raya

فهرس المقال

 

 

موجز

عن دعوة

السيد أحمد الحسن (ع)

بقلم الأستاذ

عبدالرزاق الأنصاري

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمدلله رب العالمين وصلى الله على سيد المرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، الأئمة والمهديين وسلم تسليما

الحديث عن هذه الدعوة المباركة حديث ذو شجون فعلى الرغم من أن سنوات ليست بالقليلة قد تصرمت منذ أن صدع بها السيد أحمد الحسن (ع) إلا أن المشهد الشيعي العام لا يزال يسجل نتيجة واحدة تتمثل بفشل القطاعات الشعبية المختلفة في التعاطي الإيجابي مع الدعوة،وإخفاقهم الذريع في النظر إليها بعيداً عن زوبعة التشكيك التي يثير غبارها فقهاء آخر الزمان .

إن تجربة الإحتكاك اليومي بين الدعوة والناس تضع الملاحظ بإزاء علة أساسية لهذا الإخفاق تتمثل بحالة الإستلاب الفكري وغياب الإرادة الحرة التي يعيشها الإنسان الشيعي نتيجة القمع الفكري والإستخفاف الذي مارسته وتمارسه المؤسسة الدينية . فبأسم النيابة العامة عن الإمام (ع) وبإسم الإجتهاد والتقليد إحتكرت هذه المؤسسة كل الخيارات المتعلقة بتنظيم حياة الإنسان الشيعي وأعطت

لنفسها أوسع الصلاحيات في التحكم بعقيدته وحركته ولم تترك له سوى هامش الإتباع الأعمى لكل مقرراتها ، بعد أن أوهمته بعدم قدرته على التمييز والإختيار ،  وبأنه قطعة شطرنج لا أكثر .

فعلى رأس منظومة الأفكار التي زرعتها المؤسسة الدينية في قناعة الإنسان الشيعي تقف الفكرة التي تميز بين نمطين من الناس ؛ علماء من جهة ، وعوام أو غوغاء من جهة أخرى ، وقد يبدو أن ثمة منطقاً معقولاً يسوغ مثل هذه الفكرة غير أن الفحص الدقيق في المنشأ الذي انبثقت عنه يؤكد بما لا يقبل الشك حقيقة كونها فكرة مصطنعة وغريبة تماماً عن روح الدين الإسلامي، بوصفه دين الفطرة .

لقد لفقت المؤسسة المذكورة مجموعة من العلوم اللغوية والرجالية والعقلية جعلتها وسيطاً بين الإنسان والدين الأمر الذي باعد الشقة بينهما ، وهيأ الأرضية لأخطر إنحراف في تأريخ المذهب الشيعي ، إذ لم تعد أحاديث أهل البيت (ع) هي المبين لحدود الشريعة ، بل أضحت جزء من مركب يشرف الفقيه المرجع على تفاعلاته ويحدد هو نتيجته . الأمر الذي يعني في المحصلة الأخيرة أن الفقيه المرجع قد أزاح أهل البيت (ع) عن مراتبهم ، ونصب نفسه بديلاً عنهم .

إن السهولة البالغة التي مرت بها الفتوى الغريبة التي صدرت عن السيد السيستاني بتكذيب كل من يدعي مشاهدة الإمام المهدي (ع) في اليقظة أو في المنام تثير تساؤلاً كبيراً عن مدى الجرأة التي بلغها فقهاء آخر الزمان ودرجة الغفلة التي بلغتها الأمة .

ولكي لا أُتهم بالإبتعاد عن الواقع أنقل لكم حادثة وقعت لي بعد أن عرضت الدعوة على أحد الأصدقاء،وأنا على ثقة أن كثيراً منكم قد صادفته حوادث مشابهة :

(( بعد أن عرضت أدلة الدعوة على صديقي ، أجابني : أنا لا أملك من المعلومات ما يعينني على الحكم ، ولكن لي صديقاً يدرس في الحوزة سأعرضها عليه ، وأسمع منه الحكم . فاجئني بما قال لأن الأدلة التي عرضتها عليه لا تحتاج غير قليل من الجهد الأدراكي ، وصديقي حائز على شهادة البكلوريوس في الفيزياء . قلت له : أتعني إنك تتنازل عن البحث والتفكير لصديقك الحوزوي ؟ وهل تضمن أنه سيكون صادقاً وموضوعياً ، وأن أهواءه ومصالحه لن تتدخل في حكمه ؟ أجابني : نعم . وعلى الرغم من أن هذه النتيجة ليست صحيحة ، قلت له : لابأس سأكتب لصديقك ، ولكن واجب الصداقة يقتضي مني إسداء نصيحة لك هي أن تطلب منه بيان دليل حكمه، أياً كان هذا الحكم . وافق صديقي وأرسل الأوراق التي كتبتها وبعض كتب الدعوة، على أن يأتيه الجواب في بحر شهر أو أقل .. ولكن الشهر مضى ومر شهر آخر ولم يأت الجواب . وبعد أن راجعت صديقي ، قرر السفر الى النجف لمعرفة الجواب .. بعد أيام عاد بهذا الجواب : نصحني صديقي الحوزوي بالإبتعاد عن هذه الدعوة ، وقال لي : إن عصرنا عصر فتن ، والمرجعية تتبع مع هكذا دعوات سياسة غاية في الذكاء هي سياسة الصمت والإعراض ؟؟؟ ... ))

هذه القصة بين يديك عزيزي القارئ يمكنك أن تتأمل فيها ، ومن جهتي لا أكتمك إني قد تألمت كثيراً لتفريط صديقي بنعمة العقل التي حباها الله له .

والحمد لله وحده وحده وحده... ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين)

أبو محمد


 

 

 

 

مدخل الى البحث...

رأيت من المناسب أن أضع بين يدي البحث مدخلاً أكرسه لمناقشة بعض الشبهات التي أثارها بعض المعاندين زاعمين أنها كفيلة بإبطال الدعوة من أساسها. والشبهات المشار إليها سطرها الشيخ محمد السند في كتابه المعنون

( فقه علائم الظهور )

وإليكم أدلة الشيخ السند المزعومة:-

أولاً - توقيع السمري:-

( بسم الله الرحمن الرحيم ، يا علي بن محمد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك،فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام،فاجمع أمرك ولاتوص الى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك ، فقد وقعت الغيبة التامة،فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل ، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً ، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة،ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر ، ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم ) .

 

- إستدلال الشيخ السند به:-

استدل الشيخ بموضعين من هذا التوقيع على بطلان السفارة، كالأتي:

الأول: -

يمثله قوله (ع) (( فاجمع أمرك ولاتوص لأحد يقوم مقامك بعد وفاتك ، فقد  وقعت الغيبة التامة )) .

وصورة استدلاله على النحو الأتي : إن قوله وقعت الغيبة التامة ، وقع وصفاً للغيبة الكبرى ، وإذا كانت الغيبة الكبرى تامة فهذا يعني أن مقابلها ، أي الغيبة الصغرى لم تكن تامة ، فما الذي ميز بين الغيبتين فجعل الكبرى تامة والصغرى غير تامة ؟ .

جواب الشيخ أن المائز هو وجود السفارة في الغيبة الصغرى ، وانعدامها في الكبرى . بمعنى أن انعدام السفارة في الغيبة الكبرى هو الذي أضفى عليها صفة التمامية .

هذا الجواب مردود من عدة وجوه:

1 – لا ينص التوقيع ، ولا توجد أية رواية عن أهل البيت (ع) تنص على انتفاء السفارة في زمن الغيبة الكبرى . وفي ظل انعدام النص لا يبقى إلا أن يكون استدلال الشيخ تعبيراً عن فهمه هو للتوقيع .

2- يمكن مقابلة أطروحة الشيخ بأطروحة أخرى تنقضها من الأساس؛ فإذا كانت وظيفة السفير في الغيبة الصغرى تتحدد بنقله تساؤلات واستفسارات القاعدة عبر ما اصطلح عليه بـ( التوقيعات ) ، فإن هذه الوظيفة توفر نوعاً من الإتصال غير المباشر بين الإمام وقاعدته ، الأمر الذي يضفي على غيبته صورة الغيبة غير التامة . وإذا كان لابد من إلتزام التمامية في الغيبة الكبرى فهذا الشرط يتحقق فيما لو أرسل الإمام (ع) رسولاً اوسفيراً بعد ان يكون قد زوده سلفاً بما يحتاج من علم لقيادة الناس،على أن يكون السفير هو القائد والموجه لحركة الجماهير، وينعدم تماماً أي اتصال بين الإمام والجماهير ، وبهذه الطريقة تتحقق تمامية الغيبة ويبقى السفير موجوداً،والسفارة قائمة. ولعل القارئ يلاحظ أن هذه الأطروحة تنطوي على مساحة حركة أوسع،وتوفر شروط امان أكبر للإمام،إذ يمكن للإمام أن يطلب من سفيره عدم التصريح بكونه سفيراً ويكتفي بممارسة عمله على وفق الخطة المرسومة له. ولاتنافي بين عدم التصريح وبين كون السفير سفيراً طالما كان العمل المنشود متحققاً،وبطبيعة الحال يمكن للخطة أن تتخذ منهجاً يقوم على أساس التصريح المطلق، أو المحدد بجماعة معينة.

وبهذه الأطروحة يسقط استدلال الشيخ السند ولو من باب ( إذا دخل الإحتمال بطل الإستدلال ) . وعلى سبيل الإستطراد أقول إن السيد الصدر (رحمه الله) إستدل بهذا الموضع أيضاً على إنتفاء السفارة ، وذهب الى أن المستفاد منه انتفاؤها على مدى التأريخ ََ! واللافت أنه ترك الأمر دون توضيح، فلم يذكر كيفية دلالة الموضع على ماذهب إليه. والمظنون أن ماذهب إليه السيد واحدة من فلتات القلم التي قلما يسلم منها إنسان. إذ ما أن يصل الدور الى الموضع الثاني المتعلق بتكذيب مدعي المشاهدة حتى نجده يقدم أطروحة - يرجحها على ما عداها - تقول بإمكانية تصديق مدعي السفارة فيما لو أخبر بأمور معلومة الصحة، أو حتى محتملة أوممكنة قياساً بالقواعد كما يعبر.

3 – ويمكن دحض استدلال الشيخ السند بما أضافه الشيخ ناظم (سدده الله) أثناء تعليقه على الكتاب حيث قال : إن معنى قوله (وقعت الغيبة التامة) يراد به الغيبة التي يتحقق الغرض بها ويتم الظهور، فلا غيبة بعدها، وبعبارة أخرى الغيبة التي يتم فيها غربلة الأمة وتمحيصها وإعداد أوفرز العشرة آلاف والثلاثمئة والثلاث عشرة، فالمراد هنا من التمام هو تمام الغرض من الإختفاء ليتحقق بعدها الظهور والقيام وإنتهاء الغيبة.

- الثاني:- يمثله قوله (ع) (( وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو مفتر كذاب )) .

يقول الشيخ السند: ((والظاهر من ادعاء المشاهدة هو السفارة والنيابة ، بقرينة السياق والصدور على يد النائب الرابع، حيث أمره بعدم الوصية لأحد أن يقوم مقامه)) . ويرد عليه :

1 – إن الظهور المزعوم لا وجود له ألبتة، فليس ثمة علاقة أو ارتباط ذهني بين المشاهدة والسفارة.

2 – إن قرينة السياق المزعومة لا حقيقة لها، فلم يكن التوقيع بصدد الحديث عن إنتفاء السفارة كما توهم الشيخ السند، وقد مر بيان ذلك فيما تقدم.

3 – لو سلمنا جدلاً بأن المراد من المشاهدة هو السفارة، كما يزعم الشيخ السند ، فإن القضية المتمثلة بقوله (ألا فمن ادعى المشاهدة... الخ) هي قضية غير مسورة، وهي بالتالي بقوة الجزئية، ومحصلها: إن بعض من يدعى السفارة كذاب لا الجميع.

4 – إن الظاهر من المشاهدة هو اللقاء والرؤية بالعين،  وإنما فروا من هذا الظاهر ظناً منهم أنه يناقض ما ورد من أخبار فاقت حد التواتر – على حد تعبير السيد الصدر – عن أناس التقوا الإمام المهدي(ع).

و الحقيقة أن التناقض المزعوم لا يعدو عن كونه وهماً، فكما أفاد الشيخ النهاوندي يراد من تكذيب مدعي المشاهدة خصوص من يدعي  أن الإمام قد ظهر للعيان وأنه شاهده مع أن علامتي الظهور القريبتين (السفياني والصيحة) لم تقعا، فهذا وحده من ينصرف إليه التكذيب. فمدعي المشاهدة هو ذلك الشخص الذي يزعم إن بإمكان كل شخص أن يرى الإمام لأنه قد ظهر، مع أن الصيحة والسفياني لم يقع أي منهما. ولا أدري لماذا أغفل الشيخ السند  وسواه رأي الشيخ النهاوندي هذا.

5 – إذا كانت المشاهدة تعني السفارة، ومدعيها يكون قد ادعى السفارة، فهل معنى ذلك أن كل من ادعى المشاهدة يكون قد ادعى السفارة، وبالتالي لابد من تكذيبه؟ أم أن من يقع عليه التكذيب هو خصوص من يدعي المشاهدة و السفارة معاً، لا من يدعي المشاهدة فقط؟  وإذا كان المقصود هو هذا الأخير فإن ادعاء السفارة غير منصوص عليه في التوقيع، فمن أين جئتم به ؟ وبالنسبة لكلام السيد الصدر الذي سبقت الإشارة له عند مناقشة الموضع الأول ، أقول أنه وإن لم يفسر المشاهدة على أنها السفارة إلا أن كلامه لايرقى بحال لكلام الشيخ النهاوندي، والظاهر أن السيد لم يلتفت للقيد الموجود في كلام الإمام، وأقصد به علامتي الظهور القريبتين (الصيحة و السفياني) ، فإن من شأنهما تحديد المراد من المشاهدة بما قرره الشيخ النهاوندي.

ثانياً:-

استدل الشيخ السند أيضاً بالروايات التي تتحدث عن وقوع غيبتين؛ صغرى وكبرى، وذهب الى أن وجود غيبتين يقتضي وجود مائز بينهما وإلا لكانتا غيبة واحدة لا غيبتين، وليس هذا المائز - برأيه - سوى انتفاء السفارة في الكبرى!؟

هذا الإستدلال في الحقيقة ليس سوى صورة طبق الأصل من إستدلاله في الموضع الأول من توقيع السمري . والروايات التي أشار لها لاتنص على انعدام السفارة في الغيبة الكبرى، وإلا لكان أستدل بها مباشرة دون حاجة منه الى التأويل! وعلى هذا لايبقى من استدلاله إلا أنه يعبر عن فهمه الشخصي غير الملزم لأحد سواه، ويمكن معارضة هذا الفهم بأطروحة مغايرة ؛ كإن نقول إن المائز هو طول الكبرى و قصر الصغرى، وثمة روايات كثيرة تنص على ما نقول. وللشيخ ناظم العقيلي كلام في هذه النقطة يقول فيه : إن من تدبر كلام الصادق (ع) يتضح له الفرق بين الغيبتين واضحاً جلياً دون حاجة الى تأويلات لا أساس لها، فعن أبي عبدالله (ع) قال : ( للقائم غيبتان ؛ أحداهما قصيرة والأخرى طويلة، الأولى لايعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته، والأخرى لايعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه) . وعنه (ع) : ( لصاحب هذا الأمر غيبتان؛ إحداهما يرجع الى أهله، والأخرى يقال: هلك في أي واد سلك... ) .

فالفرق كما تنص هاتان الروايتان هو:

1 –  الأولى قصيرة ، والأخرى طويلة.

2 – الأولى يطلع على مكانه خاصة شيعته ، والثانية يطلع على مكانه خاصة مواليه

3 – إحداهما يرجع منها الى أهله والأخرى يقال:هلك في أي واد سلك .

ولعل في روايات أخرى فروقاً أخرى تركنا تتبعها ، والمهم أن انتفاء السفارة ليس  منها .

ثالثاً: -

-     يستدل الشيخ السند بالروايات الآمرة بالإنتظار ، والروايات التي تتحدث عن وقوع التمحيص والإمتحان. فبرأيه أن الروايات التي تأمر بالإنتظار، وعدم تعجل الظهور تقتضي وجود حيرة واضطراب ، ومن هنا تأتي الروايات لتعصم الناس من الإنزلاق في الضلال المترتب على هذه الحيرة . وما سبب هذه الحيرة ؟ يجيب الشيخ السند : إنه عدم الإتصال بالإمام (ع) ، أو غياب السفير!

والنتيجة إذن إن الروايات هذه يستفاد منها انعدام السفارة في الغيبة الكبرى!؟

يرد على هذا الإستدلال:-

1 – لا دليل على اختصاص فترة الغيبة الكبرى بأوامر الإنتظار ، بل ورد النص من المعصومين (ع) على شمول أصحابهم ، ومعاصريهم بإنتظار الفرج ، ومع  عدم الإختصاص لايبقى مسوغ لإستدلال الشيخ . ورد عن الإمام الصادق (ع) : (( من بات منكم على هذا الأمر منتظراً كان كمن هو في الفسطاط الذي للقائم)) و عنه أيضاً قال:((ألا أخبركم بما لايقبل الله (عز وجل) من العباد عملاً إلا به؟ فقلت: بلا. فقال:... والإنتظار للقائم (ع))).

2- لا دليل على أن سبب الحيرة والإضطراب هو عدم وجود السفير، بل الأحرى أن يقال أن السبب هو عدم معرفة ولي الله؛ سفيراً كان أو إماماً، وعدم الإلتفاف حوله، والإلتجاء إليه، وإلا كيف نفسر حدوث الحيرة والإضطراب في أزمان سابقة للغيبة الكبرى (فتنة الواقفية على سبيل المثال) ؟

3 – إذا كان غياب السفير هو سبب الحيرة والإضطراب، فهذا يعني أن الحيرة ومايتبعها من ضلال لا يمكن أن ترتفع إلا بوجود السفير، لأن المعلول يدور مدار علته وجوداً وعدماً، وهنا نسأل إذا كان الأمر هكذا فما جدوى روايات الإنتظار طالما لا تعصم الناس من الضلال؟ لأنه بحسب الفرض وجود السفير وحده يعصمهم.

وبخصوص روايات التمحيص يسوق الشيخ السند استدلاله بالصورة الآتية: تشير هذه الروايات الى وجود تمحيص يخضع له الناس، وهذا التمحيص يقتضي وجود محن شديدة يمر بها الناس يكون التمحيص نتيجتها، وهذه المحن الشديدة لا تكون إلا عند إنعدام السفارة أو انعدام الإتصال بالإمام، وهكذا تشير هذه الروايات الى انعدام السفارة!

يرد على هذا الإستدلال:-

1 – لايختص التمحيص بزمن دون زمن، بل يشمل الأزمان كلها، بما فيها الأزمان التي يوجد فيها الأنبياء والأوصياء والسفراء، ومع عدم الإختصاص لايبقى موجب لأن نستدل منه عدم وجود السفراء.

2 – لا تنص هذه الأحاديث على عدم وجود سفارة في الغيبة الكبرى، ولا تنص على أن سبب المحن هو انقطاع السفارة. ويرد عليه ما ورد في النقطة السابقة.

رابعاً:-

ادعى الشيخ تسالم الطائفة على القول بانقطاع السفارة في الغيبة الكبرى، واستشهد بنماذج من كلماتهم، سيتم عرضها خلال المناقشة.

ويرد عليه:-

1- لا وجود لأثر عن المعصومين (ع) ينص على انقطاع السفارة، فمن أين لعلماء الطائفة القول بانقطاعها، على فرض حصوله؟

2 –ادعاء الشيخ لا حقيقة له، والأقوال التي استشهد بها لاتحقق غرضه، وإليك هذه الأحاديث:

أ- (قال الشيخ سعد بن عبدالله الأشعري القمي – وقد كان معاصراً للإمام العسكري، وكان شيخ الطائفة وفقيهها- في كتابه المقالات والفرق بعد أن بين لزوم الإعتقاد بغيبة الإمام عجل الله فرجه، وانقطاع الإرتباط به:(فهذه سبيل الإمامة، وهذا المنهج الواضح، والغرض الواجب اللازم الذي لم يزل عليه الإجماع من الشيعة الإمامية المهتدية رحمة الله عليها، وعلى ذلك إجماعنا الى يوم مضى الحسن بن علي رضوان الله عليه).  أقول واضح إن الشيخ القمي يتحدث عن اجماع حاصل في زمن الإمام العسكري (ع)، ومعلوم أن السفارة لا عين لها ولا أثر في هذا الوقت، وعليه لايمكن أن تكون مقصودة لحديثه، وإلا شمل حديثه االسفارة في الغيبة الصغرى. وأغلب الظن أن عبارة (وانقطاع الإرتباط به) – إن كانت مما تفوه به الشيخ – يراد منها عدم لقاء الناس بالإمام المهدي(ع) أيام أبيه للضرورة المعروفة. كما إنه واضح إن الإجماع الذي يتحدث عنه إجماعهم على لزوم الإعتقاد بالغيبة.

ب- قول الشيخ ابن قولويه (إن عندنا إن كل من ادعى الأمر بعد السمري – وهو النائب الرابع – فهو كافر منمس، ضال مضل).

أقول: هذا الكلام منصرف لتكذيب أشخاص بعينهم كانوا قد ادعوا السفارة بعد السمري زوراً وبهتاناً، أمثال الحلاج كما قيل عنه وغيره، فهو لايعبر عن مبدأ إعتقادي عام.

وفي تعليق للشيخ ناظم العقيلي قال: وأرجح معنى لقوله (بعد السمري)، أي بعده مباشرة أو ما يصدق عليه بعده، ولو بفترة معتد بها، وليس معناه الى قيام القائم(ع) ، وهذا المعنى موافق لقول الإمام (ع) (لاتوص الى أحد من بعدك) أي لاتوص أنت ، دون أن يعني ذلك أن الامام لايمكنه إرسال رسول أو سفير ، فهذا المعنى غريب و دخيل على كلام الإمام(ع).

ج- قول الشيخ الصدوق (فالغيبة التامة هي التي وقعت بعد مضي السمري رضي الله عنه).

أقول لا أدري كيف استساغ الشيخ السند الإستدلال بهذا القول، مع أن الصدوق لا يريد منه أكثر من الإشارة الى مبتدأ الغيبة الكبرى. ولعل الشيخ السند توهم أن الصدوق يفهم التمامية كما يفهمها هو، وإذا كان هذا فعليه إبراز الدليل .

د- قول الشيخ المفيد : (وله غيبتان؛ إحداهما أطول من الأخرى، كما جاءت بذلك الأخبار؛ فأما القصرى منهما فمنذ وقت مولده الى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته وعدم السفراء بالوفاة، وأما الطولى فهي بعد الأولى وفي آخرها يقوم بالسيف) .

أقول أين الدليل الذي يطلبه الشيخ السند ؟ هل في هذا الكلام ما يدل و لو من بعيد على أنتفاء السفارة في الغيبة الكبرى؟ أم إن الأمر تسطير كلمات فقط ؟ أليس حديث الشيخ المفيد منصرفاً الى التحديد التأريخي للغيبتين لاأكثر؟

 


فقهاء آخر الزمان و موقفهم من الإمام المهدي(ع)

 

الهدف من هذا المبحث تعريف القارئ بحقيقة فقهاء آخر الزمان، كما تكشف عنها روايات أهل البيت (ع).

فالملاحظ أن الناس بدلاً من أن يعرفوا حقيقة هؤلاء الفقهاء من  أهل البيت(ع) نراهم يسعون لمعرفة أهل البيت من خلالهم ، فيا لله كم هي الموازين مقلوبة عند الناس ؟ وكأنهم يجهلون حال فقهاء آخر الزمان ، مع إن فضائحهم أضحت حديث القاصي والداني . ألا يكفي انهم مكنوا لأمريكا – الدجال الأكبر- وتركوا البلاد طعمة رخيصة لها ؟

وعلى أية حال سأبدأ هذا المبحث بالتدليل على أن عصرنا هذا الذي نعيشه هو  عصر الظهور، وفقهاء هذا الزمان هم فقهاء آخر الزمان الذين عنتهم روايات أهل البيت (ع) ، وذلك عبر تحقيق علامة واحدة من علامات الظهور ، مع أن أكثر الناس يعلمون أن أكثر العلامات قد تحققت .

والعلامة المشار اليها يمثلها الحديث الوارد عن رسول الله (ص) ، الذي يقول فيه: (يحكم الحجاز رجل اسمه اسم حيوان، إذا رأيته حسبت في عينه الحول  من البعيد، وإذا اقتربت منه لاترى في عينه شيئاً، يخلفه أخ له اسمه عبدالله . ويل لشيعتنا منه ، أعادها ثلاثاً ، بشروني بموته أبشركم بظهور الحجة) (مئتان وخمسون علامة: 122)

حاكم الحجاز الذي اسمه اسم حيوان هو (فهد) ملك السعودية المقبور، وبإستطاعة كل منكم معاينة صورة لفهد للتحقق من علامة الحول في عينيه. وقد خلفه أخوه عبدالله، ولا يخفى عليكم الويلات التي تجرعها الشيعة من سياساته.

وعبارة (بشروني بموته أبشركم أبشركم بظهور الحجة) ، تعبر بلا شك عن ملازمة مستحكمة بين موت عبدالله وظهور القائم، ويؤكدها اعادة العبارة ثلاثاً .

وبمثل مضمون الحديث السابق ورد عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبدالله (ع) ، يقول : (من يضمن لي موت عبدالله أضمن له القائم، ثم قال: إذا مات عبدالله لم يجتمع الناس بعده على أحد ، ولم يتناه هذا الأمر دون صاحبكم إن شاء الله ، ويذهب ملك السنين ، ويصير ملك الشهور والأيام، فقلت: يطول ذلك؟ قال : كلا) (بحار الأنوار- ج 52: 21) .

وتدلنا الرواية التالية عن الإمام الباقر (ع) على أن جزء معتداً به من حكم عبدالله يقع في فترة الملاحم أو المعارك التي تمهد لظهور القائم (ع) ، و أكثر من ذلك سيبقى حكم عبدالله قائماً حتى بعد أن تدخل قوات السفياني الى العراق، وإليكم الرواية:(إذا ظهر السفياني على الأبقع وعلى المنصور والكندي والترك والروم، خرج و صار الى العراق، ثم يطلع القرن ذو الشفا، فعند ذلك هلاك عبدالله) (المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي(ع): الشيخ الكوراني553).

اقول هل يماري أحد بعد هذا البيان في أن عصرنا هذا هو عصر الظهور، وأن كل ما ورد من روايات تتعلق بعصر الظهور تجد مصداقها في عصرنا هذا؟

وإذا علمنا أن الظهور مفهوم مشكك، أي أن انطباقه على مصاديقه لايتم بالدرجة نفسها؛ فظهوره (ع) في مبتدأ أمره يختلف عنه بعد سنة على سبيل المثال. وقد ورد عنهم (ع):(يظهر في شبهة ليستبين) ، أقول إذا علمنا ذلك يتضح لنا أن ظهوره يحدث قبل موت عبدالله، وسيأتي في مباحث الكتاب اللاحقة أن القائم يبتدأ ظهوره بدعوة يباشرها بين الناس، أي أن دعوته تسبق قيامه.

وقد تثار هنا شبهتان:

الأولى: أن يطعن البعض في سند الرواية.

وفي الجواب أقول أن تحقق مضمون الرواية على أرض الواقع يطيح كلياً بأي طعن في سندها، فطالما تحقق المضمون فالصدور مقطوع به، وإن كان الرواة من أكذب الناس، لأن تحقق المضمون يدل حتماً على أنهم قد صدقوا في هذه الرواية على الأقل.

الثانية: أن يتم الطعن بالمصداق ، بأن يقال ؛ لعل المراد حاكم آخر غير  فهد سيأتي في زمن لاحق .

وفي الجواب أقول : أن هذا الإعتراض ساقط بالضرورة، ذلك أن الرواية علامة وضعها الرسول الأكرم (ص) للناس ليستدلوا بها على قرب الظهور، شأنها شأن العلامات الأخرى، فلا بد أن يكون مصداقها واحداً لأنه إن تعدد تستحيل العلامة  لغواً و العياذ بالله، إذ لا يمكننا و الحال هذه أن نحدد لها مصداقاً أصلاً، لإحتمال أن لا يكون هو المصداق المراد. فعلى سبيل المثال إذا طلب منك شخص أن تضع له علامة يستدل بها على منزل ما، وقلت له إن أمام منزله نخلة  وحين ذهب الى المكان المحدد وجد أكثر من منزل أمامه نخلة ، فهل تكون العلامة التي وضعتها مفيدة له ، وهل تكون قد أرشدته حقاً، أم إنك قد زدته حيرة على حيرة؟ لاشك إنك أذا أردت إرشاده ستختار له علامة فارقة لا تتكرر ، وأنت تعلم أن الرسول (ص) أراد إرشاد أمته الى عصر الظهور وعليه لا يمكن أن يختار لهم علامة يمكن أن تتكرر .

نعم، من الصحيح القول أن المصداق لابد أن يستوعب جميع الإشارات الواردة في الرواية، والمصداق الذي ذكرته يستوعبها جميعاً كما لا يخفى.

والآن إذا ثبت أن عصرنا الذي نعيشه هو عصر الظهور، يصبح واضحاً أن الأحاديث الواردة بحق فقهاء آخر الزمان يقصد منها فقهاء زماننا.

آمل أن لا يستغرب القارئ هذا الكلام، فقد ورد عن رسول الله (ص):(والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، حتى لا تخطئون طريقهم، و لايخطئكم سنة بني إسرائيل) (بحار الأنوار ج52 : 180).

ومعلوم أن بني إسرائيل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، كما أخبر عنهم القرآن الكريم:(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم). ورد عن الإمام الصادق (ع) في تفسير هذه الآية ما مضمونه (إنهم لم يأمروهم بعبادتهم، ولو أمروهم ما أطاعوهم، ولكن أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً فأطاعوهم فعبدوهم من حيث لا يشعرون).

وعن الصادق (ع):(لينصرن الله هذا الأمر بمن لا خلاق له، ولو قد جاء أمرنا  لقد خرج منه من هو اليوم مقيم على عبادة الأوثان) (المصدر نفسه: 392). وبربط هذا الحديث بالحديث المتقدم، يتضح أن المراد من عبادة الأوثان هو إتباع الفقهاء المضلين.

وبشان قوله(ع):(لقد خرج منه) لا تحسب أن الخارجين عن أمر أهل البيت قوم آخرين غير الشيعة ، فأمرهم (ع) هو القول بإمامتهم ولا يخرج من هذا القول إلا من كان داخل فيه وهم الشيعة تحديداً وهؤلاء هم من يخرج من أمرهم (ع) والسبب لأنهم مقيمون على عبادة الأوثان،أي إطاعة علماء السوء.

وعن الرسول (ص) في حديث المعراج، قال:(... قلت إلهي فمتى يكون ذلك –أي الفرج-؟ فأوحى إلي (عز وجل): يكون ذلك إذا رفع العلم و ظهر الجهل وكثر القراء و قل العمل وكثر الفتك و قل الفقهاء الهادون وكثر فقهاء الضلالة الخونة) (المصدرنفسه:27ومابعدها). فمن علامات الفرج إذن كثرة فقهاء الضلالة الخونة، و إذا أردتم مثالاًعلى خيانة هؤلاء الفقهاء، أذكركم بأن مبدأ التنصيب الإلهي للحاكم كان دائماً الشعار المميز للشيعة ، وقد بذلوا من أجله أزكى الدماء، وتعرضوا لشتى صنوف الظلم والإضطهاد، ولم تستطع أقسى الظروف على حملهم على التنازل عنه. ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات، وها نحن اليوم نشهد مؤامرة التنصل عن هذا المبدأ المقدس التي يقودها فقهاء آخر الزمان الذين وضعوا أيديهم بأيدي الأمريكان المحتلين وآمنوا بالديمقراطية (حاكمية الناس).

وعن أمير المؤمنين (ع):(... وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته، ولا أنفق منه إذا حرف عن مواضعه) (نهج البلاغة / ج2: 41).

وعن رسول الله (ص):(سيأتي زمان على أمتي لايبقى من القرآن إلا رسمه، ولا من الإسلام إلا اسمه، يسمون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود) (بحار الأنوار / ج52: 190).

وعن أبي عبدالله (ع):(إن قائمنا إذا قام أتى الناس وكلهم يتأول عليه كتاب الله ويحتج عليه به) (غيبة النعماني: 159). ومن برأيك يتأول القرآن، عوام الناس الذين لا يعلمون أم هم الفقهاء؟ وأي فقهاء هؤلاء الذين يفتنون الناس ويبعدوهم عن القائم؟ ولكي تتعرف عليهم أكثر إليك هذه الأحاديث؛ عن الحسين (ع):(لايكون الأمر الذي تنتظرونه حتى يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض، ويشهد بعضكم على بعض بالكفر، ويلعن بعضكم بعضاً. فقلت له: ما في ذلك الزمان من خير. فقال الحسين (ع): الخير كله في ذلك الزمان، يقوم قائمنا ويدفع ذلك كله) (نفسه: 213).

وقوله (لايكون االأمر الذي تنتظرونه) خطاب للشيعة تحديداً فهم وحدهم ينتظرون القائم، وأما سبب الفرقة والخلاف بينهم فلأنهم يتبعون فقهاء آخر الزمان الخونة الذين يجعلون منهم أحزاباً وجماعات تعادي بعضها بعضاً، كما يحدث هذه الأيام، وسيزداد الأمر سوءا.

يدلك عليه ما ورد عن أمير المؤمنين (ع) في حديثه لمالك بن ضمرة:(يا مالك بن ضمرة، كيف بك إذا اختلف الشيعة هكذا – وشبك أصابعه وأدخل بعضها في بعض -؟ فقلت: ياأمير المؤمنين ما عند ذلك من خير. قال: الخير كله عند ذلك، يا مالك عند ذلك يقوم قائمنا فيقدم سبعين رجلاً يكذبون على الله وعلى رسوله (ص) فيقتلهم، ثم يجمعهم الله على أمر واحد) (نفسه: 214).

فالشيعة في هذا الحديث منصوص عليهم، ولاشك في أن السبعين رجلاً هم سبب الفتنة والفرقة ولهذا يقتلهم القائم (ع) وبقتلهم تعود الوحدة للشيعة. ومعنى أنهم يكذبون على الله وعلى رسوله،  إنهم يشرعون أحكاماً لم ينزل الله فيها من سلطان، شأن علماء اليهود الذين يخطون الكتاب بأيديهم ويقولون هو من عند الله. وأنت تعلم أن الشيعة لا يتبعون غير فقهائهم، فالسبعون رجلاً من هؤلاء الفقهاء ، بل إنهم كبار الفقهاء، فظاهر الحديث يدل على أن الفتنة تعم الشيعة جميعاً، لا طائفة صغيرة منهم، ولو كان سبب الفتنة بعض المضلين من غير الفقهاء الكبار لما عمت الجميع. أقول وقد علق الشيخ الكوراني بعد أن أورد هذا الحديث قائلاً:(أقول يظهر أن هؤلاء أصل الفتنة والإختلاف داخل الشيعة، ولايبعد أن يكونوا من علماء السوء المضلين و السياسيين المنحرفين) (المعجم الموضوعي / الكوراني: 581).

وعن  أبي جعفر(ع) ، قال:(يكون في آخر الزمان قوم يتبع فيهم قوم مراؤن، يتقرون ويتنسكون، حدثاء سفهاء لايوجبون أمراً بمعروف ولا نهياً عن منكر، إلا إذا أمنوا الضرر، يطلبون لأنفسهم الرخص والمعاذير، يتبعون زلات العلماء وفساد علمهم) (تهذيب الأحكام / ج6: 180).

أعتقد إن هذا المقدار كاف لمن طلب الحق، وعلى من أراد المزيد مراجعة أحاديث أهل البيت (ع).


 من هو القائم ..

 

عادة ما يلخص الأخوة الأنصار هذه الدعوة المباركة بجملة: إن السيد أحمد الحسن (ع) هو وصي ورسول الإمام المهدي(ع)، وهو اليماني الموعود.

والبحث الذي بين أيدينا لايعدو في الحقيقة عن كونه توضيحاً موجزاً لهذه الجملة.

ولعل كلمة (رسول) أكثر الكلمات إثارة للتساؤل بين الناس، من هنا ستكون موضع اهتمام البحث منذ البداية؛ ولأجل أن يكون القارئ على بينة من أمره أشير سلفاً الى أن النتيجة التي أستهدف إيصاله اليها تتمثل بفهم هذه الكلمة بمعنى أن ثمة رجلاً يرسله الإمام المهدي(ع) ليمهد له سلطانه، وهذا الرجل هو القائم الذي تحدثت عنه روايات أهل البيت (ع).

و بكلمة أوضح ينصب الحديث في هذا البحث على بيان حقيقة مفادها؛ أن ثمة شخصين ينطبق على كل منهما وصف القائم هما الإمام المهدي(ع)، و ولده (أحمد) المذكور في وصية رسول الله (ص).. وإليكم بيان الأمر:

- للقائم إسمان:

روى الشيخ الصدوق في كمال الدين عن أبي الجارود زياد بن المنذر عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) عن أبيه، عن جده، قال:((... له اسمان ، اسم يخفى، واسم يعلن؛ فأما الذي يخفى فأحمد، وأما الذي يعلن فمحمد)) (كمال الدين وتمام النعمة / ج2: الشيخ الصدوق 653).

ولعله غير خاف أن المراد من الإسم أمر آخر غير اللفظ الذي يجعل علامة على الشخص أو المسمى، فليس المراد أن للقائم اسمان بمعنى لفظين يدلان عليه، أحدهما مخفي والآخر معلن. فالرواية كما هو واضح تصرح بالإسم المخفي (أحمد)، أي إنه لاخفاء على المستوى اللفظي، فلابد أن يكون المراد من قوله (للقائم اسمان) إن ثمة شخصين يصدق على كل منهما أنه القائم . وقد يقال أن المراد من الخفاء هوعدم الإستعمال ، وجوابه إن الشئ لا يخفى إلا إذا كان مجهولاً، بينما قد يكون الشئ معلوماً وغير مستعمل . وقد يقال أن المراد أنه معلوم للبعض ومجهول لأغلب الناس، فكونه مخفياً ، أي بالنسبة لعامة الناس ، أوقل لعوامهم. وجوابه إن هذا المعنى لا أهمية و لا خطورة له ولايستحق الذكر ، ومعلوم أن اهتمام أهل البيت (ع) بمسألة ما يشعر حتماً بأهميتها وخطورة المعنى الذي تنطوي عليه.

والحق أنه لا أهمية ولا خطورة لأي معنى ، غير أن يكون معنى خفاء أحمد هو جهل الناس به حتى يحين أوان ظهوره.

هذا المعنى تؤكده كثير من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) ، سأقتصر على ذكر بعضها، مع الإشارة الى أن  كتب الإخوة الأنصار قد تضمنت الكثير منها، ويستطيع من أراد المزيد مراجعة المصادر الشيعية فإن فيها الكثير الكثير . ولغرض تيسير التتبع والتأمل سأعتمد منهجاً يقوم على تقسيم المبحث الى فقرات تحمل كل منهما رقماً معيناً ، كالآتي:-

1- أوصاف القائم:-

إن قراءة الروايات التي تصف القائم قراءة متمعنة ترسم للمتأمل صورتين لشخصين مختلفين ، وإليك بعض هذه الروايات:

يصف الإمام الصادق(ع) القائم بقوله:(أسمر يعتوره مع سمرته صفرة من سهر الليل) (إلزام الناصب / ج1: 420).

ويصفه رسول الله(ص):(كأن وجهه كوكب دري، في خده الأيمن خال أسود، أفرق الثنايا) (المصدر السابق).

وفي خبر آخر يصفه، بقوله:(واضح الجبين، أبيض الوجه، دري المقلتين، شثن الكفين، معطوف الركبتين) (المصدر السابق).

وعن الباقر (ع)(ذاك المشرب حمرة، الغائر العينين، المشرف الحاجبين، العريض  مابين المنكبين، برأسه حزاز، وبوجهه أثر، رحم الله موسى) (غيبة النعماني: 223، ومابعدها).

وأخرج نعيم بن حماد عن ابن رستم:(المهدي رجل أزج، أبلج، أعين يجئ من الحجاز) (المهدي المنتظر الموعود / باب 19: 179).

واضح أن الرواية الأولى تصف المهدي بالسمرة، بينما تنص الثالثة على بياض وجهه. والرواية الثانية تنص على وجود خال في خده، أما الرواية الرابعة فتنص على وجود أثر في خده، والأثر هو مانصطلح عليه بالأخت. وبشأن عينيه نجد أيضاً وصفين مختلفين؛ فهو دري المقلتين في الرواية الثالثة، وأعين (أي واسع العينين، واضحهما ) في الرواية الخامسة، بينما تصفه الرواية الرابعة بوصف مختلف، فهو بحسبها غائر العينين.

ولابد أن أشير هنا الى أن أحمد أو القائم يحمل بدوره لقب (المهدي)، وسترون أن رسول الله (ص) قد أطلق عليه هذا اللقب في الوصية التي يأتي بحثها لاحقاً.

2- إبن أمة سوداء:-

ورد عن يزيد الكناسي، قال:(سمعت أبا جعفر الباقر (ع) يقول: إن صاحب هذا الأمر فيه شبه من يوسف؛ ابن أمة سوداء، يصلح الله أمره في ليلة) (غيبة النعماني: 166). أقول معروف إن السيدة نرجس(ع) إبنة قيصر الروم، وهي بيضاء، الأمر الذي يعني أن القائم أو صاحب  الأمر ليس هو الإمام المهدي(ع)، وإنما هو وصيه و ولده أحمد(المهدي الأول من المهديين الإثني عشر المذكورين في وصية رسول الله).حمدأحمدددأأااا   اااااننن

هذا وقد نصت بعض الروايات على أن شبهه من يوسف هو(السجن والغيبة)، وسيأتي التعرض لها في مستقبل البحث إن شاء الله، ولكن أشير فقط الى أن تلك الروايات لاتعارض هذه الرواية، كما سيتضح .

3- الخامس من ولد السابع:-

عن محمد بن الحنفية، قال: قال أمير المؤمنين (ع):(سمعت رسول الله (ص) يقول، في حديث طويل في فضل أهل البيت (ع): وسيكون بعدي فتنة صماء صيلم يسقط فيها كل وليجة وبطانة، وذلك عند فقدان شيعتك الخامس من السابع من ولدك) (المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي / الكوراني: 162.

وعن عبدالرحمن بن أبي ليلى، قال علي (ع):(كنت عند النبي (ص) في بيت أم سلمة... الى أن قال (ع): ثم التفت إلينا رسول الله (ص) فقال رافعاً صوته: الحذر إذا فقد الخامس من ولد السابع من ولدي. قال علي: فقلت: يارسول الله، فما تكون هذه الغيبة؟ قال: الصمت حتى يأذن الله له بالخروج...) (نفسه: 163 – 164).

أقول: أولاد أمير المؤمنين (ع) هم الحسن والحسين والسجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا (وهو السابع من ولد علي (ع)) ثم الجواد والهادي والعسكري والمهدي(وهو الرابع من ولد السابع)، إذن من هو الخامس من ولد السابع؟؟ ومعلوم إن أولاد أمير المؤمنين (ع) هم ذاتهم أولاد رسول الله(ص) ، فعلي أخوه وابن عمه .

أما الغيبة التي تتحدث عنها الرواية الثانية فلا تصلح قرينة على أن المراد هو الإمام المهدي محمد بن الحسن (ع)، فقد علمنا أن إحصاء أولاد أمير المؤمنين (ع) يتعارض مع هذه النتيجة، وفضلاً عن ذلك إن للإمام المهدي(ع) غيبتين لاغيبة واحدة، كما تقرر هذه الرواية. وأخيراً فإن الرواية تفسر معنى الغيبة بأنه الصمت . وغيبة الإمام المهدي (ع) اختفاؤه لا صمته.

وليتأكد المعنى أكثر أنقل لكم الرواية الآتية عن الكافي، قال إن الإمام الكاظم (ع) قال لأولاده وأرحامه:(إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم، لايزيلنكم عنها أحد. يا بني إنه لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به!؟ إنما هي محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقه، لو علم أباؤكم وأجدادكم ديناً أصح من هذا لاتبعوه. قال، فقلت: يا سيدي من الخامس من ولد السابع؟ فقال: يا بني عقولكم تصغر عن هذا، وأحلامكم تضيق عن حمله، ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه) (الكافي / ج1: 336).

الإمام الكاظم (ع) يحدث هنا اولاده وأرحامه، وهم من أقرب الناس إليه، ولابد أن يكونوا قد سمعوا وعرفوا غيبة الإمام المهدي (ع)، وهل يمكن لأحد أن يتصور أنهم يجهلون اسم الإمام المهدي؟ إذن لماذا يسألون عنه (أي الإسم)؟ وكيف نفهم جواب الإمام الكاظم (ع): (يا بني عقولكم تصغر عن هذا وأحلامكم تضيق عن حمله)، هل تصغرعقول أولاد الإمام الكاظم وأرحامه، وتضيق أحلامهم عن معرفة اسم الإمام المهدي، أم أن الأمر متعلق بشخص آخر؟ ولكم أن تتساءلوا لماذا يرجع عن هذا الأمر (أي أمر الإمامة عموماً وأمر القائم خصوصاً) من كان يقول به؟ وهل يرجع عنه إلا من قد كان دخل فيه وهم الشيعة؟ إنها المحنة كما نصت الرواية، ومحنة الشيعة خصوصاً.

4- من ظهر الحادي عشر من ولد أمير المؤمنين(ع):-

عن الأصبغ بن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين (ع) فوجدته متفكراً ينكت في الأرض، فقلت: ما لي أراك متفكراً تنكت في الأرض، أرغبة منك فيها؟ فقال:((لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوماً قط، ولكني فكرت في مولود يكون من ظهر(ي) الحادي عشر من ولدي هو المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً، تكون له غيبة وحيرة، يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون. فقلت: وكم تكون الحيرة والغيبة؟ قال: ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين! فقلت: وإن هذا لكائن؟ فقال: نعم، كما أنه مخلوق، وأنى لك بهذا الأمر  ياأصبغ، أولئك خيار هذه الأمة مع أبرار هذه العترة. فقلت: ثم ما يكون بعد ذلك؟ فقال: ثم يفعل الله ما يشاء، فإن له بداءات وإرادات وغايات ونهايات) ( الكافي / ج1: 379).

بدءاً أود الإشارة الى أن حرف الياء الذي وضعه محقق كتاب الكافي بين معقوفتين بالصورة الآتية (ي) يشير الى أن ثمة نسخة من كتاب الكافي ورد التعبير فيها بالصورة الآتية (مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي هو المهدي... الخ)، هذا أولاً، أما ثانياً فإن وضع الياء بين معقوفتين يشير الى أن النسخة المشار اليها ليست هي النسخة المعتمدة بالدرجة الأولى من قبل المحقق. والمظنون أن اهتمام المحقق بالإشارة الى هذه الصورة من التعبير منشؤه عدم قدرته على استيضاح المعنى الحقيقي لهذا الحديث. وعلى أي حال سيتضح أن المعنى واحد على كلتا القراءتين أو التعبيرين، فسواء قلنا (من ظهر الحادي عشر) أو قلنا (من ظهري الحادي عشر)، يكون المعنى إن هناك مولوداً أو ابناً للإمام المهدي(ع) هو الذي يملؤها عدلاً وقسطاً، أي إنه هو القائم ، وهو أحمد المذكور في وصية رسول الله (ص). فالحادي عشر من ولد أمير المؤمنين (ع) هو الإمام المهدي(ع)، والذي يكون من ظهره هو ولده أحمد المذكور في وصية رسول الله (ص).

هذا المعنى لا يتغير شيئاً إذا قرأنا العبارة (من ظهري... الخ) لأن، الإمام المهدي (ع) يكون هنا أيضاً هو ظهر أمير المؤمنين (ع)، وبالنتيجة يكون المولود منه (أي من الإمام المهدي أو ظهر أمير المؤمنين) هو أحمد. نعم يمكن أن يقال أن القراءة يجب أن تكون بالصورة الآتية:(مولود يكون من ظهري – هو – الحادي عشر من ولدي)، وقد وضعت الضمير (هو) للدلالة على أن القراءة المفترضة تنظر لعبارة (الحادي عشر من ولدي) على أنها متعلقة بكلمة (مولود)، فيكون المولود هو الحادي عشر، أي الإمام المهدي وليس أحمد. أقول لا يخفى ما تنطوي عليه هذه المحاولة من تعنت، إذ إنه واضح تماماً أن الإبن الحادي عشر للإنسان لا يكون من ظهره، بل من ظهر ولده العاشر. وعلى أية حال ثمة دلائل في الرواية نفسها تشير الى أن المقصود هو ما ذهبنا إليه من أن الرواية  إنما تتحدث عن أحمد. من هذه الدلائل، إنها تحدد الغيبة بـ (ستة أيام ، أو ستة أشهر ، أو ست سنين) بينما المعروف أن غيبة الإمام المهدي (ع) أكثر بكثير من هذا. والرواية تتحدث كذلك عن غيبة واحدة لا غيبتان كما هو معروف عن الإمام المهدي(ع)، ويدلك على ذلك أن أمير المؤمنين (ع) حين يسأل (كم تكون الحيرة والغيبة) يجيب : (ستة أيام... الخ) ، الأمر الذي يعني أنه قد عد الحيرة والغيبة شيئاً واحداً. ولو عدنا للرواية الواردة عن عبدالرحمن بن أبي ليلى آنفة الذكر، يتضح لنا أن الحيرة والغيبة يقصد منها الصمت.

5- لوح فاطمة (ع):-

(عن جابر بن عبدالله الأنصاري، قال: دخلت على فاطمة (ع) وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها، فعددت أثني عشر آخرهم القائم (ع)؛ ثلاثة منهم محمد، وثلاثة منهم علي) (من لايحضره الفقيه / ج 4: 180. وسائل الشيعة / ج 11: 490).

وعن أبي جعفر (ع)، قال:(قال رسول الله (ص): إني وإثني عشر من ولدي و أنت يا علي زر الأرض، يعني أوتادها وجبالها، بنا أوتد الأرض ان تسيخ بأهلها فإذا ذهب الإثنا عشر من ولدي ساخت بأهلها ولم ينظروا) (الكافي / ج1: 534).

واضح من الحديث الأول أن الوصي الثاني عشر هو (أحمد)، ذلك أن الأوصياء أبناء علي و فاطمة بدءاً بالحسن (ع) وانتهاء بمحمد بن الحسن (ع) أحد عشر وصياً بعد استثناء الإمام علي (ع)، فالثاني عشر لابد أن يكون (أحمد)، وعلى أية حال لو أنك استحضرت أسماء الأوصياء (ع) لوجدت أنه مع أمير المؤمنين (ع) يكون أربعة منهم باسم علي لا ثلاثة كما تنص الرواية، الأمر الذي يعني أن القائم الذي تشير له الرواية ليس هو الإمام المهدي، وإنما ولده (احمد).

والأمر نفسه يقال بالنسبة للرواية الثانية، فعلي ليس من أولاد رسول الله، وإنما هو أخوه وابن عمه، كما أن الرواية قد استثنته من الإثني عشر أولاد رسول الله (ص) بعبارة (وأنت يا علي).

ولمن أراد مزيد اطلاع على مثل هذه الروايات مراجعة كتاب (المتشابهات/ ج 4) للسيد أحمد الحسن(ع) ، وكتاب (المهدي والمهديين) للأخ ضياء الزيدي وهو من اصدارات أنصار الإمام المهدي (ع).

6- وحسن أولئك رفيقا:-

ينقل صاحب إلزام الناصب عن تفسير القمي، في قوله تعالى:(ومن يطع الله والرسول، فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)، عن الصادق (ع):(النبيين رسول الله، والصديقين علي، والشهداء الحسن والحسين، والصالحين الأئمة، وحسن أولئك رفيقا القائم من آل محمد) (إلزام الناصب / ج1: 57).

لا مراء في أن الإمام المهدي (ع) من الأئمة، فلا يبقى إلا أن يكون المراد من القائم ولده و وصيه (أحمد)، إذ إن قوله تعالى((وحسن أولئك رفيقا)) يعبر عن فريق آخر كما يفهم من حديث الإمام الصادق (ع).

7- النداء باسم القائم (ع):-

عن حذيفة، قال:(سمعت رسول الله (ص) _ وذكر المهدي _ فقال: إنه يبايع بين الركن والمقام، اسمه أحمد وعبدالله والمهدي، فهذه أسماؤه ثلاثتها) (غيبة الطوسي: 299 و 305).

لو عدنا الآن لوصية رسول الله (ص) لوجدنا العبارة الأخيرة تتكرر بحذافيرها، الأمر الذي يتضح منه أن القائم هو (أحمد) ابن الإمام المهدي و وصيه، وإليكم نص الوصية:((عن الباقر عن أبيه ذي الثفنات سيد العابدين عن أبيه الحسين الزكي الشهيد عن أبيه أمير المؤمنين (عليهم السلام أجمعين)، قال: قال رسول الله (ص)، في الليلة التي كانت فيها وفاته لعلي (ع) يا أبا الحسن أحضر صحيفة ودواة، فأملى رسول الله (ص) وصيته حتى انتهى الى هذا الموضع فقال ياعلي إنه سيكون بعدي إثنا عشر إماماً ومن بعدهم إثنا عشر مهدياً، فأنت يا علي أول الإثني عشر إماماً سماك الله تعالى في سمائه علياً المرتضى وأمير المؤمنين والصديق الأكبر والفاروق الأعظم والمأمون والمهدي، فلا تصح هذه الأسماء لأحد غيرك يا علي أنت وصيي على أهل بيتي حيهم وميتهم، وعلى نسائي فمن ثبتها لقيتني غداً، ومن طلقتها فأنا برئ منها لم ترني ولم أرها في عرصة القيامة وأنت خليفتي على أمتي من بعدي، فإذا حضرتك الوفاة فسلمها الى إبني الحسن البر الوصول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابني الحسين الشهيد الزكي المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه سيد العابدين ذي الثفنات علي، فإذا حضر ته الوفاة فليسلمها الى ابنه محمد الباقر، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه جعفر الصادق، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه موسى الكاظم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه علي الرضا، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه محمد الثقة التقي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه علي الناصح، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه الحسن الفاضل  فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه م ح م د المستحفظ من آل محمد (ع) فذلك إثنا عشر إماما. ثم يكون من بعده إثنا عشر مهدياً، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه أول المقربين له ثلاثة أسامي؛ اسم كاسمي واسم أبي وهو(عبدالله و أحمد و المهدي) و هو أول المؤمنين)) (غيبة الطوسي:150).

8- إذا ظهر السفياني اختفى المهدي:-

روى حذلم بن بشير قال: قلت لعلي بن الحسين (ع): صف لي خروج المهدي وعرفني دلائله وعلاماته؟ فقال:(يكون قبل خروجه خروج رجل يقال له عوف السلمي بأرض الجزيرة، ويكون مأواه تكريت، وقتله بمسجد دمشق، ثم يكون خروج شعيب بن صالح من سمرقتد، ثم يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس، وهو من ولد عتبة بن أبي سفيان، فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي، ثم يخرج بعد ذلك) (نفسه: 294).

تنص هذه الرواية على أن المهدي يختفي بعد ظهور السفياني، وهذا يعني أنه كان ظاهراً قبل ذلك (أي قبل خروج السفياني)، الأمر الذي يتناقض مع ما ورد من أن خروج السفياني يسبق ظهور الإمام المهدي (ع)، و لايمكن حل هذا التناقض إلا إذا وضعنا بالإعتبار أن المهدي الذي تتحدث عنه هذه الرواية ليس هو الإمام المهدي محمد بن الحسن (ع)، وإنما هو أحمد أوالمهدي الأول من المهديين الإثني عشر الذين يحكمون في دولة العدل الإلهي، وهو القائم بأمر أبيه الإمام المهدي (ع). وسيأتي في بحث الرايات السود أن شعيب بن صالح قائد من قواد المهدي الأول (أحمد).

9- السجن و الغيبة:-

عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول:(في صاحب هذا الأمر سنن من أربعة أنبياء؛ سنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة من محمد صلوات الله عليهم أجمعين. فقلت: ما سنة موسى؟ قال: خائف يترقب. قلت وما سنة عيسى؟ فقال: يقال فيه ما يقال في عيسى. قلت: وما سنة يوسف؟ قال: السجن والغيبة... الخ) (المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي: 777).

المعلوم بالضرورة أن الإمام المهدي (ع) لاتطاله أيدي الطواغيت، ولا يدخل سجناً أبداً، فالذي يسجن إذن هو المهدي الأول (أحمد)، وهو المقصود من عبارة صاحب الأمر. أقول ولا تعارض بين هذا الحديث وما ورد في غيبة النعماني، عن يزبد الكناسي عن أبي جعفر الباقر (ع):(إن صاحب هذا الامر فيه شبه من يوسف؛ ابن أمة سوداء) (غيبة النعماني: 166). إذ يمكن الجمع بينهما فتكون سنته من يوسف السجن والغيبة وكونه ابن أمة سوداء. أقول هذا الجمع وإن كان وارداً تماماً إلا أن الشبهة يمكن أن تندفع من طريق آخر لعله هو الأرجح والأقرب الى الصواب. فيمكن أن يقال أن قوله (ع):((ابن أمة سوداء)) استئناف لكلام جديد لا ارتباط له بالمتقدم عليه، فيكون المعنى: إن صاحب هذا الأمر فيه شبه من يوسف، ولكن الرواية لم تذكر هذا الشبه، بل استأنفت كلام جديد ذكرت فيه علامة أخرى يستدل منها على صاحب الأمر وهي كونه ابن أمة سوداء. ولعل أحداً لا يشك في أن السيدة نرجس (ع) أم الإمام المهدي (ع)، وهي ابنة قيصر، ليست سوداء، بل بيضاء اللون.

10- ابن صاحب الوصيات: -

عن الإمام الرضا (ع)، قال:((كأني برايات، من مصر مقبلات، خضر مصبغات، حتى تأتي الشامات، فتؤدى الى ابن صاحب الوصيات)) (المعجم الموضوعي: 451).

وصاحب الوصيات هو الإمام المهدي (ع)، فقد أوصى به الرسول (ص) والأئمة (ع)، بل أوصى بانتظاره ونصرته جميع الأنبياء (ع)، أما ابن صاحب الوصيات فهو (أحمد) كما تذكر وصية رسول الله (ص). أقول ولا تأتيه رايات مصر إلا لأنه القائم. ولعل رايات مصر التي يذكرها الحديث هي رايات النجباء، فسيأتي في مستقبل البحث أن أنصار القائم هم أخيار العراق وأبدال الشام ونجباء مصر. أما الشامات فهي الشام. ومجيئها الى الشام يشير الى أن التحاقها بالقائم يتم بعد أن يطهر العراق من رجس السفياني، وأعوانه، والله أعلم.

11- الإمتناع عن ذكر الإسم:-

عن أبي خالد الكابلي، قال:(لما مضى علي بن الحسين (ع) دخلت على محمد بن علي الباقر (ع)، فقلت له: جعلت فداك قد عرفت انقطاعي الى أبيك، وأنسي به، ووحشتي من الناس، قال: صدقت ياأبا خالد، فتريد ماذا؟ قلت: جعلت فداك، لقد وصف لي أبوك صاحب هذا الأمر بصفة لو رأيته في بعض الطرق لأخذت بيده. قال: فتريد ماذا يا أبا خالد؟ قلت: أريد أن تسميه لي حتى أعرفه باسمه. فقال: سألتني والله يا أبا خالد عن سؤال مجهد، ولقد سألتني عن أمر ما كنت محدثاً به أحداً، ولو كنت محدثاً به أحداً لحدثتك! ولقد سألتني عن امر لو أن بني فاطمة (ع) عرفوه حرصوا على أن يقطعوه بضعة بضعة) (غيبة النعماني: 299 – 300). وعن جابر الجعفي، قال:(سمعت أبا جعفر (ع) يقول: سأل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين (ع)، فقال: أخبرني عن المهدي ما اسمه؟ فقال: أما اسمه فإن حبيبي عهد إلي أن لاأحدث باسمه حتى يبعثه الله...) (غيبة الطوسي: 305).

من المعروف إن أبا خالد الكابلي من خلص أصحاب الإمامين؛ السجاد والباقر (ع)، و عدم معرفته اسم صاحب الأمر يضعنا بإزاء علامة استفهام كبيرة،  وما يثير الإستغراب والتساؤل  أكثر، أن الإمام الباقر (ع) يمتنع عن إخباره باسمه. أقول إن   هذه الإشارات توحي حتماً إن من يقع عليه السؤال ليس هو الإمام المهدي محمد بن الحسن (ع) وإلاهل يجهل الكابلي،وهو من هو في قربه من الأئمة، اسم الإمام المهدي (ع)؟ ثم أي صعوبة تلك التي تمنع الإمام الباقر (ع)، ومثله الإمام أمير المؤمنين (ع) عن التصريح باسمه؟ ولو أن الأمر حقاً متعلق بالإمام المهدي (ع)، فالخشية من أبناء فاطمة عليه مرتبطة بآخر الزمان، فهل أبناء فاطمة الآن لا يعرفون اسم الإمام المهدي؟ ثم أليس قد مر بنا قبل قليل أن جابر الأنصاري قرأ في لوح فاطمة (ع) أسماء الأوصياء، ومنهم المحمدون الثلاثة؛ محمد الباقر (ع) ومحمد الجواد(ع) و محمد المهدي (ع)؟ فالإمام المهدي محمد بن الحسن (ع) كان معروف الإسم بين الشيعة، بل ويعرفه أعداؤهم كالعباسيين وغيرهم، وليس ببعيد عن المتتبعين أن الخليفة العباسي محمد المهدي بن هارون الرشيد قد تلقب بلقب المهدي ادعاءً منه أنه هو المهدي المنتظر. الحق أن صاحب الأمر ليس إلا (أحمد) وصي الإمام المهدي (ع).

هذا وقد علق الشيخ الكوراني على الرواية الثانية قائلاً:((إن أمير المؤمنين (ع) لم يحب أن يخبر عمر بالتفاصيل، وقد يكون مقصوده من قوله:(حتى يبعثه الله)، حتى يولد. ولا ينافي ذلك أن الأئمة أخبرونا بتفاصيل عن المهذب (ع) وعلاماته حسب المصلحة التي يعرفونها)) (المعجم الموضوعي: 306).

أقول لم يوضح الشيخ معنى قوله (لم يحب أن يخبر عمر) فرسالات السماء لا تعلق لها بالحب والكراهية! ثم إن المقام لا تقية فيه، إذ طالما كان عمر يعلم اجمالاً بوجود مهدي آخر الزمان، فمعرفة الإسم لاتقدم ولا تؤخر كما يعبرون. نعم يمكن ان نلتمس لكلام الشيخ وجهاً لو أن معرفة الإسم يترتب عليها إضرار بمسألة الإختبار، أو خشية على سلامة المهدي (ع)، ولكن شيئاً من ذلك لا وجود له في المقام، كما أنه على افتراض وجوده لا ينحصر بعمر أكيداً، وكيف والمهدي لما يولد بعد؟

لقد كان على الشيخ الكوراني أن يلتفت جيداً لقول أمير المؤمنين (ع)((أما اسمه فإن حبيبي عهد إلي أن لا أحدث باسمه))، فلاشك في أن أمير المؤمنين (ع) صادق في قوله وأن المسألة مسألة عهد ولا علاقة للأمر بالحب والكراهية. وبقدر تعلق الأمر بالعهد، فإن الوفاء به يقتضي عدم البوح بالإسم لعمر ولغيره. وأما قول الشيخ الكوراني (ولا ينافي ذلك أن الأئمة أخبروا بتفاصيل عن المهذب وعلاماته، حسب المصلحة التي يعرفونها)، أقول هل يندرج التصريح بالإسم في خانة التفاصيل التي يتحدث عنها، أم لا؟ فإذا لم يكن فكلامه لغو لا معنى له،وإذا كان يدخل في التفاصيل، فكيف يكون التنافي إذن؟

للشيخ الكوراني ولسواه أقول لا مخرج لكم من التهافت إلا بالقول أن المقصود من هذه الأحاديث هو المهدي الأول (أحمد) فهو المعهود لأمير المؤمنين (ع) وللأئمة من ولده بالنتيجة بعدم التصريح باسمه. ويؤكد ذلك أنهم (ع) امتنعوا عن التصريح بإسم القائم (ع)، مع إنهم قد ذكروا اسم الإمام المهدي كثيراً. فعن عبدالله بن سنان، قال :(سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: إنه ينادي باسم صاحب هذا الأمر مناد من السماء، ألا إن الأمر لفلان بن فلان ففيم القتال) (غيبة النعماني: 275).

وعن أبي بصير، قال: حدثنا أبو عبدالله (ع)، وقال:(ينادى باسم القائم يا فلان بن فلان قم) (نفسه: 287).

أقول إن الرمز هنا مقصود تماماً، ولم يأت من باب التقية، وأي تقية تلك، والناس جميعاً يعلمون بظهور القائم في آخر الزمان ليزلزل عروش الطغاة، وهذه المعرفة كافية لترصده لا تزيدها معرفة الإسم شيئاً. وقد تثار شبهة مفادها أن عدم التصريح بالإسم معارض بروايات عديدة صرحت بالإسم، فكيف توفقون بينها؟ أنقل هنا جواب للشيخ ناظم العقيلي يقول فيه: إن التصريح باسم المهدي الأول (أحمد) وقع من رسول الله (ص) فقط، أما الإمام علي (ع) والأئمة من ولده (ع) فقد ذكروه بصورة يتوهمها السامع على أنها تخص الإمام المهدي (ع)، أو أحد الأصحاب ال (313)، ومنها رواية (ومن البصرة... أحمد).  وعلى هذا لا تناقض بين قول الإمام علي (ع):(عهد إلي... الخ).

وبين التصريح باسم (احمد) في الوصية، وغيرها من الروايات الواردة عنهم  كونهم ناقلين لوصية رسول الله (ص) وكلامه، ولم يصرحوا بالإسم من تلقاء أنفسهم. كما إنهم لم يذكروه بعنوان أنه القائم، بل بوصفه أول الأصحاب أو سيدهم.

أقول وقد ورد عن رسول الله (ص) قوله:(... له علم إذا حان وقته انتشر ذلك العلم من نفسه) (كمال الدين: 268). ومعلوم أن العلم المتمحور حول شخص الإمام المهدي (ع) متداول بين الناس منذ زمن الرسول (ص)، بينما يشير قوله (ص): إذا حان وقته، الى أن هذا العلم سيحدث في المستقبل، فلا بد أن يكون العلم المشار إليه متعلقاً بشخص آخر غير الإمام المهدي (ع).

وعن مالك الجهني، قال:(قلت لأبي جعفر (ع) إنا نصف صاحب هذا الأمر بالصفة التي ليس بها أحد من الناس. فقال: لا والله، لا يكون ذلك أبداً حتى يكون هو الذي يحتج عليكم بذلك، ويدعوكم إليه) (غيبة النعماني: 337).

يبدو جلياً إن السائل يعرف أدق المعلومات عن صاحب الأمر، لدرجة إنه يميزه عن جميع الناس، ومع ذلك نجد الإمام الباقر (ع) يقول له: لا والله لا يكون ذلك أبداًحتى يكون هو الذي يحتج عليكم بذلك، ويدعوكم إليه. وفي هذا القول إشارة واضحة الى أن ما يظنونه معرفة لصفة صاحب الأمر ليست هي كذلك. الأمر الذي يحملنا على التساؤل؛ من أين لمالك الجهني وغيره هذا التصور بأنهم يعرفون صفة صاحب الأمر،  فلاشك إنه لم يأت من فراغ، ولاشك إن ثمة لبس وقعوا فيه؟ من جهتي لا أرى إجابة لهذاالتساؤل غير القول أن ما يعرفونه ليس صفة لصاحب الأمر (أو القائم)، وإنما هو صفة للإمام المهدي (ع)، وإن منشأ اللبس هو ظنهم أن الإمام المهدي (ع) هو صاحب الأمر.

أخيراً أقول: نعم وردت أحاديث في النهي عن تسمية الإمام المهدي (ع)، وهذه الأحاديث مختصة في الحقيقة بزمن معين – كما أشار أكثر من محقق – هو الزمن المحصور بين ولادته حتى بداية الغيبة الكبرى، فهي أحاديث مقيدة وليست مطلقة، بعكس الأحاديث الواردة بشأن صاحب الأمر فهي مطلقة حتى يحين موعد ظهوره، أوحتى يبعثه الله بحسب تعبير الروايات.

12                   - ينكرونه و يقاتلونه:-

عن أبي عبدالله (ع) إنه قال:(لو قد قام القائم لأنكره الناس،لأنه يرجع إليهم شاباً موفقاً، لايثبت عليه ألا من قد أخذ الله ميثاقه في الذر الأول) (نفسه:194).

وعنه (ع):(وإن من أعظم البلية أن يخرج إليهم صاحبهم شاباً، وهم يحسبونه شيخاً كبيراً) (نفسه: 194 – 195) .

إذن الناس – بحسب هذين الحديثين – سينكرون القائم حين يخرج إليهم، ولكن أي ناس هؤلاء؛ أهم الشيعة أم السنة؟

إن مدلول كلمة (صاحبهم) يرتبط بالشيعة بالدرجة الأولى كما هو معروف، ويمكننا في الحقيقة أن نجزم بهذا المعنى بقليل من التأمل؛ فالقائم بحسب نظرية أهل السنة (كما يسمون أنفسهم) يولد في زمانه، فلا وجود لأية مشكلة لديهم فيما يتعلق بسنه. بل لا توجد أية إشارة في تراثهم تشير الى أن المهدي أو القائم سيخرج بصورة شيخ كبير. نعم يمكن أن نتصور ورود هذا الإشكال بالنسبة للشيعة باعتبار أن معتقدهم (وهو الصحيح حتماً) ينص على ولادة الإمام المهدي (ع) في زمن متقدم. ولكن حتى هذا الإشكال ضعيف يكاد لا يذكر. إذ إن المستقر في الأذهان والذي تؤيده كثير من الروايات،إن الإمام المهدي (ع) سيظهر بعمر الشباب (40 سنة تحديداً) يستوي في معرفة ذلك عامتهم وخاصتهم، بل إن نفس الروايتين تخبران بأنه سيخرج بصورة الشباب.

إذن ما معنى قوله (ع):(لأنه يرجع إليهم شاباً موفقاً)؟ إن الصورة اللغوية للعبارة تشير الى أن سبب إنكارهم له خروجه لهم بصورة الشباب (لأنه...الخ)، وقد علمنا إن هذا التعليل لا يمكن أن يكون حقيقياً طالما كان المستقر في الأذهان أنه سيخرج بصورة شاب. إذن الصورة اللغوية وإن كانت في الظاهر تعليلاً، إلا أنها تشير في الحقيقة الى أمر آخر هو أن القائم شخص آخر غير ما يظنونه (أي ليس هو الإمام المهدي (ع) كما يظنون).

ومثله تماماً ما ورد من أن الشيعة يقاتلون القائم (ع)، فعن أبي الجارود أنه سأل الإمام الباقر (ع):(متى يقوم قائمكم؟ قال: يا أبا الجارود لا تدركون. فقلت: أهل زمانه؟ فقال: ولن تدرك زمانه، يقوم قائمنا بالحق بعد إياس من الشيعة، يدعو الناس ثلاثاً فلا يجيبه أحد... الى قوله (ع): ويسير الى الكوفة فيخرج منها ستة عشر ألفاً من البترية شاكين السلاح، قراء القرآن، فقهاء في الدين، قد قرحوا جباههم، وسمروا ساماتهم، وعمهم النفاق، وكلهم يقولون يا ابن فاطمة ارجع، لا حاجة لنا فيك. فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشية الإثنين من العصر الى العشاء... ثم الكوفة فيقتل مقاتليها حتى يرضى الله تعالى) (المعجم الموضوعي: 568 – 569).

يعلق الشيخ الكوراني على هذه الرواية، قائلاً:((يبدو أن أكثر هؤلاء البترية أصلهم شيعة)) (نفسه: 570). وهذا اعتراف من الشيخ الكوراني بأن الشيعة يقاتلون القائم على الرغم مما شاب عبارته من تخفيف واضح، وهو على أية حال تخفيف على حساب الحقيقة الجلية في الرواية. ولعل الشيخ  الكوراني  قد اعترته ارتباكة القلم وهو يقرأ أن هؤلاء البترية فقهاء في الدين، أي انهم من فقهاء آخر الزمان. ولا أظن أحداً يماري في أن الإنكار هو مقدمة القتال، ومن هنا ينبثق السؤال:

لماذا ينكرونه ويقاتلونه إن كانوا يعلمون أنه الإمام المهدي الذي ينتظرونه، لاسيما وهم من أصحاب الجباه المتقرحة من كثرة العبادة؟ ألا يعلمون أنه منصور وأن عدوه مخذول لا محالة، وحربه خاسرة؟ لاشك عندي في أن ما حملهم على ذلك هو أن القائم ليس هو الإمام المهدي كما يظنون، وإنما هو ولده (أحمد)، وحين جاءهم انكروه، وبادروا لحربه؟

ومن لطيف ما يذكر هنا، أن معاندي هذه الدعوة الشريفة يصرون على رفض الأدلة التي يسطرها لهم الأخوة الأنصار، بدعوى أن العلامات كفيلة بتعريفهم بحقيقة القائم، و نصرته، وأنا أسألهم هنا: لماذا لم تفد هؤلاء البترية معرفتهم بالعلامات؟

13 - خلق أم لم يخلق: -

عن أبي جعفر (ع)، وقد سُئل عما إذا كان هو صاحب الأمر، فقال:(.. لا والله ما أنا بصاحبكم، ولا يشار الى رجل منا بالأصابع، ويمط إليه بالحواجب إلا مات قتيلاً، أو حتف أنفه. قلت: وما حتف أنفه؟ فقال: يموت بغيظه على فراشه حتى يبعث الله من لا يؤبه لولادته. قلت: ومن لا يؤبه لولادته؟ فقال: انظر من لا يدري الناس أنه ولد أم لا، فذاك صاحبكم) (غيبة النعماني: 172)، وعنه (ع):((... والله ما هو أنا، ولا الذي تمدون إليه أعناقكم، ولا تعرف ولادته)) (نفسه: 173).

لو سألتكم هل ولد الإمام المهدي (ع)، أم لا؟ سيكون جوابكم حتماً إنه قد ولد. بل إنكم تعلمون بالتأكيد أن كثيراً ممن يسمون أنفسهم أهل السنة يشتركون مع الشيعة في القول بولادة الإمام المهدي (ع)، ولعل الكثير منكم طرق سمعه التضييق الشديد الذي تعرض له الإمام العسكري (ع) من قبل السلطات الحاكمة آنذاك بقصد القبض على الإمام المهدي (ع)، وهذا يدل بالتأكيد على أن السلطات كانت مهتمة كثيراً بالإمام المهدي (ع)، بينما تتحدث الرواية عمن لا يؤبه لولادته! أي إنها تتحدث بالتأكيد عن شخص آخر غير الإمام المهدي (ع)،وليس هذا الشخص سوى(أحمد). قد تقولون: إن حديث الإمام الباقر (ع) منصرف الى أبناء زمنه تحديداً. في الجواب أقول: إن الإمام الباقر يعلم جيداً أن الإمام المهدي (ع) لم يولد بعد (أي في زمنه) فهل يعقل أن يخبر أصحابه أن صاحبكم هو من لا تدرون؛ ولد أم لا؟ ومن ناحية أخرى يشير قوله (من لا يدري الناس) الى أن الحديث ناظر الى أهل زمان القائم تحديداً. ثم ما قولكم بعبارة (ولا يشار الى رجل منا... إلا مات قتيلاً، أو حتف أنفه) أليس الإمام المهدي منهم (ع) أي من الأئمة؟ وبربكم الى من تمد الأعناق على أنه قائم آل محمد، أليس الى الإمام المهدي (ع)؟ إذن ما بال الإمام الباقر (ع) يقول ولا الذي تمدون إليه أعناقكم؟  أليس في هذا إشارة الى أن صاحب الأمر ليس هو الإمام المهدي(ع)؟ وأخيراً فد بقال أن الإشارة الى (من تمدون إليه أعناقكم) يراد منها نفي ظنهم أنه هو صاحب الأمر، لاسيما وإن السائل قد سأله عما إذا كان هو نفسه صاحب الأمر. في الجواب أقول: إن الإمام الباقر (ع) قد نفى ظنهم المشار إليه بقوله: والله ما هو أنا ، ثم استأنف كلاماً جديداً بقوله: ولا الذي تمدون إليه أعناقكم. أقول وقد ورد عن مالك الجهني، قال:((قلت لأبي جعفر (ع): إنا نصف صاحب هذا الأمر بالصفة التي ليس بها أحد من الناس. فقال: لا والله لايكون ذلك أبداً حتى يكون هو الذي يحتج عليكم بذلك، ويدعوكم إليه)) (غيبة النعماني: 337) فالراوي – كما هو واضح – يقول إنهم يعرفون أدق التفاصيل عن صاحب الأمر، فينفي الإمام (ع) هذا القول نفياً مطلقاً، ويقول له؛ إنكم لن تعرفوه حتى يعرفكم هو بنفسه، و يكشف لكم عن هويته. ومعنى هذا إنه (ع) يقول إن من تعرفون أدق التفاصيل عنه ليس هو صاحب الأمر.


 

الحر تكفيه الإشارة

وددت في ختام هذا المبحث التعريج على حديثين فيهما من الإشارة الدالة الشئ الكثير. أولهما ما ورد عن أبي عبيدة الحذاء، قال:(سألت أبا جعفر (ع) عن هذا الأمر، متى يكون؟ قال: إن كنتم تؤملون أن يجيئكم من وجه ثم جاءكم من وجه فلا تنكروه) (المعجم الموضوعي: 767.). أليس في حديث الإمام الباقر (ع) إشارة الى أن الشيعة سيمرون باختبار وسيقع الكثير منهم في اللبس لأنهم يأملون أن يجيئهم من وجه وإذا به يجيئهم من وجه آخر لم يحسبوا له حساباً؟أما الحديث الثاني فيمثله قول الإمام الصادق (ع):(إذا قلنا لكم في الرجل منا قولاً فلم يكن فيه، وكان في ولده، فلا تنكروا ذلك) (تفسير القمي ج1 :1 10) .أقول ما معنى قوله (وكان في ولده)؟ هل هذا القول إشارة بلا معنى أم أن وراءه ما وراءه؟ لكم انتم أن تحكموا. ولعل بإمكانكم أن تستدلوا معنى شريفاً من هذا الحديث هو أن (أحمد) وأبيه يشكلان حقيقة واحدة منسجمة لاإثنينية فيها، فالأحاديث الواردة عن أهل البيت (ع) تتحدث عن الإمام المهدي وعن ولده أحمد في وقت واحد وفي سياق واحد، دون أن تميز أحدهما عن الآخر، ولهذا فهي تلتبس على من يقرؤها، وقد يراها البعض أحاديث متناقضة. بينما الحقيقة هي أن شخصية أحمد مندكة تماماً بشخصية أبيه، فلا إرادة لأحمد غير إرادة أبيه. هذه الحقيقة ركزت عليها الأحاديث لنفسها أولاً ولغايات أخرى منها المحافظة عليه من غائلة الأعداء، وقد علمت أن أبناء فاطمة حريصون على تقطيعه، ومنها أنه مورد إبتلاء الأمة.


من هو اليماني..؟

سيكون هدفنا في مبتدأ هذا المبحث معرفة المزيد عن شخصية (أحمد) وصي أبيه الإمام المهدي (ع)، ليتسنى لنا العبور لاحقاً الى معرفة حدود شخصية اليماني.  وسيكون منطلقنا الجملة الواردة في ذيل وصية رسول الله (ص) المذكورة آنفاً، و أعني قوله (ص):((له ثلاثة أسامي؛ اسم كإسمي واسم أبي وهو عبدالله وأحمد والإسم الثالث المهدي، وهو أول المؤمنين)).

واضح أن قوله (ص): (وهو أول المؤمنين) يعني إنه أول الأصحاب ال(313). وسيدهم، ويؤيده أمور منها:

1 – إن استقراء تأريخ الأنبياء والأوصياء يؤكد وجود الوصي مرافقاً للنبي أو الوصي السابق له، وأنه دائماً أول من يؤمن به، وأكثر الناس بذلاً لنصرته.

2 – الروايات التي تسمي أصحاب الإمام المهدي (ع) تنص عليه في بعضها وتشير له في بعضها الآخر؛ فعن الإمام  الصادق (ع) في خبر طويل يسمي فيه الأصحاب ال (313) يقول:(... ومن البصرة عبدالرحمن بن الأعطف بن سعد، و أحمد، ومليح، وحماد بن جابر) (بشارة الإسلام: 181). وعن أمير المؤمنين (ع):(... ألا وإن أولهم من البصرة، وآخرهم من الأبدال...) (نفسه: 148)، إذن أمير المؤمنين (ع) ينص في هذه الرواية الأخيرة على أن أول الأصحاب من البصرة، وقبلها نصت الرواية الواردة عن الإمام الصادق على أن من جملة الأصحاب في البصرة (أحمد)، وحيث أن وصية رسول الله (ص) دلت على أن أول الأصحاب اسمه (أحمد)، فتكون حصيلة الروايات كالآتي: إن (أحمد) وصي  الإمام المهدي (ع) هو أول الأصحاب، وهو من البصرة.

ولمعرفة المزيد عن (أحمد) أورد الرواية الآتية؛ عن الباقر (ع):(إن لله تعالى كنزاً بالطالقان ليس بذهب ولا فضة؛ إثنا عشر ألفاً بخراسان شعارهم أحمد، أحمد، يقودهم شاب من بني هاشم على بغلة شهباء، عليه عصابة حمراء، كأني أنظر إليه عابر الفرات، فإذا سمعتم بذلك فسارعوا إليه ولو حبواً على الثلج) (منتخب الأنوار المضيئة: 343). إن اتخاذهم اسم (أحمد) شعاراً، يدل على منـزلة خاصة  يعرفونها له. وقوله (يقودهم شاب من بني هاشم) إشارة الى أن (أحمد) هو نفسه المذكور في وصية رسول الله (ص) ، أومن يمثله ويعضده الأمر بالمسارعة إليه ولو حبواًعلى الثلج، فأمر هذا شأنه لايمكن للمعصومين أن يلزموا الناس به إلا إذا كان الشاب الذي يشيرون إليه حجة مفترض الطاعة، ولا حجة إلا الإمام المهدي (ع) وولده أحمد، فقد ورد عن الإمام الباقر (ع):(كل راية ترفع قبل القائم فصاحبها طاغوت) (غيبة النعماني: 115).

ومعنى ذلك إن جميع الرايات باستثناء راية القائم هي رايات ضلال، وحيث أن راية ال (شاب من بني هاشم) ممدوحة من قبل المعصومين، بل إننا مأمورون بالمسارعة إليها ولو حبواً على الثلج، فلابد أن تكون رايته هي راية القائم نفسها.

هذا وقد أثار بعض المعاندين شبهة مفادها: إن قوله (ص):(فإذا حضرته الوفاة – أي الإمام المهدي (ع) – فليسلمها الى ابنه... الخ) يشير الى أن أحمد لا وجود له قبل أبيه الإمام المهدي (ع)، وإنما هو يأتي بعده؟!

هذا الإستدلال في الحقيقة ينطوي على مغالطة، ذلك أن قوله (ص) ناظر الى تسلم أحمد مهمة الحكم وقيادة دولة العدل الإلهي، ولا تعلق لها بأصل وجوده في عصر التمهيد، وقد سبق لنا إثبات وجوده في عصر التمهيد.

لعل القارئ الآن أمكنه استيحاء معنى أن (أحمد)، أو القائم المرسل من قبل الإمام المهدي (ع) هو الشخصية الأساسية في عصر الظهور، ورايته هي راية الهدى الوحيدة، طالما كانت (كل راية ترفع قبل راية القائم فصاحبها طاغوت)، ولكن هذا الفهم يتعارض مع ما ورد عن أهل البيت من إن راية اليماني راية هدى، بل هي أهدى الرايات. فعن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر (ع) قال:(خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد؛ نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كل وجه، ويل لمن ناواهم، وليس في الرابات راية أهدى من راية اليماني، هي راية هدى، لأنه يدعو الى صاحبكم. فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس، وكل مسلم، وإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإن رايته راية هدى، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنه يدعو الى الحق، والى طريق مستقيم) (نفسه: 264).

إن تأملاً في مضامين هذه الرواية يضعنا أمام حقائق غاية في الأهمية والخطورة، فاليماني – كما تدل الرواية – سفير خاص يرسله الإمام المهدي (ع) ليدعو له (لأنه يدعو الى صاحبكم)، (لأنه يدعو الى الحق والى طريق مستقيم). وما حرمة بيع السلاح إبان خروجه، وما الأمر بالنهوض إليه، ومناصرته، وتوعد من يلتوي عليه بالنار، إلا دليل على ما نقول. إذ يتحصل من هذه المعاني أن اليماني حجة مفترض الطاعة، بل إنه معصوم لا يدخل من تبعه في باطل ولا يخرجه من حق، وهذا المعنى في الحقيقة لازم للأمر بإتباعه وإطاعته، وعدم الإلتواء عليه، ثم إنه المستفاد نصاً من قوله (لأنه يدعو الى الحق والى طريق مستقيم)، أي إنه لا يدعو الى باطل أبداً ولا يسلك بالناس غير الطريق القويم. أقول وعلى الرغم من وضوح دلالة الرواية على  المعاني التي ذكرتها، غير أن بعض فقهاء آخر الزمان حاول الإلتواء عليها زاعماً:(إن مقتضى تعليل الرواية لراية اليماني، بأنها راية هدى لأنه يدعو الى صاحبكم، هو إبداء التحفظ على راية الحسني، وعدم خلوص دعوته الى المهدي عجل الله فرجه) (فقه علائم الظهور / الشيخ السند: 27).

ما يحاول الشيخ السند أن يقوله في هذا الكلام العجيب الغريب هو: إن المديح الواضح الذي كاله الإمام الباقر (ع) لليماني بقوله: (لأنه يدعو الى صاحبكم) وقوله: (فإن رايته راية هدى) و (هي أهدى الرايات) كل هذا وغبره ليس مديحاً لراية اليماني، ولا إشادة بها، وإنما هو ذم وتحفظ على راية الحسني لا أكثر؟!  ولا أدري والله ما عسى الإمام الباقر (ع) يقول فيما لو أراد الإشادة براية اليماني... هل للشيخ أن يخبرنا؟؟

ثم من أين أتى الشيخ بالحسني، وكيف زجه في الرواية، وهل يعتقد أن الحسني هو نفسه الخراساني أم ماذا؟ وبطبيعة الحال لم يجشم الشيخ نفسه عناء تقديم دليل على مزاعمه، واكتفى بارسال قوله وكأنه من المسلمات التي لا يختلف عليها رأسان.. وعلى أية حال لا موجب لأن يلفق الشيخ دليلاً لن يجني من ورائه غير الفضيحة. يكفيه أن يضع أمام اسمه لقب (آية الله) ليمر كل ما يقول مرور الماء الزلال.

أسألكم بالله لو أراد أحدكم أن يذم شخصاً، هل يلجأ الى مدح شخص آخر لتتحقق له غايته؟ ألا يخشى أن يفهم المستمع أن الشخص الممدوح يستحق المديح؟

نعم يمكن ذلك إذا أثنيت على شخص وسكت عن الآخر فالسامع سيفهم أن الشخص المسكوت عنه لا يستحق ثناء مثل صاحبه، ولكن الثناء الذي يقال هنا ثناء حقيقياً يكشف عن استحقاق المثني عليه، وليس مجرد كلمات فارغة كما يريد أن يوهمنا الشيخ السند.

ويمضي الشيخ السند في قراءته لرواية اليماني قائلاً:((إن الرواية تعلل حرمة الإلتواء على اليماني، بأنه يدعو الى الحق والصراط المستقيم، والى المهدي عجل الله فرجه، فالمدار في مناصرته على توفر الميزان والحدود الشرعية. وبعبارة أدق: الرواية تدل على حرمة العمل المضاد لحركته لإفشالها، ففرق بين التعبير بالإلتواء عليه والإلتواء عنه، فكلمة (عليه) تفيد السعي المضاد لحركته لا صرف المتاركة لحركته بخلاف كلمة (عنه) فإنها تفيد الإنصراف والإبتعاد عن حركته. نعم الأمر بالنهوض إليه يفيد المناصرة، والظاهر أن مورده لمن كان في معرض اللقاء به والمصادفة لمسيره)) (فقه علائم الظهور: 27 – 28).

يقول الشيخ إننا لكي ننصر اليماني لابد ان نتبين أولاً هل حركته توافق الشرع أم لا؟! عجيب والله، الإمام الباقر (ع) يقول إن رايته راية هدى وإنه يدعو الى الحق والى طريق مستقيم، ويأمر بالنهوض إليه، وسماحة الشيخ الجليل يطالبنا بالبحث والتحقق من أمر اليماني، وكأن كلام الإمام الباقر لا قيمة ولا حجية له(كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً). وتطل علينا العبقرية والفرادة بذلك التوجيه لحرمة الإلتواء على اليماني بأن المراد منها عدم السعي المضاد لحركته لا صرف المتاركة لحركته. أي أن سماحته يشفق علينا كثيراً ويفهمنا أن الحرمة في الإلتواء على اليماني منصبة على مناؤته والعمل المضاد لحركته فقط، أما الإبتعاد عنه وعدم نصرته فالحرمة لا تطالها.

وأنا أسأل الشيخ بحق من يعبد ما هي الحكمة والمصلحة وراء تخذيله الناس عن نصرة اليماني؟ ومن أين أتى بهذا التوجيه، والأمر بالنهوض صريح في المبادرة والإسراع للنصرة؟ ثم من أين جاء بقوله: (والظاهر أن مورده لمن كان في معرض اللقاء به والمصادفة لمسيره)؟ هل نصت الرواية على شئ من هذا أم إنها أهواء تتبع؟ إن أمرالإمام الباقر (ع) بالنهوض إليه وعدم الإلتواء عليه متوجه الى الناس جميعاً ولا دليل إطلاقاً على أنه مقتصر على من يصادف مسيره أو يلتقيه في الطريق. ثم ألا يدل الأمر بالنهوض إليه على أن المقصود منه كل إنسان يسمع بحركته؟

والحق إن تمييز الشيخ بين (الإلتواء عنه) و (الإلتواء عليه) محض تمحل ليس إلا. فطالما كانت راية اليماني راية هدى وكان هو حجة مفترض الطاعة، والأمر بالنهوض إليه يشمل الجميع، فالملتوي عنه؛ أي الذي يسمع بحركته و يتقاعس عن نصرته فهو من أهل النار حتماً، لأنه متمرد على أمر المعصوم بالنهوض إليه ونصرته. وعلى أية حال سنرى بعد قليل أن اليماني هو نفسه القائم، فالمتمرد عليه متمرد على القائم ومتخاذل عنه. وللأسف الشديد لا يبدو أن الشيخ السند يقف عند حد، ويأبى إلا التمادي، فبعد أن ينقل الرواية الآتية الواردة عن الإمام الباقر (ع):((كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يقوموا، ولا يدفعونها إلا الى صاحبكم. قتلاهم شهداء، أما إني لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر)) (فقه علائم الظهور: 33). يعلق الشيخ قائلاً:((فإرشاده الى التحفظ على النفس حتى يظهر الحجة عجل الله فرجه، وادخار النفس لنصرته مؤشر عام على اتخاذ الحيطة في التيارات والقيادات التي تظهر قبيل المهدي عجل الله فرجه، في سنة ظهوره، وعدم خلوص تلك الجماعات عن شوب الإختلاط في الأوراق والبصيرة، كما إنه دال على أرجحية إدخار النفس والنصرة الى خروج المهدي عجل الله فرجه من مكة على الإلتحاق براية اليماني فضلاً على غيرها من الرايات)) (نفسه: 33 – 34).

الشيخ إذن يقول إنه لن يلتزم بما ورد في رواية اليماني من أمر بالنهوض إليه ونصرته، ويدعو الناس الى تبني موقفه هذا، وعذره في ذلك أن الإمام الباقر نفسه يقول في الرواية الأخيرة إنه سيدخر نفسه الى ظهور صاحب الأمر!! أقول على الرغم مما ينطوي عليه فهم الشيخ من خطل سنكشف عنه عند البحث في الرايات المشرقية، فإنني أشير هنا الى عدة أمور منها؛ إن من المخجل أن يصدر مثل هذا القول عن رجل يدعي إنه من المدافعين عن الدين، ثم يلجأ الى ضرب أحاديث أهل البيت (ع) بعضها ببعض وكأنها لا تصدر عن مشكاة واحدة. أليس الشيخ يقول إنه لن يلتزم بالرواية التي تحض على نصرة اليماني، وإنما سيلتزم بتلك التي تدعو لإدخار النفس لصاحب الأمر؟ سبحان الله هل يعتقد (آية الله) الشيخ السند إن الإمام الباقر (ع) يناقض نفسه فيأمر بالشئ ثم يعود ليأمر بخلافه؟ وهل يعتقد أن راية اليماني من الرايات التي يشوبها الإختلاط في الأوراق، مع إنها موصوفة بالهدى؟ وبعد مناقشته التي عرضنا خطوطها الأساس يخلص الشيخ الى النتيجة الآتية:(ويتحصل إن الرواية لا يستفاد منها إن اليماني من النواب الخاصين والسفراء للإمام المنتظر عجل الله فرجه، ولا تشير الى ذلك من قريب، ولا من بعيد، ولا دلالة لها على وجود ارتباط واتصال له مع الحجة (ع)) (فقه علائم الظهور: 28 – 29). أقول: كيف لا اتصال له مع الحجة، والرواية تقول (لأنه يدعو الى صاحبكم)، وكيف لا يرتبط مع الحجة وهو صاحب أهدى الرايات، أي صاحب راية القائم نفسها. فقد سمعنا قبل قليل إن كل راية ترفع قبل راية القائم فصاحبها طاغوت، وهي إذن راية ضلال لا يستثنى من ذلك غير راية القائم نفسها، وحيث كانت راية اليماني راية هدى فلاشك إنها راية القائم نفسها. والحق إن راية من شأن الملتوي عليها ورود النار، وإن كان من المصلين الصائمين لابد أن يكون الإلتواء عليها إلتواء على ولاية أهل البيت (ع)، فالخروج من الولاية وحده يجعل  الصلاة والصوم غير نافعين. ولا أدري كيف فهم الشيخ السند الأمر بالنهوض لليماني، وهو أمر لا يستثنى منه أحد، كما هو واضح، وعلى الجميع أن يلتزموا به وهو يقتضي بالنتيجة أن تكون ثمة دعوة يباشرها اليماني بين الناس ليتسنى لهم معرفته من خلالها وتمييز رايته عن الرايات الأخرى المشتبهة، فسيأتي في مبحث لاحق إن إثنتا عشرة راية مشتبهة سترفع، أقول إذا كان لابد من دعوة كما ثبت فلابد من سفارة تستند عليها الدعوة، ولو قلنا بعدم السفارة كما ذهب إليه السند فالدعوة منعدمة، والأمر بالنهوض إذن يصبح لغواً لا معنى له، إذ كيف يكون النهوض وعلى أي أساس، هل ننهض لكل من هب ودب دون التثبت من أنه هو اليماني الموعود؟ أم أن علينا القبول بنظرية الشيخ السند فنقول إن الأمر بالنهوض يلزم من صادف اليماني في الطريق فقط، فهذا وحده من يجب عليه أن يحسم أمره، وفي الوقت القصير المتاح له (ربما ساعة، وربما أقل = لم يحدد لنا الشيخ السند وقتاً)، فأما الى الجنة وأما الى النار. هذا وقد علل الشيخ علي الكوراني في كتابه عصر الظهور كون راية اليماني راية هدى بقوله:(ولكن المرجح أن يكون السبب الأساسي في أن ثورة اليماني أهدى، إنها تحظى بشرف التوجيه المباشر من المهدي عليه السلام، وإنها جزء من خطة حركته عليه السلام، وأن اليماني يتشرف بلقائه ويأخذ توجيهه منه) (عصر الظهور:114). وقد أضاف لهذا النص في كتابه (المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي) عبارة((فاليماني سفيره الخاص)) (المعجم الموضوعي: 619).

والواقع إن حديثنا عن اليماني بعنوان كونه سفيراً لا يعدو عن كونه مسامحة في الإصطلاح، وجرياً مع القوم في ما ألفوه من اصطلاحات، أما الحقيقة التي يسعى هذا البحث لإثباتها فتتعدى كثيراً حدود السفارة كما عرفت إبان الغيبة الصغرى. إن ما يسعى البحث لإقامة الدليل عليه هو أن اليماني هو نفسه (أحمد) قائم آل محمد، بأمر أبيه الإمام المهدي (ع). ويتأكد هذا الأمر بأدلة كثيرة، نذكر بعضها الآن – ويوجد المزيد منها في كتاب (اليماني حجة الله) أحد إصدارات أنصار الإمام المهدي (ع) – أقول نقل السيد ابن طاووس في ملاحمه:(أمير جيش الغضب ليس من ذي ولا ذهو، لكنهم يسمعون صوتاً ما قاله إنس ولا جان: بايعوا فلاناً باسمه، ليس من ذي ولا ذهو ولكنه خليفة يماني) (الملاحم والفتن / ابن طاووس: 80). والصوت الذي لم يقله إنس ولا جان هو صيحة جبرائيل (ع)، وقد مر أنه ينادي باسم القائم (أحمد)، وأضاف هذا الحديث أن القائم هو اليماني، وأما جيش الغضب فهم الأصحاب ال (313). فعن علي (ع)، وقد سأله أحدهم عن جيش الغضب، فقال:(... أولئك قوم يأتون في آخر الزمان، قزع كقزع الخريف، والرجل والرجلان والثلاثة من كل قبيلة حتى يبلغ تسعة، أما والله إني لأعرف أميرهم واسمه ومحل ركابهم، ثم نهض وهو يقول: باقراً باقراً باقراً، ثم قال: ذلك رجل من ذريتي يبقر العلم بقراً) (غيبة النعماني: 325). فاليماني أو قائد جيش الغضب من ذرية أمير المؤمنين (ع)، وكونه يبقر العلم بقرا يدل على أنه من الراسخين في العلم، وهم الأئمة والمهديين حصراً. وعن أبي عبدالله (ع)، قال:(إذا أذن الإمام دعى الله باسمه العبراني فأتيحت له صحابته الثلاثمائة والثلاثة عشر قزع كقزع الخريف) (نفسه: 326). فقائد ال (313) إذن له منصب الإمامة، وهو منصب منحصر بأبناء الحسين كما هو معروف، و(أحمد) منهم. والحق إننا طالما علمنا أن (أحمد) هو أول المؤمنين بالإمام المهدي (ع) وهو وصيه والحجة على الخلق بعده فيلزمنا حتماً أن نستنتج أن اليماني قائد ال (313) – على فرض كونه شخصاً آخر غير (أحمد) – لابد أن يكون محجوجاً و تابعاً لأحمد لأن هذا الأخير وصي أبيه وأفضل الناس بعده، ولكن هذه النتيجة تعترضها الروايات التي تقطع بأن اليماني هو الحجة والملتوي عليه من أهل النار، ولا سبيل لرفع التعارض إلا إذا قلنا أن (أحمد) واليماني هما شخصية واحدة. والواقع إن عصمة اليماني التي تشير لها الروايات بعبارة (الملتوي عليه من أهل النار) و (لأنه يهدي الى الحق والى طريق مستقيم) لا يتسنى له بلوغها ما لم يكن متصلاً بالإمام المهدي (ع)، و من أكثر اتصالاً به من ولده؟

 


معالجة شبهة

 

تعترض شبهة في أذهان الكثيرين مفادها؛ أن اليماني رجل من أهل اليمن، بينما أثبتنا فيما تقدم أن اليماني هو (أحمد) وهو رجل من أهل البصرة، فما السبيل للخروج من هذا التعارض؟

يقول الشيخ السند:(كما إن هناك علامة أخرى تشير إليها الرواية وهي كون خروجه من بلاد اليمن، وهو وجه تسميته باليماني) (فقه علائم الظهور: 28).

ويقول الشيخ الكوراني:(أما في منطقة الخليج فمن الطبيعي أن يكون لليمانيين الدور الأساسي فيها مضافاً الى الحجاز، وإن لم تذكر ذلك الروايات) (عصر الظهور: 113). يبدو من حديث الشيخين، وسواهم أن السبب في نسبتهم اليماني لبلاد اليمن أمران؛ أولهما لغوي وهو عائدية النسبة من اليماني الى بلاد اليمن، والثاني روائي ويتمثل بورود جملة من الروايات تتحدث عن ظهور رجل من اليمن في الفترة التي تسبق الظهور. وفي صدد مناقشة الأمر الأول أقول إن النسبة من لفظ اليماني يمكن أن تعود الى اليمن، ويمكن أن تعود الى اليُمن (بمعنى البركة)، ويمكن كذلك أن تعود الى اليمين بالقدر نفسه، فما الذي يرجح احتمالاً على غيره؟ وعلى فرض عائدية النسبة الى بلاد اليمن، فليس معنى ذلك إنه من قاطني هذه البلاد بالضرورة. فمن المعروف الذي لا ينكره أحد أن كثيراً من الناس ينتسبون الى منطقة، ومحل سكناهم منطقة أخرى، فصهيب رومي، وبلال حبشي، وكلاهما عاشا وماتا في بلاد العرب، ومثلهما السيد الخوئي الذي ينتسب الى مدينة (خوء)، وغيره الكثير. كما أن المنصوص عليه في معاجم البلدان أن مكة من تهامة وتهامة من اليمن، فرسول الله (ص) وأهل بيته (ع) كلهم يمانية، وقد ورد عن رسول الله (ص):(وإن الإيمان يماني، والحكمة يمانية) (اليماني حجة الله: 88 – 89. والكتاب أحد إصدارات أنصار الإمام المهدي (ع)). وعنه (ص):(الإيمان يمان وأنا يماني) (المصدر السابق). وجاء في البحار (للعلامة المجلسي):(قال الجزري: في الحديث الإيمان يمان والحكمة يمانية، إنما قال (ص) ذلك لأن الإيمان بدأ من مكة، وهي من تهامة، وتهامة من اليمن) (المصدر السابق). والغريب إن الشيخ السند يشير في كتابه الى هذا المعنى المتعلق بعائدية مكة الى اليمن ولكنه لا يرتب عليه أثراً (انظر فقه علائم الظهور: 28). أقول إن مكة هي موطن أهل البيت (ع) فهم جميعا يمانيون، وقد ورد عن ابن حماد:(ما المهدي إلا من قريش، وما الخلافة إلا فيهم، غير أن له أصلاً ونسباً في اليمن) (المعجم الموضوعي: 616).

وبالنسبة للأمر الثاني ، فقد وردت بعض الروايات كان لها الأثر في توليد الشبهة لدى الكثيرين، فقد روى الطوسي في الغيبة عن محمد بن مسلم:(يخرج قبل السفياني مصري ويماني) (المعجم الموضوعي: 620). وعن عبيد بن زرارة، قال:(ذكر عند أبي عبدالله السفياني فقال: أنى يخرج ذلك ولما يخرج كاسر عينيه في صنعاء) (غيبة النعماني: 277). وعن أبي جعفر (ع):(... وخرج السفياني من الشام واليماني من اليمن) (كمال الدين / الشيخ الصدوق: 331). وفي بحار الأنوار، عن سطيح الكاهن:(... ثم يخرج ملك من صنعاء اليمن، أبيض كالقطن، إسمه حسين أو حسن) (بحار الأنوار / ج51: 162).

من يتأمل هذه الروايات يخرج بنتيجة حتمية مفادها تعدد شخصية اليماني؛ بمعنى إن ثمة أكثر من شخص ينطبق عليه لقب اليماني. فقد علمنا فيما تقدم إن خروج اليماني والسفياني يتم في يوم واحد وشهر واحد وسنة واحدة، بينما تنص الرواية المنقولة عن الطوسي على تقدم المصري واليماني على السفياني. الأمر الذي يدل على أن اليماني المذكور فيها شخص آخر غير اليماني الموعود. والأمر نفسه يقال بالنسبة للرواية الواردة عن عبيد بن زرارة، فهي تؤكد على أن خروج السفياني لابد أن يسبقه خروج رجل من صنعاء. ويعلق الشيخ الكوراني على هذه الرواية قائلاً:((ويحتمل أن يكون هذا الذي يظهر قبل السفياني يمانياً ممهداً لليماني الموعود)) (عصر الظهور: 115).

والآن إذا كان ثمة أكثر من يماني، فأيهم المقصود برواية (وخرج السفياني من الشام واليماني من اليمن)؟ لاشك إننا لا نملك إجابة قاطعة في هذا الصدد، فالإشارة الى اليمن لا تعني إنه سيخرج من بلاد اليمن، فقد ورد عن النبي (ص):(... وسيخرج من هذا – أي علي (ع) – فتى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً فإذا رأيتم ذلك فعليكم بالفتى اليمني، فإنه يُقبل من المشرق، وهو صاحب راية المهدي) (المهدي المنتظر الموعود / ب4: 107). فالرواية تقول إن الفتى اليمني يقبل من المشرق، والمعروف إن حركة اليماني تستهدف الوصول الى  الكوفة، فقد ورد ما مضمونه (اليماني والسفياني يستبقان الى الكوفة كفرسي رهان)، ومن ينطلق من اليمن تكون الكوفة الى جهة المشرق بالنسبة له، ويكون مجيئه لها من قبل المغرب لا المشرق كما نصت الرواية، فيتحصل أن الفتى اليمني لا ينطلق من بلاد اليمن. وأما الرواية التي تذكر اسم ملك اليمن (حسين أو حسن) فيكفي في ردها إنها لم ترد عن أهل البيت (ع)، وإنما عن كاهن هلك قبل البعثة النبوية، ولعل الترديد في الإسم دليل على تخليطه، ولو تنزلنا وقبلنا الرواية فإن التساؤل يبقى قائماً:

هل الملك اليماني هذا هو اليماني الموعود أم إنه يماني آخر؟ وعلى أي أساس يمكن أن نقطع بنتيجة؟ أ نتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله والعياذ بالله؟ هذا وقد علق الشيخ ناظم العقيلي على هذا المبحث من الكتاب قائلاً: (حتى لو كانت هناك روايات تنص على أن اليماني من اليمن فهي إشارة الى أصله، فالأئمة (ع) انتهجوا سبيل التعريض والإشارة فيما يخص نهضة القائم (ع)، وذلك حفاظاً على نجاح نهضته وعدم كشفها للأعداء، ولسد الطريق أمام المدعين، وهذا بعكس الإشارة الى حركة السفياني التي فصلت في أمره بقصد كشفه للشيعة وبغض النظر عن كل شئ ، ففي كلام الإمام الباقر (ع) القول الفصل في إمكان حدوث البداء في حديثهم (ع) ، وما على شيعتهم إلا التسليم ، وإلا فالعار والنار أعاذنا الله تعالى . فعن الباقر (ع) : ( ...إذا حدثناكم الحديث فجاء على ما حدثناكم به فقولوا : صدق الله ، وإذا حدثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا : صدق الله ، تؤجروا مرتين ) [الكافي ج1 : 416] ).

 

 


لا بد من دعوة

 

لمزيد من التدليل على ما تقدم سأعقد هذا المبحث لبيان وجود دعوة يباشرها اليماني بين الناس. وعلى الرغم من أن النص الوارد في رواية اليماني (لأنه يدعو الى صاحبكم) صريح في هذا الصدد غير أني آثرت استكمال البحث في هذا الموضوع إتماماً للدليل. وأود الشروع بهذا المبحث انطلاقاً من الرواية الواردة عن أبي عبدالله (ع)، فعن محمد بن عصام، قال: حدثني المفضل بن عمر، قال:(كنت عند أبي عبدالله (ع) في مجلسه ومعي غيري، فقال لنا: إياكم والتنويه... الى قوله: ولترفعن إثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يعرف أي من أي. قال المفضل: فبكيت، فقال لي: ما بيكيك؟ قلت: جعلت فداك كيف لا أبكي وأنت تقول: ترفع اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أي من أي؟ قال: فنظر الى كوة في البيت، التي تطلع فيها الشمس في مجلسه، فقال: أهذه الشمس مضيئة؟ قلت: نعم. فقال: والله لأمرنا أضوء منها) (غيبة النعماني: 153 – 154).

معلوم إن معنى الرايات المشتبهة هو إنها ترفع شعاراً واحداً، الأمر الذي يترتب عليه التباسها على الناس فلا يميزون الصالح من الطالح منها، بل أكثر من هذا إن التشابه منشؤه هو إن هذه الرايات تتشبه بالشعار الذي ترفعه راية الحق، مع إنها في جوهرها رايات ضلال.

إذن كيف يتسنى للناس فحص الرايات والتمييز بينها إن لم تكن ثمة دعوة يتعرف الناس من خلالها على الراية الحق؟ ثم كيف تكون راية الحق أضوء من كل الرايات؟ وكيف يتعرف الناس على هذا الضوء، والحال أن كل الرايات تطرح أفكارا مشتبهة، أي يشبه بعضها بعضاً في الظاهر؟ أليس يتم ذلك من خلال دعوة يعرف منها الناس الحق من الباطل؟

وعن أبي عبدالله (ع):(يا سدير إلزم بيتك... الى قوله: فإذا بلغك إن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو حبواً على رجلك) (إلزام الناصب / ج2: 109 – 110). والراية التي ترافق خروج السفياني هي راية اليماني، والأمر بالرحيل إليها يقتضي وجودها بفترة معتد بها قبل التحرك المسلح (أي قبل الخروج) ليتعرف عليها الناس، ويرحلوا إليها.  وعن أبي جعفر (ع)، قال:(إن قائمنا إذا قام دعا الناس الى أمر جديد، كما دعا إليه رسول الله (ص)، وإن الإسلام سيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) (غيبة النعماني: 336). والقائم المقصود هنا ليس هو الإمام المهدي (ع)، إذ لا يُعرف عنه إنه يبدأ أمره بدعوة، وإنما المقصود هو القائم الذي تشير إليه هذه الرواية الواردة عن الإمام الصادق (ع):(... إن أول قائم يقوم منا أهل البيت يحدثكم بحديث لا تحتملونه، فتخرجون عليه برميلة الدسكرة فتقاتلونه فيقاتلكم فيقتلكم، وهي آخر خارجة تكون) (بحار الأنوار / ج52: 375). وقوله  أول قائم يدل حتماً على وجود أكثر من قائم، وأولهم لابد أن تكون مهمته التمهيد للثاني. وقوله يحدثكم يستبطن معنى وجود دعوة، يقدم من خلالها الأدلة على كونه هو القائم الأول، ويحدث الناس بالفكر الجديد الذي جاء به (يدعو الناس الى أمر جديد). ولكم أن تتصوروا الكيفية التي يطرح بها العلم الجديد أو الأمر الجديد بحسب تعبير الروايات، فهل يطرحه على مجموعة صغيرة من الناس، أم لابد من إيصاله الى العدد الأكبر منهم؟ وما هي الوسيلة التي يستخدمها، وكم يلزمه من وقت؟ وإذا أضفنا لما تقدم ما ورد في الدعاء، وهو قولهم:(ملبياً دعوة الداعي في الحاضر والبادي) فلك أن تتصور هذه الدعوة التي لا تقف عند حدود سكان الحواضر أو المدن، بل تتعداها الى البوادي، أقول كم يلزمها من وقت وجهد، لاسيما في ظل وجود الرايات المشتبهة و الأعداء الكثيرين؟ وبعودة الى الحديث أقول إن قوله (ع):(وهي آخر خارجة ينطوي على معنى أن هناك وقعات تسبق وقعة رميلة الدسكرة، وهذه الوقعات تتطلب تفاعلاً متواصلاً بين الناس والدعوة بكل تأكيد. وهذا ما يؤكده قول الإمام الصادق (ع):(الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. فقلت: إشرح لي هذا أصلحك الله؟ فقال: مما يستأنف الداعي منا دعاء جديداً، كما دعا رسول الله (ص)) (غيبة النعماني: 336 – 337). يستأنف، أي يبدأ من جديد، وكما واجه رسول الله (ص) أناساً يعكفون على أصناماً لهم سيواجه القائم أناساً هذه المرة، أصناماً بشرية تتأول عليه القرآن، وكما حدث مع رسول الله (ص) سيتعرض القائم لسخرية الناس وتكذيبهم، وسيتبعه منهم نفر قليل ينعتهم الناس بالقول: ما نراك إتبعك إلا أراذلنا. وبكلمة واحدة ستعاد دعوة الرسول الأكرم (ص) بكل تفاصيلها، وستكون نتيجة الدعوة خروج الكثير ممن ينتحلون الإسلام زوراً، ومثلهم الكثير ممن يدعون التشيع. فعن أبي جعفر (ع):(لتمحصن يا شيعة آل محمد تمحيص الكحل في العين، وإن صاحب العين يدري متى يقع الكحل في عينه، ولا يعلم متى يخرج منها، وكذلك يصبح الرجل على شريعة من أمرنا  ويمسي وقد خرج منها، ويمسي على شريعة من أمرنا ويصبح وقد خرج منها) (غيبة النعماني: 214).

يعلق الشيخ النعماني على هذا الحديث بقوله:((أليس هذا دليلاً على الخروج من نظام الإمامة، وترك ما كان يعتقد منها)) (نفسه: 215). ولعلكم شعرتم بما ينطوي عليه تشبيه الخروج من نظام الإمامة بخروج الكحل من العين -  حيث لا يدري صاحب الكحل متى يقع الكحل من عينه – من معنى السرعة والفجاءة، فكأن الخروج يحدث بين عشية وضحاها. الأمر الذي يستلزم وجود امتحان يخضع له الشيعة ويفشلون به، وهذا يستلزم بدوره وجود دعوة بالتأكيد. بل لابد أن يكون صاحب الدعوة حجة مفترض الطاعة، لا يسع الناس مخالفته، ولن يكون هذا الشخص سوى اليماني صاحب راية الهدى.

إن القول بوجود دعوة هو المفتاح الوحيد الذي يمنحنا إمكانية فهم جملة من الأحاديث، منها؛ قول الإمام الباقر (ع):(إن حديثكم هذا لتشمئز منه قلوب الرجال، فانبذوه إليهم نبذاً، فمن أقره به فزيدوه، ومن أنكر فذروه. إنه لابد أن تكون فتنة يسقط فيها كل بطانة و وليجة حتى يسقط من يشق الشعرة بشعرتين، حتى لايبقى إلا نحن وشيعتنا) (نفسه: 210). والمقصود من الشيعة في عصر الظهور هم خصوص ال (313) و العشرة آلاف فالمعروف إن الشيعة في كل العصور هم سبعون ألفاً. والفتنة التي تبقي هذا العدد وتميزه عن جمهور مدعي التشيع لابد أن تكون دعوة لا يقبلها إلا من أخذ الله ميثاقه في عالم الذر كما ورد عنهم (ع). فعن أبي عبدالله (ع):(أما لو كملت العدة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي تريدون، ولكن شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه... الى قوله،  فقلت: فكيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة، الذين يقولون إنهم يتشيعون؟ فقال: فيهم التمييز، وفيهم التمحيص، وفيهم التبديل) (نفسه: 211). فهؤلاء الذين يدعون إنهم شيعة يقع فيهم التمحيص حتى لا يبقى منهم إلا الأندر فالأندر كما ورد عن أبي الحسن الرضا (ع):(والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم، حتى تمحصوا، وتميزوا، وحتى لايبقى منكم إلا الأندر فالأندر) (نفسه: 190). أقول وقد يتوهم بعضهم فيرى أن التمحيص هو ما جرى على الشيعة منذ بداية الغيبة الكبرى الى يوم الظهور، وهذا صحيح على الجملة، ولكنه لم ينتج سقوط الغالبية العظمى، وخروجهم من نظام الإمامة – بحسب تعبير الشيخ النعماني – بل الواقع يشير الى تزايد عدد المتشيعين، فعليه لابد أن يكون التمحيص الذي يشير إليه حديث الإمام الرضا (ع) حدث فريد (الدعوة) يُمتحن به الناس. أقول هذا مصداق لقولهم (ع) إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ على عهد رسول الله (ص)، أي إن أعداداً قليلة تتبعه. وأعلم إن حديثي هذا تشمئز منه القلوب، ولكن ما حيلتي والروايات تتحدث عن عشرة آلاف هم كل جيش القائم، بينما الشيعة اليوم يعدون بالملايين! ويزيد الأمر وضوحاً أن عصر الظهور يشهد كثرة الرايات التي يدعي أصحابها أن كلاً منهم هو القائد أو المرجع، مما يشير الى أن الفتنة ليست حدثاً خارجياً مثل تسلط طاغية أو غيره، وإنما هو دعوة محقة يقابلها الناس بالإعراض والسخرية. فعن أبي جعفر الباقر (ع):(صاحب هذا الأمر أصغرنا سناً، وأخملنا شخصاً. قلت: متى يكون ذاك؟ قال: إذا سارت الركبان ببيعة الغلام، فعند ذلك يرفع كل ذي صيصية لواء، فانتظروا الفرج) (غيبة النعماني: 190).

فالبيعة رديفة الدعوة حتما، وسير الركبان بها دليل انتشارها وبلوغها أكثر الناس. وأما الألوية التي يرفعها (كل ذي صيصية) = (أي كل ذي نفوذ وقوة) فكناية عن الدعوات الضالة التي ترافق ظهور القائم، والتي يرفعها دون شك فقهاء آخر الزمان، فالمنافسة تقتضي شبهاً في التوجه والخطاب (الرايات المشتبهة). وقوله: (فانتظروا الفرج) يدل على أن البيعة تسبق الفرج، أي تسبق الظهور المقدس للإمام المهدي (ع)، فلمن تكون البيعة، إن لم تكن لوصي الإمام المهدي وولده (أحمد)، اليماني الموعود؟

وعن مالك الجهني، قال: قلت لأبي جعفر (ع):(إنا نصف صاحب الأمر بالصفة التي ليس بها أحد من الناس. قال: لا والله لا يكون ذلك أبداً حتى يكون هو الذي يحتج عليكم بذلك، ويدعوكم إليه) (نفسه: 337).

ينص هذا الحديث على أن ثمة احتجاج ودعوة يشرع بها صاحب الأمر، ستكون البيعة نتيجة لها دون شك. وأكثر من ذلك سيكون لصاحب الأمر أصحاب يجتمعون في مكان معلوم، فعن أبي جعفر (ع):(يكون لصاحب هذا الأمر غيبة... الى أن يقول: حتى إذا كان قبل خروجه أتى المولى الذي كان معه حتى يلقى بعض أصحابه، فيقول: كم أنتم ها هنا؟ فيقولون: نحو من أربعين رجلاً...) (نفسه: 187).  والمولى الذي تشير له الرواية تصطلح عليه رواية أخرى ب (المولى الذي ولي البيعة)، فعن أبي جعفر (ع): (..حتى إذا بلغ الى الثعلبية قام إليه رجل من صلب أبيه.. الى قوله: فيقول المولى الذي ولي البيعة..) (المهدي المنتظر / ج2: 436).

أكتفي بهذا المقدار من الإشارة الى وجود دعوة يباشرها اليماني، مع التنويه الى أن ثمة المزيد المزيد من الأدلة أعرضت عنها خشية الإطالة. ولعل القارئ يتذكر إني قد عقدت هذا المبحث في معرض التدليل على أن اليماني ليس رجلاً من أهل اليمن، كما يزعم الشيخين؛ السند والكوراني، وغيرهما. وإليكم كيف أستدل به.

أقول إذا كان اليماني ينهض بدعوة كما ثبت، فلماذا لم يتبعه أحد من أهل اليمن، إن كان هو من أهل اليمن كما يزعمون؟ نعم لا يتبعه أحد من أهل اليمن لأنه لا يباشر دعوة في تلك الأنحاء، فعن جابر الجعفي قال: قال أبو جعفر (ع):(يبايع القائم بين الركن والمقام ثلاثمائة ونيف عدة أهل بدر؛ فيهم النجباء من أهل مصر، والأبدال من أهل الشام، والأخيار من أهل العراق فيقيم ما شاء الله أن يقيم) (المعجم الموضوعي / الكوراني: 349). هل ترون بين هؤلاء المبايعين أحد من أهل اليمن؟  فلا يبقى إلا أن دعوته تتم في العراق.

ولا أدري هل كان الشيخ الكوراني يدرك المأزق الذي أوقع نفسه فيه حينما لفق  دوراً طويلاً عريضاً لأهل اليمن؟ وهل كان يدرك مقدار إرتعاشة قلمه وهو يواجه حقيقة إن حركة اليماني تدور في المسرح العراقي دون سواه، وهو الأمر الذي أوجد ثغرة في طرحه، لاسيما بعد أن خذلته الروايات في إيضاح الكيفية التي انتقل بها مع عسكره من اليمن الى العراق؟ ويزداد المشهد غرابة إذا علمنا أن الشيخ الكوراني وسواه يحددون خروج اليماني بالأشهر الأربعة التي تسبق الظهور.

وأود في ختام هذا المبحث الإشارة الى حقيقتين؛ أولاهما إن جملة من الروايات دلت على إن ثمة يماني يخرج من بلاد اليمن يتميز بالإنحراف عن خط أهل البيت (ع)، فعن أبي جعفر (ع):(... ثم يسير إليهم منصور اليماني من صنعاء بجنوده، وله فورة شديدة يستقبل الناس قتل الجاهلية، فيلتقي هو والأخوص، وراياتهم صفر، وثيابهم ملونة، فيكون بينهما قتال شديد، ثم يظهر الأخوص السفياني عليه) (شرح إحقاق الحق / ج29: 515). وقوله (يستقبل الناس قتل الجاهلية) يدل على إن يماني صنعاء يخوض في دماء الناس دون وازع من دين أو إيمان.

وينقل الشيخ حيدر الزيادي عن (شرح إحقاق الحق) الرواية الآتية:(ويخرج القحطاني من بلاد اليمن، قال كعب الأحبار: وبينما هؤلاء الثلاثة قد تغلبوا على مواضعهم بالظلم، وإذ قد خرج السفياني من دمشق) (اليماني حجة الله / الشيخ حيدر الزيادي: 103. من إصدارات أنصار الإمام المهدي (ع)) . فيماني اليمن ، أو القحطاني بحسب هذه الرواية يتوسل الظلم في الوصول الى  غاياته.

أما ثاني الحقائق فأود الإشارة الى إني لا أنفي خروج شخص من اليمن يكون تابعاً لليماني الموعود (أحمد) ويكتسب لقب اليماني نسبة لقائده.

 


 

الرايات السود المشرقية ..

 

وردت جملة من الأحاديث عن أهل البيت (ع) ينص بعضها صراحة ويكتفي  البعض الآخر منها بالإشارة الى القائم أن (ع) يدخل العراق من جهة المشرق. الأمر الذي حير أفهام القوم أيما حيرة، لاسيما وأنهم لا يفرقون بين القائم بالسيف والإمام المهدي (ع) ويحسبونهما شخصاً واحداً. لقد رأى هؤلاء القوم في الأحاديث المشار إليها تناقضا صارخاً مع ما هو راكز في أذهانهم من إن الإمام المهدي (ع) يدخل العراق من جهة الحجاز، وكان الحل الأسهل الذي لجأوا إليه هو تضعيف روايات الدخول من المشرق، مع إن هذا التضعيف لا يستند الى حجة شرعية، ولا يعدوا في حقيقته عن كونه قصوراً في فهم المراد من هذه الأحاديث، ولجأ بعضهم الى تأويل هذه الأحاديث الواضحة لتتفق مع المفهوم الذي يحمله عن مسألة الظهور، وكل ذلك كان يتم – للأسف الشديد- على حساب الحقيقة. لقد غفل هؤلاء عن المنهج الصحيح الذي ينبغي لطالب الحق إتباعه، والمتمثل بإعطاء العقل دور الخادم لا دور السيد المتصرف بالنصوص، فإذا كان الفهم المرتكز في أذهانهم مصدره النصوص فإن الفهم الآخر مصدره النصوص أيضاً، ومن المؤكد أن النصوص لا تتناقض كما يتخرصون، وإنما يقع التناقض نتيجة الآليات المصطنعة التي لفقوها على حساب التسليم لأحاديث أهل البيت (ع) فصاروا هم أئمة الكتاب، لا إن الكتاب إمامهم. وسأقتبس هنا فقرة من كتاب (المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي) للشيخ علي الكوراني، كإنموذج لطريقة القوم في التعامل مع حقائق النصوص، يقول الشيخ:(إنما فسرنا (مبدؤه من قبل المشرق) بأنه مبدأ أمره، لأن ظهوره (ع) من مكة قطعي، فلابد أن يكون معناه مبدأ أمره وحركة أنصاره من جهة المشرق) (المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي: 595 – 596).

هذا التفسير متهافت لدرجة تثير الإستغراب، حتى لو إلتزمنا بمجمل التصور الذي يلتزم به الشيخ لحركة الظهور، لأمور منها:-

1 – إن أكثر الأحاديث التي تقع ضمن إطار الموضوع تنص صراحة على أن القائم نفسه يبدأ حركته من المشرق، لا إن أصحابه فقط ينطلقون من هناك.

2 – إن اليماني - وهو قائد الأصحاب بنص الروايات، وسفير للأمام كما ترجح للشيخ – يبدأ حركته من اليمن برأي الشيخ وليس من المشرق. ومعنى هذا إنه حتى على وفق تصور الشيخ لا يستقيم ما ذهب إليه في تفسيره على إطلاقه.

3 – إن منشأ التعارض بين الأحاديث وهمي، إذ يمكن دفعه بالقول إن القائم الذي يشرع بحركته من المشرق شخص آخر غير الإمام المهدي (ع). أقول وقد أثبتنا هذا في ما مضى من بحوث هذا الكتاب. أما الآن فسنقرأ أحاديث الرايات السود المشرقية لنستخرج البرهان منها بالذات.

وردت في شرح إحقاق الحق الرواية الآتية:(... فيخرج الله على السفياني من أهل المشرق وزير المهدي، فيهزم السفياني الى الشام) (اليماني حجة الله: 100).

بحسب هذه الرواية إذن يقاتل السفياني و يهزمه وزير الإمام المهدي (ع)، وهذا الوزير هو قائد المشرقيين. أقول: معلوم إن منصب الوزارة من نصيب الأوصياء، فهارون كان وزيراً لموسى، وأمير المؤمنين كان وزيراً لرسول الله (ص) والإمام المهدي (ع) وزيره (أحمد) ولده ووصيه بنص وصية رسول الله (ص). ويؤكده ما ورد عن أمير المؤمنين (ع):(... ويخرج قبله – أي الإمام المهدي – رجل من أهل بيته، بأهل المشرق، ويحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر) (نفسه: 73). فهذه الرواية نصت على أن وزير الإمام المهدي هو رجل من أهل بيته، في إشارة واضحة الى  ولده (أحمد).

وعن السيد ابن طاووس في ملاحمه:(إذا رأيتم الرايات السود خرجت من قبل خراسان فأتوها ولو حبواً على الثلج، فإن فيها خليفة المهدي) (الملاحم والفتن: 52). هذه الرواية أضافت تفصيلاً جديداً على المشهد، إتضح من خلا له إن وزير المهدي، والرجل من أهل بيته هو خليفته، أي وصيه (فخليفة المهدي كما تعلمون لا يأتي بالإنتخابات الديمقراطية، وإنما وفق مبدأ التنصيب الإلهي، ومعلوم إن بعد الحسن والحسين لا تجتمع الإمامة في أخوين، وإنما هي في الأولاد). أقول ومثل الحديث المتقدم ما ورد عن رسول الله (ص):(يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا تصير الى واحد منهم ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقاتلونهم قتالاً لا يقاتله قوم، ثم ذكر شاباً فقال: إذا رأيتموه فبايعوه فإنه خليفة المهدي) (بشارة الإسلام: 30). أقول وقد وردت للرواية صورة أخرى في ذيلها (فإنه خليفة الله المهدي)، وهذه الصورة لا تغير في الأمر شيئاً، إذ طالما كان المقطوع به هو خروج الإمام المهدي (ع) من مكة، فلابد إذن من حمل تعبير (خليفة الله المهدي) على غير الإمام المهدي (ع)، وهو أمر لا يحتار فيه المتتبع، بعد أن تكفلت وصية رسول الله ببيان حقيقة أن (أحمد) له ثلاثة أسماء أحدها (المهدي).

ولكي يتضح هذا الأمر أكثر أنقل الرواية الآتية عن صاحب بشارة الإسلام، الذي ينقلها بدوره عن غيبة الطوسي:(عن عمار بن ياسر... الى قوله: ثم يخرج المهدي (ع) على لوائه شعيب بن صالح،... الخ) (نفسه: 176 – 177). ولو تساءلنا الآن: أي مهدي تقصده الرواية؟ تجيبنا الرواية الآتية؛ عن محمد بن الحنفية، قال:(تخرج راية سوداء لبني العباس، ثم تخرج من خراسان سوداء أخرى قلانسهم سود، وثيابهم بيض، على مقدمتهم رجل يقال له شعيب بن صالح، أو صالح بن شعيب من بني تميم يهزمون أصحاب السفياني، حتى تنزل بيت المقدس توطئ للمهدي سلطانه، يمد إليه ثلاث ماية من الشام، يكون بين خروجه وبين أن يسلم الأمر للمهدي إثنان وسبعون شهراً) (المعجم الموضوعي: 594).

هذه الرواية تصرح بأن شعيب بن صالح، والرايات السود، يوطئون للمهدي سلطانه، ويسلمونه الأمر بعد إثنين و سبعين شهرا، إذن فالمهدي الذي تشير له الرواية الأولى الذي يأتي مع الرايات السود، مهدي آخر. ويوضحه أكثر الرواية الآتية الواردة عن رسول الله (ص):(... حتى ترتفع رايات سود من المشرق فيسألون الحق فلا يعطونه، ثم يسألونه فلا يعطونه، ثم يسألونه فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون. فمن أدركه منكم، أو من أعقابكم فليأت إمام أهل بيتي، ولو حبواً على الثلج، فإنها رايات هدى، يدفعونها الى  رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، فيملك الأرض فيملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلما) (نفسه: 597).       ً

فالرسول (ص) يصف قائد الرايات السود بأنه (إمام أهل بيتي)، وهو غير الإمام المهدي الذي يدفعونها له. أي إن قائد الرايات السود هو إمام، وهو من أهل البيت، وهو غير الإمام المهدي، فلا شك إنه وصي الإمام المهدي (ع)، وولده  (أحمد). أقول وهذه الرواية توضح ما ورد عن الإمام الباقر (ع):(كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما سألوه فلا يقبلونه حتى يقوموا، ولا يدفعونها إلا الى صاحبكم، قتلاهم شهداء، أما إني لو أدركت صاحب ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر) (غيبة النعماني: 281).  (فصاحب هذا الأمر) الذي تشير له الرواية هو نفسه (إمام أهل بيتي)، أي إنه (أحمد) أو اليماني. وقوله: (لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر) إشارة الى ضرورة اتباع اليماني، وليس كما ذهب إليه الشيخ السند. وعن أمير المؤمنين (ع):(لابد من رحى تطحن... الى أن يقول: بعث الله عليها عبداً عنيفاً خاملاً أصله يكون النصر معه) (نفسه: 265). والعبد من العبودية لله، وكونه خامل الأصل إشارة الى خفاء نسبه المتصل بالإمام المهدي (ع) كما هو الواقع، حيث أكثر الناس ينكرون على من يقول إن الإمام المهدي متزوج وله ذرية، وكأنهم يريدون أن يستأذنهم في أمر زواجه، ولعل هؤلاء هم المقصودون ب (البترية)، أي إنهم يقولون إنه (ع) أبتر.

وعن الإمام الرضا (ع):(لا تقوم الساعة حتى يقوم قائم للحق منا، وذلك حين يأذن الله عز وجل له، ومن تبعه نجا، ومن تخلف عنه هلك، الله الله عباد الله فأتوه ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله عز وجل) (المعجم الموضوعي: 606). أقول بعد أن ينقل الشيخ الكوراني هذه الرواية، يعلق قائلاً:(وهو يتعلق بالإيرانيين بدليل قوله (فأتوه ولو حبواً على الثلج) لأن بلا دهم ثلجية) (المصدر السابق). ومراد الشيخ إن الأمر بالإتيان الى خليفة الله متوجه للإيرانيين دون سواهم، فكأنه فهم أن خليفة الله المذكور في الرواية هو الإمام المهدي (ع)، وحيث إنه يرى إن الإمام المهدي (ع) يتحرك من الحجاز الى العراق، وحيث إن الثلوج في هذه المنطقة منعدمة، إذن المقصود ًإن الناس المخاطبين يسكنون في مناطق فيها ثلوج، وعليهم أن يأتوا إمامهم رغم هذه الثلوج. والحقيقة إن الشيخ الكوراني يحاول بتفسيره هذا أن يلتف على الدلالة الحقيقية للرواية وهي إن القائم أو خليفة الله سيأتي من قبل المشرق، وبرأيه إن هذا يناقض حقيقة إن الإمام المهدي (ع) يأتي من مكة. لقد كان حرياً بالشيخ أن يلتفت الى المعنى الواضح للرواية وهو إشارتها الى أن القائم شخص آخر غير الإمام المهدي (ع)، وهو ولده كما أسلفت القول، لاسيما وإن ثمة روايات كثيرة جداً تصرح بهذا المعنى. وأود الإشارة هنا الى أن المفهوم من المشرق ليس بلاد إيران بالضرورة، فالمشرق إصطلاح يشمل مدينة البصرة من العراق أيضاً، ومن أراد مزيداً من المعرفة والتحقيق حول هذا الأمر فليراجع كتاب (سامري عصر الظهور) للشيخ ناظم العقيلي، وكتاب (اليماني حجة الله) للشيخ حيدر الزيادي. أما من جهتي فسأكتفي بذكر رواية واحدة، لعلها تفي بالغرض،(يدخل السفياني الكوفة، فيسبيها... الى قوله: ويخرج قوم من سواد الكوفة ليس معهم سلاح، إلا القليل منهم، ومنهم نفر من أهل البصرة، فيدركون أصحاب السفياني فيستنقذون ما في أيديهم من سبي الكوفة، وتبعث الرايات السود بالبيعة الى المهدي) (عصر الظهور: 125). من هذه الرواية يتبين أن أصحاب الرايات السود قوم من البصرة والكوفة على الخصوص.

ولعل الرواية الآتية تضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالرايات السود، فعن الإمام الباقر (ع)، قال:(إن لله كنوزاً بالطالقان، ليس بذهب ولا فضة؛ إثنا عشر ألفاً بخراسان شعارهم: أحمد.. أحمد، يقودهم شاب من بني هاشم على بغلة شهباء، عليه عصابة حمراء، كأني أنظر إليه عابر الفرات، فإذا سمعتم بذلك فسارعوا إليه ولو حبواً على الثلج) (منتخب الأنوار المضيئة: 343).

هذه الرواية تصرح باسم القائم، الذي يتخذ الطالقانيين من اسمه شعاراً لهم، كما إن قوله (ع): (عابراً الفرات) يدل على أن دخوله الى العراق يتم من جهة البصرة، ليتخذ طريقه الى الكوفة، إذ إن أي طريق آخر يمكن أن يسلكه لابد أن يضعه بمواجهة نهر دجلة، لا نهر الفرات.

بقي أن أشير الى أن الروايات صرحت بورود راية من خراسان أو من إيران عموماً، بقيادة الخراساني وهو غير اليماني كما يفهم من الروايات، وبشأن هذه الشخصية، أقول: إن جميع الرايات يشوبها الضلال، باستثناء راية اليماني أو راية القائم، وهذا الحكم يشمل راية الخراساني، فالضلال لا ينفك عن الخراساني حتى يبايع اليماني، ويخضع لحكمه، ذلك أن راية الحق واحدة لا تتعدد. فعن الصادق (ع):(له كنز بالطالقان، ما هو بذهب ولا فضة، و راية لم تنشر مذ طويت) (المعجم الموضوعي: 601). وهذه الراية هي راية رسول الله (ص) التي نشرها أمير المؤمنين (ع) يوم الجمل، ثم طواها، وادخرها للقائم (ع). فعن أبي بصير، قال:(قال أبو عبدالله (ع): لما التقى أمير المؤمنين (ع) وأهل البصرة نشر الراية، راية رسول الله (ص) فزلزلت أقدامهم... الى أن قال: فقال للحسن: يا بني إن للقوم مدة يبلغونها، وإن هذه راية لا ينشرها بعدي إلا القائم صلوات الله عليه) (غيبة النعماني: 319). وهذه الراية لا يتقدمها إلا مارق ولا يتأخر عنها إلا زاهق، فعن عبيد بن كرب قال: سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول:(إن لنا أهل البيت راية من تقدمها سرق، ومن تأخر عنها زهق، ومن تبعها لحق) (بشارة الإسلام: 202). وقول أمير المؤمنين (ع) هذا هو نفسه ما قاله الإمام الباقر (ع) عن راية اليماني: (هي راية هدى) و (الملتوي عليه من أهل النار).  وعلى أية حال فإن المتحصل من الروايات إن الخراساني يبايع القائم أو (أحمد) بعد أن يدخل الكوفة على الأرجح.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السيد أحمد الحسن

وصي ورسول الإمام المهدي (ع)

 

(بحث في أدلة الدعوة)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يتكفل هذا القسم من البحث بإثبات حقيقة أن السيد أحمد الحسن (ع) هو وصي ورسول الإمام المهدي (ع)، وهو اليماني الموعود، وذلك عبر استعراض بعض أهم الأدلة التي تقدم بها.

وسيرى القارئ أن المنهج الذي اتبعه لا يكتفي بطرح الدليل، واثبات شرعيته، وإنما يشفعه بالإجابة على الإشكالات أو الإعتراضات التي واجهه بها المعاندون، لتكتمل أمام القارئ صورة تمكنه من الحكم على الدليل.

وسيتم عرض الأدلة بصورة نقاط كما يأتي: -

1 – موافقة الدعوة لروايات أهل البيت:-

إن طرح الدعوة المتمحور حول فكرة وجود شخص يرسله الإمام المهدي (ع)، هو ابنه ووصيه، وهذا الشخص هو صاحب الأمر، أو القائم الذي يمهد للإمام المهدي سلطانه، هذا الطرح مع فرادته التي لم يُسبق إليها متوافق تماماً مع الروايات الواردة عن أهل البيت (ع)، بل إنه – وهو الأهم – يمثل الحل الوحيد للإشكالات التي تواجه التصور المتعارف بين المسلمين عموماً فيما يتعلق بقضية الظهور. وعلى أية حال يكفي دليلاً على تهافت التصور المتعارف إنه تصور غير مجدي، ولا ينتج عنه أثر إيجابي، بل وأكثر من ذلك سيترتب عليه إنكار الغالبية العظمى لقائم آل محمد (ع)، ومحاربتهم له كما عرفت.

وهذا الدليل يعضده ويؤكده ما ورد عن أبي جعفر (ع)، حين قال له أحدهم:((إنا نصف صاحب هذا الأمر بالصفة التي ليس بها أحد من الناس. فقال: لا والله لايكون ذلك أبداً، حتى يكون هو الذي يحتج عليكم بذلك، ويدعوكم إليه)) (تقدمت الإشارة الى مصدرها فراجع). وشبيه به ما ورد عن رسول الله (ص): (... له علم إذا حان وقته انتشر ذلك العلم من نفسه) (بحار الأنوار /ج52:310).

 

2 – انطباق الروايات على السيد أحمد الحسن (ع):-

كل الصفات التي ذكرتها الروايات للقائم، وميزته عن الإمام المهدي (ع) تنطبق على السيد أحمد الحسن (ع)؛ فالسيد اسمه (أحمد)، ومسقط رأسه البصرة، وهو غائر العينين، عريض المنكبين، بوجهه أثر، وفي رأسه حزاز ، أسمر الوجه، يتسم بالطول ورشاقة البنية (جسمه إسرائيلي)، وأمه أمة سوداء. هذا وقد وردت صفة أخرى للقائم نجدها في السيد أيضاً، وهي أن في صوته ضجاج، فعن عمرو بن سعد، فال:(قال أمير المؤمنين (ع): لا تقوم القيامة... الى أن يقول: له في صوته ضجاج) (غيبة النعماني: 150).

ولا بأس في هذا المقام من التعرض لشبهة أثارها المعاندون فحواها؛ إنه لم يثبت إن الإمام المهدي (ع) متزوج، وله ذرية! وإذا ثبت، فإنه قد ثبت أن السيد أحمد الحسن (ع) ينتسب الى عشيرة غير هاشمية، فكيف يكون ابناً للإمام المهدي (ع)؟ في الجواب أقول إن أحداً لايمكنه الزعم أبداً بأن الإمام المهدي (ع) غير متزوج، وأنى له ذلك؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى ورد عن رسول الله (ص) ما مضمونه (الزواج سنتي، ومن أعرض عن سنتي فليس مني)، فهل يُعرض الإمام المهدي (ع) عن سنة جده؟ هذا من حيث المبدأ، أما على مستوى الروايات، فقد وردت نصوص كثيرة تدل على زواج الإمام، ووجود الذرية له، وقد جمع منها الشيخ ناظم العقيلي ما يقرب من العشرين رواية ضمنها كتابه (الرد الحاسم على منكري ذرية القائم)، أقتطف لكم بعضاً منها:-

عن الصادق (ع):(كأني أرى نزول القائم (ع) في مسجد السهلة بأهله وعياله) (الرد الحاسم على منكري ذرية القائم: 13). وجاء في الدعاء للإمام المهدي (ع):(اللهم أعطه في نفسه وأهله وولده وذريته وأمته وجميع رعيته ما تقر به عينه، وتسر به نفسه) (نفسه: 15).

وورد في دعاء اليوم الثالث من شعبان، يوم ولادة الإمام الحسين (ع):(اللهم أسألك بحق المولود بهذا اليوم... الى قوله: المعوض من قتله إن الأئمة من نسله والشفاء في تربته والفوز معه في أوبته والأوصياء من عترته بعد قائمهم وغيبته) (نفسه: 23. ومفاتيح الجنان: دعاء اليوم الثالث من شعبان).

أما عن انتساب السيد أحمد (ع) لعشيرة غير هاشمية فهو انتساب بالولاء، أو ما يعرف (بالجرش)، والسيد إنما كان يرتدي العمامة البيضاء لأن البياض شعار أهل البيت كما لا يخفى، وأما السواد فهو شعار بني العباس. وللسيد الصدر رأي جدير بالتأمل فحواه: إن بإمكان الإمام المهدي (ع) أن يتزوج دون أن يُعلم زوجته أو أهلها بشخصيته الحقيقية، وهو ما يصطلح عليه بأطروحة خفاء العنوان . وعلى هذا يمكن أن تكون للإمام المهدي (ع) ذرية تجهل انتسابها له. والسيد أحمد على أية حال لم يخبر أحدا يوماً إنه ليس بهاشمي أبداً.ً

3 – الإحتجاج بالوصية:-

احتج السيد أحمد على الناس بأنه منصب من قبل الله تعالى، وموصى إليه بوصية رسول الله (ص)، في وقت تنصل فيه الجميع من مبدأ حاكمية الله، ودخلوا في حاكمية الناس أو حاكمية الشيطان (الديمقراطية). عن الحارث بن المغيرة النضري، قال:(قلنا لأبي عبدالله (ع): بما يعرف صاحب هذا الأمر؟ قال: بالسكينة والوقار والعلم والوصية) (بحار الأنوار / ج52: 138). وعن أبي عبدالله (ع):(يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال لا تكون في غيره؛ هو أولى الناس بالذين قبله، وهو وصيه، وعنده سلاح رسول الله ً(ص) ووصيته) (الكافي / ج1: 378). والحق إن الإحتجاج بالوصية وحده يكفي دليلاً على صدق هذه الدعوة ، ففي حديث للإمام الرضا (ع) يحتج به على جاثليق النصارى ورأس الجالوت ، يقرأ الإمام ما جاء في الإنجيل من ذكر الرسول (ص) ، وهنا يقول الجاثليق : ( لم يتقرر عندنا بالصحة إنه هو محمد هذا ؟ فقال الرضا : احتججتم بالشك ، فهل بعث الله من قبل أو من بعد ، من آدم الى يومنا نبياً اسمه محمد فاحجموا عن جوابه ) [إثبات الهداة ج1 : 196 ]. أقول إذا صح احتجاج الإمام الر ضا (ع) - وهو صحيح – يصح احتجاج السيد أحمد بالوصية .

4 – علم السيد أحمد الحسن (ع):-

عن أبي الجارود، قال:(قلت لأبي جعفر (ع): إذا مضى الإمام القائم من أهل البيت، فبأي شئ يعرف من يجئ بعده؟ قال: بالهدى والإطراق، وإقرار آل محمد له بالفضل، ولا يسأل عن شئ بين صدفيها إلا أجاب) (الإمامة والتبصرة: 137).

وقد أعلن السيد أحمد (ع) عن استعداده للإجابة عن أي سؤال في القرآن؛ ظاهراً أو باطناً، محكماً أو متشابهاً، ناسخاً أو منسوخاً، وتحدى جميع علماء المسلمين أن يسألوه أي سؤال يشاؤن في القرآن، وأكثر من ذلك تحداهم أن يجيبوا على سؤال واحد يسألهم إياه. ولكنهم أعرضوا ونكصوا على عقبيهم. هذا وقد أصدر السيد أحمد الحسن (ع) مجموعة من الكتب؛ منها (شئ من تفسير الفاتحة) وكتاب (المتشابهات) بأربعة أجزاء، وهو كتاب أحكم فيه الآيات المتشابهة في القرآن الكريم. ومعلوم إن العلم بالمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ مختص بأهل البيت (ع)، دون سواهم، فهذا الإمام الصادق (ع) يحاجج أبا حنيفة، قائلاً :(يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته، وتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: نعم. قال: يا أبا حنيفة لقد ادعيت علماً، ويلك ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك ولا هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا (ص)، ما ورثك الله من كتابه حرفاً) (علل الشرائع / ج1: 89). ويقول تعالى:((وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم))

وأكثر من ذلك طلب السيد أحمد الحسن (ع) مناظرة علماء الشيعة وإن اجتمعوا، ولهم أن يحضروا ما شاءوا من مصادر، ويحضر هو وحده، ولا يجلب معه غير القرآن الكريم. كما إن السيد أحمد الحسن تحدى علماء الديانات السماوية بأنه أعلم الجميع بالكتب السماوية.

والعجيب أن فقهاء آخر الزمان لم يكتفوا بالصمت المخجل، بل ذهبوا الى حد لم يسبقهم إليه سابق، فزعموا أن القرآن لا يصلح للإحتجاج به!! وتذرعوا في هذا الصدد بما ورد عن أمير المؤمنين من نهي لأبن عباس عن محاججة الخوارج بالقرآن لأنه حمال أوجه. وفي جواب هذه الشبهة أقول:-

أ- إن القرآن يصلح دليلاً وحجة قطعاً، فقد ورد إن القائم (ع) يحتج على  الناس بالقرآن، ففي خطبته بين الركن والمقام، يقول (ع):(... ألا ومن حاجني في كتاب الله، فأنا أولى الناس بكتاب الله) (المعجم الموضوعي: 518 – 519).

وورد عن الإمام المهدي (ع) توقيعاً بخصوص أحد مدعي السفارة، فيه:(... وقد ادعى هذا المبطل على الله الكذب... فما يعلم حقاً من باطل، ولا محكم من متشابه... الى أن يقول: فالتمس تولى الله توفيقك من هذا ما ذكرت لك وامتحنه، واسأله عن آية من كتاب الله يفسرها) (إلزام الناصب / ج1: 187).

وعن أبي جعفر (ع) في إجابة عن سؤال بخصوص ما يُعرف به من يأتي بعد الإمام القائم، قال:(ولا يُسأل عن شئ بين صدفيها إلا أجاب) (غيبة النعماني: 250). والصدفان هما دفتا القرآن الكريم. وفي هذا الحديث دليل واضح على أن الإمام يُعرف بمعرفته القرآن.

وقد ورد في تفسير قوله تعالى:(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) ، أي يهدي الى الإمام، ويعرف به. وإضافة لما تقدم ورد في بشارة الإسلام، إن بعض أصحاب الإمام المهدي (ع) يحتجون بالقرآن، فعن الصادق (ع):((... وأما المحتج على  الناصب من سرخس فرجل عارف يلهمه الله معرفة القرآن فلا يبقى أحد من المخالفين إلا حاجه، فيثبت أمرنا في كتاب الله)) (بشارة الإسلام: 187).

وورد عن الإمام الصادق (ع):(إن ادعى مدع فاسألوه عن العظائم التي يجيب فيها مثله) (غيبة النعماني: 178). وأي عظائم أكبر من عظائم القرآن؟ أقول هل يشك أحد بعد هذه الأدلة بحجية الإحتجاج بالقرآن.

ب – أما نهي أمير المؤمنين (ع) لأبن عباس فمنشؤه أن ابن عباس ليس من أهل الكتاب الذين يعرفون المحكم والمتشابه، فعلم هذا مختص بأهله، وهم أهل البيت الراسخون في العلم، دون سواهم، ويدل عليه حديث الإمام الصادق (ع) لأبي حنيفة، المذكور آنفاً.

5- السيد أحمد الحسن مؤيد بالملكوت:-

قضية القائم من ألفها الى يائها قضية غيب، وقد ورد عن أهل البيت (ع) في تفسير قوله تعالى من سورة البقرة( ألم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون(3) ) إن الغيب هو القائم. والإستدلال على الغيب لا طريق له سوى بالعودة الى الله، واسترشاده، فهو دليل المتحيرين. والدليل الغيبي أو الملكوتي له مصاديق متعددة، نقتصر منها هنا على؛ الرؤيا والإستخارة والكشف والنقر والقرع والإلقاء بالقلب.

أ – الرؤيا:-

شاهد مئات الأشخاص مئات الرؤى بأهل البيت خصوصاً، كلها تخبرهم بأن السيد أحمد الحسن صادق في ما يدعيه، والكثير من هؤلاء الأشخاص ممن لم يدخلوا في الدعوة المباركة، على الرغم من أن الدليل قد أخذ بأعناقهم؟! ولكن لا غرابة فقد ورد إن هذا الأمر لا يثبت عليه إلا من أخذ الله ميثاقه في الذر الأول. علماً إن الأشخاص المشار إليهم من مناطق مختلفة، ومدن متعددة، فلم يسبق أن التقوا أو تعارفوا بأية صورة من الصور. بل إن الكثير منهم كانت الرؤيا سبباً في دخوله الى الدعوة المباركة. وكل ذلك يدل على أن مسألة الرؤى لم تكن مصطنعة. وبشأن الأدلة على حجية الرؤيا، أقول قد وردت بهذا الخصوص الكثير من الآيات القرآنية الكريمة، والكثير من الأحاديث عن أهل البيت (ع). فمن الآيات رؤيا إبراهيم (ع) بشأن ذبح ولده إسماعيل (ع)،(يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)، هذه الرؤيا لم يتردد إبراهيم (ع) قيد أنملة في النظر إليها على أنها حجة ملزمة له، بل بادر الى شحذ سكينه وعزم على مباشرة الفعل((ولما أسلما وتله للجبين))، فإبراهيم (ع) نظر الى الرؤيا على أنها أمراً إلهياً واجب التنفيذ، ومن هنا استحق ثناء الله عز وجل(فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) . بل إن إسماعيل (ع) وهو يواجه مصير الذبح، ويرى سكين أبيه تقترب من  رقبته لم يصدر منه سوى قوله(يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) فالرؤيا أمر إلهي واجب التنفيذ، وحجة على رائيها (إبراهيم) و غيره (إسماعيل). وعلى الرغم من وضوح الدلالة في هذه الآيات على حجية الرؤيا، إلا إننا لانعدم من المعاندين من يعترض على هذه الدلالة الواضحة، ويحاول الإلتفاف عليها زاعماً إن الرؤيا حجة على الأنبياء دون سواهم! وليت أنه يبرز دليلاً على مدعاه ولكنه يتبجح بما يزعمه تبجح المستكبرين!

ولمناقشة هذا الإعتراض، أقول: لو إن الرؤيا بحد ذاتها، أي بصرف النظر عن رائيها؛ نبياً كان أو غير نبي، كانت فاقدة الحجية، هل كان يمكن لإبراهيم (ع) أن يجد فيها حجة؟ الجواب طبعاً لايمكنه ذلك، لأن فاقد الشئ لا يُعطيه، إذن طالما وجد فيها إبراهيم حجة، فلابد أن تكون هي بحد ذاتها حجة. وعلى سبيل المثال لو أن حجراً لا ماء فيه فهل يمكن لأحد أن يعثر فيه على ماء؟ طبعاً لا يمكنه، لأن الحجر بحد ذاته لا ماء فيه، ولو افترضنا أن شخصاً سلط قوة ضغط كبيرة على هذا الحجر، وأخرج منه ماء، ألا نفهم من ذلك أن الحجر هو بحد ذاته فيه ماء؟

ثم لو قلنا إن الرؤيا حجة على النبي دون سواه، أليس يقتضي ذلك أن يُعلمُه الله سلفاً بذلك؟ وإذا كان ذلك، فهل إن إبراهيم (ع) قد امتثل للرؤيا نتيجة معرفته المسبقة بحجيتها، أم إن الأمر كان ينطوي على إختبار له استطاع اجتيازه بنجاح؟ الواضح إن استحقاق إبراهيم لثناء الله يدل على إنه خضع لإمتحان ونجح فيه،( وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ).  قد يقال إن إبراهيم كان يعلم من الله إن الرؤيا حجة، والثناء الذي حصل عليه كان بسبب امتثاله للطلب الصعب الذي تنطوي عليه الرؤيا، لا لأنه صدق نفس الرؤيا، بما هي طريق للمعرفة بين العبد و خالقه؟ أقول هذا التوجيه مردود، لأن الآية صريحة في أن الثناء كان لأنه صدق نفس الرؤيا((صدقت الرؤيا...))، وعلى أية حال لو كان الثناء متعلقاً بامتثال أمر الذبح، لما قيل له (صدقت)، بل أطعت، أو سلمت.

أما الأحاديث فقد ورد منها الكثير، وحسبك أن تراجع كتاب (دار السلام) للميرزا النوري، لتجد العشرات، بل المئات من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع). ويمكن للقارئ أيضاً مراجعة كتاب الأخ أحمد حطاب (فصل الخطاب في حجية رؤيا أولي الألباب)، وهو من إصدارات أنصار الإمام المهدي (ع). ولا يسعني في هذه العُجالة سوى الاكتفاء بإيراد جملة من الأحاديث كما يأتي:

عن الرضا (ع)، قال:(حدثني أبي عن جدي عن أبيه، إن رسول الله (ص) قال: من رآني في منامه فقد رآني، لأن الشيطان لا يتمثل في صورتي، ولا صورة أحد من أوصيائي، ولا في صورة أحد من شيعتهم. وإن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوة) (دار السلام / ج4: 272).

ينص هذا الحديث على أن الشيطان لا يتمثل بصورة أحد من أهل البيت (ع)، الأمر الذي يُسقط اعتراض المعاندين، إذ إن القول بعدم حجية الرؤيا يقتضي بالضرورة القول بقدرة الشيطان على التمثل بصورهم. ومع عدم قدرته على التمثل بصورهم، يتضح إن الرؤيا من الله تعالى، وهذا ما دلت عليه كثير من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع). فعن رسول الله:(لا نبوة بعدي إلا المبشرات، قيل يارسول الله، وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة) (بحار الأنوار / ج58: 193).

فالرؤيا بحسب هذه الرواية نبوة، والنبوة لا أظن أحداً لا يقول بحجيتها. وعن الصادق (ع):(رأي ورؤيا المؤمن في آخر الزمان على سبعين جزء من أجزاء النبوة) (دار السلام / ج1: 18). ومعنى هذا أن الرؤيا وحي من الله (عز وجل). وفي كتاب الغايات لجعفر بن أحمد القمي، قال رسول الله (ص):(خياركم أولوا النهى. قيل: يارسول الله، ومن هم أولوا النهى؟ فقال (ص): أولوا النهى أولوا الأحلام الصادقة) (انظر: فصل الخطاب في حجية  رؤيا أولي الألباب: 15). سبحان الله، أصحاب الرؤى هم خيار المسلمين، ومع ذلك يسخر المنكوسون منا قائلين: بسبب رؤيا تؤمنون بأحمد الحسن؟ نقول: نعم ونحمد الله على نعمة الإيمان. وما قولكم بالأخبار الواردة عن أهل البيت، التي يعلمون بها شيعتهم أعمالاً معينة ليُرزقوا برؤيا، هل هذه التعاليم لغو وعبث لا سمح الله؟ نعم هي تكون عبثاُ لو أن الرؤيا لا حجية لها، كما تزعمون. وأسألكم بالله إذا لم تكن الرؤيا حجة، فبأي شئ تبشر المؤمن؟ إن عدم كونها حجة يعني إنها لا تكشف عن واقع خارجي، أو حقيقة خارجية، وإذا لم يكن ثمة واقع خارجي تكشف عنه الرؤيا، أو تبشر به، فهي وهم لا طائل وراءه.

وعن عبدالله بن عجلان، قال:(ذكرنا خروج القائم (ع) عند أبي عبدالله (ع)، فقلت: كيف لنا نعلم ذلك؟ فقال (ع): يصبح أحدكم وتحت رأسه صحيفة عليها مكتوب: طاعة معروفة، اسمعوا وأطيعوا) (كمال الدين: 654). من هذه الرواية يتضح أن من أهم الطرق للعلم بخروج القائم هو الرؤيا، وهذا معنى الصحيفة التي يجدها الإنسان تحت رأسه. وعن البيزنطي، قال:(سألت الرضا (ع) عن مسألة الرؤيا، فأمسك، ثم قال: إنا لو أعطيناكم ما تريدون لكان شراً لكم، وأُخذ برقبة صاحب هذا الأمر) (بحار الأنوار / ج25: 110). في هذا الحديث يربط الإمام الرضا (ع) بين الرؤيا وصاحب الأمر، و ينص صراحة على أن معرفة كل أسرار الرؤيا ينتج عنها الأخذ برقبة صاحب الأمر. فكيف لا تكون حجة؟

وأود تذكير القارئ بأن السيدة نرجس(ع) أم الإمام المهدي (ع) قد جاءت الى العراق، بعد أن عرضت نفسها للأسر، بسبب رؤى، فما لكم أنى تؤفكون؟ وكلكم تعلمون بأن وهب النصراني قد نصر الإمام الحسين (ع) بسبب رؤيا رأى فيها عيسى (ع) يأمره فيها بنصرة الحسين (ع)، وكانت سبباً في نيله أرفع الدرجات، فيا لبؤس منكوسي هذا الزمان. وهل أشهر من الرؤيا التي رآها أبو عبدالله الحسين (ع) وحاجج بها ابن عباس، حين أراد أن يُثنيه عن الذهاب الى الكوفة بحجة أن أهلها قد خذلوا أباه علياً (ع)، وأخاه الحسن (ع)، فأجابه من بين ما أجابه به، إنه رأى رسول الله (ص) في المنام، وقد أمره بالمسير الى العراق، وإنه سيقتل.

وسأُجيب فيما يلي من سطور عن الإشكالات، والإعتراضات التي أثارها المعاندون على دليل الرؤيا، وكما يأتي: -

1- نسمع بعض الأشخاص يقولون إننا طلبنا رؤيا من الله، ولكننا لم نرزق بها، ويستشف من كلامهم إنهم يرمون الى القول: أنتم تقولون إن الرؤيا دليل على الدعوة، ولكننا لم نرى رؤيا فأي شئ يبقى من دليلكم؟!

وعلى الرغم من سذاجة هذا الإعتراض، إلا أننا نجيب عنه قائلين: إن الرؤيا دليل و حجة بكل تأكيد، والدليل مرتكز هنا على الرؤى الحاصلة فعلاً، ونحن لا نقول إن كل من يطلب رؤيا فنحن نضمن له الحصول عليها، هذا أولاً، أما ثانياً فقد ورد عن أهل البيت (ع): (الرؤيا بمنزلة كلام يكلم به الرب عبده) وعلى هذا إذا لم تروا رؤيا، أو لم يكلمكم الرب فعليكم أن تسألوا أنفسكم عن السبب.

2 - يقول البعض إن الرؤيا حجة على صاحبها فقط.

أقول: وهذا القول مغالطة واضحة، فالرؤيا - بحسب الواقع الذي تخبر عنه - قسمان؛ فإذا كان واقعها ذاتيا أي متعلقاً بالشخص الرائي فقط، مثل أن يرى شخص رؤيا تحذره من السفر بسيارته لأنه سيتعرض لحادث، فالرؤيا في هذه الحالة لا تخص أحداً غيره، وهي حجة عليه دون سواه. أما  إن كان واقعها موضوعياً، أي غير محدد بشخص الرائي فإنها حجة على الجميع. فعلى سبيل المثال لو رأى شخص رؤيا تُنبأه بوقوع حريق في سوق المدينة، فلاشك أنه هو و أي شخص آخر غيره مشمول بهذه الرؤيا. وبخصوص دعوة السيد أحمد الحسن (ع)، فمن الواضح إنها دعوة تشمل الجميع، والرؤيا المتعلقة بها إذن رسالة تخص الجميع، وإن كان رائيها شخص واحد، أو عدة أشخاص.

3 – قال بعضهم: إن إدامة التفكير في أهل البيت (ع) ينتج عنه أن يرى الإنسان رؤى بهم (ع)، فالقضية إذن قضية نفسية، ولا علاقة لها بعالم الغيب!

سبحان الله أعدوا لكل حق باطلا ً، ولكل عدل مائلاً، لقد كان على المستشكل أن يسأل نفسه؛ هل المعصوم الذي نراه (النبي أو الإمام) هو نفسه أم إن شيطاناً قد تمثل بصورته؟ فإن قال إن الشيطان تمثل بصورة المعصوم، نقول له: إن رسول الله (ص) يقول: إن الشيطان لا يتمثل بصورتي، ولا بصورة أحد من أوصيائي، ولا بصورة أحد من شيعتنا. وإن قال: هو نفسه المعصوم، نقول له: إذن إدامة التفكير في المعصوم لا تقدح في الرؤيا، ولا في حجيتها، ويحسن بكم أن تديموا التفكير بهم عسى الله أن يرحمكم.    هذا وقد روي عن الإمام الكاظم (ع)، قوله:(من كانت له الى الله حاجة، وأراد أن يرانا، وأن يعرف موضعه من الله، فليغتسل ثلاث ليال يناجي بنا، فإنه يرانا، ويُغفر له بنا، ولا يخفى عليه موضعه...)) (الإختصاص / الشيخ المفيد: 90).

وقد علق المجلسي على هذا الحديث، قائلاً:(قوله (ع): يناجي بنا، أي يناجي الله تعالى بنا، ويعزم عليه، ويتوسل إليه بنا أن يرينا إياه، ويعرف موضعه عندنا. وقيل: أي يهتم برؤيتنا، ويُحدث نفسه بنا ورؤيتنا ومحبتنا، فإنه يراهم) (بحار الأنوار / ج 53: 328).

ب - الإستخارة: -

من طرق معرفة الغيب؛ الإستخارة، وعليها سيرة المتشرعة منذ أبعد العهود، وسيرة المتشرعة حجة لديهم كما هو معلوم. ومن يراجع كتاب (ما وراء الفقه) للسيد الصدر يجد بحثاً ممتازاً في حجية الإستخارة، يقول في فقرة منه: (إن الإنسان المؤمن إذا ما استنصحه أخاه المؤمن فإنه لا يغشه، فكيف بالله تعالى)؟ أقول أم لعلكم تخافون أن يحيف الله بكم؟ هذا وقد وردت أحاديث كثيرة عن أهل البيت (ع) بشأن الإستخارة، إليكم البعض منها:-

عن أبي عبدالله (ع):(صل ركعتين واستخر الله، فوالله ما استخار الله مسلم إلا خار له ألبتة) (وسائل الشيعة: باب صلاة الإستخارة). وعنه (ع):(من استخار الله راضياً بما صنع خار الله له حتماً) (المصدر السابق). وهذا الحديث يؤكد شرطاً ضرورياً من شروط الإستخارة، وهو أن يضمر المستخير الرضا بالنتيجة، أياً كانت. وعنه (ع):(كنا نتعلم الإستخارة كما نتعلم السورة من القرآن، ثم قال: ما أبالي إذا استخرت على أي جنبي وقعت) (المصدر السابق). وقوله (ما أبالي... الخ) دليل على ثقة كبيرة بالإستخارة.

وأكثر من ذلك وردت أحاديث في النهي عن مخالفة الإستخارة وعصيانها، أو التوجه الى أمر، والدخول فيه دون الإستخارة عليه. فعن أبي عبدالله (ع):(من دخل أمراً بغير استخارة ثم ابتلي لم يؤجر) (المصدر السابق). وعنه (ع):(قال الله عز وجل: من شقاء عبدي أن يعمل الأعمال فلا يستخيرني) (المصدر السابق). وعنه (ع) وقد سأله بعض أصحابه:(من أكرم الخلق على الله؟ قال: أكثرهم ذكراً لله وأعملهم بطاعته. قلت: من أبغض الخلق الى الله؟ قال: من يتهم الله. قلت: وأحد يتهم الله؟ قال: نعم، من استخار الله فجاءته الخيرة بما يكره فسخط لذلك، فذلك الذي يتهم الله) (المصدر السابق).

وقد أثار بعض المعاندين شبهة مؤداها: إن الإستخارة لا يُلجأ إليها في الأمور العقائدية، وإنما في الأمور الفرعية فقط.

وفي الجواب أقول: إن صفوان الجمال، وهو من أصحاب الإمامين؛ الكاظم والرضا (ع) قطع على إمامة الرضا (ع) في فتنة الواقفية من خلال الإستخارة.

فعن علي بن معاذ، قال:(قلت لصفوان بن يحيى: بأي شئ قطعت على علي – أي الرضا (ع) – قال: صليت ودعوت الله، واستخرت وقطعت عليه) (غيبة الطوسي: 54).

إذن صفوان الجمال قطع بإمامة الرضا (ع) بالإستخارة، وهي من المسائل العقائدية، فمن أين لأهل العناد تقييد الإستخارة بالموارد التي حددوها، والروايات ظاهرة في الإطلاق؟ وإذا كانوا يصححون الإستخارة في الموارد الفرعية، كما يصفونها فهذا يعني إن الإستخارة، كطريق في الكشف عن المغيب، طريق صحيح، ومستوف لشروط الحجية في هذه الموارد، وهنا نسال: لماذا لا تكون الإستخارة طريقاً صحيحاً ومنتجاً في الموارد الأخرى؟ علماً أن الإستخارة في الحالتين واحدة من جهة كونها طريقاً في الكشف عن المغيب، والإختلاف الوحيد بين الموردين هو في موضوع الإستخارة، والموضوع كما هو معلوم أمر خارجي عن نفس الإستخارة، بوصفها طريقاً، أقول أيكون السبب بخلاً في ساحة الله، نعوذ بالله من قول السوء، فيتسع كرمه في الموارد الجزئية، ويقصر في الموارد المتعلقة بالعقيدة؟ وهذه النتيجة تلزمهم حتماً، إذ طالما كانت الإستخارة كطريق ناهضة، ومحققة لمطلوبها في بعض الموارد (الموارد الجزئية) فتخلفها في البعض الآخر منشؤه شئ آخر غير نفس كونها طريقاً، لأن القصور لو كان في الطريق للزم التخلف في كل الموارد، فهل ترتضون لنفسكم القول بالنتيجة التي ذكرتها، وتتهمون الله؟ تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

ج - الكشف والنقر والقرع: -

وهي من أدلة العارفين، ولا ينالها إلا ذو حظ عظيم، وأنصار الله، أنصار الإمام المهدي (ع) لا يكاد يمر يوم على أحدهم دون أن يرى رؤيا، أو كشفاً، أو يسمع قرعاً، أو تلقي الملائكة في قلبه من المعارف الإلهية ما لا رأت عين ولا خطر على قلب بشر. الأمر الذي يدل بلاشك على حقانية هذه الدعوة المباركة. فعن أمير المؤمنين (ع) في وصف أنصار الإمام المهدي (ع):(... ثم ليشحذن بها قوم شحذ القين النصل، تجلى بالتنزيل أبصارهم، ويرمى بالتفسير في مسامعهم، ويغبقون كأس الحكمة بعد الصبوح) (المهدي المنتظر الموعود / باب 28: 183).  ولمحي الدين بن عربي قول في كتابه (الفتوحات المكية) ينقله عنه صاحب (شرح أصول الكافي):(إذا ظهر – أي المهدي – يبايعه العارفون من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهي) (شرح أصول الكافي / ج6).

6- المباهلة وقسم البراءة: -

بعد أن أعرض الفقهاء عن مناظرة السيد أحمد (ع)، دعاهم الى مباهلته، اقتداء بسيرة جده المصطفى (ص) مع نصارى نجران. وعلى الرغم من موقفهم المعاند في تكذيبه، وتخذيل الناس عن إتباعه، إلا أنهم أحجموا عن مباهلته (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ). ولو أنهم كانوا موقنين من كذبه كما يتبجحون أمام أتباعهم لكانوا رأوا في طلب المباهلة فرصة ذهبية للقضاء عليه، ولوأد فتنته في مهدها كما يتبجحون،  ولم يكتف السيد أحمد بطلب مباهلة علماء الشيعة وحدهم، بل أصدر بيانا يطلب فيه مباهلة ًجميع علماء الديانات السماوية؛ اليهود، والنصارى، والمسلمين.

قال تعالى:(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (آل عمران:61). وحين رأى السيد أحمد الحسن (ع) نكوص فقهاء آخر الزمان على أعقابهم، أعلن إنهم إذا كانوا يخشون الموت فإنه على استعداد لئن يقسم وحده قسم البراءة، شريطة أن يصدقوه في حال لم يحدث له شئ، ولكن..

(أسمعت لو ناديت حياً               ولكن لا حياة لمن تنادي)

ويدلك على حجية المباهلة ما يرويه الطوسي في غيبته عن أبي علي بن همام، قال:(أنفذ محمد ين علي الشلغماني العزاقري الى الشيخ الحسين بن روح – وهو أحد سفراء الإمام المهدي (ع) – يسأله أن يباهله، وقال أنا صاحب الرجل وقد أمرت بإظهار العلم، وقد أظهرته باطناً و ظاهراً، فباهلني. فأنفذ إليه الشيخ رضي الله عنه في جواب ذلك: أينا تقدم صاحبه فهو المخصوم، فتقدم العزاقري فقتل وصلب)) (غيبة الطوسي: 307).

وبشأن قسم البراءة ينقل الكليني خبر الرجل الذي ادعى على الإمام الصادق (ع) بحضرة المنصور الدوانيقي فأقسم قسماً مجد الله فيه، فقال له الإمام (ع):(ويلك تمجد الله فيستحيي من تعذيبك، ولكن قل: برئت من حول الله وقوته وألجئت الى حولي وقوتي. فحلف بها الرجل فلم يستتمها حتى وقع ميتاً) (الكافي /ج6: 446).

7 -  طلب الإتيان بالمعجزة:-

لم يترك السيد أحمد الحسن (ع) باباً لم يطرقه، ولم يترك حجة لمحتج، ولا عذر لمعتذر، ومن بين الأدلة التي جاء بها؛الإتيان بالمعجزة فيما لو طلبها منه أحد المراجع الخمسة (السيد السيستاني، والسيدمحمد سعيد الحكيم ، والسيد الخامنئي، والسيد محمد حسين فضل الله، والشيخ الفياض)، وقال: لهم أن يحددوا أي معجزة من معاجز الأنبياء (ع)، واشترط أن يكون الأمر علنياً، وأن تحضر وسائل الإعلام، والناس. ولكن كما هو ديدنهم وضعوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم. وعلى أية حال فقد صدرت عن السيد أحمد كثير من الكرامات والمعاجز التي يعرفها أنصار الله، وهم على استعداد للقسم بأغلظ الأيمان - لمن يطلب الحق- على وقوعها.

8 – أدلة أخرى:-

الأدلة على هذه الدعوة أكثر من أن تحصى، ولكن لابأس بالإشارة السريعة الى بعضها كما يأتي:-

أ-  ورد عنهم (ع):(ما ادعى هذا الأمر غير صاحبه إلا تبر الله عمره)، أي أهلكه الله. وخير شاهد عليه ما جرى لزعيم الجماعة التي تُسمي نفسها جند السماء، حيث ادعى هذا الضال إنه الإمام المهدي، وإن اسمه علي بن علي بن أبي طالب.

ب – إخبار السيد أحمد الحسن بالكثير من المغيبات.

ج – انفرد السيد أحمد الحسن (ع) بالدفاع عن القرآن الكريم حين دنسه الطاغية صدام بدمه النجس . كما إنه الوحيد الذي بقي متمسكاً بالثقلين، لا يرتضي بهما بدلاً ولا حولاً.

د – رفع السيد أحمد الحسن (ع) راية (البيعة لله) وتمسك بشعار حاكمية الله في وقت دخل الجميع في ديمقراطية أمريكا (حاكمية الناس).

هـ – كشف السيد أحمد الحسن (ع) عن قبر الزهراء، وقد ورد أن أول معجزة للقائم هي كشفه عن قبر الزهراء.

و- لم يصدر من السيد أحمد الحسن (ع) سوى الحكمة، وكتبه وخطاباته شاهد لا يكذب (…وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء:82) .

ز- استعداد السيد أحمد للإجابة عن العظائم، وقد ورد (إذا ادعى هذا الأمر مدع فاسألوه عن العظائم التي يجيب فيها مثله).

ح – غربة الدعوة وكثرة المعاندين والأعداء، فتحقق قولهم (ع) من خلالها(بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً).

ط – عدم وجود راية حق غير راية السيد أحمد، رغم تحقق العلامات الدالة على الظهور، وقد ورد عنهم (ع) ما مضمونه: إن رايتنا أضوء من الشمس.

ي – في بيان 13 / رجب / 1425 أخبر السيد أحمد الحسن (ع) إن العذاب سيضرب بعض مناطق الأرض، وبعد فترة وجيزة من صدور هذا البيان حدث إعصار تسونامي، وأعقبه إعصار كاترينا ثم ريتا.

ك- ورد عن أهل البيت (ع) ما مضمونه:(أُمرنا أن نكلم الناس على  قدر عقولهم)، وجميع من عرف السيد أحمد (ع) يعلم جيداً إنه يكلم كل شخص على قدر ما يستوعبه عقله، وكثيراً ما كان يجيب على أسئلة تتلجلج في صدور المؤمنين قبل أن يصرحوا بها.

ل – ورد عن أهل البيت (ع) في صفة صاحب الأمر إنه يُحل حلال الله، ويُحرم حرامه، وهذه صفة لا مصداق لها غير السيد أحمد، خاصة بعد أن أحل فقهاء آخر الزمان الربا المحرم ، وأمور أخرى لا يسعها المقام.

م – يملك السيد أحمد مقدرة فائقة على التوسم(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) (الحجر:75) ، وهذا العلم كما هو معلوم من مختصات المعصومين (ع).

ن – لا يقبض السيد أحمد خمساً ممن لا يؤمن بالدعوة المباركة، لأن الخمس عبادة، وقبضه يعني قبولها. ولو كان طالب دنيا لفعل كما يفعل غيره.

س – تعتمد دعوة السيد أحمد منهج الأنبياء والأوصياء، فلا تعرف إغداق الأموال، واصطناع الحاشيات، وهي أبعد ما تكون عن الزخارف، وترويج صور الشخصيات، ودأبها الوحيد الاهتمام بالعلم والدين.

ع – يتميز السيد أحمد بالخلق الرفيع، يشهد له بذلك الأعداء و الأصدقاء، حتى  لقد كان يدعى بالصادق الأمين في وسط الحوزويين.

ف – السيد أحمد وأنصاره وحدهم يصلحون مصداقاً لقوله تعالى:(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص:5)، فالآخرون لديهم من الأتباع الآلاف بل الملايين، والحكام والأحزاب يشترون رضاهم وقبولهم، وهم أبعد الناس عن الإستضعاف.

ص – شأن كل الدعوات الإلهية، إنطلقت دعوة السيد أحمد من تصحيح العقائد، بينما ينحصر هم الآخرين بالفقه وحده.

ق – تعليقة السيد أحمد على كتاب شرائع الإسلام، وما أضافه له وحذفه منه، وكل ذلك في ثلاث ليال، علماً إن كبار الفقهاء – كما يعبرون – قد أحجموا عن التعرض لهذا الكتاب الفريد.

ر – أبان السيد أحمد الحسن (ع) التفسير الصحيح للحروف المقطعة، بعد أن عجز المفسرون عن معرفة كنهها طيلة عصور متمادية.

ش – رأفته بالفقراء والأرامل واليتامى، مؤمنين أو غير مؤمنين، وتقديمه مساعدتهم على بناء الحسينيات.

ت – البعض ممن يتبع السيد أحمد كان ممن يلتقي الإمام (ع)، والإمام نفسه وجهه لإتباع السيد أحمد (ع).

ث – إصراره على أن يصدع بالحق وإن كان مما يثقل على الناس، ومثال ذلك اتخاذ النجمة السداسية ختماً، وهي نجمة القائم في حقيقتها، وإن اتخذها أرجاس اليهود شعاراً لدويلتهم المغتصبة. وقد أبان السيد (ع) إن النجمة عبارة عن اسم رسول الله (ص)، وفيها من الأسرار الإلهية ما فيها.

خ – المناظرات التي جمعت بعض تلاميذ السيد أحمد الحسن (ع) مع وكلاء أكثر المراجع – كما يعبرون -  وردودهم على بعض فتاوى المراجع (كذا)، وكلها تدل على علو كعبهم.

ذ – قدم السيد أحمد (ع) حلولاً لكثير من الإشكالات العلمية التي تخبط فيها علماء الشيعة وغيرهم، مثل شبهة الآكل والمأكول، وبيان حقيقة العصمة، وماهية الذنب الذي يدعو المعصوم ربه ليغفره له، وغيرها.


كلمة أخيرة ..

في اليوم العاشر من محرم كان الحر بن يزيد الرياحي، وكان عمر بن سعد بن أبي وقاص..  صورتان متقابلتان لموقف واحد. كلاهما كانا يخيران نفسيهما بين الجنة والنار، أما الحر فقد اختار الجنة، وأما عمر فقد اختار دنيا يزيد، وأورد نفسه النار.. أنت الآن تمر بالإختبار نفسه، تخير نفسك بين الجنة والنار، فلا تختر على  الجنة شيئاً.

كن حراً، ولن تكون حراً إلا إذا كنت عبداً، ولكن عبوديتك هذه المرة لله وحده لا شريك له. ستداهمك أصوات شتى ، وستحضر كل الوجوه.. وحينما تبلغ معركتك ذروتها تذكر إنك قررت أن تكون حراً بعبوديتك لله وحده، وإن معركة إرادتك لن تحسم إلا إذا ميزت صوتك، وحطمت الأوثان التي تسكن عقلك.

وبعد.. لقد وضعت أمامك كل الأدلة.. ولم يتبق لي سوى كلمة أخيرة أقولها وأتركك لمعركة إرادتك.. أقول كل هذه الأدلة تتمحور حول مسألة واحدة؛ فإذا كان الأول منها مصادفة والثاني ربما يكون مصادفة، فما تقول في الثالث والرابع....و.. و. هل كل هذه الأدلة وقعت مصادفة وتجمعت حول مسألة واحدة؟؟؟ لك وحدك أن تجيب. والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين ؛ الأئمة والمهديين وسلم تسليماً كثيراً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • اسأل نفسك وليسأل كل منصف نفسه السؤال الحتمي بعد معرفة ما روي في كتب المسلمين أن رسول الله محمداً (ص) عندما مرض بمرض الموت طلب ورقة وقلم ليكتب كتاباً وصفه رسول الله محمد (ص) بأنه كتاب يعصم الأمة التي تتمسك به من الضلال إلى يوم القيامة، فمنعه عمر وجماعة معه من كتابة هذا الكتاب في حادثة رزية الخميس المعروفة، فالسؤال هو: هل يقبل أحد أن يتهم رسول الله محمداً (ص) أنه قصَّر في كتابة هذا الكتاب المهم والذي يعصم الأمة من الضلال بعد أن كانت عنده فرصة لأيام قبل وفاته يوم الاثنين ليكتبه ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني الوصية المقدسة الكتاب العاصم من الضلال
  • رجائي أن شيعة آل محمد (ع) يصطفون تحت هذه الراية فهي راية الحق الوحيدة البارزة، والمنادية بالحق، الراية الوحيدة التي لم تداهن ولم تدخل فيما دخل فيه أهل الباطل، ومُخطأ من شيعة آل محمد (ص) من يُعوِل على هؤلاء الذين أيديهم صفرات من الدليل سواء الشرعي أم العقلي على مايدعون من وجوب تقليد ونيابة، مُخطأ من يُعوِل على هؤلاء الذين لايثقون ببعضهم بعضا وكل واحد منهم اخذ مجموعة من شيعة آل محمد (ص) وحزَّبَهم لنفسه دون أن ينصبه الله، حتى فرقوا شيعة آل محمد (ع) شيعا وجعلوهم لايكادون يلتقون حتى في تحديد يومي العيدين...
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • 1
  • 2