raya

فهرس المقال


فوائد:

الفائدة الأولى :-

لا يمكن وصف رواية الوصية بالضعف حتى لو كان سندها ضعيفاً ،لأن موضوع تقسيم الخبر إلى ضعيف وغيره ( التقسيم الرباعي ) هو الرواية الخالية من القرينة ،وبما أن رواية الوصية محفوفة بعدة قرائن قطعية ،فتكون خارجة موضوعاً عن مورد التقسيم ووصفها بالضعف يعتبر ضحك على ذقون الناس الذين لم يطلعوا على قواعد الدراية المعتبرة عند العلماء .

فمتى كانت الوصية خالية عن أي قرينة تشهد بصحتها ، فيمكن حينئذ التنزل للمناقشة في السند ،وأما إذا كانت محفوفة بقرينة تفيد صحتها ،فيكون النقاش في السند تطويل بلا طائل ولا ترجى منه فائدة إلا لزيادة القرائن ، ويكفي رواية الوصية قرينة أو قرينتان مما سبق ولا حاجة لتتبع أحوال الرجال ،و لاسيما إذا لاحظنا الاشكالات التي طرحها بعض العلماء على حجية التوثيقات والطعون الواردة في كتب الرجال ،كما سبق أن صرح المحقق الهمداني بعدم كفايتها لاثبات رواية واحدة على نحو اليقين ،والمجال لا يسع لذكر آراء العلماء في ذلك الموضوع وربما نتطرق الى ذلك في مناسبة أخرى أنشاء الله تعالى .

وقد نقل الحر العاملي اتفاق الأصوليين على أن مورد تقسيم الخبر إلى ضعيف وغيره هو الخبر الخالي من القرينة ،وأن الرواية المؤيدة بقرينة فهي صحيحة بغض النظر عن رجال السند ،ولا يمكن إدخالها بالتقسيم الرباعي الحديث ،حيث قال : (إنهم اتفقوا على أن مورد التقسيم هو خبر الواحد الخالي عن القرينة وقد عرفت أن أخبار كتبنا المشهورة محفوفة بالقرائن ،وقد أعترف بذلك أصحاب الاصطلاح الجديد في عدة مواضع قد نقلنا بعضها ،فظهر ضعف التقسيم المذكور وعدم وجود موضوعه في الكتب المعتمدة ،وقد ذكر صاحب المنتقى أن أكثر أنواع الحديث المذكورة في دراية الحديث بين المتأخرين من مستخرجات العامة بعد وقوع معانيها في أحاديثهم ،وأنه لا وجود لأكثرها في أحاديثنا وإذا تأملت وجدت التقسيم المذكور من هذا القبيل ) خاتمة الوسائل ص103 .

وقد نقل هذا المضمون و ارتضاه الشيخ جعفر السبحاني ، كما تقدم نقله وأعيده هنا للفائدة ،قال : (والوجه الثالث في توثيقات المتأخرين ،هو أن الحجة هو الخبر الموثوق بصدوره عن المعصوم - عليه السلام - لا خصوص خبر الثقة ،و بينهما فرق واضح ،إذ لو قلنا بأن الحجة قول الثقة يكون المناط وثاقة الرجال وان لم يكن نفس الخبر موثوقاً بالصدور ،ولا ملازمة بين وثاقة الراوي وكون الخبر موثوقاً ،بل ربما يكون الراوي ثقة ،ولكن القرائن والأمارات تشهد على عدم صدور الخبر من الأمام ـ عليه السلام ـ وأن الثقة قد التبس عليه الأمر ،وهذا بخلاف ما لو قلنا بأن المناط هو كون الخبر موثوق الصدور ،إذ عندئذ تكون وثاقة الراوي من إحدى الأمارات على كون الخبر موثوق الصدور ،ولا تنحصر الحجية بخبر الثقة ،بل لو لم يُحرز وثاقة الراوي ودلت القرائن على صدق الخبر وصحته يجوز الأخذ به .

وهذا القول غير بعيد بالنظر إلى سيرة العقلاء ،فقد جرت سيرتهم على الأخذ بالخبر الموثوق الصدور ،وان لم تحرز وثاقة المخبر ،لأن وثاقة المخبر طريق إلى احراز صدق الخبر ،وعلى ذلك فيجوز الأخذ بمطلق الوثوق بصدوره إذا شهدت القرائن عليه ) كليات في علم الرجال ص155-156- للشيخ جعفر سبحاني .

و أشارة إلى هذا المعنى محي الدين الموسوي الغريفي في كتابه قواعد الحديث والكتاب من تقديم المحقق الخوئي ،حيث أستخلص محي الدين الغريفي نتيجة تنص على أن الكتب الأربعة و نضائرها خالية عن الدس والتزوير ،إذ قال :(وخلاصة البحث إن وجود الأخبار الموضوعة في عصر المعصومين (ع) لا يمنع من العمل بالأخبار التي ضمتها مجاميع قدماء أصحابنا المعتبرة ،مثل كتبنا الأربعة و نضائرها فأنها خالية من ذلك) قواعد الحديث ص144 .

وهذا الكلام يستلزم الاعتماد على ما ورد في الكتب الأربعة و نضائرها بغض النظر عن رجال السند ،لأن مؤلفوها من العلماء الثقات الإثبات وقد أخذوها من الأصول المعتمد عليها والتي أغلبها قد عرض على الأئمة (ع) وأجازوا العمل به .

ومن المعلوم إن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي من نظائر الكتب الأربعة ،كيف لا وأن مؤلفه الشيخ الطوسي زعيم الطائفة ورئيسها ،والذي شهد بأنه لا يعتمد على حديث ضعيف وهو صاحب كتابي التهذيب و الاستبصار من الكتب الأربعة المعتمدة  .

والنتيجة أن رواية الوصية خارجة عن مورد تقسيم الخبر إلى صحيح وموثق و حسن وضعيف ،لأنها محفوفة بعدة قرائن تفيد صحتها بل الجزم بصحتها ،وحينئذ لا يجب إثبات وثاقة رجال سندها ،وهو من التطويل بلا طائل وهو حرفة العاجز و لجلجة المخصوم.

الفائدة الثانية :-

لا شك إن الرسول محمد (ص) أوصى في الليلة التي كانت فيها وفاته ،حيث طلب من القوم أن يأتوه بكتف ودواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً ،فحال دون ذلك عمر بن الخطاب بقوله ((حسبنا كتاب الله أن محمداً يهجر )) وحاشا رسول الله (ص) من ذلك ،ولأهمية تلك الوصية ولأنها تتكفل بهداية الأمة إلى يوم القيامة وبيان الخلافة وأصحابها وتسلسلها إلى يوم القيامة ،حرص رسول الله أشد الحرص على كتابة تلك الوصية ،وعندما منع عن كتابتها لعامة الأمة ،أضطر (ص) إلى كتابتها إلى خاصته وآل بيته (ع) ،فبعد أن تفرق القوم عن رسول الله (ص) دعا علياً وكتب له الوصية وأشهد عليها سلمان والمقداد وأبا ذر (ع) كما في الخبر التالي :

عن سليم بن قيس : قال الإمام علي (ع) لطلحة : (يا طلحة ،ألست قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله حين دعا بالكتف ليكتب فيها ما لا تضل به الأمة ولا تختلف ،فقال صاحبك ما قال :( أن النبي يهجر ) فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم تركها ؟ قال : بلى قد شهدت ذلك . قال فأنكم لما خرجتم أخبرني بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وبالذي أراد أن يكتب فيها وأن يشهد عليه العامة . فأخبره جبرائيل :(أن الله عز وجل قد علم من الأمة الاختلاف والفرقة ) ثم دعا بصحيفة فأملى علي ما أراد أن يكتب في الكتف وأشهد على ذلك ثلاث رهط سلمان وأبا ذر والمقداد ،و سمى من يكون من أمة الهدى الذين أمر الله بطاعتهم إلى يوم القيامة فسماني أولهم ثم أبني هذا             - وأدنى الحسن - ثم الحسين ثم التسعة من ولد ابني هذا ـ يعني الحسين ـ كذلك كان يا أبا ذر وأنت يا مقداد ؟

فقاموا وقالوا : نشهد بذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ...) كتاب سليم بن قيس ص211 /غيبة النعماني ص81 .

ولنا أن نتسآئل ،بل يجب علينا أن نسأل ،أين هو نص الوصية التي أملاها رسول الله (ص) وخطها أمير المؤمنين (ع) بيده ؟ ،و أقصد بنص الوصية نفس كلام الرسول (ص) مباشرة وهو يملي على الإمام علي (ع) في ليلة الوفاة ،وهل يعقل أن يُضّيَع الأئمة (ع) هذا الكتاب الذي حرص على كتابته الرسول (ص) أشد الحرص ؟ ولم يحفظوه ويبلغوه إلى خلص شيعتهم ؟ ليكون أماناً لمن في أصلاب الرجال من الضلال والانحراف عن الطريق المستقيم وهم أوصياء الرسول (ص) إلى يوم القيامة .

و إذا كان لابد من حفظ هذه الوثيقة العظيمة وعدم التفريط بها ،فلا توجد رواية واحدة تذكر ما أوصى به الرسول (ص) من فمه مباشرة ليلة وفاته إلا رواية الوصية التي هي موضوع البحث ،وخصوصاً ما يتعلق بأمر الولاية والأوصياء إلى يوم القيامة ،نعم وردت روايات عن الأئمة (ع) تتحدث عن وصية الرسول (ص) ليلة وفاته كالرواية السابقة عن سليم بن قيس ،ولكنها وصفت الحادثة والوصية بصورة مجملة ولم تذكر نص ما أوصى به الرسول (ص) منه مباشرة ،بل أقتصر الأمام علي (ع) بذكر ما يتعلق بالاحتجاج على طلحة وإلزامه الحجة ،وبالمضمون لا نصاً .

فالرواية الوحيدة التي نصت على ما تلفظ به الرسول (ص) ليلة وفاته نصاً ،هي ما أخرجه الشيخ الطوسي في الغيبة و اليك ملخصها : (عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ،عن أبيه الباقر ، عن ذي الثفنات الثفنات سيد العابدين ،عن أبيه الحسين الزكي الشهيد عن أبيه أمير المؤمنين (ع) ((قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله ـ في الليلة التي كانت فيها وفاته ـ لعلي عليه السلام يا أبا الحسن أحضر صحيفة و دواة ،فأملأ رسول الله صلى الله عليه وأله وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع فقال يا علي انه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً ،فأنت يا علي أول الأثني عشر الأمام ...إلى أن قال : فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه الحسن الفاضل ، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد المستحفظ من ال محمد ،فذلك اثنا عشر إماماً ،ثم يكون من بعده اثنا عشر مهدياً ،فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه أول المقربين له ثلاثة أسامي أسم كأسمي وأسم أبي وهو عبد الله وأحمد ،والأسم الثالث المهدي وهو أول المؤمنين ) غيبة الطوسي107 ـ 108.

فإذا أنكر القوم هذه الرواية الشريفة العظيمة ، فلا يبقى نص لما أوصى به الرسول (ص) ،وسيحرمون آخر الأمة من هذه الوصية المباركة ،كما حرم عمر من كتابتها للعامة وأشهادهم عليها ،وهذه مصيبة عظمى قد وقع فيها البعض من حيث يعلمون أو لا يعلمون .

وتفصيل الكلام حول هذا الموضوع تجده في كتاب ((الوصية والوصي))      ـ مخطوط ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وسيعلم الذين ظلموا آل محمد أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمهدي وذريته المهديين وأنصارهم الميامين (ع).

الفائدة الثالثة

لقد صرح كثير من العلماء بأن الخبر الواحد المحفوف بالقرائن يفيد العلم والقطع ،وهذا يعني جواز الاعتماد عليه في أصول الدين وفروعه ،بخلاف خبر الآحاد الصحيح السند المجرد من القرائن فالمشهور الاعتماد عليه في الفقه فقط بل ذهب بعضهم إلى عدم الاعتماد عليه حتى في الفقه كالسيد المرتضى (رحمه الله) ،وذلك لأن خبر الآحاد وان كان صحيح السند ،فربما يعارض بما هو أقوى منه أو بما هو متواتر أو تدل القرائن على عدم صحته وان رواته قد أخطأوا في نقله من غير عمد إلى غيرها من الأمور التي يكون من أجلها الخبر الصحيح شاذاً ،ولا يعمل به رغم صحته ،وهذا أمر واضح لمن أطلع على قواعد الحديث وكيفية الأخذ به .راجع أصول الحديث و أحكامه للشيخ جعفر سبحاني ص58 /وقواعد الحديث للغريفي ص25 وما بعدها .

وعلى أحسن الأحوال يعتمد على خبر الآحاد الصحيح السند في الفقه فقط إذا كان مجرداً عن القرائن ،وأما خبر الآحاد المحفوف بالقرائن فأنه يعتمد عليه في الفقه والعقائد حتى لو كان في سنده ضعف ،لعدم انحصار الصحة بِوثاقة رجال السند كما تقدم بيانه .

وبهذا يتبن جهل هؤلاء الذين يعترضون على رواية الوصية ويزعمون ضعفها رغم كثرة القرائن التي تؤيدها ،ولعلهم لقلة إطلاعهم ظنوا أن طريق صحة الخبر هو وثاقة رجال السند فقط ،فوقعوا في حفرة الجهل لأنهم عميان ،لا يقدرون على إبصار طريقهم فكيف يتسنى لهم قيادة غيرهم ،وينطبق عليهم قول نبي الله عيسى (ع) ما معناه :(اتركوهم إنهم عميان وإذا كان الأعمى يقوده أعمى وقع الاثنان في حفرة ) .

فكلما حاول أحد محاربة هذه القضية المنصورة بالله ، إلا وجعل الله هلاكه وفضيحته بنفس كلامه ، و أوقعه في الحفرة التي حفرها بيده ، وهذا إعجاز وتأييد واضح من الله تعالى لقضية السيد أحمد الحسن ، وهذه هي سنة الله تعالى في الدعوات الإلهية .

واليك أيها القارئ ما صرح به الحر العاملي في هذا الصدد ،حيث قال : ((...قد يقترن خبر الواحد بقرائن دالة على صحته بحيث يفيد العلم والقطع وهذا أيضاً لا يقدر عاقل على إنكاره ،إن أنكره فإنما ينكره بلسانه تعصباً وعناداً و إلا فإنه وجداني لا يقبل التشكيك ...) أثبات الهداة ج1 ص20 .

وقال الشيخ جعفر سبحاني : (تقسيم خبر الواحد إلى المحفوف بالقرينة وعدمه : الخبر الذي لم يبلغ حد التواتر تارة يكون مجرداً عن القرائن فلا يفيد العلم غالباً ،وأخرى يكون محفوفاً بها كما إذا أخبر شخص بموت زيد ،ثم إرتفع النياح من بيته وتقاطر الناس إلى منزله ، فهو يفيد القطع واليقين ...) أصول الحديث وأحكامه ص39 .

ونقل الشيخ محيي الدين الغريفي قول الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني عند اعتذاره واعترافه بحدوث التقسيم الرباعي للخبر عند المتأخرين وعدم وجوده عند المتقدمين حيث قال : (فان القدماء لا علم لهم بهذا الإصلاح قطعاً لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالة على صدق الخبر وان أشتمل طريقه على ضعف ... ) قواعد الحديث ص18 .

و أيضاً قال السيد محيي الدين الغريفي : (وخلاصة البحث أن حجية الخبر تثبت بأحد أمرين ،أما سلامة سنده من الضعف ،وأما احتفاظه بقرينة الصحة ،وقد عمل القدماء و المتأخرون بهذين القسمين معاً ،و ذكرهما الشيخ الطوسي بقوله : (إن خبر الواحد إذا كان وارداً عن طريق أصحابنا القائلين بالإمامة ،وكان ذلك مروياً عن النبي (ص) ،أو عن أحد الأئمة (ع) ،وكان ممن لا يطعن في روايته ،ويكون سديداً في نقله ،ولم يكن هناك قرينة تدل على صحة ما تضمنه الخبر ـ لأنه إن كان هناك قرينة تدل على صحة ذلك كان الاعتبار بالقرينة ،وكان ذلك موجباً للعلم ـ جاز العمل به . والذي يدل على ذلك إجماع الفرقة المحقة ،فأني وجدتها مجتمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم ،ودونوها في أصولهم ،لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه ...الخ) قواعد الحديث ص23 .

وقول الشيخ الطوسي : (...لأنه إن كان قرينة تدل على صحة ذلك كان الاعتبار بالقرينة ،وكان ذلك موجباً للعلم) يدل بصراحة على أن الخبر المحفوف بالقرينة يعتمد عليه وان كان في سنده ضعف ،وإنما يحتاج إلى وثاقة رجال السند إذا كان الخبر مجرداً عن القرينة . وقوله (وكان ذلك موجباً للعلم) يدل على أن الخبر المحفوف بقرينة الصحة يفيد القطع وبذلك يصلح للاعتماد عليه في الأصول والفروع ، بخلاف صحيح السند المجرد عن القرينة ،فقد قال عنه (جاز العمل به) أي العمل في الفقه دون العقائد التي يشترط فيها العلم أي اليقين .

ونقل في هامش خاتمة الوسائل قول الشيخ الطوسي في العدة ص27 وفي الاستبصار ج1 ص3-6 ،قال : (وأعلم إن الأخبار على ضربين : متواتر وغير متواتر ،فالمتواتر منها ما أوجب العلم فما هذا سبيله يجب العمل به من غير توقع شيء ينظاف إليه ولا أمر يقوى به ولا يرجح به على غيره وما يجري هذا المجرى لا يقع فيه التعارض ولا التضاد في أخبار النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ،وما ليس بمتواتر على ضربين : فضرب منه يوجب العلم أيضاً وهو كل خبر تقترن إليه قرينة توجب العلم وما يجري هذا المجرى يجب أيضاً العمل به وهو لاحق بالقسم الأول - إلى أخر مقالته ) خاتمة الوسائل ص64 هامش رقم 5 .

وأقوال العلماء الكبار كثيرة في هذا الموضوع يضيق المقام باستقصائها ،فمن أراد ذلك فعليه بمراجعة خاتمة الوسائل ص61 الفائدة السادسة .

وبعد كل ما تقدم يثبت إن رواية الوصية توجب العلم واليقين ،لاحتفافها بعدة قرائن قطعية وهي بذلك يعتمد عليها في العقائد ،و أضف إلى ذلك تواتر مضمون الوصية في كثير من الروايات الصحيحة .

فتكون رواية الوصية حجة من كل الوجوه .

الفائدة الرابعة

حول كتاب الغيبة للشيخ الطوسي(رحمه الله) :

قد ثبت مما سبق وثاقة كتاب الغيبة للشيخ الطوسي وانه صرح بأنه لا يعتمد على حديث ضعيف ،وهنا أحب أن أركز أكثر على هذا مع نقل أقوال بعض العلماء حول هذا الكتاب المعتمد . ويحسن قبل ذلك أن أذكر بعض أقوال العلماء في حق الشيخ الطوسي مؤلف الكتاب .

قال العلامة الحلي في وصفه : (شيخ الأمامية ووجههم ،ورئيس الطائفة ،جليل القدير ،عظيم المنـزلة ،ثقة ،عين ،صدوق ،عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب ،وجميع الفضائل تنسب إليه ،حذق في كل فنون الإسلام ،هو المهذب للعقائد في الأصول والفروع ،الجامع لكمالات النفس في العلم والعمل ، وكان تلميذ الشيخ المفيد محمد بن محمد بن نعمان) .

وقال السيد بحر العلوم الطباطبائي في حقه : (إمام الفرقة بعد الأئمة المعصومين (ع) وعماد الشيعة الإمامية في كل ما يتعلق بالمذهب والدين ،محقق الأصول والفروع ،ومهذب فنون المعقول والمسموع ،شيخ الطائفة على الإطلاق ،ورئيسها الذي تلوى أليه الأعناق ،صنف في جميع علوم الإسلام ،وكان القدوة في كل ذلك والإمام ) .

وأما كتابه ((الغيبة)) فقد أتفق الكل على أنه من الكتب المعتمدة ومن نظائر الكتب الأربعة المشهورة المفروغ عن صحة كل رواياتها . وقد صرح كثير من العلماء بأن كل مصنفات الشيخ الطوسي معتبرة .

قال النجاشي في ترجمة الشيخ الطوسي : ((...له كتب منها كتاب تهذيب الأحكام وهو كتاب كبير ،وكتاب الاستبصار وغيرها من الكتب المعتبرة والمفيدة ...)) خاتمة الوسائل ص2 هامش رقم 1 .

وقال الحر العاملي عند ذكر الكتب المعتمدة ،التي نقل منها كتابه ((إثبات الهداة)) : (وأوثقها بعد كتاب الله عز وجل : مؤلفات الكليني ،وابن بابويه ،والشيخ الطوسي ،والشيخ المفيد ،والحميري ،والحسين بن سعيد ،والبرقي ...) خاتمة الوسائل ص46.

وقال أيضاً عند تعداد الكتب المعتمدة : (...كتاب الغيبة للشيخ الطوسي أيضاً...) إثبات الهداة ج1 ص26 .

وأيضاً نص على وثاقة الكتاب في خاتمة الوسائل ضمن الفائدة الرابعة عند تعداد الكتب المعتمدة التي نقل منها كتاب وسائل الشيعة فقال : (...كتاب الغيبة للشيخ أيضاً ،كتاب مصباح المتهجد له ،كتاب مختصر المصباح له...) خاتمة الوسائل ص46 .

وقد قال الحر العاملي في توثيق الكتب التي أعتمدها في كتابه ((إثبات الهداة)) :(العاشرة : في ذكر جملة من كتب أصحابنا الأمامية التي نقلنا منها في هذا الكتاب ومن عرف أصولها وأصول مؤلفيها علم إن كل حديث منها أو أكثرها محفوف بقرائن كثيرة توجب العلم ولا تقصر عن التواتر ،وان تنزلنا قلنا أنها تسهل حصول التواتر بأقل مراتب الجمع غالبا ًخصوصاً مع عدم المعارض كما هنا ...) أثبات الهداة ج1 ص26 .

وقد تقدم تصريح الحر العاملي بأن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي من أهم الكتب المعتبرة التي أعتمد عليها في كتابيه ((إثبات الهداة ، ووسائل الشيعة)) فتكون روايات كتاب ((الغيبة)) أما متواترة أو محفوفة بقرائن تفيد صحتها ،وأنها مأخوذة عن الكتب المعتبرة والأصول المعتمدة التي كانت متوفرة لدى الشيخ الطوسي (رحمه الله ) .

وقد صرح الشيخ الطوسي بصحة كل ما عمل به من الأخبار ،بعد أن قسم الأخبار الصحيحة إلى أربعة أقسام ،قال : (وأن كل خبر عمل به في كتابي الأخبار وغيرها لا يخلو من الأقسام الأربعة) .

وبهذا لا يبقى شك بأن كتاب ((الغيبة)) للشيخ الطوسي من الكتب المعتبرة والمعتمد عليها ،وكل الأحاديث التي وردت فيه صحيحة وخصوصاً ما ساقه الشيخ الطوسي على نحو الاستدلال ،كما هو الحال في رواية الوصية فقد أستدل بها على إمامة الأئمة الأثني عشر (ع) .

فتكون رواية الوصية صحيحة بغض النظر عن رجال السند .

الفائدة الخامسة :

ويتبين أن الشيخ الطوسي قد نقل رواية الوصية من كتاب الحسين بن علي بن سفيان البزوفري وهو من الثقات فيكون كتابه معتمد ،وقد ذكر الشيخ الطوسي طريقه إلى هذا الكتاب كما نقله عنه الحر العاملي فقال : (وما ذكرته عن أبي عبد الله الحسين بن سفيان البزوفري فقد أخبرني به أحمد ابن عبدون والحسين بن عبيد الله ، عنه) خاتمة الوسائل ص30 .

والبزوفري قال عنه العلامة : (شيخ ،ثقة ،جليل ،من أصحابنا وزاد العلامة :خاص ) خاتمة الوسائل ص177 .

وقال عنه النجاشي : (شيخ ثقة جليل من أصحابنا له كتب ـ ثم عد كتبه ـ روى عنه المفيد وأبو عبد الله الحسين بن عبيد الله الغضائري وغيرهم ...) هامش خاتمة الوسائل ص23 .

وقد نقل السيد محمد الصدر في الموسوعة بأن البزوفري أحد وكلاء الإمام المهدي (ع) فقال : ( الحسين بن علي بن سفيان :بن خالد بن سفيان .أبو عبد الله البزوفري . شيخ جليل من أصحابنا . له كتب ، روى الشيخ في الغيبة عن بعض العلويين سماه . قال : كنت بمدينة قم فجرى بين اخواننا كلام في أمر رجل أنكر ولده . فأنفذوا الى الشيخ _صانه الله – وكنت حاظراً عنده _ أيده الله _ فدفع إليه الكتاب فلم يقرأه ، وأمره ان يذهب الى أبي عبد الله البزوفري _ أعزه الله _ ليجيب عن الكتاب . فصار إليه وأنا حاضر . فقال أبو عبد الله : الولد ولده وواقعها في يوم كذا وكذا في موضع كذا وكذا فقل له فليجعل اسمه محمداً. فرجع الرسول وعرفهم ، ووضح عندهم القول . وولد الولد وسمي محمداً ) وقد نقلنا مضمون هذا الخبر فيما سبق . وهو يدل بوضوح على استسقاء هذه المعلومات من الإمام المهدي (ع) ولو بالواسطة .فيدل على انه وكيلاً في الجملة . ومن هنا قال المجلسي في البحار تعليقاً على هذا الخبر : يظهر منه ان البزوفري كان من السفراء ولم ينقل ...) الغيبة الصغرى ص524 .

فبربكم هل يتوقع من هكذا رجل غاية في الوثاقة والعدالة ان ينقل رواية ضعيفة أو موضوعة أضف الى ذلك انه من أصحاب الكتب المعتمدة وقد نقل الشيخ الطوسي رواية الوصية من أحد كتبه وطريقه إليه هو : أحمد بن عبدون والحسين بن عبيد الله الغضائري . وهما من الثقات لأنهما من مشايخ النجاشي . ومن كتب البزوفري :كتاب الحج ،وكتاب ثواب الاعمال ،وكتاب أحكام العبيد ،وكتاب الرد على الواقفة ، وكتاب سيرة النبي والأيمة ...كما ذكرها النجاشي في رجاله ص34 وقال: اخبرنا بجميع كتبه احمد بن عبد الواحد ابو عبد الله البزاز عنه .

وبهذا تكون رواية الوصية منقولة من كتب الحديث المعتبرة التي ألفها ثقات الأئمة (ع) وبذلك تكون قطعية الصدور بغض النظر عن وثاقة رجال سندها .كما صرح بذلك كبار العلماء .

أضف الى ذلك أيضاً ان الحسين بن علي المصري أحد رواة الوصية هو من أصحاب الكتب ، فلابد ان تكون رواية الوصية أيضاً منقولة من كتبه والتي أحدها كتاب الإمامة ، وهذا دليل آخر يضاف لصالح رواية الوصية ، وسيأتي ذكر ذلك انشاء الله تعالى .

اذن فالرجل من أصحاب الكتب والأصول المعتمدة لوثاقته وجلالته  ورواية الثقات عنه كالشيخ المفيد وابن الغضائري وابن عبدون ،وهم أبرع من كتب في علم الرجال ولا يمكن بل لا يتوقع منهم أن يرووا عن كتاب أو أصل غير معتمد ،وهم الذين يعيبون ويشنعون على من يفعل ذلك ،بل يضعفون من يفعل ذلك من الرواة ،وما دام أن الشيخ الطوسي قد نقل رواية الوصية من كتاب البزوفري الثقة الجليل ،المعتمد ،فهذا وحده كاف في أثبات صحة رواية الوصية ،ولا حاجة إلى التطرق لرجال السند ،واثبات وثاقتهم ،زيادة قرينة إلى القرائن الأخرى ،ولا تتوقف عليه صحة الوصية ،كما كررت ذلك مراراً .

والدليل على أن الشيخ الطوسي ينقل عن كتاب الحسين بن علي بن سفيان البزوفري هو ما نقله عنه الحر العاملي من أنه يبتدأ في سند الروايات بذكر المصنف الذي أخذ الخبر من كتابه ،ومن المعلوم أنه ابتدأ في رواية الوصية بالحسين البزوفري فيدل على أنه أخذه من كتابه ،ثم ذكر طريقه إلى ذلك الكتاب حيث قال : (وما ذكرته عن أبي عبد الله الحسين بن سفيان البزوفري فقد أخبرني به أحمد أبن عبدون والحسين بن عبيد الله (الفضائري) عنه) خاتمة الوسائل ص30 .

واليك نص كلام الحر العاملي عن الشيخ الطوسي : (قال الشيخ الطوسي قدس سره في آخر (التهذيب) بعد ما ذكر إنه أقتصر من إيراد الأخبار على الابتداء بذكر المصنف الذي أخذ الخبر من كتابه ،أو صاحب الأصل الذي أخذ الحديث من أصله : ونحن نذكر الطرق التي يتوصل بها إلى رواية هذه الأصول والمصنفات ونذكرها على غاية ما يمكن من الاختصار ،لتخرج الأخبار بذلك عن حد المراسيل وتلحق بباب المسندات ...) خاتمة الوسائل ص2 .

والقول الفصل : في إثبات صحة رواية الوصية ،هو ما صرح به الشيخ الطوسي في الغيبة بعد ذكره لرواية الوصية وغيرها ،حيث ذكر إشكالاً وأجاب عنه فقال : (فإن قيل : دلوا أولاً على صحة هذه الأخبار ،فإنها آحاد لا يعوَّل عليها فيما طريقه العلم ،وهذه مسألة علمية ...

قلنا : أما الذي يدل على صحتها فإن الشيعة الأمامية يروونها على وجه التواتر خلفاً عن سلف ،وطريقة تصحيح ذلك موجودة في كتب الإمامية في النصوص على أمير المؤمنين عليه السلام ،والطريقة واحدة...) الغيبة ص111 .

وهذه شهادة صريحة من الشيخ الطوسي تدل على صحة رواية الوصية ، وهذا وحده كاف في إلجام المعاندين وسد أفواه الجاهلين .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الأئمة والمهديين وسلم تسليماً.

بقلم الشيخ

ناظم العقيلي

  • رجائي أن شيعة آل محمد (ع) يصطفون تحت هذه الراية فهي راية الحق الوحيدة البارزة، والمنادية بالحق، الراية الوحيدة التي لم تداهن ولم تدخل فيما دخل فيه أهل الباطل، ومُخطأ من شيعة آل محمد (ص) من يُعوِل على هؤلاء الذين أيديهم صفرات من الدليل سواء الشرعي أم العقلي على مايدعون من وجوب تقليد ونيابة، مُخطأ من يُعوِل على هؤلاء الذين لايثقون ببعضهم بعضا وكل واحد منهم اخذ مجموعة من شيعة آل محمد (ص) وحزَّبَهم لنفسه دون أن ينصبه الله، حتى فرقوا شيعة آل محمد (ع) شيعا وجعلوهم لايكادون يلتقون حتى في تحديد يومي العيدين...
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • اسأل نفسك وليسأل كل منصف نفسه السؤال الحتمي بعد معرفة ما روي في كتب المسلمين أن رسول الله محمداً (ص) عندما مرض بمرض الموت طلب ورقة وقلم ليكتب كتاباً وصفه رسول الله محمد (ص) بأنه كتاب يعصم الأمة التي تتمسك به من الضلال إلى يوم القيامة، فمنعه عمر وجماعة معه من كتابة هذا الكتاب في حادثة رزية الخميس المعروفة، فالسؤال هو: هل يقبل أحد أن يتهم رسول الله محمداً (ص) أنه قصَّر في كتابة هذا الكتاب المهم والذي يعصم الأمة من الضلال بعد أن كانت عنده فرصة لأيام قبل وفاته يوم الاثنين ليكتبه ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني الوصية المقدسة الكتاب العاصم من الضلال
  • علي صلوات الله عليه نصر رسول الله محمد (ص) في أول بعثته فكان أول المؤمنين ثم وهو شاب صغير في العمر قدم حياته قربانا بين يدي الله سبحانه وفي كل مرة يخرج بجرح أو جروح مميتة ولكنها لا تثنيه أن يتقدم للموت مرة أخرى، قدم عبادة وإخلاصا، تصدق بكل ما يملك، بخاتمه، وبطعامه وهو صائم، وما كان ليعلم به احد لولا أن الله أنزل قرآنا يذكر فعله، كان علي صلوات الله عليه يخفي بكائه بين يدي الله سبحانه حتى على فاطمة صلوات الله عليها، علي سحق أناه ولم يطلب أن يذكر فوهبه الله حكما وعلما وفضله على العالمين.
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • 1
  • 2