد به من إغواء الناس أمر مذهل ، وقد أنظره رب العزة جل جلاله إلى اليوم المعلوم لا يوم البعث الذي طلبه ثواباً على ما أتى به من قبل ، ورغم انه لا يستحق شيئاً لو عومل بعدل الله تعالى ؛ لأن ما أتى به سابقاً كله بفضل الله وقوته ولكنه سبحانه قد منحه ما أراد في هذه الدنيا .

وفي سؤال وجه إلى يماني آل محمد (ع) مفاده : من مبدأ العدالة إذا كان أجير مذنب يُعطى أجرة على عمله ويعاقب على ذنبه ، فإبليس لعنه الله عَبَدَ الله وقتاً طويلاً ، وعن أمير المؤمنين في نهج البلاغة إن إبليس صلى ركعتين في ستة آلاف سنة وأذنب ، فهل ذهبت عبادته أدراج الرياح ، ولم يأخذ أي جزاء عنها ؟

وفي جوابه يقول السيد احمد الحسن (ع) : ( لقد أعطي أجره ، ﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ  يُبْعَثُونَ ([149]) ، فهذا الإنظار له وإعطاؤه الحول والقوة كل هذه المدة الطويلة اوليس أجراً كافياً ؟! هذا إذا كان الأجير أعطى شيء هو له ، أما إذا كان العامل يعمل بحول الله وقوته فهو ليس أجير ، ولا يستحق بحسب العدالة أي جزاء ، فهل يستحق من يعطيك مالك أجراً ؟! ) ([150]).

وأما بخصوص قتاله لعنه الله وبشراسة لإضلال الناس ومنعهم من السير إلى الله بخليفته يقول (ع) نصيحة لأنصاره : ( بينوا للناس طريق الإسلام الصحيح ، لا تتركوا وسيلة يمكن أن تعملوا بها فإن في ذلك فرجكم ، إن إبليس لعنه الله لما كان يعرف أن نهايته في اليوم المعلوم ولما كان يعرف أن لليوم المعلوم بناء لابد أن يكتمل ليأتي هذا اليوم المعلوم ، فإنه يعمل ومنذ يومه الأول الذي خرج فيه عن طاعة الله على أن لا يكتمل هذا البناء ، ألم تسمع قوله : ﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ .

فهذا عدوكم لم يدخر جهداً لإضلال الناس فكيف ندخر جهداً لهدايتهم ، وهل تسمع ما يقول لعنه الله انه سوف يأتي من كل جهة لإضلال الناس ، فإن لم ينفع من بين أيديهم لن يتراجع ولن يقبل بخسارة المعركة بل سيحاول مرة أخرى من خلفهم ، وإن لم تنفع لإضلالهم أيضاً لن يتراجع ولن يقبل بخسارة المعركة بل يأتيهم عن أيمانهم ، وهكذا عدوكم مع انه الباطل والمدافع عن الباطل ولكنه يقاتل بشراسة ليضل الناس ويمنعهم من السير إلى الله ؛ لأنه يعلم أن هذا سيمنع اكتمال البناء ويؤخر اليوم المعلوم الذي تكون فيه نهايته ) ([151]).

فصار السعي لهداية الناس إلى خليفة الله وجعلهم يسجدون كما سجدت الملائكة لآدم (ع) هي أوجع ضربة توجه لإبليس لعنه الله ؛ لأنها تنقض غرضه وتبطل هدفه الذي توعد به ، وفي هذا يقـول (ع) : ( اعملوا بكل ما يمكن فهي معركة مع إبليس هو يريد أن يأخذ اكبر عدد إلى جهنم .. الدنيا سيراها الناس بعد الموت ساعة لم يكادوا أن يعرفوا منها شيء ، هو يريد أن يحقق وعده بغواية الخلق ، فإن لم يكن بإمكانه تأجيل اليوم الموعود فهو يريد أن يحقق وعده بأن يغوي كل من سوى المختارين .

انتصاركم بهداية الناس ، هدايتهم وليس فقط إقامة الحجة عليهم ، اعملوا كل ما يمكنكم لهدايـتهم .. أوصيكم أن تجاهـدوا إبليس بكل ما يمكنكم ، أخزوه واخزوا جنـده من الإنس والجن ) .

وعن السؤال : ما هي أوجع ضربة توجه لإبليس لعنه الله ؟ أجاب (ع) : ( ألم تقرأ في الحديث والأثر إذا سجد ابن آدم اسودّ وجه إبليس .. إن متابعة حجة الله بقدر دقتها يسوّد وجه إبليس .. السجود الذي رفضه إبليس هو الذي يسوّد وجهه ، لقد رفض السجود لخليفة الله وتوعد بإغواء الناس وأن يحملهم على رفض السجود لخليفة الله ، فما هو الذي يسود وجهه أكثر من نقض غايته وهدفه .

إذن فهو ما قلته أولاً ، اعملوا على هداية الناس ، اجعلوهم يسجدون كالملائكة واخزوا إبليس الذي يريد منهم متابعته في رفض السجود لخليفة الله ) ([152]).

ولابد أن يعلم أن ما أعطي إبليس أخزاه الله إنما هو في هذه الحياة الدنيا دار الابتلاء والامتحان وليس له في الآخرة نصيب ، كذا من آثر طاعته على طاعة الله واعترض على خلفاء الله واستكبر على طاعتهم والسجود لهم ليس له في دار القرار شيء يذكر ، فهي دار ادخرها سبحانه الآخرة لأوليائه وعباده المخلصين الذين كتب لهم النجاح في اجتياز الامتحان بخلفائه ، ولم يقعوا فريسة لإبليس الذي يزين الانحراف لهم بمكره ومكائده ، قال تعالى : ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ([153]).

وفي بيان الآية الكريمة عبر نصيحة خرجت منه روحي فداه قال السيد احمد الحسن (ع): ( لم يقل الله : نصيب من الدار الآخرة ، ولم يقل : نجعل له نصيب من الدار الآخرة ، بل قال : ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ أي الدار الآخرة بما فيها يجعلها لهؤلاء ، أي أنهم ملوك الآخرة ، فهؤلاء هم آل محمـد وخاصة شيعتهم ، فاعملوا أن تكونوا منهم وإلا فلا أريد أن أرى صوركم وانتم تتبعون أهواءكم .

وفي نهاية الآية قال تعالى : والعاقبة للمتقـين ، والمتقون هم آل محمـد ، وقد قال الصـادق (ع) لمن قرأ ﴿ واجعلنا للمتقين إماماً ([154]) : لقد طلبوا عظيماً إنما هي : ﴿ واجعل لنا المتقين إماماً .

فما هي الأمور التي يعملها الإنسان ليكون من هؤلاء ؟

﴿ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ، أي أن لا يمر بخاطرك انك خير من احد ؟ ولا تفضّل نفسك على احد . لا يريدون علواً ولا فساداً ، لا يريدون الفساد وليس لا يعملون الفساد ، في آيات أخرى قال تعالى : ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا .. ([155]) ، أما هنا في هذه الآية ليس لا يفسدون بل لا يريدون الفساد ، أي لا يمر بخاطرهم الفساد ، ولا يخطر ببالهم الفساد ) .

هنيئاً لمن تدبر فاتعظ وسمع أو قرأ فوعى وخير القلوب أوعاها ، والحمد لله رب العالمين .

* *  * *  * *



( 3 )

إمهال إبليس ( لعنه الله ) إلى اليوم المعلوم

قال تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ  أَجْمَعِينَ ([156]).

بعد عصيانه واستكباره على الأمر الإلهي بالسجود لخليفة الله اُنظِر إبليس ولم يمنح الإمهال إلى الوقت الذي طلبه ( يوم البعث ) وإنما إلى يوم الوقت المعلوم ، وكان سبب إنظاره ما سبق من عبادته ، عن الحسن بن عطية ، قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : ( إن إبليس عبد الله في السماء الرابعة في ركعتين ستـة آلاف سنة ، وكان من إنظار الله إياه إلى يوم الوقـت المعلـوم بما سبق من تلك العـبادة ) ([157]).

وبالرغم من أنّ تلك العبادة كانت لأجل الدنيا والتمكين من الإمهال ولم تكن خالصة لله سبحانه كما يقول أمير المؤمنين (ع) : ( ..  فإنه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام ، لم يرد بها غير زخرف الدنيا ، والتمكين من النظرة ... ) ([158])، إلا انه سبحانه ما كان ليضيع عمل عامل ، فان كان للدنيا فلا يضيعه في الدنيا وان كان للآخرة فهو محفوظ له هناك ، فتبارك الله العدل الوهاب .

فهبط إبليس ( لعنه الله ) وهو يحمل عار الإباء والتكبر على الله تعالى بتكبره على السجود لخليفته ، فكان من مسكنه وقراءته وطعامه وشرابه وبيته ومجلسه في هذه الأرض ما يبينه لنا الحديث الآتي :

جاء في الأثر أن إبليس تكلم وقال : ( يا رب إنك أغويتني وأبلستني ، وكان ذلك في سابق علمك فأنظرني إلى يوم يبعثون . قال : ﴿ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ .. قال : إنك أنظرتـني ، فأين مسكـني إذا هبطت إلى الأرض ؟ قال : « المزابـل » . قال : فما قراءتي ؟ قال : « الشعر » . قال: فما مؤذني ؟ قال : « المزمار » . قال : فما طعامي ؟ قال : « ما لم يذكـر عليه اسمي » . قال : فما شرابي ؟ قال : « الخمور جميعها » . قال : فما بيتي ؟ قال : « الحمام » . قال : فما مجلسي ؟ قال : « الأسواق ، ومحافل النساء النائحات » . قال : فما شعاري ؟ قال : « الغناء » . قال : فما دثاري ؟ قال : « سخطي » . قال: فما مصائدي ؟ قال: « النساء » .

قال إبليس : لا خرجت محبة النساء من قلبي ، ولا من قلوب بني آدم ، فنودي : يا ملعون ، إني لا أنزع التوبة من بني آدم حتى ينزعوا بالموت ، فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين .

فقال آدم : يا رب ، هذا عدوي وعدوك أعطيته النظرة ، وقد أقسم بعزتك أنه يغوي أولادي ، فبم أحترز عن مصائده ومكائده ؟ فنودي : يا آدم ، قد مننت عليك بثلاث خصال : واحدة لي ، وواحدة لك ، وواحدة بيني وبينك ، أما التي لي فهي أن تعبدني ولا تشرك بي شيئاً ، وأما التي لك فهو ما عملت من صغيرة وكبيرة من الحسنات فلك الحسنة بعشر أمثالها والعشر بمائة والمائة بألف وأضعفها لك كالجبال الرواسي، وإن عملت سيئة فواحدة بواحدة ، وإن أنت استغفرتني غفرتها لك وأنا الغفور الرحيم . وأما التي بيني وبينك فلك الدعاء والمسألة ومني الإجابة ، فابسط يديك فادعني فإني قريب مجيب ... ) ([159]).

هبط ( لعنه الله ) وكل همه حرف الناس عن السجود لخلفاء الله في أرضه وحملهم على الاعتراض عليهم بكل ما أوتي من قوة ، خصوصاً وأنّ سجوده السابق قبل الامتحان لم يكن إلا لنيل هذا التمكين والإمهال لمحاربة خلفاء الله بجيوش البشر العملاقة التي توعد بإغوائها جميعاً ما خلا عباد الله المخلصين الذين رفضوا الانقياد له واختاروا بفضل الله السير والسجود لدعاة الحق والصراط المستقيم ، فكان علياً (ع) مضرب مثل الرحمن تقدست آلاؤه في الآيات المتقدمة عند قول إبليس : ﴿ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، فأجابه الحق سبحانه : ﴿ قَالَ هَذَا صِرَاطُ عليٍّ مُسْتَقِيمٌ ، وليس ( صراطٌ علَيَّ ) وهو ما ذكره آل محمد عدل القران ، وما بعد قولهم إلا الضلال والحسد لآل محمد خلفاء الله في أرضه بل سادتهم ، فلا يعديكم إبليس بدائه ، وهذه نماذج مما قالوه :

عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين ، عن أبيه ، قال : ( قام عمر بن الخطاب إلى النبي ، فقال : إنك لا تزال تقول لعلي بن أبي طالب : أنت مني بمنزلة هارون من موسى وقد ذكر الله هارون في القرآن ولم يذكر علياً ؟ فقال النبي : يا غليظ ، يا أعرابي ، إنك‏ ما تسمع الله يقول : هذا صراطُ عليٍّ مستقيم ) ([160]).

فهل تخطِّئون رسول الله - والعياذ بالله - وقد استشهد بالآية لعلي (ع) ، أم تصرّون على الاستنان بسنة عمر ( لعنه الله ) الذي أقسم به إبليس بقوله : ( ربِّ بما أغويتني ) ([161]) ، ومعلوم أن ( ما ) تستعمل لغير العاقل وقد ورد في كلام أهل البيت أن عمر يمثل الجهل كله .

نعم ، أبى إبليس السجود لآدم (ع) ولكن لما جاء سيد خلفاء الله بعد محمد اشتدت المواجهة بين خط الساجدين الذي يقوده خليفة الهي دائماً وخط المعترضين الذي يقوده إمام ضلال دائماً ، جاء كبير أئمة الضلال ( عمر لعنه الله ) الذي استنجد به إبليس - وقد أقسم به في الآية عند توعده بإغواء الخلق كلهم إلا المخلصين - لمواجهة سيد خلفاء الله بعد حبيبه محمد وهو علي أمير المؤمنين (ع) الذي ذكره الله تعالى في الآية التي تليها مباشرة ﴿ قَالَ هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيمٌ ، فسلام على من ذكره الله تعالى مثلاً لخط الساجدين بل إمامهم بعد الساجد الأول حبيب الله ورسـوله ، وسلام على مثَلَك اليوم الذي سيتضح بعد قليل .

وعن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد الله (ع) قال : ( هذا صراطُ عليٍّ مستقيم ) ([162]) ، وواضح أن الإمام الصادق (ع) يريد أن يصحح ما تقرأه الناس دفعاً لحق علي (ع) في كتاب الله حسداً وبغضاً ، وهو ما أوضحه (ع) في أحاديث أخرى ، فعن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي عبد الله (ع) قال : سألته عن قول الله U :﴿ قالَ هذا صِراط عَليّ مُسْتَقِيمٌ ، قال : ( هو - والله - علي (ع)، هو - والله - الميزان والصراط المستقيم ) ([163]).

وعن عبد الله بن أبي جعفر ، عن أخيه جعفر الصادق (ع) ، عن قوله : ﴿ هذا صِراط عَليّ  مُسْتَقِيمٌ ، قال : ( هو أمير المؤمنين (ع) ) ([164]).

وبعد هذا ، مَن الذي نوّن كلمة ( صراط ) في الآية وقد كان حقها الضم ؟ ومَن الذي جعلها منكّرة بالتنوين وكان حقها أن تكون معرّفة بإضافة علي (ع) لها ؟ ومتى كان صراط الله تعالى نكرة لا يعرف لتكون كل هذه الجرأة بتنكيره ، أ كلّ هذا لزحزحتها عن أمير المؤمنين وسيد المتقين (ع) ؟!!

ثم مَن الذي حرّك كلمة ( علي ) فيها وجعلها تُقرأ ( علَيَّ ) دفعاً لها عن أمير المؤمنين (ع) ، وهي بوضوح تذكر اسمه كما رأينا بعض ما قاله الطاهرون محمد واله ، من فعل ذلك ؟!!

حقاً أن إبليس ( لعنه الله ) جاد في وعده بإغواء أكثر الناس عن خلفاء الله في أرضه ودعوتهم لرفضهم والاعتراض عليهم ، وما ذكر نموذج - من بين الأمثلة التي يصعب حصرها - لأفعاله التي يريد بها إغواء الناس عن سادة الخلق ( آل محمد ) وتحريف ما جاء في حقهم من ربهم تكرّماً وفضلاً ، وقد قام بتنفيذ هذا المخطط هذه المرة جند إبليس الذين ما آمنوا برسالة محمد يوماً ، وتعاهدوا على زحزحتها عمن اصطفاهم الله حججاً على خلقه علياً وأولاده الأئمة والمهديين ، وأكمل اللغويون المشوار بعدهم فلوّنوا الحركات بخطٍ واضح ؛ ظنّاً منهم أنهم قادرون على إطفاء نور الله ، والله يأبى إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون بخلفاء الله الآبين السجود لهم تأسياً بإبليس ، ولذا اُمرنا أن نقرأ كتاب الله كما يقرأ الناس إلى حين مجيء القائم (ع) .

عن سالم بن أبي سلمة قال : قرأ رجل على أبي عبد الله (ع) وأنا أسمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأها الناس ، فقال أبو عبد الله (ع) : ( مه مه ! كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم ، فإذا قام أقرأ كتاب الله على حدّه ، وأخرج المصحف الذي كتبه علي ) .

وقال : ( أخرجه علي (ع) إلى الناس حيث فرغ منه وكتبه فقال لهم : هذا كتاب الله كما أنزله الله على محمد وقد جمعته بين اللوحين ، فقالوا : هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن ، لا حاجة لنا فيه ، قال : أما والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبداً ، إنما كان علي أن أخبركم به حين جمعته لتقرأوه ) ([165]).

وكيف يقبلوه وفيه ما لا يخدم مخططهم الذي تعاهدوا عليه في إقصاء خلفاء الله الحقيقيين ، أما وقد جاء اليوم قائم آل محمد ويمانيهم ( السيد احمد الحسن (ع) ) فستظهر الحقيقة ويُقرأ القرآن على تنزيله الذي أراده الله تعالى ، وستسجد البشرية طوعاً وكرهاً لخلفاء الله وسادتهم ، ويُخزى إبليس ( لعنه الله ) وينكص على عقبيه لما يرى كل جهده الجهيد كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف في يوم الله المعلوم الذي يقوم فيه قائم آل محمد وقائد جيش الغضب الإلهي بجنده وهو المعدّ لقطع دابر الظلمة الكفرة .

فاليوم المعلوم الذي اُنظر إليه إبليس ( لعنه الله ) هو يوم قيام القائم (ع) ، عن جابر بن يزيد ، عن أبي جعفر (ع) في قوله U : ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ، [قال‏] : ( يعني بهذه الآية إبليس اللعين خلقه وحيداً من غير أب ولا أم ، وقوله : ﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً يعني هذه الدولة إلى يوم الوقت المعلوم ، يوم يقوم القائم (ع) ، ﴿ وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ   أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً ([166]) يقول : معانداً للأئمة ، يدعو إلى غير سبيلها ، ويصد الناس عنها وهي آيات الله ) ([167]).

وعن وهب بن جميع مولى إسحاق بن عمار ، قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن قول إبليس : ﴿ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قال له وهب : جعلت فداك ، أي يوم هو ؟ قال : ( يا وهب ، أ تحسب أنه يوم يبعث الله فيه الناس ؟ إن الله أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا ، فإذا بعث الله قائمنا كان في مسجد الكوفة ، وجاء إبليس حتى يجثو بين يديه على ركبتيه ، فيقول : يا ويله من هذا اليوم ، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه ، فذلك اليوم هو الوقت المعلوم ) ([168]).

اليوم المعلوم إذن هو قيام القائم (ع) ، فهي المدة التي قضاها الحق سبحانه لانقضاء مهلة إبليس     ( لعنه الله ) ، ولذا صار كل همه وسعيه حرف الناس عن نصرة القائم (ع) بعد استنهاض كل طاقاته واستنفار جنده من الإنس والجن جميعاً لحمل الناس على حرب المعدّ لقطع دابر الظلمة المتكبرين على الله تعالى ورفض حاكميته المتمثلة بطاعة خلفاء الله في أرضه .

وليس غريباً بعد هذا أن نقرأ في كلماتهم ما سيفعله إبليس وجنده وخصوصاً العلماء غير العاملين - فهي عادتهم كلما يبعث داعي الله وقد فعلوا كثيراً وسيفعلون – من فعلات لإضلال الناس وتحشيدهم لقتال آل محمد ، وفي صيحته وندائه الذي يأتي بعد صيحة الحق مثالاً .

صيحة إبليس ( لعنه الله ) :

عن زرارة ، عن أبي عبد الله (ع) قال : ( ينادي مناد باسم القائم (ع) )، قلت : خاص أو عام ؟ قال : ( عام ، يسمع كل قوم بلسانهم ) قلت : فمن يخالف القائم (ع) وقد نودي باسمه ؟ قال : ( لا يدعهم إبليس حتى ينادي فيشكك الناس ) ([169]).

وعن عبد الله بن سنان ، قال : كنت عند أبي عبد الله (ع) ، فسمعت‏ رجلاً من همدان يقول له: إن هؤلاء العامة يعيرونا ويقولون لنا : إنكم تزعمون أن منادياً ينادي من السماء باسم صاحب هذا الأمر وكان متكئاً ، فغضب وجلس ، ثم قال : ( لا ترووه عني وارووه عن أبي ولا حرج عليكم في ذلك ، أشهد أني قد سمعت أبي (ع) يقول : والله إن ذلك في كتاب الله U لبين ، حيث يقول : ﴿ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ([170]) ، فلا يبقى في الأرض يومئذ أحد إلا خضع وذلت رقبته لها ، فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء : ألا إن الحق في علي بن أبي طالب وشيعته .

قال : فإذا كان من الغد صعد إبليس في الهواء حتى يتوارى عن أهل الأرض ، ثم ينادي : ألا إن الحق في عثمان بن عفان وشيعته ، فإنه قتل مظلوماً فاطلبوا بدمه .

قال : فيثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت على الحق وهو النداء الأول ، ويرتاب يومئذٍ الذين في قلوبهم مرض ، والمرض والله عداوتنا ، فعند ذلك يتبرءون منا ويتناولونا ، فيقولون : إن المنادي الأول سحر من سحر أهل هذا البيت ) ثم تلا أبو عبد الله (ع) : ﴿ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ([171]) ) ([172]).

واضح أن الرواية الشريفة لا تتحدث عن المنحرفين عن ولاية آل محمد منذ أول زمان الإسلام فهم متبرئون من خلفاء الله وأوصياء نبيه منذ ذلك الحين وملبّين لإبليس نداءه ، فلا تضيف إلى باطلهم شيئاً صعدتُه ونداؤه لتشكيك الناس بالقائم (ع) بالصيحة الثانية التي تأتي مباشرة بعد صيحة الحق الأولى ، فالرواية توصف المرتابين بأنهم يتبرؤون من أهل البيت - والعياذ بالله - بعد سماع صوت إبليس ، وهو يعني أنهم لا اقل يدعون ولايتهم للطاهرين إلى فترة نداء إبليس بمظلومية عثمان ، إذ يقول الإمام (ع) : ( فعند ذلك ) أي عند صعود إبليس في الهواء وندائه ( يتبرؤون منا ويتناولونا ... ) ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، هذا أولاً .

وثانياً : إذا كان القوم - أو لا اقل من ضمن القوم الذين يسمعون - شيعة يدعون ولاية أهل   البيت ، فما بالهم يشككون بالصيحة الأولى التي ذكرت علياً (ع) وشيعته ؟! ثم كيف يسمحوا لأنفسهم أن يشكوا في ذلك بسبب صيحة إبليس التي تنادي بمظلومية عثمان وقتله ؟! وهل يخطر ببال موالٍ لأمير المؤمنين (ع) الارتياب لمثل ذلك ؟

أمّا أن في القوم السامعين لنداء إبليس شيعة فهذا مما لا شك فيه ، بدليل ما ذكرته الرواية الشريفة وتم إيضاحه في الفقرة الأولى ، إذن أين المشكلة ؟

المشكلة أن الأمة - وخصوصاً التي تدعي ولاية آل محمد - قد ابتعدت عنهم وتركت استقاءها من عذب فراتهم ، وآثرت الاستقاء من آجن ممن اختاروهم أئمة بأهوائهم وتركوا من اختارهم الله أئمة لهم ، فتاهوا وضاعوا ، والآن فلنستمع لآل محمد وهم يتحدثون عن جواب ذلك عساه يكون عبرة لمعتبر قبل فوات الأوان ، وسيكون مختصراً لئلا يخرج البحث عن قصده .

ورد في رواياتهم روحي فداهم ما يذكر صيحة الحق بعدة مضامين ، هذه بعضها ([173]) :

1-    عن أبي جعفر (ع) : ( ينادي منادي باسم القائم واسم أبيه ) .

2-    عن أبي جعفر (ع) : ( ألا إن المهدي من آل محمد فلان بن فلان ) .

3-    عن أبي عبد الله (ع) : ( إن فلان هو الأمير ) .

4-    عن أبي عبد الله (ع) : ( ألا أن فلان صاحب الأمر فعلامَ القتال ) .

5-    عن أبي عبد الله (ع) : ( فيم القتل والقتال … صاحبكم فلان ) .

6-    عن أبي عبد الله (ع) : ( ألا إن الحق في علي بن أبي طالب ) .

7-    عن أبي عبد الله (ع) : ( وينادي منادي أن علياً وشيعته هم الفائزون ) .

لابد أن يعلم قبل كل شيء أن الإمامين الهمامين الباقر والصادق عليهما السلام يتحدثان عن شخص واحد ستكون إحدى آياته ودلائله الصيحة الأولى الدالة عليه ، وأنهما عليهما السلام بصدد اصطناع الأمة المعدودة وتعريفها بقائدها كما مرّ في التمهيد عند استعراض فضّ كل واحد من الأوصياء الختم الذي يخصه في الوصية المقدسة والعمل بما فيه ، ولا يصح أن يخطر في بال احد ليتوهم أنّ ما ذكر من المضامين التي تخص صيحة الحق ونداءه في كلام الإمامين أنهما يتكلمان عن عدة أشخاص ، فان راية الحق ترفع من قبل واحد لا أكثر والحق لا يتعدد ، فمن هو المنادى باسمه والذي وصِف بأنه : ( القائم ، والمهدي ، والأمير ، وصاحب الأمـر ، وصاحبكم ، وانه علـي بن أبي طالب (ع) ) ؟

كما أن المنادى باسمه ليس هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) بشخصه ، وإلا فلماذا يرتاب من يدعي انه من شيعته بليلة واحدة تفصل بين النداء الأول ونداء إبليس في الغد مباشرة ، والذي يكون سبباً ليس فقط لعدم نصرة داعي الحق بل للبراءة من أهل البيت  وتناولهم والعياذ بالله ؟ وهل يزيد ذكر اسم علي (ع) بنداء الهي وسماعه ممن يواليه إلا إيماناً وتصديقاً ، فما بال القوم إذن سرعان ما يتبرؤون بل يقولون انه من سحر أهل هذا البيت ، ومن يجرؤ على قول ذلك ممن يدعي انه موالٍ له ولأولاده الطاهرين ؟!

إنه مَثَل علي (ع) في زمنه وقطعة منه وروحه ، والإمام المهدي محمد بن الحسن (ع) وان كان كذلك روحي فداه لكنه الآخر غير مقصود بالمنادى ؛ ذلك أنّ ما قلناه في أبيه أمير المؤمنين (ع) يأتي فيه فمَن من الشيعة سيستمع إلى صيحة إبليس ( لعنه الله ) إن كانت الصيحة باسم الإمام (ع) ، ومن منهم لا يزيده ذكر اسم الإمام (ع) إيماناً ، في حين أن الرواية تقرر حقيقة خطرة للغاية وهي التبرّي منهم   - والعياذ بالله - بعد سماع نداء إبليس أخزاه الله ، بمعنى أن الصيحة ستكون حداً فاصلاً في إعلان جماعة - وهم كثر كما سيتضح -كانوا يدّعون مولاة آل محمد براءتهم منهم باستماعهم للنداء الثاني ورفضهم الأول ، أو بالأحرى لرفضهم واعتراضهم على من يكون النداء الإلهي به .

فمن هو إذن ؟

هو مَثَل علي (ع) في وصية رسول الله  ليلة وفاته والذي خصه جده المصطفى بمقطع من وصيته المباركة وركّز على ذكر أسمائه وصفاته كتركيزه على أول الأئمة الاثني عشر ، انه أول المهديين الاثني عشر وأول المؤمنين بابيه كما كان جده أمير المؤمنين (ع) أول المؤمنين برسول الله ، وأن يكون أولُ مؤمن بالحجة في وقته هو الوصي ولا يسبقه بالإيمان به احد حقيقةً لا ينبغي التشكيك فيها من قبل مؤمن بالله ورسله ، فهي سنة الله في حججه ولن تجدوا لسنته سبحانه تبديلاً ولا تحويلاً .

( احمد ، وعبد الله ، والمهدي ) أسماؤه التي خصه بها جده رسول الله في وصيته .. ( ابن الإمام المهدي ، وأول مقرب إليه ، وأول مؤمن به ) صفاته التي تميز بها في الوصية المقدسة .. وإذا ما قارنّا ذلك بمضامين صيحة الحق ، فهو - أي وصي الإمام أحمد عليهما السلام – إذن :

القائم .. وكل آل محمد قوّام بالحق ، لكنه القائم الذي سيبتلى به الناس في زمن الظهور المقدس ، والذي ورد في حقه انه علامة حتمية لظهور الإمام (ع) ، فعن الثمالي قال : قلت لأبي عبد الله (ع) إن أبا جعفر (ع) كان يقول : خروج السفياني من المحتوم ، والنداء من المحتوم ، وطلوع الشمس من المغرب من المحتوم وأشياء كان يقولها من المحتوم ، فقال أبو عبد الله (ع) : ( واختلاف بني فلان من المحتوم وقتل النفس الزكية من المحتوم ، وخروج القائم من المحتوم .. ) ([174]).

وليس بخافٍ أن العلامة شيء ومن تدل عليه العلامة شيء آخر ، وقد جُعل القائم هنا علامة حتمية لظهور الإمام المهدي (ع) لا انه الإمام نفسه ، فكيف يكون الشيء علامة حتمية لنفسه ؟

والمهدي .. الذي سينادى باسمه ويقال : ( ألا إن المهدي من آل محمد ) .. وإلا فهل يشك احد من الشيعة وهم يستمعون النداء الإلهي في أن الإمام المهدي (ع) من آل محمد حتى يكون النداء الثاني - وهو لإبليس - ذا تأثير اكبر ويحصل التبرّي من آل محمد ؟!

روى حذلم بن بشير قال : قلت لعلي بن الحسين (ع) : صف لي خروج المهدي وعرفني دلائله وعلاماته فقال : ( يكون قبل خروجه خروج رجل يقال له عوف السلمي بأرض الجزيرة ويكون مأواه تكريت وقتله بمسجد دمشق ، ثم يكون خروج شعيب بن صالح من سمرقند ، ثم يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس ، وهو من ولد عتبة بن أبي سفيان ، فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي ثم يخرج بعد ذلك ) ([175]).

ومعلوم أن الرواية لا تتحدث عن الإمام المهدي (ع) لأنه أساساً ليس بظاهر قبل السفياني ليختفي بعد ظهوره ، بل السفياني نفسه علامة حتمية على ظهور الإمام (ع) . فالمهدي هنا يقصد به أول المؤمنين بالإمام المهدي (ع) ووصيه ، وهو احمد الذي ذكره رسول الله  في وصيته وأعطاه اسم المهدي أيضاً.

وهو الأمير .. أمير جيش الغضب الذي ولّي البيعة من قبل أبيه ( الملك ) روحي فداه ، فهو قائد جيشه ووصيه ورسوله إلى الناس ويمينه ويمانيه ، وقد عرفنا سابقاً أن أسماء من يبايع بين الركن والمقام بنص حديث رسول الله - وبعد عرضها على الوصية المقدسة - هي أسماؤه سلام الله عليه .

وأيضاً :

8-   روى السيد ابن طاووس : ( قال أمير الغضب ليس من ذي ولا ذهو لكنهم يسمعون صوتاً ما قاله إنس ولا جان بايعوا فلاناً باسمه ليس من ذي ولا ذهو ولكنه خليفة يماني ) ([176]).

9- وقال : ( فيجتمعون وينظرون لمن يبايعونه فبيناهم كذلك إذا سمعوا صوتاً ما قال إنس ولا جان بايعوا فلاناً باسمه ليس من ذي ولا ذه ولكنه خليفة يماني ) ([177]).

وهو نفسه الخليفة اليماني الذي ذكره الإمام الباقر (ع) ووصفه بأنه صاحب أهدى الرايات الذي يدعوكم إلى الإمام المهدي (ع) ، وبيّن وجوب النهوض إليه واستحقاق النار عند الالتواء عليه ، فهو إذن خليفة الهي ومعصوم بنص نفس الحديث الشريف ، وبه سيكون النداء .

وصاحب الأمر .. الذي ذكره الإمام الباقر (ع) وهو يعدد سننه من الأنبياء ، عن أبي بصير ، قال : سمعت أبا جعفر (ع) يقول : ( في صاحب الأمر سنة من موسى وسنة من عيسى وسنة من يوسف وسنة من محمد ، فأما من موسى فخائف يترقب ، وأما من عيسى فيقال فيه ما قيل في عيسى ، وأما من يوسف فالسجن والتقية ، وأما من محمد فالقيام بسيرته وتبيين آثاره ، ثم يضع سيفه على عاتقه ثمانية أشهر ولا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله . قلت : وكيف يعلم أن الله U قد رضي ؟ قال : يلقي الله U في قلبه الرحمة ) ([178]) .

فواضح أنها لا تتحدث عن الإمام المهدي (ع) ، فهو وان كان صاحب الأمر أيضاً إلا انه لا يسجن كما هو معلوم ، ثم إن من ورد في وصفه في الرواية بأنه يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر هو من يقوم بالسيف قبل الإمام (ع) لقتال السفياني وجيشه ، وهذه وظيفة اليماني كما قررته روايات الطاهرين .

وعن ضريس الكناسي قال : سمعت أبا جعفر (ع) يقول : ( إن صاحب هذا الأمر فيه سنة من يوسف : ابن أمة سوداء يصلح الله أمره في ليلة واحدة ) ([179]) ، ومعلوم أن الإمام المهدي (ع) أمه نرجس وهي بنت قيصر الروم وحفيدة وصي عيسى (ع) وليست سوداء .

وهو مَثَل علي بن أبي طالب (ع) اليوم بعد أن كان أبيه الإمام المهـدي (ع) مَثَل جده المصطفـى ، فعن أبي مروان قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله U : ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ([180])، قال : فقال لي : ( لا والله ، لا تنقضي الدنيا ولا تذهب حتى يجتمع رسول الله وعلي بالثوية ، فيلتقيان ويبنيان بالثوية مسجداً له اثنا عشر ألف باب ) ، يعني موضعاً بالكوفة ([181]) .

إن هذا المسجد الذي سيبنى له علاقة بالقائم (ع) كما لا يخفى ، فعن مفضل بن عمر قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : ( إن قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها ، واستغنى العباد من ضوء الشمس ، ويعمر الرجل في ملكه حتى يولد له ألف ذكر ، لا يولد فيهم أنثى ، ويبني في ظهر الكوفة مسجداً له ألف باب ويتصل بيوت الكوفة بنهر كربلاء وبالحيرة ، حتى يخرج الرجل يوم الجمعة على بغلة سفواء يريد الجمعة فلا يدركها ) ([182]) .

لأن الصلاة خلفه تعدل الصلاة خلف رسول الله ، فعن أبي جعفر (ع) في خبر طويل :       ( يدخل المهدي الكوفة ، وبها ثلاث رايات قد اضطربت بينها ، فتصفو له فيدخل حتى يأتي المنبر ويخطب ، ولا يدري الناس ما يقول من البكاء .. فإذا كانت الجمعة الثانية ، قال الناس : يا ابن رسول الله الصلاة خلفك تضاهي الصلاة خلف رسول الله والمسجد لا يسعنا فيقول : أنا مرتاد لكم فيخرج إلى الغري فيخط مسجداً له ألف باب يسع الناس عليه أصيص ، ويبعث فيحفر من خلف قبر       الحسين (ع) لهم نهراً يجري إلى الغريين حتى ينبذ في النجف .. ) ([183]).

وهو رجل من علي (ع) ، بل إنّ أمير المؤمنين (ع) يعتبر فعلَه فعلُه ، عن عباية الأسدي قال : سمعت أمير المؤمنين(ع) وهو مشنكى - كذا في المصدر - وأنا قائم عليه : ( لأبنين بمصر منبراً ، ولأنقضن دمشق حجراً حجراً ، ولأخرجن اليهود والنصارى من كل كور العرب ، ولأسوقن العرب بعصاي هذه ، قال : قلت له : يا أمير المؤمنين كأنك تخبر أنك تحيى بعد ما تموت ؟ فقال : هيهات يا عباية ذهبت في غير مذهب يفعله رجل مني ) ([184]).

وإذا كان فعله هو فعل أمير المؤمنين (ع) فالصيحة باسمه يعني الصيحة باسم علي (ع) ، ويعرف بعد هذا معنى ما ورد في الصيحة بـ ( أن الحق مع علي ) أو ( علي وشيعته هم الفائزون ) ، ويتضح سبب تأثر الناس بالنداء الثاني وتبرئهم من أهل البيت والعياذ بالله ؛ ذلك أن الصيحة ستكون باسم من هو مَثَل أمير المؤمنين (ع) اليوم وبراءتهم منه يعني براءتهم من أمير المؤمنين (ع) وأهل البيت كلهم ؛ لان المنكر لآخرهم كالمنكر لأولهم ، هكذا شاء الله .

وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد ، عن آبائه ، قال : ( زاد الفرات على عهد أمير       المؤمنين (ع) فركب هو وابناه الحسن والحسين فمر بثقيف ، فقالوا قد جاء علي يرد الماء ، فقال علي (ع) : أما والله لاُقتلن أنا وابناي هذان وليبعثن الله رجلاً من ولدي في آخر الزمان يطالب بدمائنا ، وليغيبن عنهم ، تمييزاً لأهل الضلالة حتى يقول الجاهل : ما لله في آل محمد من حاجة ) ([185]).

وليس هو الإمام المهدي لأنه (ع) يظهر في آخر الزمان لا انه يبعث ، فبعثته بعد شهادة أبيه الإمام العسكري (ع) والأرض لا تخلو من حجة كما هو واضح ، كما أن غيبته متأخرة عن بعثته ، في حين أن من يتحدث عنه أمير المؤمنين (ع) من ولده ستكون بعثته في آخر الزمان وغيبته بعد بعثته وطلبه بدماء آبائه الطاهرين .

وكذلك : عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (ع) أنه قال وهو يتحدث عن راية القائم (ع) : ( ... وهي عندنا هناك لا ينشرها أحد حتى يقوم القائم (ع) فإذا قام نشرها فلم يبق في المشرق والمغرب أحد إلا لعنها ، ويسير الرعب قدامها شهراً ، [ ووراءها شهراً ] وعن يمينها شهراً ، وعن يسارها شهراً . ثم قال : يا أبا محمد إنه يخرج موتوراً غضبان أسفاً ، لغضب الله على هذا الخلق عليه قميص رسول الله الذي كان عليه يوم احد ، وعمامته السحاب ، ودرع رسول الله السابغة ، وسيف رسول الله ذو الفقار ، يجرد السيف على عاتقه ثمانية أشهر يقتل هرجاً . فأول ما يبدأ ببني شيبة فيقطع أيديهم ويعلقها في الكعبة ، وينادي مناديه هؤلاء سراق الله ، ثم يتناول قريشاً فلا يأخذ منها إلا السيف ، ولا يعطيها إلا السيف ولا يخرج القائم (ع) حتى يقرأ كتابان كتاب بالبصرة ، وكتاب بالكوفة بالبراءة من علي (ع) ) ([186]).

ومرة أخرى يقف المرء مذهولاً أمام الحقيقة التي تذكرها الرواية وهي التبرؤ من علي (ع) في مدينتين يدعي أهلها التشيع كما هو معلوم ، ولكن إذا ما ضممناها إلى ما تقدم وما سيأتي من روايات شريفة يتبين المراد ، وأنّ من يُقرأ الكتاب باسمه في الكوفة والبصرة هو مَثَل علي (ع) ومَن يكون فعله فعل جده (ع) ، كما تقدم توضيحه .

وهذا الولد الطاهر من آل البيت ( القائم احمد (ع) ) هو نفسه الذي عناه أمير المؤمنين أيضاً في حديثه للأصبغ بن نباتة لما رآه متفكراً في أمر هذا الولد منهم الذي يبعث في آخر الزمان ، قال : أتيت أمير المؤمنين (ع) فوجدته ينكث في الأرض فقلت له : يا أمير المؤمنين مالي أراك مفكراً تنكت في الأرض أرغبة منك فيها ؟ قال : ( لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا قط ولكني تفكرت في مولود يكون من ظهر الحادي عشر من ولدي هو المهدي الذي يملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، يكون له حيرة وغيبة تضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون . قلت: يا مولاي فكم تكون الحيرة والغيبة  ؟ قال : ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين ، فقلت : وإن هذا الأمر لكائن ؟ فقال : نعم كما أنه مخلوق ، وأنى لك بهذا الأمر يا أصبغ ، أولئك خيار هذه الأمة مع أبرار هذه العتـرة ، قال : قلت : ثم ما يكون بعد ذلك ؟ قال : يفعل الله ما يشاء فإن له بداءات وإرادات وغايات ونهايات ) ([187]).

فهو إذن ابن الإمام المهدي (ع) ومن أهل بيته الذي يأتي قبله ، فعن أمير المؤمنين (ع) قال : ( إذا بعث السفياني إلى المهدي جيشاً يخسف به بالبيداء وبلغ ذلك أهل الشام قالوا لخليفتهم قد خرج المهدي فبايعه وأدخل في طاعته وإلا قتلناك فيرسل إليه بالبيعة ، ويسير المهدي حتى ينزل بيت المقدس وتقبل إليه الخزائن وتدخل العرب والعجم وأهل الحرب والروم وغيرهم في طاعته من غير قتال حتى يبني المساجد بالقسطنطينية وما دونها ، ويخرج قبله رجل من أهل بيته بأهل الشرق ويحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر يقتل ويمثل ويتوجه إلى بيت المقدس ... ) ([188]) .

وعن أبي بصير ، عن أبي عبد الله (ع) قال : ( الله أجل وأكرم وأعظم من أن يترك الأرض بلا إمام عادل ، قال : قلت له : جعلت فداك فأخبرني بما أستريح إليه ، قال : يا أبا محمد ليس يرى امة محمد فرجاً أبداً ما دام لولد بني فلان ملك حتى ينقرض ملكهم ، فإذا انقرض ملكهم أتاح الله لأمة محمد برجل منا أهل البيت ، يشير بالتقى ، ويعمل بالهدى ولا يأخذ في حكمه الرشا . والله إني لأعرفه باسمه واسم أبيه ([189])، ثم يأتينا الغليظ القصرة ، ذو الخال والشامتين القائد العادل ، الحافظ لما استودع ، يملأها عدلاً وقسطاً كما ملأها الفجار جوراً وظلماً ) ([190]).

وإذا كان الإمام المهدي (ع) هو الغليظ القصرة ذو الخال والشامتين ، فمن هو الرجل الذي قال عنه الإمام الصادق (ع) : ( منا أهل البيت ) وانه يعرف اسمه ، علماً أن الإمام المهدي (ع) يعرفه الكل ، وليس الإمام الصادق (ع) بعد ذلك بحاجة إلى أن يقسم على انه (ع) يعرفه باسمه واسم أبيه . ثم إن العمل بالهدى - وهي إحدى صفاته - أليس له علاقة بصاحب أهدى الرايات الذي ذكره الإمام الباقر (ع) عند حديثه عن اليماني ( وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني هي راية هدى ) ، خصوصاً ونحن نعرف أن الهدى هو هدى الله وهو هدى محمد وآل محمد ، وهداهم واحد ومن يدعو إليه واحد ، ولذا عبر عنه (ع) بأنه ( منا أهل البيت ) .

كما أن الإمام الصادق (ع) يعبر عن مجيء الإمام المهدي (ع) بعد هذا الرجل بـ ( ثم يأتينا .. ) فمَن من أهل البيت موجود قبل مجيء الإمام المهدي (ع) وظهوره غير المعبر عنه في الرواية بـ ( أتاح الله لأمة محمد برجل منا أهل البيت ) ، ولكننا إذا عرفنا أن هذا الرجل ليس منهم فحسب بل هو مَثَل علي (ع) - كما ظهر آنفاً - يتضح قوله : ( ثم يأتينا .. ) الذي يشير إلى وجوده (ع) بوجود مَثَله روحي فداهم أجمعين .

إلا أن هذا الرجل الطاهر ليس متاحاً للناس أجمعين - وان كانت دعوته لهم كلهم كما هو واضح في رواية اليماني - وإنما هو متاح لأمة محمد فقط وقد توضح أيضاً معناها في التمهيد ، وليس هو تحديد في رحمة الله والعياذ بالله لكنه ما اختاره الناس لأنفسهم من صدهم وتكبرهم على دعاة الحق متى ما صدح به رجل الهي ممن اجتباهم الله وخصهم لرسالاته ودينه .

هو إذن ( أحمد ) كما اسماه جده رسول الله في وصيته المقدسة ليلة وفاته ، وهو الولد الذي يكون من ظهر الحادي عشر من ولد أمير المؤمنين (ع) ، والذي قال عنه الإمام الصادق (ع) انه منهم أهل البيت ومن أهل بيت الإمام المهدي (ع) ، بل عبّر عن أفعاله بأنها فعله (ع) كما سبق ، كما انه صاحب المضامين التي ورد عنهم في كيفية صيحة الحق ، وعشرات الروايات الأخرى التي وصفته باسمه ومسكنه وعلمه وصفته البدنية وكل ما يتعلق بأمره التي بحاجة إلى معجم كبير لتصنيفها ولا يسعها هذا البحث وان كان يصعب لمثلي حصرها ، فأصبح أمره أوضح من الشمس في رابعة النهار ، ولكنها لذي عينين .

وأخيراً : لكل طالب حق هذه الرواية لمن تكون باسمه صيحة الحق ليضمها إلى كل ما تقدم : المفضل يا مولاي فكيف يدري ظهور المهدي (ع) وان إليه التسليم ؟ قال (ع) : ( يا مفضل يظهر في شبهة ليستبين فيعلو ذكره ويظهر أمره وينادي باسمه وكنيته ونسبه ، ويكثر ذلك على أفواه المحقين والمبطلين والموافقين لتلزمهم الحجة بمعرفتهم به ، على انه قد قصصنا ودللنا عليه ونسبناه وسميناه وكنيناه وقلنا سمي جده رسول الله وكنيته لئلا يقول الناس ما عرفنا له اسماً ولا كنية ولا نسباً .

والله ليتحقق الإيضاح به وباسمه ونسبه وكنيته على ألسنتهم حتى ليسميه بعضهم لبعض كل ذلك للزوم الحجة عليهم ، ثم يظهره كما وعد به جده في قوله U : ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ([191]) ) ([192]).

* * * * * *

أما صيحة إبليس ( لعنه الله ) فبعض ما تساءلنا عنه في صيحة الحق يأتي فيها أيضاً ، فإذا كان الذين يتبرؤون من أهل البيت يحسبون على الشيعة كما تقدم ، فكيف يمكن تصوّر أن شيعياً يستمع لإبليس وهو ينادي بمظلومية عثمان قبال حق علي (ع) ؟!

وكما توضح في صيحة الحق في أنها تكون بمَثَل علي (ع) ، فكذلك الحال في صيحة إبليس أخزاه الله فإنها تكون بمَثَل عثمان في هذا الزمان ، ولما كان يتجلبب زوراً بزي أهل الدين والعلم والنسك والزهادة وإمامة الأمة يشتبه الأمر على الناس فيضيع من لم يكن لديه نور من الله ، ويتبرأ من آل محمد والعياذ بالله لأجله بل يتناولهم ويتهمهم بالسحر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

فمجيء داعي الحق وإعلانه دعوته الإلهية لا يزيدها مواجهة الطواغيت الظلمة الواضحين جهاراً إلا التفاف الناس المظلومة حولها ، ومع أن المظلومين هم الأكثر دوماً ولكننا نجد أن كل دعاة الحق لما جاءوا نصروهم القلة المستضعفة ، فأين يكمن السبب ومن هم طواغيت الداخل المتسترين والمنافقين ؟

إنهم أدعياء العلم الذين تسنّموا دفة قيادة الناس بلا تنصيب الهي بل حيلة وخداعاً ليوهموا الناس عبر منظومة اُريد لها أن تستقر في الوعي ؛ لكثرة التثقيف بها والتركيز عليها ، نعم تطعّم بشيء من الحق ولكن ليس لأنهم يعتقدون بالحق وأئمته ، بل لخداع الناس بالشعار وتمرير مشروعهم عليهم ، فتكتمل خطة إبليس في أخفى حلقاتها المدخرة لمحاربة خلفاء الله في أرضه وتحديداً القوام منهم وتأخير مشاريعهم الإلهية ، فكان علماء السوء غير العاملين الخنجر الذي يطعن الأمة المنتظرة دائماً ، ولنا في موسى (ع) مثالاً ، فقد كان المصلح المنتظر الذي يترقبه بنو إسرائيل ويتباشرون بولادته والاستعداد لاستقباله في الوقت الذي كان فرعون وجنوده يستضعفونهم ويذلونهم ، ولكن ما إن جاء موسى (ع) وباشر دعوته وعبر بقومه البحر نرى السامري - وهو العالم عند بني إسرائيل - يصنع عجلاً بوحي إبليس ليعبد من دون الله في غيبة موسى واستخلافه هارون (ع) ، ولما منعهم هارون اعترضوا عليه وكادوا أن يقتلوه ، فكان العالم غير العامل سلاح إبليس لحرب خلفاء الله .

وكذا الحال عند بعثة عيسى (ع) ، فقد بعث وعلماء بني إسرائيل حبهم للمال والدنيا لا يكاد يوصف فاقتدى بهم أتباعهم تماماً كما هو حال الأمة اليوم ، فنسخت شريعة موسى (ع) على يديه وكان سبب النسخ في بعضه - إن لم يكن أهم الأسباب - ما اعمله العلماء من تحريف ومن تحليل ما حرمه الله وتحريم ما أحلّه إرضاءً للأهواء وتملّقاً للطواغيت ، تماماً أيضاً ما وصف به مجيء قائم آل محمـد (ع) الذي ينسف ما شرّعه علماء السوء بالأهواء والتخرّصات ويستأنف الدعوة إلى الله والإسلام من جديد ([193]) بعد أن انكبّ القوم من كبيرهم إلى صغيرهم على الدنيا .

وكان الفشل باستقبال عيسى (ع) بل محاربته ومحاولة قتله والوشي به لظلمة الرومان يقوده علماء الضلالة أيضاً ، والحال نفسه لما بعث حبيب الله ورسوله محمد ، وحديث مجابهة علماء اليهود والنصارى والأحناف وغيرهم له واضحة لكل من اعتقد به ، ثم شريح وأمثاله مع سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي (ع) لما أفتى بخروجه عن الدين ووجوب قتاله ، فهل يأتي القائم (ع) بغير سنة الله في حججه ، وهل ستتغير سنته سبحانه في أعدائهم وهم علماء السوء في كل مرة ؟! لا والله ، فلا تحويل ولا تبديل في سننه سبحانه ، فكان مَثَل عثمان من سينادي به إبليس وهو عالم غير عامل شأنه شأن السامري وبلعم بن باعوراء وشريح وعثمان والشمر وغيرهم الكثير . ومن اختار اليوم الاصطفاف مع من نصب العداء لقائم آل محمد (ع) لو قدّر له أن يكون أيام موسى وهارون عليهما السلام لاختار الوقوف مع السامري ضدهما ، ومع علماء بني إسرائيل ضد عيسى (ع) ، ومع علماء اليهود والنصارى والأحناف ضد رسول الله ، ومع شريح ضد الحسين (ع) .

عن مالك بن ضمرة ، قال : قال أمير المؤمنين (ع) : ( يا مالك ابن ضمرة ، كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا ، وشبك أصابعه وأدخل بعضها في بعض ، فقلت : يا أمير المؤمنين ما عند ذلك من خير ؟ قال : الخير كله عند ذلك يا مالك ، عند ذلك يقوم قائمنا فيقدم سبعين رجلاً يكذبون على الله وعلى رسوله فيقتلهم ، ثم يجمعهم الله على أمر واحد ) ([194]).

فمن الذي يكذب على الله ورسوله ويفرّق الناس بكذبه عليهم غير علماء السوء الذين بتطهير الأرض منهم يجمع الله الناس على أمر واحد ؟ إنهم إذن من تتم صيحة إبليس بكبيرهم عثمان العصر الذي يسعى لمحاربة خليفة الله القائم (ع) بكل جهده وخطه بما أوحى له إبليس من ضلال لإبعاد الناس عن آل محمد وتأخير اليوم المعلوم الذي أنظره الله تعالى إليه ، فهل من عاقل لينقذ نفسه من شراك إبليس وجنده ، وسيأتي مزيد من التوضيح لذلك في الفصول القادمة إن شاء الله تعالى .

* * * * * *



( 4 )

درس اليوم الأول

الفشل في الامتحان بخليفة الله يعني الطرد من رحمة الله

إذا ما أردنا أن نستخلص الدرس من اليوم الأول الذي جعل الله تعالى فيه ادم (ع) خليفة له في أرضه ، لا يمكننا إغفال هذه الحقيقة الكبرى : إن الامتحان الإلهي في يومه الأول كان بخليفته في أرضه ، والطرد من رحمة الله - نستجير بالله - تكون نصيب مَن فشل في السجود له وطاعته كما حصل لإبليس لعنه الله .

على هذا الأساس يمكننا أن نتعرض لأمر له مساس تام بهذه الحقيقة المستقاة من درس اليوم الأول ألا وهي الروايات المتكاثرة الواردة عن أئمة الهدى في الغربلة والتمحيص والامتحان الوارد على الأمة المنتظرة للإمام المهدي (ع) وفشل اغلبها في انتظاره سوى العدة التي خرجت بفضل الله ورحمته من وعد إبليس بإغواء الخلق كلهم ، وهذه نماذج منها :

عن صفوان بن يحيى قال : قال أبو الحسن الرضا (ع) : ( والله ما يكون ما تمدون أعينكم إليه حتى تمحصوا وتميزوا ، وحتى لا يبقى منكم إلا الأندر فالأندر ) ([195]).

وعن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد الله (ع) أنه سمعه يقول : ( ويل لطغاة العرب ، من شر قد  اقترب ، قلت : جعلت فداك كم مع القائم من العرب ؟ قال : شئ يسير . فقلت : والله إن من يصف هذا الأمر منهم لكثير . فقال : لابد للناس من أن يمحصوا ، ويميزوا ، ويغربلوا ويخرج في الغربال خلق كثير ) ([196]).

وعن سليمان بن صالح رفعه إلى أبي جعفر الباقر (ع) قال : قال لي : ( إن حديثكم هذا لتشمئز منه القلوب قلوب الرجال ، فانبذوا إليهم نبذا فمن أقر به فزيدوه ، ومن أنكره فذروه ، إنه لابد من أن تكون فتنة يسقط فيها كل بطانة ووليجة حتى يسقط فيها من يشق الشعرة بشعرتين حتى لا يبقى إلا نحن وشيعتنا ) ([197]).

وعن ابن نباتة ، عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : ( كونوا كالنحل في الطير ليس شئ من الطير إلا وهو يستضعفها، ولو علمت الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعل بها ذلك ، خالطوا الناس بألسنتكم وأبدانكم وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم ، فو الذي نفسي بيده ما ترون ما تحبون حتى يتفل بعضكم في وجوه بعض ، وحتى يسمي بعضكم بعضا كذابين ، وحتى لا يبقى منكم - أو قال : من شيعتي - كالكحل في العين والملح في الطعام وسأضرب لكم مثلاً : وهو مثل رجل كان له طعام فنقاه وطيبه ثم أدخله بيتاً وتركه فيه ما شاء الله ، ثم عاد إليه فإذا هو قد أصابه السوس فأخرجه ونقاه وطيبه ثم أعاده إلى البيت فتركه ما شاء الله ، ثم عاد إليه فإذا هو قد أصاب طائفة منه السوس فأخرجه ونقاه وطيبه وأعاده ، ولم يزل كذلك حتى بقيت منه رزمة كرزمة الأندر لا يضره السوس شيئاً ، وكذلك أنتم تميزون حتى لا يبقى منكم إلا عصابة لا تضرها الفتنة شيئاً ) ([198]).

والأحاديث في ذلك كثيرة جداً ، وقد وردت في باب التمحيص والامتحان قبل ظهور الإمام  المهدي (ع) للناس ، ولكن السؤال بم تمتحن الناس وتميَّز وتغربل وتمحّص ؟ وبم تفتتن فتظهر الدفائن وتسقط البطائن والولائج وتتكشف الأقنعة ؟ وواضح أن السقوط في هذا الامتحان والاختبار لا ينفع معه ادعاء توحيد أو ولاية ، بدليل أن الفاشل فيه ساقط من نظر الله ومطرود من رحمته ما لم يتدارك نفسه برحمة منه سبحانه فيعود إلى صوابه ولم يطاله سيف حجة الله .

أرجو أن يكون درس اليوم الأول وافٍ بالإجابة عن هذا التساؤل ؛ فلا محيص عن القول بأنه امتحان بخليفةٍ من خلفاء الله في أرضه وحجة من حججه على خلقه ، فيكون اجتيازه بفضل الله سبباً في الإبقاء في ثلة خط الساجدين لخلفاء الله المرضيين عنده سبحانه ، والفشل فيه سبباً في الخروج من الربقة والطرد من رحمة الله واستحقاق نار جهنم والعياذ بالله ، وإنكار حجة وخليفة من خلفاء الله في أرضه في وقته وعند الامتحان به يعني إنكار كل من كان قبله من حجج الله طرّاً ، فعن حمران بن أعين قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن الأئمة ، فقال : ( من أنكر واحداً من الأحيـاء فقد أنكر الأمـوات ) ([199]) .

ولما كان حال الفاشل في الامتحان المذكور مطرود من رحمة الله ويحشر في زمرة إبليس لعنه الله فالممتحن فيه إذن واحداً منهم ، وإذا كان كل ذلك قبل ظهور الإمام المهدي (ع) للناس ، فمَن غير خليفة الله ( اليماني ) ورد عن أهل البيت في حقه بانّ الملتوي عليه من أهل النار حتى وإن صلى وصام وادعى ولاية لآل محمد من قبل ، ومَن غيره يدعو إلى صاحبكم والى الحق والصراط المستقيم ، وهي خصائص من كان خليفة لله لا غير .

إنه إذن الامتحان بمن تتم الصيحة باسمه ، قائم آل محمد ويمانيهم (ع) ، فمن قبِلَه قَبِل آباءه الطاهرين وحجج الله الماضين ، ومن ردّه ردّ كل حجج الله واستحق النار حتى وإن ادعى ولاية كذباً وزوراً ، كل ذلك بقول الإمام الباقر (ع) لما أطلق استحقاق الملتوي عليه النار بلا تفصيل ، فانظروا هذا ثم انظروا هل جاءكم داعي الله اليوم احمد الحسن (ع) بغيره .

وكما كان الامتحان الإلهي بآدم (ع) وباقي خلفاء الله سبباً في تمييز خط الساجدين عن خط المعترضين المتكبرين ، كان احمد الحسن (ع) اليوم سبباً في هذا التمييز أيضاً ، فأفصح القوم عن سرائرهم ورفع كل من نعق وراءه ناعق صيصيته قبال آل محمد ، واظهر حقده وحسده وتكبره على من خصه الله بكرمه واجتباه بفضله واصطفاه لرسالته ، وهو داء إبليس ( لعنه الله ) دوماً كلما بعث نبي أو وصي .

وأيضاً : كما لم تنفع الأربعة آلاف عام زمن سجدة واحدة سجدها إبليس ( أخزاه الله ) بعد فشله في اجتياز الامتحان بالخليفة ، كذلك لا تنفع من يدعي انه على ولاية آل محمد - فضلاً عن غيرهم - ويفشل في الامتحـان بخليفة الله اليوم الذي جاء بكل ما جاء به خلفاء الله من قبله كما تقدم .

عن أمير المؤمنين (ع) - في حديث طويل - قال فيه : ( ومن سلم الأمور لمالكها لم يستكبره عن أمره كما استكبر إبليس عن السجود لآدم (عليه السلام) ، واستكبر أكثر الأمم عن طاعة أنبيائهم ، فلم ينفعهم التوحيد كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل ، فإنه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام ، لم يرد بها غير زخرف الدنيا ، والتمكين من النظرة . فلذلك لا تنفع الصلاة والصيام إلا مع الاهتداء إلى سبيل النجاة وطريق الحق ، وقد قطع الله عذر عباده بتبيين آياته وإرسال رسله لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، ولم يخل أرضه من عالم تحتاج الخليقة إليه ، ومتعلم على سبيل نجاة ، أولئك هم الأقلون عدداً ) ([200]).

فالامتحان والتمحيص الذي يحصل اليوم يكشف عن حقيقة ما يدعيه الناس من إيمان بآيات الله وغيبه وملكوته وإتباعٍ لعلي وأولاده ، ومن اعتقاد بكلام حججه وخلفائه بل سادتهم ، وستسقط كل بطانة ووليجة وادعاء وتبان الأمور على حقائقها ، فيظهر المؤمن إيمانه ويبرز الكافر كفره المستور بغلاف النفاق فان الزمن كفيل بكشفه وان طال ، وخير مظهرٍ له الامتحانُ بحجة من حجج الله ، فيبقى الأندر فالأندر هم من يكتب لهم اجتياز هذه الفتنة وأما الغالبية العظمى فحالها هو ما أوضحته روايات   الطاهرين وحسبنا الله ونعم والوكيل .

بقي أن نشير إلى أن الامتحان الأول كان على ظهر الكوفة ، قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) : ( أول بقـعة عبد الله عليها ظهر الكوفة ، لما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم على ظهر الكوفة ) ([201]). وفي ذلك آية للمتوسمين فانّ الكوفة التي شاء الله سبحانه أن يكون الامتحان الأول بخليفته عليها ، شاء الله أن يعاد الامتحان فيها اليوم بخليفته أيضاً ، والنجاة لمن وفق للسجود له كما سجد الملائكة ، والطرد لمن أبى وتكبر كما تكبر إبليس ، ولا إنظار لأحد بعده كإنظاره وإمهاله ؛ لأنّ الفرق بين الامتحانين هو أن الأول كان لبداية دولة إبليس في حين أن الامتحان اليوم هو لبداية دولة العدل الإلهي والقضاء على إبليس الذي ستكون نهايته في الكوفة أيضاً على يد القائم في اليوم المعلوم ، وهو قريب إن شـاء الله تعالى ، والحمد لله رب العالمين أن هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

 

تابع تتمة الكتاب




[1]- البقرة : 156 .

- [2] العلق : 8 .

[3] - الذاريات : 56 .

[4] - عيون أخبار الرضا (ع) : ج2 ص28 .

[5] - مقدمة المتشابهات ج2 ، السيد أحمد الحسن (ع) .

[6] - بحار الأنوار : ج84 ص 344 .

[7] - الكافي : ج1 ، ص163 ، باب البيان والتعريف ولزوم الحجة ، ح2 .

[8] - مقاطع من الزيارة الجامعة ، انظر : عيون أخبار الرضا (ع) : ج2 ص272 .

9 - الكافي : ج1 ، ص179 ، باب لا تخلو الأرض من حجة ، ح 11 .

[10] - البقرة :30 .

[11] - البقرة :31 .

[12] - الحجر : 29 .

[13] - الكهف : 50 .

[14] - الأحزاب : 62 .

[15]- الفتح : 23 .

[16] - إضاءات من دعوات المرسلين : ج3 ، السيد احمد الحسن (ع) .

[17] - القصص : 68 .

[18] - أمالي الصدوق : ص242.

[19] - الكافي : ج1 ، ص 278 ، باب أن الإمامة عهد من الله U .. ، ح2.

[20] - النحل : 127 .

[21] - الزخرف : 89 .

[22] - الحجر : 97 .

[23] - الأنعام : 33 .

[24] - غاية المرام وحجة الخصام : ج4 ص268 .

[25] - النساء : 54 .

[26] - نهج البلاغة ، وعنه بحار الأنوار : ج23 ص117 .

[27] - الحاقة : 44 - 46 .

[28] - الكافي : ج1 ، ص284 ، باب الأمور التي توجب حجة الإمام (ع) ، ح3 .

[29] - كتاب سليم بن قيس : ص245 ، تحقيق محمد باقر الأنصاري .

[30] - غيبة النعماني : ص52 .

[31] - آل عمران : 110 ، عن أبي عبد الله (ع) ، قال : ( قال الله تعالى : ﴿ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ فإن ظننت أن الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحدين ، أفترى أن من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب الله شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأمم الماضية ؟ كلا ، لم يعن الله مثل هذا من خلقه ، يعني الأمة التي وجبت لها دعوة إبراهيم (ع) : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وهم الأمة الوسطى ، وهم خير أمة أخرجت للناس ) تفسير العياشي : ج1 ص63 .

[32] - المتشابهات : ج4 ، السيد احمد الحسن (ع) .

[33] - قال تعالى : ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴾ الأحزاب : 67 .

[34] - الأنعام : 149 .

[35] - الأعراف : 157 .

[36] - إثبات الهداة : ج1 ص 194- 195.

[37] - غيبة الطوسي : ح111 ، تحقيق عباد الله الطهراني ، مؤسسة المعارف الإسلامية .

[38] - مختصر بصائر الدرجات : ص149 .

[39] - قال تعالى : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ البقرة : 180 .

وقال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ المائدة : 106 .

وقال تعالى : ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ يـس :49 - 50 ، حيث وصف الله تعالى أولئك الذين كذبوا الرسل وحاربوهم بأنهم لا يستطيعون توصية أي لا يمهلهم الله تعالى وقتاً لكي يوصوا إلى أهليهم ، ولا يخفى أن ذلك ذماً لهؤلاء وسوء عاقبة .

[40] - الكافي : ج1 ، ص281 ، باب أن الأئمة  لم يفعلوا شيئا ولا يفعلون إلا بعهد من الله U .. ، ح 4.

[41] - كتاب سليم بن قيس : ص126 ، غيبة النعماني : ص81 .

[42] - غيبة الطوسي : ح504 ، تحقيق عباد الله الطهراني ، مؤسسة المعارف الإسلامية . والمقصود بالقائم في الحديث هو المهدي الأول (ع) وصي الإمام المهدي (ع) ، كما سيتضح إن شاء الله تعالى عند استعراض الروايات الشريفة .

[43] - كمال الدين وتمام النعمة : ص 358.

[44] - بحار الأنوار : ج53 ص148.

[45] - تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي : ج 3 ص 253.

[46] - غيبة الطوسي : ح238، تحقيق عباد الله الطهراني ، مؤسسة المعارف الإسلامية .

[47] - جمال الأسبوع : ص310 .

[48] - بحار الأنوار : ج53 ص148 .

[49] - غيبة النعماني : ص173 .

[50] - كشف الغمة : ج1 ص150 .

[51] - الخصال : ص200 .

[52] - غيبة النعماني : ص242 .

[53] - غيبة النعماني : ص256 .

[54] - المتشابهات : ج4 ، السيد احمد الحسن(ع)  .

[55] - غيبة الطوسي : ح20، تحقيق عباد الله الطهراني ، مؤسسة المعارف الإسلامية .

[56] - طه : 54 .

[57] - بصائر الدرجات : ص33 .

[58] - بحار الأنوار : ج28 ص186 .

[59] - وفي هذا روايات ، منها : عن هاني التمار قال : قال لي أبو عبد الله  (ع): ( إن لصاحب هذا الأمر غيبة فليتق الله عبد وليتمسك بدينه ) بحار الأنوار : ج51 ص145 . وللإمام ووصيه غيبة كما هو معلوم في الروايات ، أما غيبة الإمام (ع) فمعلومة ، وأما غيبة وصيه فهي واضحة أيضاً برواية الاصبغ بن نباتة في المولود الذي تفكر فيه وهو من ظهر الحادي عشر من ولد أمير المؤمنين ، فـ (صاحب الأمر) هنا أطلق على الاثنين .

[60] - غيبة النعماني : ص321 .

[61] - الكافي : ج1 ص333 ، باب في النهي عن الاسم ، ح4 .

[62] - غيبة النعماني : ص163 .

[63] - غيبة النعماني : ص179 .

[64] - بحار الأنوار : ج51 ص134 .

[65] - مائتان وخمسون علامة : ص120 ، كنز العمال : ج7 ص261 ، وتصحيح الرواية كما جاء عن اليماني ع :  ( فلا يموت حتى يبلغ ) بدل : ( فلا يبلغه حتى يموت ).

[66] - بشارة الإسلام : ص30-31 .

[67] - غيبة النعماني : ص164 .

[68] - غيبة النعماني : ص186 .

[69] - غيبة النعماني : ص215 .

[70] - بحار الأنوار : ج51 ص91 .

[71] - بحار الأنوار : ج10 ص4 .

[72] - غيبة الطوسي : ح228 ، تحقيق عباد الله الطهراني ، مؤسسة المعارف الإسلامية .

[73] - بحار الأنوار : ج52 ص34 .

[74] - كمال الدين وتمام النعمة : ص653 .

[75] - غيبة الطوسي : ص .

[76] - الكافي : ج1 ، ص535 ، باب في أنه إذا قيل في الرجل شئ فلم يكن فيه ... ، ح2 .

[77] - كمال الدين وتمام النعمة : ص380 .

[78] - غيبة النعماني : ص257 - 258 .

[79] - غيبة النعماني : ص156 .

[80] - عن عبد الكريم قال : ذكر عند أبي عبد الله  (ع)القائم ، فقال : ( أنى يكون ذلك ولم يستدر الفلك ، حتى يقال مات أو هلك ، في أي واد سلك ، فقلت : وما استدارة الفلك ؟ فقال : اختلاف الشيعة بينهم ) بحار الأنوار : ج52 ص228.

[81] - وان كنت ابدي تحفظي على هذا ، أعني تأثير رأي مجلس أهل الخبرة في انتخاب المرجع المرشح ، إذ يبقى مقدار الرصيد المالي ومكر الحاشية - أولاد كانوا أو أتباع أوفياء - من له الدور الأبرز في فوز المرشح بمنصب المرجعية على امة تدعي أنها تدين لله بحاكميته ؟!!

[82] - الإرشاد - الشيخ المفيد : ج1 ص347.

[83] - الكافي : ج1 ، ص379 ، باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام ، ح2 .

[84] - غيبة النعماني : ص242 .

[85] - الرعد : 7.

[86] - ومن أراد تفصيل الكلام في الرؤيا فعليه بمراجعة بحث الأستاذ الأخ احمد حطاب في كتابه ( فصل الخطاب ) .

[87] - يوسف : 3 - 4 .

[88] - الصافات : 104 - 105 .

[89] - الأنبياء : 5 .

[90] - يوسف : 44 .

[91] - دار السلام : ج4 ص236 .

[92] - الكافي : ج8 ، ص90 ، حديث الأحلام والحجة على أهل ذلك الزمان ، ح59 .

[93] - يونس : 64 .

[94] - الكافي : ج8 ، ص90 ، حديث الأحلام والحجة على أهل ذلك الزمان ، ح60.

[95] - أمالي الصدوق : ص 120 - 121 ، عيون أخبار الرضا (ع) : ج 1 ص 287 - 288.

[96] - بحار الأنوار : ج52 ص110 .

[97] - غيبة النعماني : ص197 .

[98] - بشارة الإسلام : ص30 .

[99] - بحار الأنوار : ج73 ص214 .

[100] - بحار الأنوار : ج73 ص215 .

[101] - الكافي : ج8 ، ص90 ، حديث الأحلام والحجة على أهل ذلك الزمان ، ح58.

[102] - أمالي الطوسي : ج1 ص135 .

[103] - بحار الأنوار : ج75 ص247 .

[104] - بحار الأنوار : ج88 ص223 .

[105] - بحار الأنوار : ج88 ص224 .

[106] - بحار الأنوار : ج88 ص225 .

[107] - غيبة النعماني : ص212 .

[108] - غيبة الطوسي : ح462 ، تحقيق عباد الطهراني ، مؤسسة المعارف الإسلامية .

[109] - غيبة الطوسي : ح61 ، تحقيق عباد الطهراني ، مؤسسة المعارف الإسلامية .

[110] - بحار الأنوار : ج2 ص191 .

[111] - المفضل بن عمر قال : ( كنت عند أبي عبد الله (ع) في مجلسه ومعي غيري ، فقال لنا : إياكم والتنويه - يعني باسم القائم (ع) - وكنت أراه يريد غيري ، فقال لي : يا أبا عبد الله إياكم والتنويه ، والله ليغيبن سبتاً من الدهر، وليخملن حتى يقال : مات ، أو هلك ؟ بأي واد سلك ؟ ولتفيضن عليه أعين المؤمنين وليكفأن كتكفئ السفينة في أمواج البحر حتى لا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه ، وكتب الإيمان في قلبه ، وأيده بروح منه ، ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أي من أي . قال المفضل : فبكيت ، فقال لي: ما يبكيك ؟ قلت : جعلت فداك كيف لا أبكى وأنت تقول : ترفع اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أي من أي ، قال : فنظر إلى كوة في البيت التي تطلع فيها الشمس في مجلسه فقال: أهذه الشمس مضيئة ، قلت: نعم ، فقال : والله لأمرنا أضوء منها ) غيبة النعماني : ص152 .

 

[112] - بيان قائم آل محمد السيد احمد الحسن (ع) في (عاشر محرم الحرام / 1429) :

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على محمد وال محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليما

)أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ( الحج 39 - 40 ) .

أيها المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والله ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا طاغياً ولا ظالماً ولا طالبا لظلم احد والحمد لله الذي لم يجعلني جباراً شقياً
جئت لأشهد للحق ولأصلح ما افسد الظالمون من دين الله سبحانه وتعالى رفعت القلم والكلمة الحكيمة وفصل الخطاب فما وجد علماء الضلالة الخونة ردا في حوزتهم إلا الكلمة الخبيثة والسب والشتم والافتراء والتزوير والبهتان العظيم فقابلتهم بالإحسان لما عفت نفسي عمن كشفوا عوراتهم دون خجل أو حياء ولو من التاريخ الذي سيسطرهم كلمات خبيثة مليئة بالجهل وقول الزور والبهتان والافتراء .

وما وجدوا للرد على الكلمة الحكيمة إلا الحراب فوجهوا أذنابهم من الطواغيت مرة بعد أخرى لهدم دور عبادتنا واعتقال المؤمنين فوجدنا الله خير حصن نتحصن به وأوسع كهف نلجه ووجدنا الصبر معينا وملاذا نلوذ به . ولكن هيهات لو ترك القطا لنام ، فأبى الظالمون إلا الإمعان في أذيتنا وعادوا إلى ما اعتادوا من ظلم وجور وهدم وحرق وتقتيل وسجن وتعذيب المؤمنين وفي الأشهر الحرم بالذات وركزوا هذه المرة بين اثنتين السلة أو الذلة وهيهات منا الذلة هيهات منا الذلة هيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون . فما قيامنا اليوم إلا دفاع عن النفس والعقيدة والدين الإلهي الحق الذي يريد الظالمون طمسه . فنار قد أوقدوها وفتنة قد أججوها لن نطفئها هذه المرة حتى يأتينا الله بنصره العزيز الموعود المؤزر وسيحترقون بنارهم ويهلكون بفتنتهم إنشاء الله وسيحلبونها دما عبيطا وسيخسر هنالك المبطلون وسيعلم الذين ظلموا آل محمد أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين .

وأوجه نصيحة إلى كل من جنده علماء الضلالة الخونة عملاء الاحتلال والطاغوت أن يختار الحرية كما اختارها الحر الرياحي وان ينتقل إلى جيش الغضب الإلهي إلى جيش الحق إلى جيش الحسين فإن الفرص تمر مر السحاب وهذه هي فرصة لكل من يريد أن ينصر محمد وال محمد (ص) والأنبياء والمرسلين (ع) وفرصة لكل من يريد ان ينصر الله سبحانه وتعالى .

فهل من ناصر ينصر الإمام المهدي هل من ناصر ينصرنا هل من عاقل يختار الجنة وينجي نفسه من عذاب الجحيم والحمد لله وحده .

توكلنا على الذي فطر السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير وحسبنا الله ونعم الوكيل فهو نعم المولى ونعم النصير .

( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) .


احمد الحسن

وصي ورسول الإمام المهدي (ع)

محرم الحرام / 1429 هـ  .ق

 

[113] - غيبة النعماني : ص179 .

[114] - غيبة النعماني : ص297 .

[115] - غيبة النعماني : ص298 .

[116] - غيبة النعماني : ص284 .

[117] - بحار الأنوار : ج52 ص338 .

[118] - تفسير القمي : ج1 ص36 .

[119] - الأنبياء : 23 .

[120] - البقرة : 30 - 34 .

[121] - تفسير العياشي : ج1 ص30 ح7 .

[122] - قال الإمام الصادق (ع) : الحسد حسدان : حسد فتنة وحسد غفلة ، فأما حسد الغفلة فكما قالت الملائكة حين قال الله : ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ أي اجعل ذلك الخليفة منا ولم يقولوا حسداً لآدم من جهة الفتنة والرد والجحود . والحسد الثاني الذي يصير به العبد إلى الكفر والشرك فهو حسد إبليس في رده على الله وإبائه عن السجود لآدم (ع) . بحار الأنوار : ج75 ص255 .

 

[123] - تفسير الإمام العسكري (ع) : ص216 ح100 .

[124] - كمال الدين وتمام النعمة : ص14 .

[125] - الكافي : ج1 ، باب مولد النبي  ، ح10 .

[126] - تفسير العياشي : ج1 ص32 ح11 .

[127] - علل الشرائع : ج1 ص9 .

[128] - يوسف : 4 .

[129] - من خطبة لأمير المؤمنين (ع): ( … فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذا أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد ، وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة لا يدرى أمن سني الدنيا أم سني الآخرة عن كبر ساعة واحدة . فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصية ؟ كلا ، ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً إن حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد . وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين ) نهج البلاغة : ج2 خطب الإمام علي (ع) ص 138.

[130] - الحج : 18.

[131] - النساء : 115.

[132] - القيامة : 13- 15.

[133] - إضاءات من دعوات المرسلين : ج3 ص ، السيد احمد الحسن (ع) .

[134] - البقرة : 34 .

[135] - الكهف : 50 .

[136] - .بحار الأنوار: ج11 ص119.

[137] - تفسير القمي : ج1 ص35 .

[138] - تفسير القمي : ج1 ص41 - 42 .

[139] - الكافي : ج2 ص308 ، باب العصبية ، ح6 .

[140] - غيبة النعماني : ص256 .

[141] - تفسر القمي : ج1 ص42 .

[142] - نصيحة خطية منه (ع) في توجيهه لكتابة هذا البحث .

[143] - بحار الأنوار : ج16 ص210 .

[144] - بحار الأنوار : ج66 ص 293 .

[145] - كتاب المتشابهات : ج3 ، السيد احمد الحسن (ع) .

[146] - ص : 82 - 83 .

[147] - الأعراف : 17 .

[148] - تفسير القمي : ج1 ص42 .

[149] - الحجر : 36 .

[150] - كتاب المتشابهات : ج4 ، السيد احمد الحسن (ع).

[151] - نصيحة خطية منه (ع) لأنصاره .

[152] - نصيحة خطية منه (ع) لأنصاره .

[153] - القصص : 83 .

[154] - الفرقان : 74 .

[155] - الأعراف : 56 .

[156] - الحجر : 28 - 43 .

[157] - تفسير العياشي : ج2 ص241 ح 13 .

[158] - الاحتجاج : ج1 ص368 .

[159] - البرهان في تفسير القران : ج3 ص356 .

[160] - مائة منقبة : ص160 ، البرهان : ج3 ص367 .

[161] - قال السيد احمد الحسن (ع) في بيان هذه الحقيقة تعقيباً على قوله تعالى : ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾ : ( المخلوق الأول هو : حقيقة الإنسان إذا ارتقى إلى أعلى عليين ، والمخلوق الثاني هو :  حقيقة الإنسان إذا أزرى بنفسه إلى أسفل سافلين ، والأول هو العقل أو محمد  . أما الثاني فهو الجهل أو الثاني (لعنه الله) ، وكلاهما إنسان ، ولذا قال تعالى : ﴿ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾ ، أي خلقنا الإنسان فجعلنا أعلى مراتب الارتقاء للإنسان ، وأسفل مراتب التدني أيضاً للإنسان .

قال أبو عبد الله (ع): ( إن الله U خلق العقل ، وهو أول خلق من الروحانيين ، عن يمين العرش من نوره فقال له : أدبر فأدبر ، ثم قال له : أقبل فأقبل ، فقال الله تبارك وتعالى : خلقتك خلقا عظيماً وكرمتك على جميع خلقي . قال : ثم خلق الجهل من البحر الأجاج ظلمانياً . فقال له : أدبر فأدبر ، ثم قال له : أقبل فلم يقبل . فقال له استكبرت ، فلعنه ) ( بحار الأنوار : ج1 ص97) .

فالذي علـَّم الملائكة المقربين هو : ( العقل الأول ) ، وهو محمد  وهو إنسان ، والذي أردى إبليس (لعنه الله) وأغواه أيضاً إنسان وهو الثاني ( لعنه الله ) أو الجهل ، فهذا قول إبليس ( لعنه الله ) : ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ (الحجر:39) ، أي بالذي أغويتني به . ( المتشابهات : ج4 ) .

[162] - الكافي : ج1ص424 ، باب نكت ونتف من التنزيل في الولاية ، ح63 .

[163] - مختصر بصائر الدرجات : ص68 .

[164] - تفسير العياشي : ج1 ص242 ح15 .

[165] - بصائر الدرجات : ص193 .

[166] - المدثر : 11 - 16 .

[167] - تأويل الآيات الظاهرة : ج2 ص734 .

[168] - تفسير العياشي : ج2 ص242 ح14 .

[169] - كمال الدين وتمام النعمة : ص650 .

[170] - الشعراء : 4 .

[171] - القمر : 2 .

[172] - غيبة النعماني : ص260 .

[173] - كما نقلها الأخ احمد حطاب وفقه الله في كتابه ( فصل الخطاب ) عن غيبة النعماني : ص253- 266 .

[174] - غيبة الطوسي : ح425 ، تحقيق عباد الله الطهراني ، مؤسسة المعارف الإسلامية .

[175] - غيبة الطوسي : ح437 ، تحقيق عباد الله الطهراني ، مؤسسة المعارف الإسلامية .

[176] - الملاحم والفتن : ص27 .

[177] - المصدر نفسه : ص80 .

[178] - غيبة النعماني : ص164 .

[179] - غيبة النعماني : ص163 .

[180] - القصص : 85 .

[181] - بحار الأنوار : ج53 ص113 - 114 .

[182] - بحار الأنوار : ج52 ص 330 .

[183] - بحار الأنوار : ج52 ص331 .

[184] - بحار الأنوار : ج53 ص59 - 60 .

[185] - غيبة النعماني : ص141 .

[186] - بحار الأنوار : ج52 ص360 - 361. .

[187] - غيبة الطوسي : ح127 ، تحقيق عباد الله الطهراني ، مؤسسة المعارف الإسلامية .

[188] - الملاحم والفتن - السيد ابن طاووس : ص66 .

[189] - وهو نفسه الذي أشار إليه أمير المؤمنين (ع) في رواية جيش الغضب حيث قال : ( ... أولئك قوم يأتون في آخر الزمان قزع كقزع الخريف ، والرجل والرجلان والثلاثة من كل قبيلة حتى يبلغ تسعة ، أما والله ، إني لأعرف أميرهم واسمه ومناخ ركابهم ، ثم نهض وهو يقول : باقراً باقراً باقراً ، ثم قال : ذلك رجل من ذريتي يبقر الحديث بقراً ) كتاب الغيبة - محمد بن إبراهيم النعماني : ص325.

[190] - بحار الأنوار : ج52 ص269 .

[191] - التوبة : 33 .

[192] - مختصر بصائر الدرجات : ص179 - 180 .

[193] - عن أبي عبد الله (ع) قال : ( إذا قام القائم (ع) دعا الناس إلى الإسلام جديداً وهداهم إلى أمر قد دثر وضل عنه الجمهور ، وإنما سمي القائم مهديا لأنه يهدي إلى أمر مضلول عنه ، وسمي القائم لقيامه بالحق ) بحار الأنوار : ج51 ص30 .

[194] - غيبة النعماني : ص206 .

[195] - غيبة النعماني : ص208 .

[196] - غيبة النعماني : ص204 .

[197] - غيبة النعماني : ص202 .

[198] - غيبة النعماني : ص209 - 210 .

[199] - غيبة النعماني : ص129 .

[200] - الاحتجاج : ج1 ص368 .

[201] - تفسير العياشي : ج1 ص34 ح18 .

  • اسأل نفسك وليسأل كل منصف نفسه السؤال الحتمي بعد معرفة ما روي في كتب المسلمين أن رسول الله محمداً (ص) عندما مرض بمرض الموت طلب ورقة وقلم ليكتب كتاباً وصفه رسول الله محمد (ص) بأنه كتاب يعصم الأمة التي تتمسك به من الضلال إلى يوم القيامة، فمنعه عمر وجماعة معه من كتابة هذا الكتاب في حادثة رزية الخميس المعروفة، فالسؤال هو: هل يقبل أحد أن يتهم رسول الله محمداً (ص) أنه قصَّر في كتابة هذا الكتاب المهم والذي يعصم الأمة من الضلال بعد أن كانت عنده فرصة لأيام قبل وفاته يوم الاثنين ليكتبه ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني الوصية المقدسة الكتاب العاصم من الضلال
  • رجائي أن شيعة آل محمد (ع) يصطفون تحت هذه الراية فهي راية الحق الوحيدة البارزة، والمنادية بالحق، الراية الوحيدة التي لم تداهن ولم تدخل فيما دخل فيه أهل الباطل، ومُخطأ من شيعة آل محمد (ص) من يُعوِل على هؤلاء الذين أيديهم صفرات من الدليل سواء الشرعي أم العقلي على مايدعون من وجوب تقليد ونيابة، مُخطأ من يُعوِل على هؤلاء الذين لايثقون ببعضهم بعضا وكل واحد منهم اخذ مجموعة من شيعة آل محمد (ص) وحزَّبَهم لنفسه دون أن ينصبه الله، حتى فرقوا شيعة آل محمد (ع) شيعا وجعلوهم لايكادون يلتقون حتى في تحديد يومي العيدين...
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • علي صلوات الله عليه نصر رسول الله محمد (ص) في أول بعثته فكان أول المؤمنين ثم وهو شاب صغير في العمر قدم حياته قربانا بين يدي الله سبحانه وفي كل مرة يخرج بجرح أو جروح مميتة ولكنها لا تثنيه أن يتقدم للموت مرة أخرى، قدم عبادة وإخلاصا، تصدق بكل ما يملك، بخاتمه، وبطعامه وهو صائم، وما كان ليعلم به احد لولا أن الله أنزل قرآنا يذكر فعله، كان علي صلوات الله عليه يخفي بكائه بين يدي الله سبحانه حتى على فاطمة صلوات الله عليها، علي سحق أناه ولم يطلب أن يذكر فوهبه الله حكما وعلما وفضله على العالمين.
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • 1
  • 2