raya

فهرس المقال

الشيعة على محك الإختبار



الأستاذ

أبو محمد الأنصاري




بسم الله الرحمن الرحيم


المقدمة


- 1 -

الحمد لله مالك الملك، مجري الفلك، مسخر الرياح، فالق الإصباح،  ديان الدين، رب العالمين، الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها، وترجف الأرض وعمارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها. اللهم صل على محمد وآل محمد، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق ، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.

يحاول هذا الكتاب إيجاد نوع من التفاعل بين الروايات والواقع المعيش، لا بقصد الخروج بدلالات معاصرة للروايات حسب، وإنما للتدليل كذلك على أن الروايات تخاطبنا نحن، وتتطلع لدفعنا لإيجاد هذه المقاربة بينها وبين واقعنا. فليست الروايات – روايات العلامات على وجه الخصوص – نصوصاً منبتة عن واقع الناس، أو كيانات لغوية تعوم في اللازمان و اللامكان، كما توحي أكثر كتابات فقهاء آخر الزمان، فعلى الرغم من المسافة التأريخية البعيدة التي تفصلنا عنها يشعر من يطالع هذه الروايات إنها تعيش بيننا وتتنفس هواءنا، بل إنها، وهذا هو الأهم، تمنحنا رؤية ثاقبة لمعرفة حقيقة ما يجري بيننا.

والحق إن الإعتماد على روايات أهل البيت (ع) كمرجعية فكرية يتيح لنا فرصة كشف التشويهات الكثيرة التي تعرضت لها صورة الدين على أيدي فقهاء آخر الزمان، والجهاز الإعلامي المرتبط بهم. ويوفر لنا كذلك إمكانية أن نقرأ الواقع قراءة واعية تكشف عن أسراره التي يسعى إعلام المؤسسة الدينية للتعمية عليها، وتضليل الجماهير عنها. فالملاحظ أن ما يجري على أرض الواقع من خروج واضح على أهم ثوابت الدين (حاكمية الله والتنصيب الإلهي للحاكم) تبدو لدى الغالبية العظمى من المقلدين بوصفها واحدة من روائع  عبقرية فقهاء آخر الزمان!!

إن تغييب أحاديث أهل البيت (ع) عن الناس يمثل واحدة من أخطر حلقات سياسة الإستخفاف التي مارستها المؤسسة الدينية لإبعاد الناس عن مرجعية أهل البيت (ع) وإحلال مرجعية الفقهاء بدلاً عنها ، حتى لقد بلغ الحال بأحد أقطاب هذه المؤسسة، وهو آية الله العظمى الشيخ المهندس محمد اليعقوبي (أدام الله ظله الوارف جداً) الى نعت أحاديث أهل البيت (ع) بأنه كلام عجائز!!

حكى لي الأخ أبو فاطمة الحكاية الآتية: ((دخلت يوماً مكتبة إسلامية معروفة في البصرة، وهناك سألت البائع عن كتاب البرهان، فأجابني: لم يعد أحد يسأل عن هذا الكتاب، لأنه لا شئ في هذا الكتاب غير أحاديث أهل البيت))!! هذه الحكاية تشير الى كلام مسكوت عنه في جواب البائع يدل عليه الجواب المنطوق، فالناس كما يوحي كلام البائع يسألون عن كتب أخرى من قبيل تفسير الميزان وسواه. تدل الحكاية بقوة على حلول الفقهاء محل أهل البيت (ع) في أذهان الناس، على المستوى العملي على الأقل، وإن كانوا على المستوى النظري مازالوا يلهجون بذكر أهل البيت (ع)، ويسمونهم أئمة . ويمكنك استدلال هذه النتيجة من ظواهر أخرى عديدة، فعلى سبيل المثال تتردد في كلام الناس تعبيرات مثل (قال المرجع، يرى المرجع كذا، أنا أقلد المرجع فلان.... وغيرها من تعبيرات مشابهة) أقول تتردد بنسبة تفوق كثيراً جداً تعبيرات أخرى من قبيل (قال أهل البيت (ع)....الخ).


- 2 -

في الجزء الثاني من موسوعته المهدوية (تأريخ الغيبة الكبرى ص145- 146)، ينقل السيد الصدر الرسالة الموجهة من الإمام المهدي (ع) الى الشيخ المفيد ، أنقل منها الفقرة الآتية: (... أنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء ... الخ). هذه الفقرة من الرسالة الشريفة تنص بوضوح على أن مراعاة الإمام المهدي (ع)، وذكره الدائم لشيعته هما السبب في عدم نزول اللأواء، وعدم تمكن الأعداء من إلحاق الأذى بهم (واصطلمكم الأعداء). ولو نظرنا الآن الى واقع الشيعة لرأينا بوضوح أنهم في حال لا يُحسدون عليها، بل هم في أسوء حال، فمن جهة تفتك بهم العُصب الأموية، وتقتل منهم المئات  يومياً، وتشرد الآلاف، ومن جهة أخرى يستذلهم المحتل الكافر، ويمعن بهم قتلاً وتنكيلاً وهتكاً للأعراض والكرامات، وكل ذلك وهم في أشد ما يكون التفرق والشقاق والإختلاف، و(كل حزب بما لديهم فرحون)، وما أصدق ما وصفهم به أمير المؤمنين (ع) بقوله: (لا تنفك هذه الشيعة حتى تكون بمنزلة المعز، لا يدري الخابس على أيها يضع يده، فليس لهم  شرف  يشرفونه ولا سناد يستندون إليه في أمورهم). أقول إن حدوث كل هذه المآسي بالشيعة، وغيرها مما يعز على القلم إحصاؤه، ألا يدل قطعاً على أن الإمام المهدي (ع) قد رفع يده عنهم، ولم يعد يرعاهم أو يذكرهم؟ وما معنى رفع اليد عنهم ، أليس معنى  ذلك أنه لم يعد يراهم شيعة له (ع)؟ (غيبة النعماني : 197)

ومرة أخرى أسأل: تُرى أي ذنب اقترفه الشيعة فترتب عليه خروجهم من ولاية أهل البيت (ع)، واستحقوا بالنتيجة هذه العقوبة الإلهية؟

نعم هي عقوبة إلهية لا يماري في ذلك إلا معاند متعنت يُكابر آيات الله. (الظالم سيفي أنتقم به وأنتقم منه).

(مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) (النساء /147).

وبعد... هذا الكتاب الذي بين أيديكم محاولة مني للإجابة على السؤال المطروح، ويمكن لكل واحد منكم أن يبحث عن الإجابة بنفسه، فقط اعرفوا أين تبحثون. أنتم عادة ما تضعون مشاكلكم كلها في حضن المرجع، ومنه فقط تأخذون أجوبة أسئلتكم، ولكن هذه المرة، على الأقل، لن يُمكنكم فعل ذلك. فالمرجع هذه المرة – على الأقل أيضاً – ليس دواء العلة، وإنما هو جزء منها، بل هو الجزء الأكبر. هل تستغربون!! إذن انتظروا حتى تسمعوا حديث أهل البيت (ع) في فقهاء آخر الزمان، وكيف إنهم شر فقهاء تحت ظل السماء، وسيأتيكم هذا الحديث في طيات الكتاب. إذن أين تبحثون؟ وأين تجدون جوابكم؟ والله ما لكم غير آل محمد، فبهم وحدهم جلاء عماكم، وبهم وحدهم شفاء دائكم، وكيف لا وهم عدل القرآن، ولن ينطق القرآن لسواهم.

(ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي).

(ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين).

والحمد لله وحده وحده وحده


شيعتنا الأندر فالأندر


في مقدمة هذا البحث تقدمت بدعوى مضمونها خروج الغالبية العظمى ممن يدعون التشيع من ولاية أهل البيت (ع)، واستدللت هناك بمقابلة الواقع الذي يعيشه الشيعة بالحديث الوارد عن الإمام المهدي (ع) في الرسالة التي بعثها الى الشيخ المفيد، وسأحاول هنا تعزيز استدلالي بأحاديث أخرى وردت عن أهل البيت (ع).

عن الإمام الباقر (ع)، إنه قال: (إن حديثكم هذا لتشمئز منه قلوب الرجال، فانبذوه إليهم نبذاً، فمن أقرّ به فزيدوه، ومن أنكر فذروه، إنه لابد من أن تكون فتنة يسقط فيها كل بطانة و وليجة حتى يسقط فيها من يشق الشعرة بشعرتين، حتى لا يبقى إلا نحن وشيعتنا) (غيبة النعماني 210). هذا الحديث ينص على وجود فتنة أو اختبار قبل قيام القائم (ع) تكون نتيجتها سقوط أكثر الناس، حتى من يشق الشعرة بشعرتين (وهذا التعبير كناية عن الدقة والمعرفة بمجاري الأمور)، ولا يبقى بالنتيجة إلا أهل البيت وشيعتهم. السؤال الآن: كم هم شيعة أهل البيت (ع)، أ هم حقاً عشرات الملايين، بل مئات الملايين الذين يدعون أنهم شيعة لأهل البيت (ع)؟ لنقرأ الحديث الآتي، عن أبي عبدالله (ع) إنه قال: (والله لتُكسرنّ تكسر الزجاج، وإن الزجاج ليعاد فيعود كما كان، والله لتُكسرنّ تكسر الفخار، وإن الفخار ليتكسر فلا يعود كما كان، ووالله لتُغربلنّ، ووالله لتُميزنّ، والله لتُمحصنّ حتى لا يبقى منكم إلا الأقل، وصعّر كفه) (غيبة النعماني 215). ولنقرأ كذلك هذا الحديث الوارد عن الإمام الرضا (ع): (والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تُمحّصوا وتُميّزوا، وحتى لا يبقى منكم إلا الأندر فالأندر) (غيبة النعماني 216). أقول واضح إن الأقل، والأندر فالأندر ليسوا ملايين، وليسوا آلافاً، وإذا شئتم الدقة فانظروا في هذا الحديث الوارد عن الصادق (ع)، حين سأله بعض أصحابه قائلاً: (جعلت فداك، إني والله أحبك، وأحب من يحبك، يا سيدي ما أكثر شيعتكم. فقال له: اذكرهم. فقال: كثير, فقال: تُحصيهم؟ فقال: هم أكثر من ذلك. فقال أبو عبدالله (ع): أما لو كملت العدة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي تريدون... فقلت: فكيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة الذين يقولون إنهم يتشيعون؟ فقال (ع): فيهم التمييز، وفيهم التمحيص، وفيهم التبديل، يأتي عليهم سنون تفنيهم، وسيف يقتلهم، واختلاف يبددهم... الخ) (غيبة النعماني 210- 211). يُفهم من هذا الحديث إنه إذا اكتمل من الشيعة ثلاثمائة وبضعة عشر يتحقق خروج القائم (ع)، وأما الأعداد الغفيرة التي تدّعي التشيع فإن الغربال سيُسقطهم حتماً. وفي حديث آخر يرويه أبو بصير عن الإمام الصادق (ع): (قال أبو عبدالله (ع): لا يخرج القائم حتى يكون تكملة الحلقة. قلت: وكم تكملة الحلقة؟ قال: عشرة آلاف...) (غيبة النعماني320). إذن جيش القائم هم هؤلاء الـ(313+10000). قد تقول إن هؤلاء هم صفوة الشيعة وليسوا كل الشيعة، أقول إن الراوي في حديث (لو كملت العدة الموصوفة ... الخ) يسأل الإمام (ع) قائلاً: (فكيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة الذين يقولون إنهم يتشيعون) ومعنى ذلك إنه فهم من العدد الذي ذكره الإمام (ع) إن هؤلاء هم كل الشيعة ومن هنا سأله عن الموقف من الأعداد الكبيرة التي تدعي التشيع، ولو عدت الى سياق الحديث يتأكد لك هذا الفهم. فالراوي يبدأ كلامه بإخبار الإمام (ع) بأن شيعته كثيرون، وأن عددهم أكثر من أن يُحصى، وهنا يأتي قول الإمام (ع): (تُحصيهم) والإستفهام هنا استنكاري، أي إنه (ع) يستنكر أن يكون شيعته كثيرون، ويؤكد هذا قوله (ع): (أما لو كملت العدة... الخ) ومعنى كلام الإمام إنه لو وجد في الشيعة هذا العدد، أي ال(313) لتحقق الفرج لهم، ثم إن الإمام (ع) يخبره أن الأعداد الكبيرة سيجري عليها التمييز والتمحيص والتبديل، وغيرها، وبنتيجة هذه الأمور سينكشف زيف ادعاؤهم، وسيخرجون من دائرة التشيع، فالإمام (ع) في كلمته هذه يبين المصير السيئ للمتشيعة، ولو كان مطلبه الإشارة الى صفوة الشيعة، وإنهم أفضل من الآخرين فقط لا إنهم هم الشيعة والآخرون مدعون لاكتفى بمدح هذه الصفوة دون بيان الموقف النهائي (أؤكد على كلمة النهائي) من الآخرين، لأن بيان الموقف النهائي يوجد مقابلة نوعية بين الفريقين، لا مجرد فرق في الدرجة. ولو كان الأمر مجرد فرق في درجة الإيمان، وأن الآخرين هم بالنتيجة شيعة ولكنهم أضعف إيمانا، لكان – وهذا هو المظنون – توجّه بالنصح لهم، ودعوتهم الى مزيد العمل والتكامل، والله أعلم وأحكم.

ولكي أزيدك ثقة بهذه النتيجة أقترح عليك قراءة هذه الأحاديث الشريفة, عن أبي عبدالله (ع)، إنه قال: (مع القائم (ع) من العرب شئ يسير. فقيل له: إن من يصف هذا الأمر منهم لكثير. قال: لابد للناس من أن يُميّزوا ويغربلوا، وسيخرج من الغربال خلق كثير) (غيبة النعماني212). وعن أبي جعفر (ع): (لتُمحصنّ يا شيعة آل محمد تمحيص الكحل في العين، وإن صاحب العين يدري متى يقع الكحل في عينه ولا يعلم متى يخرج منها، وكذلك يصبح الرجل على شريعة من أمرنا، ويمسي وقد خرج منها، ويمسي على شريعة من أمرنا، ويصبح وقد خرج منها) (غيبة النعماني214). الحديث الأول يُشبّه التمحيص بالغربال، ونتيجة التمحيص هي بقاء الإنسان على حد الإيمان أو خروجه منه، فالخارجون من الغربال خارجون من حد الإيمان كما هو واضح. ثم أ ليس هذا هو ما ينص عليه الحديث الثاني، اسمع إذن تعليق الشيخ النعماني على الحديث، يقول الشيخ: (أليس هذا دليل الخروج من نظام الإمامة، وترك ما كان يعتقد منها) (الغيبة215). وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، فأمرهم (ع) هو الولاية، والخروج من أمرهم خروج منها.

وما ظنك بقوم يتفل بعضهم في وجوه بعض، ويلعن بعضهم بعضاً، ويُكفّر الأخ أخاه.. و.. و.. الى آخر ما ستسمعه الآن، أ ترى هؤلاء أمة مرحومة، يجمعها مبدأ التشيع لآل محمد (ع)؟ عن عميرة بنت نفيل، قالت:سمعت الحسين بن علي (ع) يقول: (لا يكون الأمر الذي تنتظرونه حتى يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض، ويشهد بعضكم على بعض بالكفر، ويلعن بعضكم بعضاً. فقلت له: ما في ذلك الزمان من خير.  فقال الحسين (ع): الخير كله في ذلك الزمان، يقوم قائمنا ويدفع ذلك كله) (غيبة النعماني213). وعن أبي عبدالله (ع): (لا يكون ذلك الأمر حتى يتفل يعضكم في وجوه بعض، وحتى يلعن بعضكم بعضاً، وحتى يُسمي بعضكم بعضأ كذابين) (غيبة النعماني214). وعن مالك بن ضمرة، قال: قال أمير المؤمنين (ع): (يا مالك بن ضمرة، كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا – وشبك أصابعه وأدخل بعضها في بعض -؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما عند ذلك من خير. قال: الخير كله عند ذلك يا مالك، عند ذلك يقوم قائمنا فيقدم سبعين رجلاً يكذبون على الله وعلى رسوله (ص)  فيقتلهم، ثم يجمعهم الله على أمر واحد).وعن أمير المؤمنين (ع) : (كونوا كالنحل في الطير... الى قوله (ع): فوالذي نفسي بيده ما ترون ما تحبون حتى يتفل بعضكم في وجوه بعض، وحتى يُسمي بعضكم بعضاً كذابين، وحتى لا يبقى منكم – أو قال من شيعتي – إلا كالكحل في العين، والملح في الطعام...) (غيبة النعماني217-218). أقول لعل هذا الحديث الأخير الوارد عن أمير المؤمنين يكفينا مؤونة توضيح المراد من الأحاديث المتقدمة، إذ يتضح منه بجلاء أن الخلاف بين الشيعة الذي يصل حد اللعن والتكفير جزء من عملية الغربلة التي تسفر كما عرفت قبل قليل عن خروج أكثر الشيعة عن ولاية أهل البيت (ع)، فقوله (ع): (وحتى لا يبقى منكم أومن شيعتي... الخ )مرتبط بما تقدم – أي الحديث عن الخلاف – بل هو النتيجة التي ترشح عن الخلاف. فمعنى الحديث إنكم يا شيعة لا تزالون في خلافكم حتى لا يبقى منكم إلا كالكحل في العين، والملح في الطعام. أي إن أكثركم يخرج من ولاية أهل البيت (ع)، ويبقى القليل. (غيبة النعماني214)

وأود هنا التعقيب بكلمات عسى أن تكون مفيدة، فأقول: هذا الخلاف بين الشيعة من عسى يثيره أو يتسبب به؟ هل أنا وأنت من البشر العاديين الذين لا نملك سلطاناً على غير أنفسنا؟ بالتأكيد لا، فأنا وأنت لا نملك تأثيراً في الغالبية العظمى من الشيعة، ومن يفعل هذا لابد له من سلطان عليهم ، فمن يكون غير فقهاء آخر الزمان ممن يتبعهم الناس باسم التقليد الأعمى؟ قد تقول: ربما كان هذا بسبب بعض المغرضين؟ فأقول لك إن الواقع الشيعي يشهد بما لا يقبل لبساً أن الناس تبع لمراجعهم، فلا يمكن لمغرض أن يحقق مآربه على هذا المستوى الواسع الذي تنص عليه الأحاديث، ثم إن قولك هذا يلقي باللوم على فقهاء آخر الزمان من حيث لا تريد، فلو أن ما تقوله صحيح فأين المراجع الذين يرفعون شعار: نحن حصن الأمة، وأين دورهم في إرشاد الأمة، أم إنها كلمات تقال لخداع الأتباع لا غير؟! الحق إن هذه الأحاديث الشريفة من الخطورة بحيث توجب على كل شيعي أن يعيد التساؤل مراراً وتكراراً، وينظر الى أية هاوية سحيقة يقوده فقهاء آخر الزمان، (أم على قلوب أقفالها)؟

أختم هذا المبحث بروايتين تعززان الفكرة التي يتمحور حولها، فعن أبي جعفر (ع): (إن قائمنا إذا قام دعا الناس الى أمر جديد كما دعا إليه رسول الله (ص)، وإن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) (غيبة النعماني336). وعن أبي عبدالله (ع): (الإسلام بدأ غريباً و سيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. فقلت: إشرح لي ذلك هذا أصلحك الله. فقال: مما يستأنف الداعي منا دعاء جديداً كما دعا رسول الله (ص)) (غبية النعماني336- 337). أقول إن عودة الإسلام غريب كما بدأ تشير بوضوح الى خروج أكثر أهله، أو قل منتحليه عن حوزته حتى لا يبقى إلا الأقل، أو الأندر فالأندر كما عبرت الروايات الشريفة. وليت شعري أين هم حصون الأمة؟ أم لعلهم السبب في خروج الناس من دين الله أفواجاً؟ فإذا كان الإنسان يمسي على شريعة من أمر أهل البيت (ع) ويصبح وقد خرج منها، أو يصبح على شريعة من أمرهم (ع) ويمسي وقد خرج منها، فلابد أن يكون هذا التحول المفاجئ الذي يشبه خروج الكحل من العين، لا يدري صاحبه به، ناتجاً عن فتنة جماعية أوقعهُ بها الكبراء والسادات الذين أسلم لهم قياده. إذن  السؤال الآن: ما الذي أخرج الأمة عن دينها، حتى عاد غريباً كما بدأ؟ لننظر في  مباحث هذا الكتاب الآتية.



فتنة الدجال


وردت أحاديث كثيرة عن أهل البيت (ع) تحذر من فتنة الدجال، سأنقل بعضاً منها فيما يلي من سطور، ولكني أود الإشارة في مطلع هذا المبحث الى أن اصطلاح الدجال يمكن أن ينصرف الى كل من يُظهر الحق ويُضمر الباطل، ومن هنا قيل في علماء السوء أنهم دجالون. وبقدر ما يتعلق الأمر باستعمال الروايات لاصطلاح (الدجال) و(الدجالون), فإن الملاحظ عليها إنها تصف به كل من يُظهر التدين ليخدع الناس، بينما هو في باطنه منحرف يطلب دنيا، أو جاهاً، أو زعامة. ولكي يكون القارئ على بينة من أمره، أقول إن مقصودي من الدجال في هذا المبحث بالدرجة الأولى هو الدجال الأكبر أو أمريكا، كما فسره بعض الباحثين، ومن جملتهم السيد محمد الصدر في موسوعته، وكما وضحه وصي ورسول الإمام المهدي (ع) السيد أحمد الحسن (ع). وعلى أية حال يستطيع من يتأمل في منطق الروايات أن يتبين من الأوصاف التي يوصف بها انطباقها على دولة تمتلك جيشاً وقوة عسكرية كبيرة، وسيأتي عما قريب ذكر الروايات المشار إليها، ولما كان اصطلاح الدجال ينطبق كذلك على بعض فقهاء الضلالة، فسيكون هذا المبحث جامعاً للإثنين (الدجال الأكبر: أمريكا، والأصغر: فقهاء الضلالة أو كبيرهم على وجه الدقة).

عن رسول الله (ص) في حديث طويل أقتبس منه موضع الشاهد، قال: (... يتقدم المهدي من ذريتي فيصلي الى قبلة جده رسول الله (ص)، ويسيرون جميعاً – أي المهدي وأصحابه – الى أن يأتوا بيت المقدس، ثم ذكر الحرب بينه وبين الدجال، وذكر إنهم يقتلون عسكر الدجال من أوله الى آخره...) (معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)/ الشيخ الكوراني- ح659). فالدجال في هذا الحديث يملك عسكراً يقتلهم الإمام المهدي (ع) وأصحابه. وفي الحديث رقم (427) من نفس المصدر، جاء ما يأتي: (ليهبطن الدجال خوز و كرمان في ثمانين ألفاً... ). وهؤلاء الثمانون ألفاً بعض جيش الدجال على ما هو راجح، أي إنهم غير أولئك النازلين في بيت المقدس. وعن أمير المؤمنين (ع)، في حديث يذكر فيه بعض العلامات التي تسبق خروج القائم، يقول: (... وغلبة الروم على الشام، وغلبة أهل أرمينية، وصرخ الصارخ بالعراق: هُتك الحجاب وافتُضت العذراء وظهر علم اللعين الدجال، ثم ذكر خروج القائم) (المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي (ع) . ص29). والعلم كما هو واضح علامة رمزية تتخذها الدول للإشارة الى كياناتها، وصراخ الصارخ في العراق بظهور علم الدجال إشارة الى الإحتلال الأمريكي للعراق. ويشير إليه صراحة الحديث الذي يصف دخول الدجال الى العراق من جهة جبل سنام في البصرة، فعن رسول الله (ص): (أول ما يردُه الدجال سنام ؛ جبل مشرف على البصرة هو أول ما يردُهُ الدجال) (الفتن: ابن حماد/ 150، معجم أحاديث الإمام المهدي /ج2 ص63)، ومعروف أن القوات الأمريكية دخلت العراق قادمة من الكويت من جهة الجبل المذكور. وعلى أية حال نحن نعيش عصر الظهور، و نشهد بأم أعيننا إحتلال العراق من قبل القوات الأمريكية (الدجال الأكبر)، كما إن معرفتنا بالسياسة الأمريكية توفر لنا فرصة نادرة لفهم المراد من التعبيرات الرمزية التي يوصف بها الدجال, من قبيل (المسيح الدجال)، (الأعور الدجال)، (وكونه يأتي معه بجبل من خبز، وجبل من نار)، فالرئيس الأمريكي بوش من المسيحيين المتدينين – بحسب ما يفهم هو من التدين – وقد صرح في خطاباته بأن الحرب التي يخوضها ضد الإسلام حرب صليبية، بل صرح علناً أن ما دفعه لحرب العراق رؤيا رأى فيها الرب (السيد المسيح) يأمره بإحتلال العراق، (سبحان الله حتى بوش يؤمن بالرؤيا ، فما بال فقهاء الشيعة ؟)، وأكثر من هذا كان يدعي في بعض ما صدر عنه إنه مأمور من قبل الرب بتأديب شعب الخطيئة في بابل! والعبارة الأخيرة مقتبسة من الإنجيل، وهي واحدة من علامات ظهور المصلح المنتظر. وأما أن الدجال أعور فلأنه لا يرى إلا بعين المصلحة المادية، وإن ادعى ما ادعى، ومعلوم أن السياسة الأمريكية لا تحسب حساباً لأي شئ عدا مصالحها المادية. وأما جبل الخبز فهو تعبير رمزي عن القوة الإقتصادية، وحالة الرفاه المادي التي تستخف بها أتباعها، وجبل النار قوتها الحربية التي تخيف بها الحكومات التي نسيت أن لا قوة إلا بالله.

إن فتنة الدجال – أو أحد أهم مصاديق هذه الفتنة، ولعل الصراع الطائفي مصداق مهم آخر من مصاديق فتنة الدجال (أمريكا) – هي الديمقراطية، أو حاكمية الناس (أو قل اختيار الناس للحاكم). فأمريكا ترى الديمقراطية الحلقة الأخيرة في سلسلة التطور السياسي البشري، ونهاية التأريخ فيما يتعلق بطبيعة أنظمة الحكم (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (التوبة: 47). والحق إن الديمقراطية لا تختلف كثيراً عن الديكتاتورية، بل إنهما من حيث الجوهر حقيقة واحدة، إذ النظامان كلاهما قائمان على فكرة استبعاد السماء من معادلة اختيار الحاكم، والنظامان كلاهما يقفان على الضد، أو حتى النقيض من مبدأ التنصيب الإلهي للحاكم. وعلى أية حال لست الآن في صدد تتبع مساوئ الديمقراطية، ولعل الكثير الذي كُتب عنها فيه الكفاية، كما إنّ المفترض بهذا الكتاب إنه يُخاطب فئة تؤمن بمبدأ التنصيب الإلهي للحاكم، وإن كانت هذه الفئة للأسف الشديد قد استخفتها الأهواء، وأوردها فقهاء آخر الزمان آجناً من بعد عذب، والى الله المشتكى.

وقبل الخوض في دور فقهاء آخر الزمان، أود إيراد بعض الروايات التي يمكن الإستدلال منها على فتنة الديمقراطية، أو حاكمية الناس، التي يطرحها الدجال،    وأود الإشارة المسبقة الى أن هذه الروايات بما إنها – كما سنرى – تشير الى أن فتنة الدجال تتمثل بمعارضة مبدأ التنصيب الإلهي، فإنها تدل بلاشك على أن الدجال الأكبر هو أمريكا، باعتبارها حاملة لواء الديمقراطية في العالم.

عن حذيفة بن أسيد، قال: (سمعت أبا ذر يقول، وهو متعلق بحلقة باب الكعبة: ... إني سمعت رسول الله (ص) يقول: من قاتلني في الأولى، وفي الثانية، فهو في الثالثة من شيعة الدجال) (المعجم الموضوعي24). وفي نفس المصدر ونفس الصفحة ينقل الشيخ الكوراني نفس الرواية عن أمالي الطوسي، وفيها (وقاتل أهل بيتي في الثانية) وعن أمير المؤمنين (ع)، قال: قال رسول الله (ص): (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، ومن قاتلنا في آخر الزمان فكأنما قاتل مع الدجال) (المصدر والصفحة نفسها). وعن الإمام الصادق (ع): (قال رسول الله (ص) : ... من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهودياً. قيل: وكيف يا رسول الله؟ قال: إن أدرك الدجال آمن به) (المعجم الموضوعي25). أقول إن من يبغض أهل البيت (ع)، ومن يقاتلهم هو بالتأكيد مبغض و متمرد على مبدأ التنصيب الإلهي، ومتبع للشيطان ولهوى نفسه، وهو بالتالي ممن يقول بحاكمية الناس قطعاً، ولعل هذه الحقيقة هي التي تشير لها الروايات حين تؤكد على إيمان مبغض أهل البيت (ع) بالدجال.

ويدلك على خطورة فتنة الديمقراطية، أو اختيار الناس للحاكم، التحذير الشديد الصادر عن رسول الله (ص) من الشورتين, الكبرى والصغرى، فعن حذيفة بن اليمان وجابر الأنصاري، عن رسول الله (ص)، إنه قال: (الويل الويل لأمتي من الشورى الكبرى والصغرى ، فسُئل عنهما، فقال: أما الكبرى فتنعقد في بلدتي بعد وفاتي لغصب خلافة أخي وغصب حق إبنتي، وأما الشورى الصغرى فتنعقد في  الغيبة الكبرى في الزوراء لتغيير سنتي وتبديل أحكامي) (مناقب العترة /ومائتان وخمسون علامة130). ورغم هذا التحذير الشديد، أبت الأمة إلا مخالفة الرسول (ص) فانعقدت سقيفة بني ساعدة لغصب خلافة علي (ع)، حتى لم يبق على عهد الله ورسوله سوى قلة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وأبى شيعة آخر الزمان إلا اقتفاء أثر من سبقهم حذو النعل بالنعل ، فانعقدت سقيفة الزوراء برعاية الدجال، وفقهاء آخر الزمان لانتخاب حاكم للعراق، وتبديل أحكام الله ورسوله (ص) عبر كتابة الدستور سيئ الصيت. وإذا كان اتباع أبي بكر وعمر ( لعنهما الله ) قد خرجوا من ولاية الله بتمردهم على خليفة رسول الله (ص)، فإن من يدّعون اليوم إنهم شيعة لعلي (ع) قد التحقوا بركبهم، ودخلوا جحر الضب نفسه الذي أدخل أولئك أنفسهم به.

ولعل الوقت قد حان للحديث عن دور فقهاء آخر الزمان في إضلال الناس، وإخراجهم عن حوزة الدين، وسأبدأ بنقل الرواية التي وصفت المكان الذي يأتي منه الدجال الأصغر، قال رسول الله (ص): (لما عرج بي الى ربي جل جلاله أتاني النداء يا محمد، قلت: لبيك... الى أن قال: وخروج رجل من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب، وخروج الدجال يخرج من سجستان، وظهور السفياني) (بحار الأنوار ج51 ص70). ولو رجعت الى المعاجم، من قبيل القاموس المحيط، وتاج العروس لعلمت أن سجستان هي اللفظ المعرّب لكلمة سيستان الفارسية، فالدجال بتعبير آخر يخرج من مدينة سيستان [يحسن الرجوع الى بيان السيد أحمد الحسن (ع) المؤرخ ب ( 27 / رمضان / 1425)].

والحق إن الدجال الأكبر ما كان له أن يُضل الناس لولا فتاوى الضلال التي أصدرها فقهاء آخر الزمان، ودفعوا الناس بها الى هاوية الإنتخابات السحيقة. فلقد بلغ الإستهتار بهم أن عدّوا المشاركة في الإنتخابات فريضة (كذا) أفضل من الصلاة والصوم! ولم يتورع بعضهم عن تشبيه خروج المرأة لمعصية الإنتحاب بخروج زينب (ع) لنصرة الإمام الحسين (ع). فبربكم هل التنصل من مبدأ التنصيب الإلهي، والدخول في مشروع الدجال الأكبر المحتل أفضل من الصلاة والصوم؟ أ ليس هذا التجني على حدود الله من مصاديق (كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً)؟ وهل ترضى مروءاتكم أن يُشبّه مراجعكم خروج العقيلة (ع) لنصرة حجة الله والدفاع عن حاكمية الله، بخروج نسائكم لخذلان حجة الله، وتوجيه طعنة لقلب رسول الله (ص) وعلي (ع) والمهدي (ع)؟ ولعلكم تعلمون أن بعض النساء كُنّ سافرات حاسرات.. و.. و مما لا يخفى عليكم، بل أنتم تعلمون حق العلم إن أكثر نساؤكم ورجالكم لم يكن يعنيه أمر الدين شيئاً.


 

 

وقفة مع الشيخ اليعقوبي


درج فقهاء آخر الزمان على الترويج لأباطيلهم عبر تأطيرها ببعض الآيات القرآنية، والأحاديث الشريفة، أو الإدعاء بعائديتها لأحد الأصول الشرعية،   وسأنقل هنا مثالاً له صلة بموضوعنا. في خطاب المرحلة رقم (97) يقول الشيخ اليعقوبي جواباً على السؤال الآتي: (س/ من المعلوم إنكم دعمتم الإنتخابات السابقة، و أوجبتم المشاركة فيها وكانت فتواكم أقوى ما صدر من المرجعيات الدينية حين قلتم إن هذا الوجوب أهم من وجوب الصلاة والصوم، فهل ما زال الوجوب على حاله بالنسبة للإنتخابات المقبلة)، يجيب الشيخ بكلام طويل مرتكزاً على الفكرة الآتية : (إن المستفاد من ذوق الشريعة اهتمامها بالواجبات الإجتماعية أكثر من الفردية 000 الخ)، هذا الإطار الذي يبدو في ظاهره – شرعياً ليس في حقيقته سوى زوبعة غبار يثيرها الشيخ للتمويه على الخطل العجيب الذي ينطوي عليه خطابه، فمن خلال هذه الفكرة يجنب الشيخ نفسه مواجهة سؤال هل أن الإنتخابات عمل شرعي، أم إنه عمل شيطاني يخالف الشرع تماماً؟ هذا من جهة ومن جهة أخرى يُتاح له سوق جملة من الأمثلة مما له صلة بمسألة الواجبات الإجتماعية من قبيل (إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصوم)، وغيرها، وكل ذلك من أجل أن يشتبه الأمر على القارئ فيظن أن الشيخ يستدل لفكرته الأصلية المتعلقة بشرعية الإنتخابات، بينما حديثه، في الحقيقة، يدور حول مسألة أهمية العمل الإجتماعي، ويبقى على الشيخ أن يثبت أنّ الإنتخابات عمل شرعي، وأنى له ذلك؟!

وإذا كان حبل الكذب قصيراً كما يقولون ، فإن الشيخ لا يدعنا ننتظر طويلاً حتى يضعنا أمام مفارقة لا أدري كيف استساغها ، يقول الشيخ : (فالمشاركة بالإنتخابات باعتبارها الوسيلة المتيسرة الآن لإيصال المؤمنين الصالحين الكفوئين النزيهين الى مواقع السلطة ومفاصل الدولة من الوظائف الإجتماعية التي عرفت أهميتها وبوصول هذه الثلة تُحفظ الصلاة والصيام). قبل قليل كانت الإنتخابات من الواجبات الشرعية – بحسب الشيخ اليعقوبي – أما الآن فهي الوسيلة المتيسرة ! ومعنى أنها الوسيلة المتيسرة هو إنها ليست الوسيلة الشرعية، ولكن الظرف الواقعي فرضها على الشيخ اليعقوبي و أضرابه، ولكن يبقى على الشيخ أن يقنعنا بأمور, منها هل حقاً إن الظرف الواقعي حملهم على ركوب هذه الوسيلة ، أم هوى النفوس؟ ومنها لو افترضنا أن الظرف قد قهرهم حقاً، ألم تكن ثمة وسيلة أخرى، أو قل حل آخر غير مخالفة شرع الله؟ ومنها هل إن الشرع يصحح عملكم هذا، أم لا؟

والمؤسف إن الشيخ اليعقوبي لا يقف عند حد، ولا يتورع عن تشويه كل مقدس، فالشيخ يضيف دليلاً آخر على صحة الإنتخابات، بقوله: (والشاهد الآخر على هذه الأهمية قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) فجعل الله تبارك وتعالى تعيين القيادة وتنصيب ولاة الأمر في كفة والرسالة كلها بكفة أخرى، وإن لم تنجح الأمة في اختيار قادتها الحقيقيين وإيصالهم الى المواقع التي يستحقونها فإنها ستضيّع الشريعة كما حصل خلال القرون المتمادية، ولم يبق على دين الله إلا النزر اليسير من هذه البشرية الضالة المتعبة). هل سمعتم بجرأة – حتى لا أقول كلمة أخرى –  أكبر من هذه؟ فالآية الشريفة التي استدل بها الشيعة طيلة قرون طويلة على تنصيب الله  لعلي وأبنائه (عليهم جميعاً السلام)، يأتي الشيخ اليعقوبي، بجرة قلم، وبدم بارد ليشطب على مدلولها الحقيقي، ويحرفها لتكون دليلاً – بزعمه – على صحة الإنتخابات! أسأل الشيخ اليعقوبي: ماذا أبقيت للنواصب إذن، وبماذا عساك تحتج لإثبات حق أمير المؤمنين (ع)؟ بل إذا كانت الآية تدل على ما تزعمه فالحق إذن مع  أبي بكر وعمر (لعنة الله عليهما وعلى من يرى رأيهما)، وليس لعلي من الأمر شيئاً، بل هو ديكتاتوري، ثيوقراطي، لا يؤمن بالديمقراطية، وكيف لا وهو يقف عقبة أمام وصول الثلة الصالحة التي بوصولها تُحفظ الصلاة وتستقيم الشريعة!! ولا تثريب على الشيخ إذا ما اتضح له لاحقاً أن هذه الثلة المؤمنة ليست سوى مجموعة من الطائفيين غير النزيهين، وهل الشيخ يعلم سرائر الناس! قد تقولون: إن عدم المعرفة بسرائر الناس هي العلة في عدم جعل اختيار الحاكم بيدهم ، بل بيد علام الغيوب، ولكن هذا كلام عجائز، أكل الدهر عليه وشرب، ولم يعد مقنعاً بالنسبة للشيخ الديمقراطي (عبارة, كلام عجائز قالها الشيخ بلسانه وصفاً لروايات أهل البيت (ع) بحسب ما نقل البعض عنه). كما إنه لا يليق بكم وأنتم مقلدون، وطيبون على أية حال، أن تسألوا شيخ الديمقراطية عن معنى ضياع الشريعة في القرون المتمادية، ولأقولها لكم صريحة: إن الشيخ يعلم ما قد تقولونه, أقصد من قبيل أن سبب الضياع هو تفريط الأمة بقادتها المنصبين من قبل الله، ولكن ماذا يفيدكم هذا فالشيخ قد تغيرت قناعاته، وهو يعول كثيراً على نجاح التجربة العراقية في إقناعكم، فانتظروا.

لا تستغربوا هذه اللغة الغاضبة التي تستحضر مصطلحات القاموس السياسي المعاصر، فالحق إن ما يُنظّر له الشيخ اليعقوبي و أضرابه أنتج مناخاً فكرياً يصطنع المصطلحات السياسية الغربية في مقاربة الطروحات والمفاهيم الإسلامية، الأمر الذي يشكل اختراقاً خطيراً لمنظومة الأفكار الإسلامية، فالإسلام كل واحد يستمد وجوده وقوته من كونه وليد المعرفة الإلهية المحيطة بكل المصالح والمفاسد، وليس هو وليد واقع حضاري محدد أو تجربة إنسانية معينة شأن مفاهيم الفكر السياسي الغربي ، وعلى هذا الأساس لايمكن تقريب نظام الحكم الذي يدعو له الإسلام بمصطلحات من قبيل نظام الحكم الثيوقراطي، أو الديمقراطي، أو غيرها. إن اختزال الإسلام بمصطلحات الفكر الغربي يمثل جناية حقيقية، إذ إن أقل محذور يترتب عليه هو أن هذا الإختزال يجرد الإسلام من روحه الكلي الشامل المتسامي على التجارب البشرية الجزئية ليحدده بإطار ضيق محصور بتجربة بشرية معينة.

والحق إن ما أقوله هنا لم يكن نتاج تنظير قائم على افتراضات، وإنما هو توصيف لواقع يعلن عن نفسه بوضوح من خلال القنوات الفضائية التي أضحى المعممون ضيوفاً دائمين عليها. فكثيراً ما تلتقي هذه القنوات برجال يتزيون بزي فقهاء الشيعة، وتسمعهم يرطنون بالمصطلحات والمفاهيم الغربية، (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ  فَلَعَرَفْتَهُمْ  بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) (محمد: 30)، بل إن بعضهم لا يكتفي بالتعريف عبر لحن القول، فهو يجهر علناً بأنه رجل ليبرالي. والحق إن دستور العراق المستورد، والمبارك من لدن فقهاء آخر الزمان، يمثل الثمرة المسمومة الأكثر خطورة التي انبثقت عن الذهنيات المنحرفة. فالدستور الذي يجمع بين الإسلام (على ما يزعمون) والديمقراطية، ليس في الحقيقة سوى انقلاب ماكر على الإسلام، لأن الإسلام ببساطة لا يقبل التجزئة، ولا يسعه التعايش مع فكر آخر سواه، فأما أن يؤخذ كله (وفي هذا السعادة كلها) وأما أن يترك كله (وهو الشقاء)، ولأضرب لك مثلاً: إن الدستور العراقي ينص على عدم المساس بالحريات بمفهومها الغربي، غير المحدد، و ينص كذلك على عدم جواز سن قانون يخالف ما يُسمونه ضروريات الإسلام، فلو أن امرأة أرادت أن تتبرج، أو تكشف عن شعرها (توجد مثل هذه في البرلمان) فالدستور يكفل لها الحرية، ولكن الإسلام لا يرتضي فعلها، بل إنه يجبرها على العكس، فماذا تكون النتيجة؟ تكون النتيجة إن الكفة الراجحة هي كفة الحريات المكفولة دستورياً، لماذا؟ لأنه ببساطة هذه المرأة لم تخالف قانوناً. إذ طالما كفل الدستور الحريات العامة فلن يتسنى لأحد سن قانون يحرم التبرج والسفور، وأما ما أسموه عدم مخالفة ضروريات الإسلام، فهذه الفقرة ليست سوى فقرة سلبية، أي إنها لا تتيح لأحد سن قوانين إسلامية، وإنما غايتها مراقبة القوانين التي تُسن لمعرفة ما عسى أن يكون منها مخالفاً لضروريات الإسلام، ومعروف أن مسألة الأزياء وغيرها لا تحتاج لسن قانون. ثم إن تعبير (ضروريات) يتميز بالكثير من المطاطية وعدم الوضوح، ويفتح بالتالي الباب واسعاً للتفسير والإجتهادات.... ولكن من يبالي فالمهم الكراسي، ويا لها من كراس هزازة!!

بقي أن أشير الى ملاحظة أسلوبية تتميز بها كتابات الشيخ اليعقوبي، وأقصد بها لغته التي تتعمد الإبتعاد عن الدقة والتحديد، و تنحو الى المناورة، الأمر الذي يتيح له مساحة واسعة للتلاعب بمداليل كلماته. هذا المنهج الأسلوبي، في الحقيقة، يشير الى شعور الشيخ بالخشية الشديدة من افتضاح استدلالاته السقيمة، فيعمد الى هذا الأسلوب التضليلي المراوغ هرباً من ملاحقة الرقيب (يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) (النساء: 77)، وعلى أية حال لنرى هل يستطيع الشيخ أو من يدافع عنه أن يقدم معنى مقبولاً لاستدلال الشيخ بآية التبليغ، وعندها سيكون لنا كلام معه.


**********


إذن سبب ضلالكم وخروجكم عن ولاية أهل البيت (ع)، بل وسبب كل المصائب التي لحقت بكم ، والتي أظلتكم هو فتنة الدجال وفقهاء الضلالة الخونة. وإذا كان بعضكم غير مقتنع بضلال فقهاء آخر الزمان، ويلتمس لهم الأعذار، فسأعرض عليكم بعضاً من أحاديث أهل البيت (ع) بحق فقهاء آخر الزمان، وأترك لكم أن تحكموا، (بلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَة) (القيامة: 14). ولكني أود التقديم بكلمة قصيرة أقول فيها: إن ملاحظة واقع فقهاء آخر الزمان، وإن كان كافياً لفضحهم، وكشف أباطيلهم لكل ذي بصيرة (بل حتى البصر وحده كاف)، غير أن واقعنا الشيعي، وأقولها بمرارة، يُفصح عن إنسان مستلب الإرادة، وضع ثقة كاملة، وغير مشروطة بالمرجع. وإذا كنت أؤكد هنا على كلمة (مشروطة) باعتبار أن الثقة الكاملة لا يستحقها إلا من ثبتت عصمته، فإني أؤكد أيضاً على أن إنساننا الشيعي يعيش حالة من الإسترخاء الفكري والإتكالية، فهو غالباً لا يُكلف نفسه عناء البحث والسؤال عن حقيقة دينه، والأنكى من ذلك أنه يعيش حالة العصبية والتحزبية الضيقة والمقيتة، فتراه بدلاً من سماع الكلام المختلف، وتبين مدى صحته، يبادر من فوره الى الإنكار والتكذيب، وطعن الآخر بالإنحراف والضلال. لكل هذا أعرضت ما أمكنني عن الخوض في فضائح فقهاء آخر الزمان تاركاً الكلمة لأحاديث أهل البيت (ع) لتبين حقيقة هؤلاء الفقهاء، وما ينبيك مثل خبير.

عن رسول الله (ص) في حديث المعراج، قال: (قلت: إلهي فمتى يكون ذلك – أي الفرج – فأوحى إليّ عز وجل: يكون ذلك إذا رُفع العلم، وظهر الجهل، وكثر القراء، وقل العمل، وكثر الفتك، وقل الفقهاء الهادون، وكثر فقهاء الضلالة الخونة) (بحار الأنوارج52/27- 28). وعن رسول الله (ص): (سيأتي زمان على أمتي لا يبقى من القرآن إلا رسمه، ولا من الإسلام إلا اسمه ، يسمون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة، وإليهم تعود). وفي بشارة الإسلام (ص246): (... أعداؤه مقلدة الفقهاء أهل الإجتهاد، لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمتهم). وعن أبي جعفر (ع): (إذا قام القائم (ع) سار الى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر ألف نفس يدعون البترية، فيقولون له:  ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا ببني فاطمة)، ويعلق الكوراني على هذا الحديث بالقول: (يبدو إن هؤلاء البترية من الشيعة) (المعجم الموضوعي570)، وعن رسول الله (ص) في حديث المعراج: (قلت إلهي فمتى يكون ذلك – أي الفرج -؟ فأوحى إليّ عز وجل: يكون ذلك إذا رُفع العلم وظهر الجهل وكثر القراء وقل العمل وكثر الفتك، وقل الفقهاء الهادون، وكثر فقهاء الضلالة الخونة) (بحار الأنوارج52/27 وما بعدها). (البحار ج52/90)

هذه بعض الأحاديث عن فقهاء آخر الزمان، وثمة المزيد في كتب الحديث يمكن الرجوع إليها، وعلى أية حال يعكف بعض الأخوة الأنصار على تأليف كتاب عن فقهاء آخر الزمان في أحاديث أهل البيت. وأود في ختام هذا المبحث الوقوف قليلاً مع أحد فقهاء آخر الزمان.


وقفة مع الشيخ بشير النجفي


قبل أيام وُزع في بعض نواحي مدينة البصرة قرص ليزري يتضمن لقاء مع الشيخ النجفي محوره الإستفتاء عن دعوة السيد أحمد الحسن (ع)، وإن لم يُذكر صراحة، ومن جهتي أتمنى من الجميع أن يسمعوا حديث الشيخ في هذا القرص ليتبينوا مدى الإسفاف و الضحالة العلمية التي بلغتها حوزة النجف الأشرف على أيدي فقهاء آخر الزمان، وسأكتفي في هذه العجالة بإيراد بعض مناقشات الشيخ المذكور لأدلة دعوة السيد أحمد الحسن (ع)، وأكرر دعوتي للجميع بسماع حديث الشيخ.

سُئل الشيخ عن عشرات الرؤى التي رآها المؤمنون بأهل البيت (ع)، والتي أخبروا بها أن السيد أحمد (ع) وصي ورسول الإمام المهدي، قال الشيخ أولاً – وأنا هنا أنقل مضمون كلامه – إن حديث رسول الله (ص) (من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي ولا بأحد من أوصيائي، ولا بأحد من شيعتنا)هذا الحديث صحيح، والى هذا الحد كلامه جيد، ولكن الشيخ يستأنف قائلاً – وهنا الطامة الكبرى كما يقولون –: ولكن من منكم شاهد رسول الله (ص)، أو أحد الأئمة (ع) حتى يعرفه إذا ما رآه في المنام! سبحان الله، لقد هزلت واستامها كل مفلس، يبدو إن الشيخ لم يطلع حتى على كتاب (مفاتيح الجنان)، ففي الكتاب المذكور وغيره روايات كثيرة عن الأئمة يوجهون بها أصحابهم بالإتيان ببعض الأعمال العبادية ليتسنى لهم رؤية الرسول (ص) أو أمير المؤمنين (ع)، وهنا أسأل الشيخ من رأى رسول الله (ص) من أصحاب الإمام الصادق (ع)؟ فكيف إذن يقول لهم اعملوا كذا وسترون رسول الله (ص)؟ وأسأل الشيخ لماذا تشترط مشاهدة المعصوم في الواقع لصحة الرؤيا؟ هل تخشى أن يستغل الشيطان عدم معرفتنا صورة المعصوم فيتمثل لنا بها دون أن ندري؟ وهل نسيت أن الشيطان لا يتمثل بهم (ع) كما نص حديث (من رآنا في المنام فقد رآنا...)؟  أم لعلك تقول إن الشيطان لا يتمثل بهم فيما لو كنا نعرف صورهم، أما إذا لم نعرفها فإن الشيطان يستطيع أن يتمثل بها؟! وتلك والله قاصمة الظهر، لأن معنى هذا الكلام إنك ترفض أن تكون شخصياتهم المقدسة هي العاصم الذي يحول دون تمثل الشيطان بهم، وتجعل معرفتنا هي العاصم المشار إليه، وهذا فضلاً على كونه مؤشراً على ضعف الإيمان، يمثل تخرصاً لم ينص عليه الحديث. وفي حديث له عن اليماني، يقول الشيخ: (إن ظهوره لا يعني أن يتبعه الناس ويتركوا المرجعيات، ومن يقول بذلك فقد جاء بشريعة غير شريعة سيد المرسلين (ص)!) سبحان الله، الروايات على الأقل تنص على أن راية اليماني أهدى الرايات، وأن الملتوي عليه من أهل النار، وأنه يهدي الى طريق مستقيم، وأنه يدعو الى  صاحبكم ، كل هذا ألا يجعله أفضل منكم؟ كيف وأنتم من نصت الروايات على أنكم شر فقهاء تحت ظل السماء وبقول فيما يقول: إن من يدعي السفارة عن الإمام المهدي (ع) عليه أن يأتي بمعجزة، ويحدد هذه المعجزة بقوله: فليرجعني شاباً! طبعاً لا يقصد الشيخ من قوله هذا إنه يحب الحياةالتي هي سجن المؤمن، (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُون) (البقرة:69)، وإنما لكي يقدم المزيد من خدماته الجليلة للحوزة! وعلى أية حال هو قال للحوزة ولم يقل للدين، وإذا كان يساوي بينهما ، فأقول له إن دين الله ليس وقفاً عليك وعلى غيرك من فقهاء آخر الزمان ، وأنت تعلم هذا، فيمكنك إذن أن تتمنى الموت. ولا يظن أحد إني هنا أتصيد في الماء العكر، فالواقع إني أريد الإشارة الى أن ما في القلب تُظهره فلتات اللسان. وأما بخصوص طلب المعجزة فالأخوة الأنصار قد كتبوا الكثير حوله، ويمكن لمن أراد الإطلاع مراجعة كتبهم فإن فيها الكفاية ومزيد، على أني سأقف عند هذا الموضوع في الوقفة اللاحقة، أما الآن فأكتفي بتقديم بعض آيات الذكر الحكيم لتتأملوا فيها، (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ)(القصص:48)، (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا منتظرون) (الأنعام:58).  


وقفة مع السيد محمود الصرخي


كان السيد محمود الصرخي من أوائل الفقهاء الذين طالبوا السيد أحمد الحسن (ع) بالإتيان بمعجزة، والغريب في أمر هذا الرجل إنه توهم معجزة ما سبقه لمثلها أحد، فهو يطالب الإمام المهدي، أو من يأتي مرسلاً منه بمعجزة موضوعها علم الأصول! وقبل الوقوف عند مسألة المعجزة الأصولية المزعومة أود أولاً مناقشة الشيخ النجفي والشيخ الكوراني اللذين زعما أن دليل من يرسله الإمام المهدي (ع) محصور بالمعجزة لا غير، فأقول: لا دليل أبداً على أن المعجزة هي كل الدليل الشرعي، ولا دليل شرعياً سواها، فالمعجزة في أحسن أحوالها مصداق واحد من مصاديق الدليل الشرعي. وكذلك لا يوجد دليل على أن الإمام المهدي (ع)، أو من يأتي مرسلاً من قبله لابد أن يُثبت نفسه من خلال المعجزة المادية، بل أن الروايات تشير الى أمور أخرى ليس المعجزة المادية من بينها، ففي خطبته المشهورة بين الركن والمقام يعرض الإمام المهدي (ع) الإحتجاج بكتاب الله، (يا أيها الناس من يحاجني في كتاب الله فأنا أولى الناس بكتاب الله) (المعجم الموضوعي 522). والحق إن النجفي والكوراني وغيرهما لا يُصران على المعجزة المادية لأنهما يطلبان الحق، ويعتقدان إن الطريق إليه منحصر بها، وإنما يحاولان من خلال التركيز عليها صرف الأنظار عن الأدلة الشرعية الكثيرة التي طرحها وصي ورسول الإمام المهدي السيد أحمد الحسن (ع). فلو كانا حقاً يطلبان الحقيقة لعملا على إقناع كبار مراجع الشيعة في العالم على قبول العرض الذي تقدم به السيد أحمد لهم بالإتيان بإحدى معاجز الأنبياء. وعلى أية حال أود الآن أن أتحدث حديثاً مختصراً عن المعجزة معتمداً فيه على ما ورد في كتاب (الجهاد باب الجنة) للسيد أحمد الحسن (ع), الكتاب الذي أراه – كما هو شأن كتب السيد أحمد الأخرى – يكفي وحده دليلاً على صدق دعوته.

إن طلب الناس للمعجزة يأتي في الحقيقة انطلاقاً من تصورهم أن المعجزة تمنحهم علماً جازماً يقطع كل شكوكهم، ويضعهم مباشرة بإزاء الحقيقة التي يتطلعون الى بلوغها 0 وبمعنى آخر هم يطلبون المعجزة لأنهم يريدون علماً قاطعاً جازماً يتسلط على عقولهم وقلوبهم دون أن يترك ولو مقدار خرم إبرة لتسلل الشكوك، والظنون. ولكن تأملاً في القران الكريم يضعنا بإزاء حقيقة مغايرة، فالمعجزة التي يفترض الناس فيها أن تنقلهم مباشرة الى الحق يبدو إنها تُخيّب تصوراتهم، وما يفترضونه فيها. فالمعجزات التي جاء بها الأنبياء – وأكثرها كانت بطلب من أقوامهم – لم يترتب عليها النتيجة التي يريدها الناس، وهي الإيمان، بل نتج عنها التكذيب والجحود والإتهام، بل قالوا: (إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) (الحجر:15)، ولم يكن ذلك بسبب قصور هذه المعاجز، بل في الحقيقة بسبب طبيعة المعجزة؟ فالإيمان الذي يريده الله سبحانه وتعالى هو الإيمان بالغيب، قال تعالى: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (البقرة:1-3)، (ِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ) (يس:11)، (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحديد:25)، من هنا فإن المعجزة التي يأتي بها الأنبياء لا تجئ كما يتوقع الناس مهيمنة، متسلطة لا تترك مساحة للشك أو التكذيب. الواقع إن هذه المساحة ضرورية لكي تنكشف دخائل الناس، ويتميز بعضهم عن بعض، ولكي لا يكون الإيمان قهرياً، بل نابعاً من اختيار واع.

إن مراعاة الغيب والإختيار في مسألة الإيمان تترتب عليها أن تتخذ المعجزة صورة حضور يبقي الباب مفتوحاً للشك والإلتباس، و لمن هم في ريبهم يترددون، ومن هنا في الحقيقة كانت المعجزات تأتي مشابهة لعلوم العصر التي يعرفها الناس، فليس الأمر – كما يظن البعض – تحد لعلوم العصر فقط. والحق إن تأملاً يسيراً يضع هذه الحقيقة أمامنا كالثمرة اليانعة، فعلى سبيل المثال جاء موسى (ع) بمعجزة قريبة من السحر الذي كان شائعاً بين المصريين في زمنه، ولا أظن منصفاً بإمكانه القول إن هذه المعجزة لا يمكن لأحد من المصريين أن يقول إنها هي سحر بدورها، أي أن يرى إنها من نوع السحر نفسه، وإن كانت على درجة كبيرة من المهارة والإتقان، وكيف وقد قالها فرعون ومن هم على شاكلته، (إنه لكبيركم...). الحق إن هذا هو سر المعجزة، وهذا هو الباب الذي تبقيه مفتوحاً، بمعنى أن المعجزة تمتحن الناس لترى هل ينظرون لها على أن الفارق بينها وبين العلم الشائع بينهم (السحر مثلاً) هو فرق في النوع، وبالتالي هو فرق يدل على وجود الله القادر على كل شئ، وهذا ما تريد إيصال الناس إليه، أم إن الفرق هو فرق في الدرجة فقط، فنتفي بذلك دلالتها على الله تعالى عند من هم في ريبهم يترددون. أي إنها تترك للناس مساحة أن يفكروا: هل إن ما جاء به موسى (ع) معجزة حقاً وتدل بالتالي على اتصال بالسماء، أم عمل من نوع السحر، ولا شئ يميزه عن السحر سوى أنه سحر عظيم، ويكون موسى بالتالي ليس نبياً، وإنما ساحر، نعم ساحر، وإن كان ساحراً عظيماً.

والحق إننا لو أردنا أن نفسر انحراف قوم موسى بفتنة السامري، وما نتج عنه من تيه دام أربعين سنة، لما وجدنا سبباً لهذا الإنحراف غير الشك بموسى، وعدم الإيمان به إيماناً حقيقياً، مع ملاحظة أن هذا الإنحراف جاء بعد رؤيتهم لكثير من المعاجز، وبعضها كان قريباً مثل انفلاق الحجر وانبجاس الماء منه، وشق البحر، وما أكثر المعاجز التي جاء بها موسى (ع).

إذن لابد من إختبار إيمان الناس بالغيب، بل إن من لا يؤمن منهم بالغيب لا تنفعه المعجزة بشئ، (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2)، والكتاب هو معجزة الرسول الخالدة التي لا تدانيها معجزة، ومع ذلك فهو ينص على أنه لا يهدي إلا من يؤمن بالغيب. و لعلي لا أخطئ إذا قلت إن من يطلب معجزة مادية لا يؤمن بالغيب، ولعل مثل هذا الشخص يشعر بنفسه المتمردة التي تأبى الإيمان، ويسعى من خلال طلب المعجزة المادية الى قهر نفسه، تماماً كالشخص الذي يفقد السيطرة كلياً على نفسه ومشاعره، وينهار أمام هواجسه فيهرع الى الإنتحار أو تدمير النفس بغية الحصول على ما يظنه سلاما وراحة؟

وبالعودة الى المعجزة الأصولية التي ابتدع القول بها السيد محمود الصرخي، أقول: إن علم الأصول قد وضعه من وضعه بدعوى إنا قد ابتعدنا عن عصر التشريع، وضاع من مصادرنا ما ضاع، وما وصل إلينا منها لم يسلم من أيدي العابثين والوضّاعين، ومن جهة أخرى استجدت حاجات وقضايا، ومناطق فراغ، استوجبت علماً يوجه حركة الإستنباط، و يتيح لنا الوصول الى استنباط الحكم الشرعي بنجاح، ومن هنا صار البعض الى وضع القواعد الأصولية على أنها الطريق المبتغى. وعلى الرغم من إمكانية المناقشة في هذه المقدمة، إلا إني سأتجاوز المناقشة باعتبارها خارجة عن أصل الموضوع. ولكن هذا المقدمة تفيدنا أمراً مهماً هو إن علم الأصول معلول لغياب الإمام، أو انقطاع الإتصال به، بالنظر الى أن الإمام هو القرآن الناطق، وهو السنة الصحيحة، فهو التشريع كله، ومعلوم – بحسب المباني الفلسفية التي يؤمن بها السيد محمود حتى العظم – إن المعلول يدور مدار علته وجوداً وعدماً، فينتج عنه إن حضور الإمام أو من يتصل به يبطل الحاجة لعلم الأصول، فالإمام وهو التشريع كله قد حضر، وبحضوره انعدمت علة علم الأصول، فينعدم هو أيضاً، غير مأسوف عليه.

والحق إن المعجزة الأصولية المزعومة ليست سوى وهم في مخيلة متعبة، فبعض الناس حين يحصرون أنفسهم في عالم معين يبلغ بهم الوهم درجة أن يتصوروا أن عالمهم هذا هو كل العالم، أو هو العالم الأكمل، وأذكر إني قرأت مرة كلاماً للمفكر الفرنسي فولتير يقول فيه: إن صرصاراً دخل يوماً في جحر جرذ فتعجب كثيراً من سعة هذا الجحر، حتى لقد قال في نفسه: لا بد أن يكون هذا الثقب الواسع من عمل إله! فالصرصار المسكين هذا يرى العالم من خلال ثقبه الضيق، وبظنه أن الإله لا يستطيع سوى أن يعمل ثقباً أوسع، فهو غير قادر على تصور وجود شئ آخر سوى الثقب. وأود هنا أن أخبر السيد محمود بأن علم الأصول ليس سوى ثقب صغير قياساً بال (27) حرفاً من العلم التي يبثها القائم، بل هو وهم ثقب في الحقيقة.

نعم المعجزة الأصولية وهم، حتى إن السيد محمود على ما يبدو لا يملك تصوراً لكيفيتها، فلم يُخبرنا كيف يمكن أن نكون المعجزة الأصولية! فعلى سبيل المثال يمكن أن نتصور معجزة انشقاق القمر بأن نراه كتلة واحدة ثم ينشق الى جزأين، ويمكن أن نتصور معجزة إحياء الموتى بأن نرى ميتاً أمامنا تُعاد له الحياة، ولكن كيف نتصور المعجزة الأصولية؟ إن إحياء الميت معجزة بالنسبة لنا لأننا نعجز عن القيام به، وعلم الأصول هو علم بالواسطة (أي بالعناصر المشتركة الداخلة في عملية استنباط الحكم الشرعي)، وهذا العلم يستمد ضرورته بحسبهم لأننا لا نستطيع معرفة الحكم الشرعي مباشرة, أو دون وساطته، وعلى ذلك هل تكون معرفة الحكم الشرعي مباشرة، ودون وساطة من علم الأصول معجزة، أم لا؟ وكيف لا تكون كذلك وهي شئ نعجز عنه؟ ثم على افتراض وجود حد معجز لعلم الأصول كيف يمكن أن يطمأنوا الى أن العلم الذي يأتي به الإمام، أو المرسل من قبله هو هذا الحد المعجز؟ هل تكون علة الإطمئنان معرفتهم المسبقة بأن من جاء به هو الإمام، أو رسوله، وهذا باطل لأن أصل طلبهم للمعجزة الأصولية هو للتعرف على الإمام، أو المرسل من قبله، أم لعلهم يفترضون تصوراً مسبقاً للحد المعجز، وعلى هذا إذا قال لهم الإمام، أو من يرسله إن ما تسمونه (المعجزة الأصولية) هو تعبير خاطئ عن العلم المعجز الذي تتطلع له كل البشرية، وهذا العلم ليس هو علم الأصول قطعاً، فلن يصدقوه على الأرجح.

الواقع إن على السيد محمود وأتباعه أن يلتفتوا الى أن علم الأصول قد استدعته ضرورة جهلنا بالحكم الشرعي كما يعترفون، فعلة وجوده إذن هو جهلنا، وهو إذن يشير بوجوده دائماً، ويعبر دائماً عن جهلنا. نعم إن غايته استكمال نقصنا – برأيكم – والتعويض عن جهلنا، ولكننا لم نبتكر هذا العلم ونحن نعلم أنه الطريق الصحيح الذي لا يرد عليه الباطل، والدليل على ذلك إننا لا نملك تصوراً عن صورته المثلى، ومن هنا ترى كل أصولي يرى منظومته كاملة ويسعه العمل بمقتضاها، حتى إذا جاء آخر نقضها، أو أضاف لها ما لم يكن فيها. إن عدم وجود تصور عن الصورة المثلى لمنهجية علم الأصول يمنعنا من الحكم بأنها طريق صحيح، فكيف إذن نقطع بوجود حد معجز لمنهجية لا نملك قطعاً بصحتها، بل نملك احتمالاً على الأقل بإمكانية أن تكون باطل الأباطيل؟

والواقع إن الأمر يمكن أن يهون في حالة السيد محمود، فالرجل على ما يبدو مصاب بداء الأعلمية وعلم الأصول، ولكن المشكلة إن أتباعه مغرمون جداً بعلم الأصول مع إنهم لا يفقهون منه شيئاً، فلو سألت أحدهم: ما علم الأصول؟ لأجابك من فوره: هو العلم بالعناصر المشتركة. وتسأله: وبعد؟ فيجيبك بالصمت، فلا بعد، ولا قبل، وكأن الأمر كلمتان حفظهما والسلام.


وقفة مع السيستاني


لعل التقليد والتعصب للمرجع من أخطر الأمراض التي ابتلي بها الإنسان الشيعي، وقد بلغ هذا المرض من الإستفحال درجة أضحى معها الحديث المنتقد أقرب الى الجريمة النكراء. فالناس للأسف الشديد ألفوا الواقع الذي يصنفهم على أنهم  مقلدون لا حلّ بيدهم ولا ربط. والأغرب إنهم يظنون أن هذا الواقع طبيعي وشرعي وينكرون أشد الإنكار على من لا يخضع له (فالعمل دون تقليد باطل، وإن كان موافقاً للشريعة)!  لا أريد الآن الخوض في مناقشة فقهية قد لا تأتي بنتيجة ، خاصة وإن الأخوة الأنصار كانوا كثيراً ما يُشكلون على الأساس الفقهي المزعوم لمسألة التقليد ويُفاجئون بأن الآخر لا يدري شيئاً عن هذا الأساس، وإن القضية بالنسبة له هي (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) (الزخرف:23). ما أريد التركيز عليه الآن أمر أشبه بالتحليل النفسي الإجتماعي لظاهرة التقليد والتعصب.

وسيكون موضوع هذا المبحث حديثُ السيد السيستاني الصادر عن مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (ع) بتأريخ (12/صفر/1428)، تحت عنوان (أفكارنا: الفتوى السديدة للمرجعية الرشيدة)، والحديث يمثل جواباً للسيد السيستاني عن سؤال موجه من قبل المركز المذكور، وإليكم النص كاملاً: ([سؤال المركز]: ظهرت في الآونة الأخيرة ادعاءات السفارة للإمام المهدي (ع)، بل يدعي البعض إنه الإمام المنتظر، في حين لم يلق هؤلاء رادعاً قوياً وبياناً واضحاً من مصادر الفتيا و العلم، وقد استغل هؤلاء انعدام المعايير الصحيحة لدى عامة الناس، نتيجة الجهل والتجهيل المتعمد من قبل الظالمين، والفقر، وانفلات الوضع الأمني الذي ابتليت به أمة المسلمين عموماً وفي العراق خصوصاً. وقد بان بطلان وفضيحة من ادعى ذلك في زمن الغيبة الكبرى بعد السفير الرابع أبي الحسن علي بن محمد السمري (رض)، وبقي بعض لم يتبين للناس زيفه. وقد انهالت على مركزنا الأسئلة حول هذا الموضوع، ولما كانت المرجعية الدينية هي الحصن الحصين للمذهب ولأنبائه لذا كان من الواجب أن نتوجه الى سماحتكم ممثلين عموم الشعب المؤمن الموالي لأهل بيت النبوة (ع)، آملين من سماحتكم بيان الرأي في ردع هذه المدعيات، حتى يتبين للمؤمن: كيفية التمييز؟ ومتى يصدق؟ ومتى يكذب؟ هذه الدعاوى. أدام الله ظلكم الوارف على رؤوس الأنام ولا حرمنا من فيوضاتكم المباركة. [ إجابة السيد السيستاني]: قال أمير المؤمنين (ع) في كلام له لكميل بن زياد (رض): (الناس ثلاثة ؛ عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجأوا الى ركن وثيق )) 0 إن من أهم الواجبات على المؤمنين في عصر غيبة الإمام (ع) هو أن يتعاملوا بتثبت وحذر شديد فيما يتعلق به (ع) وبظهوره وسبل الإرتباط به ، فإن ذلك من أصعب مواطن الإبتلاء ومواضع الفتن في طول عصر الغيبة 0 فكم من صاحب هوى مبتدع تلبس بلباس أهل العلم والدين ونسب نفسه إليه (ع) مستغلاً طيبة نفوس الناس وحسن ظنهم بأهل العلم وشدة تعلقهم بأهل بيت الهدى (ع) وانتظارهم لأمرهم ، فاستمال بذلك فريقاً من الناس وصلة به الى بعض الغايات الباطلة ، ثم انكشف زيف دعواه وقد هلك وأهلك الكثيرين. وكم من إنسان استرسل في الإعتماد على مثل هذه الدعاوى الباطلة والرايات الضالة، بلا تثبت وحذر فظن نفسه من المتعلمين على سبيل نجاة ولكنه كان في واقعه من الهمج الرعاع، قد تعثر بعد الإستقامة وخرج عن الحق بعد الهداية، حتى اتخذ إليه (ع) طريقاً موهوماً، بل ربما استُدرج للإيمان بإمامة غيره من الأدعياء، فاندرج في الحديث الشريف (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). وقد اتفق من هذه الحركات منذ عصر الغيبة الصغرى الى هذا العصر شئ كثير حتى أنه ربما كان في زمان واحد عدد من أدعياء الإمامة والسفارة، بحيث لو وقف الناظر على ذلك لكان فيه عبرة وتبصر. ولتعجب من جرأة أهل الأهواء على الله سبحانه وعلى أوليائه (ع) بالدعاوي الكاذبة وصلة الى شئ من حطام هذه الدنيا، وأستغرب سرعة تصديق الناس لهم والإنسياق ورائهم مع ما أمروا به من الوقوف عند الشبهات والتجنب عن الإسترسال في أمور الدين فإن سرعة الإسترسال عثرة لا تقال. ألا وإن الإمام (ع) حين يظهر يكون ظهوره مقروناً بالحجة البالغة والمحجة الواضحة والأدلة الظاهرة، محفوفاً بعنايته سبحانه، مؤيداً بنصره حتى لا يخفى على مؤمن حجته ولا يضل طالب للحق عن سبيله، فمن استعجل في ذلك فلا يضلنّ إلا نفسه، فإن الله سبحانه لا يعجل بعجلة عباده. كما إن المرجع في أمور الدين في زمان غيبته (ع) هم العلماء المتقون ممن أُختبر أمرهم في العلم والعمل، وعلم بعدهم عن الهوى والضلال ، كما جرت عليه هذه الطائفة منذ عصر الغيبة الصغرى الى عصرنا هذا. ولا شك في أن السبيل الى طاعة الإمام (ع) والقرب منه ونيل رضاه هو الإلتزام بأحكام الشريعة المقدسة والتحلي بالفضائل والإبتعاد عن الرذائل والجري وفق السيرة المعهودة من علماء الدين وأساطين المذهب وسائر أهل البصيرة التي لا يزالون عليها منذ زمن الأئمة (ع) فمن سلك طريقاً شاذاً وسبيلاً مبتدعاً فقد خاض في الشبهة وسقط في الفتنة وضل عن القصد 0 وليعلم أن الروايات الواردة في تفاصيل علائم الظهور هي كغيرها من الروايات الواردة عنهم (ع) لابد في البناء عليها من الرجوع الى  أهل الخبرة والإختصاص لأجل تمحيصها وفرز غثها من سمينها ومحكمها من متشابهها، والترجيح بين متعارضاتها ولا يصح البناء في تحديد مضامينها وتشخيص مواردها على أساس الحدس والتظني، فإن الظن لا يغني من الحق شيئاً. وقد أخطأ في أمر هذه الروايات فئتان : 1- فئة شرعوا في تطبيقها واستعجلوا في الأخذ بها – على حسن نية – من غير مراعاة للمنهج الذي تجب رعايته في مثلها، فعثروا في ذلك ومهدوا السبيل من حيث لا يريدون لأصحاب الأغراض الباطلة، وإن الناظر المطلع على ما وقع من ذلك يجد أن بعضها قد طبق أكثر من مرة في أزمنة مختلفة، وقد ظهر الخطأ فيه كل مرة ثم يُعاد الى تطبيقها من جديد. 2- وفئة أخرى من أهل الأهواء، فإنه كلما أراد أحدهم أن يستحدث هوى ويرفع راية ضلال ليجتذب فريقاً من البسطاء والسذج اختار جملة من متشابهات هذه الروايات وضعافها وتكلف في تطبيقها على نفسه وحركته ليمني الناس بالأماني الباطلة ، ويغررهم بالدعاوي الباطلة فيوقع في قلبهم الشبهة، وقد قال أمير المؤمنين (ع): (فاحذروا الشبهة واشتمالها على لبستها، فإن الفتنة طالما أغدقت جلابيبها وأعشت الأبصار ظلمتها)، وقال (ع): ((إن الفتن إذا أقبلت شبّهت وإذا أدبرت نبّهت، ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات)). نسأل الله تعالى أن يقي جميع المؤمنين شر الفتن المظلمة والأهواء الباطلة ويوفقهم لحسن الإنتظار لظهور الإمام (ع) وقد ورد في الحديث الشريف (من مات منتظراً لأمرنا كان كمن كان مع قائمنا)).

إن تأملاً في نمط الخطاب الذي يتبناه السيد السيستاني يضعنا أمام حقيقة التضليل والدهاء الكبير الذي تمارسه سلطة المرجعية في تعاملها مع أتباعها، فالسيد السيستاني يلبس في خطابه هذا ثوب المشفق الناصح الذي يوزع إرشاداته بالمجان، أي إنه يستثمر الدور الراسخ في الأذهان لرجل الدين، ولكن لا ليمارس هذا الدور على حقيقته، وإنما ليُمرر من خلاله أكثر الأفكار بعداً عن النصح والأمانة والورع.

ويتضح ذلك من ملاحظة أن السيد السيستاني لا يخاطب مراكز الوعي في الإنسان، بل يركز خطابه على المراكز الضعيفة وغير الواعية، فهو يتعمد إثارة المخاوف والمجادلات التي تخاطب الجانب النفسي في الإنسان. فبدلاً من تحديد المعايير الشرعية التي تؤهلنا لتمييز الدعوات ومعرفة الصالح منها من غير الصالح، نجده يبادر الى تكذيب كل الدعوات الممكنة، ليبدأ كلامه بالتحذير من الضلال والفتن، وكأن الضلال هو كل الموجود في الساحة، ولا وجود أبدأ لراية حق واضحة، بل أوضح من الشمس، فعن المفضل بن عمر قال: (كنت عند أبي عبدالله (ع)... الى قوله (ع): ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يُعرف أي من أي. قال المفضل: فبكيت، فقال لي: ما يبكيك؟ قلت: جعلت فداك، كيف لا أبكي وأنت تقول: تُرفع اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يُعرف أي من أي؟ قال: فنظر الى كوّة في البيت، التي تطلع فيها الشمس في مجلسه، فقال: أهذه الشمس مضيئة؟ قلت: نعم. فقال: والله لأمرنا أضوء منها) (غيبة النعماني153-154). ويعزز السيستاني ستراتيجية التخويف فيشير الى الإدعاءات الضالة التي عرفها التأريخ في مسعى تضليلي واضح لتكريس زوبعة المخاوف التي أثارتها كلماته الأولى، يدلك على ذلك أن التأريخ الذي شهد وجود كذابين، شهد أيضاً وجود دعوات محقة لرسل وأنبياء وأوصياء واجههم أقوامهم بالتكذيب، فلماذا يُصار الى التركيز على جانب واحد وإغفال ذكر الجانب الآخر؟ وبعد أن اطمأن الى إثارة الوساوس الى نفس القارئ وإدخال الرعب الى قلبه، يشرع بإستثمار هذه النتيجة ليفتح له باب الأمر الواقع، فيحدثه عن العلماء ويصفهم له على أنهم المرجع في أمور الدين ! والسيستاني في هذا الصدد يعتمد آلية نفسية مضمونها : إن الإنسان الذي يشعر بأنه محاصر قد سُدت كل الأبواب في وجهه سيرى حتى الثقب الصغير منفذاً للحرية والآمان، وبكلمة أخرى إنك إذا ما أردت استدراج شخص لمكان ما فما عليك سوى أن تُطفئ كل الأنوار من حوله وتفتح له نافذة ضوء صغيرة فستراه كالذي يمشي في نومه يتجه لا شعورياً نحو تلك النافذة. وهكذا بعد أن أدخل السيستاني الرعب في قلب القارئ استدرجه الى ثقب العلماء الضيق موهماً إياه إنه الرحب الواسع للحرية التي يتطلع لها، وكهف الأمان الحصين. ويُضيف السيستاني تلويناً آخر على فكرته نفسها فينفي كل إمكانية لتطبيق علامات الظهور على مصاديقها وكأنها عبثاً وُجدت، وعبثاً أشار بها أهل البيت (ع)، ولا ينسى السيستاني أن يُلوح للقارئ بوجود منهج صحيح للتطبيق، ولكنه لا يفصح عن ماهيته، ليترك للقارئ المنوم بمخدر كلماته السابقة أن يحزر – بذكاء نادر – إن هذا المنهج معروف للسيستاني وأضرابه من أساطين العلم فتتم الخدعة القاسية. والحق إن كلمات كثيرة كان يمكن أن تُقال بشأن كلام السيد السيستاني ولكن مقتضى الإختصار استوجب الوقوف عند هذا الحد، ويستطيع القارئ أن يُضيف المزيد من الأفكار، فقط عليه أن يلاحظ أن تعمد السيستاني إغفال الإجابة العلمية المرتكزة على إيراد الأدلة الشرعية ، والمناقشة الموضوعية للدعوات المطروحة، هذا الإغفال المتعمد يشير بلا شك الى أن الرجل يسعى جاهداً لإخفاء الحقيقة عن القارئ. ولعل القارئ يستطيع أن يرى أن نمطية الخطاب التي تقوم على أساس استنفار مخزونات الخوف والتشكيك، والإبتعاد عن اللغة الموضوعية  تدل حتماً على أن العلاقة التي تربط المؤسسة الدينية بعامة الناس هي علاقة استخفاف، أو استحمار.

وبقدر تعلق الأمر بمرجعية النجف الأشرف، فقد تمحورت سياسة الإستخفاف على قطبين أساسين, فمن جهة كانت هذه المرجعية تتدثر بغطاء التقية المكثفة لتُخفي عن الناس تفريطها بأهم واجباتها الشرعية المتعلقة سياسياً بالتصدي للحاكم الجائر وحكومته الطاغوتية، واجتماعياً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن جهة أخرى كانت تبث بين الناس عبر جهازها الإعلامي (وكلائها على نحو أخص) فكرة أن التكليف الشرعي أمر لا يتسنى للإنسان العادي تحديده ن وبالتالي على هذا الإنسان أن يضع كفه على خده منتظراً تساقط الجواهر من أفواه لم تعتد الجود حتى بأرخص الكلمات. ولماذا ينتظر؟ لأن عمل المكلف دون تقليد باطل حتى لو أدمى كبد الحقيقة! وهكذا وجد هذا الإنسان نفسه محاصراً بين فطرته التي توقن بأن صورة الإسلام الحقيقية شئ آخر غير ما يمارسه فقهاء آخر الزمان وبين الواقع الثقافي المزيف (الواقع الذي لفقه جهاز المرجعية الإعلامي) الذي يكبل فطرته، ويشككه بحقيقة ما يصدر عنها.

كانت الثورة والتمرد إذن كامنة في الأعماق، لم يتح لها التعبير عن نفسها بفعل تعويق الواقع الثقافي المزيف، فكانت أشبه ما تكون بالجمر المتواري تحت ركام الرماد... وهكذا ما أن وجد الجمر فرصة الإشتعال بفعل النفخات المباركة لبعض العلماء العاملين حتى امتدت ألسنته لقطاعات واسعة من الناس.

ولكن المؤسف أن الفورة العاطفية غير المدعومة بوعي حقيقي سرعان ما تتبدد في مسارب خادعة مزيفة. وهكذا ما أن امتدت يد الطاغوت المباركة من فقهاء آخر الزمان لتفتك بالعلماء العاملين حتى استطاع الفرسان المزيفون أن يركبوا الريح المؤاتية، لاسيما بعد الإحتلال، ليعلنوا أنهم ورثة أولئك العلماء العاملين كذباً و زوراً... هكذا وُجد اليعقوبي و الصرخي وغيرهما.

لقد استغل هؤلاء ما تركه السابقون من قواعد شعبية، فأوهموهم أنهم سيواصلون الطريق نفسها، ولكنهم – و بدهاء شديد – أداروا السفينة (180) درجة، فافرغوا الثورة من مضمونها، ولم يستبقوا منها سوى السخط على المرجعيات الأخرى فعلى الرغم من عدم اختلافهم بشئ عن المرجعيات الأخرى الصامتة، أو غير العاملة - إن لم يكونوا أسوء منها - إلا أنهم أبقوا الخلاف معها على مستوى  الشعار و التنظير الكلامي ليحتفظوا بمسافة البعد التي تتيح لهم استبقاء الأتباع. وقد أعانهم على ذلك نمط من الناس يملكون قابلية عجيبة على الإنخداع بالشعارات، ولا يلتفتون أبداً للبون الشاسع بين الشعار والتطبيق.

لقد مثّل الفرسان المزيفون إذن حركة مضادة أو ثورة مضادة حرّفت آمال الجموع المتمردة، بل صنعت من هذه الجموع قوى متعصبة بصورة فجائعية، لاسيما بعد أن تعددت القيادات، وتقاسمت فيما بينها غنيمة الجموع المقلدة، وبعد أن تحول الصراع من صراع مع العدو الطاغوتي الى صراع داخلي محوره الحظوة بكرسي المرجع الأعلى! فأصبحت السمة المميزة لكل جماعة هي الإنغلاق وصم الأذن عن كل نقد يمكن أن يُوجه لمرجعها، والأنكى من ذلك صرنا نسمع إشادات ومديحاً يكال بالمجان للمرجع دون أن يكون لهذا المديح أي رصيد في الخارج.

إن الوضع من السوء بدرجة أكاد أن أقول إنه ميئوس منه، إلا أن تتداركه رحمة ربي التي وسعت كل شئ. فالعصبية اليوم أصبحت أكثر استحكاماً لاسيما بعد أنشأ كل مرجع منهم حزباً سياسياً ليكون رأس الحربة الحركية في الترويج لقناعاته، ومع العمل السياسي دخلت المصالح الدنيوية وصارت هي الهاجس الحقيقي في تحريك النزاعات، وإن بقي الجانب الإيديولوجي محتفظاً بحضوره، ولكنه حضور مزيف أشبه ما يكون بورقة التوت التي تستر العورة. ولعل الإنسان العادي يرى بأم عينه ما أفرزه النزاع على مكاسب الدنيا من خلاف واقتتال بلغ حد أن يستعين الأخ بالأجنبي المحتل على أخيه، والمؤلم حقاً أن مرجعيات آخر الزمان لم تعد تأبه بما يختمر في وعي الناس من تصورات صارت ترى الإسلام والتشيع، وكل ما ترمز له العمامة على أنه عنوان الدجل والخديعة والتكالب على حطام الدنيا. هذا ما يراه الإنسان العادي، أما الإنسان المقلد فقد أعمت عينيه الأقراص الليزرية التي تتغنى بحكمة المرجع والقائد (اللطميات أغاني الواقع الديمقراطي الجديد)، حتى لقد أصبحت أكثر الزلات سوءاً تتجلى لعين المقلد بوصفها أروع ما تفتقت عنه العبقرية، وصار الهراء الكثير الذي تنطق به شفتا المرجع إنشودة تأريخية خالدة! وما أصدق المثل الشعبي (ذهب صدام واحد وجاء ألف صدام).

زبدة القول إن التقليد اتخذ اليوم صورة الحمى الشديدة، فالمقلد كالمحموم يهرف بما لا يعرف، ولم يعد الوعي هو ما يحركه، وإنما غريزة القطيع.


صاحب الوصية


إن خروج القطاعات الواسعة من حوزة التشيع كان في الحقيقة نتيجة مباشرة لإنكارهم ولي الله، وما إتباعهم فقهاء آخر الزمان، والدجال سوى العرض الذي تجلى من خلاله هذا الإنكار. والحق إن الإنسان مجبول على الطاعة والعبادة، فإذا لم يُطع ولي الله، أطاع هواه أو أطاع الشيطان. والمسألة الجوهرية التي ينبغي الإلتفات إليها هي إن إطاعة فقهاء آخر الزمان إطاعة عمياء والتعصب لهم لايعبر – كما قد يُظن – عن حس إيماني، بقدر ما يعبر عن تمرد على المعبود الحقيقي (جل جلاله). فالإنسان قد يتبع مرجعاً أو قائداً يتوسم فيه الصلاح والقرب من الله، ويكون إتباعه له مبني على ظنّه أنه يأخذ بيده في طريق الله، ولكن هذا القائد أو المرجع لما لم يكن معصوماً لابد للمتبع أن يُبقي على مسافة المراقبة والحذر، حتى إذا ظهر منه ما يخالف الشرع ابتعد عنه، ولعله يتّبع غيره، وهكذا لا يكون إتباعه لهذا المرجع أو القائد إتباعاً لشخصه، وإنما لما يعتقده من إنه يقرب بينه وبين ولي الله، أما حالة التعصب وإلغاء مسافة المراقبة والحذر فتشير حتما الى أن الإتباع يقصد منه شخص المرجع نفسه لا ما يرمز له أو يمثله. والحقيقة إننا نستخدم الكلمات أحياناً بطريقة توقعنا في المزالق، فنحن نُسمي المعمم رجل دين، وهذه التسمية تكلفنا في أغلب الأحوال الكثير، كأن نسلم لهذا الرجل تسليماً مطلقاً، أي ننظر له وكأنه معصوم، بينما الحقيقة هي إننا جميعاً رجال دين, إذا أُريد من هذا التعبير الإشارة الى أننا حقيقة مخلوقون للدين والآخرة لا للدنيا، أما إذا أريد منه الإشارة الى الشخص الذي يُعلمنا الدين، فهذا الشخص هو ولي الله وحجته دون سواه، أما الفقهاء (أقصد الحقيقيين) فهم رجال دين بمقدار ما يلتزمون بمنهج أولياء الله وحججه (أهل البيت – سلام الله عليهم - ). وهكذا نحن نسمي الفقهاء رجال دين ونقصد المعنى الثاني، أي الذين يعلموننا الدين ونتصور أن هذا الوصف منطبق عليهم تماماً، ونرتب عليه الآثار من طاعة غير مشروطة وغيرها، وهذا غير صحيح، فهم ليسوا رجال دين، أو معلمي دين إلا بمقدار إلتزامهم بمنهج أهل البيت (ع) كما أسلفت، وهذا الإلتزام يحتاج منا الى تتبع ومراقبة.

إذن إتّباع فقهاء آخر الزمان اتخذه الشيعة بديلاً عن اتّباع ولي الله، وهذا المبحث في الحقيقة استدلال سريع، نوعاً ما، وكاف بحسب إعتقادي لمن يملك قلباً سليماً على وجود ولي الله بيننا.

وصية رسول الله (ص) في ليلة وفاته: عن الباقر (ع) عن أبيه ذي الثفنات سيد العابدين عن أبيه الحسين الزكي الشهيد عن أبيه أمير المؤمنين (عليهم سلام الله) قال: (قال رسول الله (ص) في الليلة التي كانت فيها وفاته لعلي (ع): يا أبا الحسن أحضر صحيفة ودواة، فأملا رسول الله (ص) وصيته حتى انتهى الى هذا الموضع فقال: يا علي إنه سيكون بعدي إثنا عشر إماماً، ومن بعدهم إثنا عشر مهدياً، فأنت ياعلي أول الإثني عشر إماماً سماك الله تعالى في سمائه علياً المرتضى وأمير المؤمنين والصدّيق الأكبر والفاروق الأعظم والمأمون والمهدي، فلا تصح هذه الأسماء لأحد غيرك. يا علي أنت وصيّ على أهل بيتي حيهم وميتهم، وعلى نسائي فمن ثبّتها لقيتني غداً، ومن طلقتها فأنا برئ منها لم ترني ولم أرها في عرصة القيامة، وأنت خليفتي على أمتي من بعدي، فإذا حضرتك الوفاة فسلّمها الى إبني الحسن البر الوصول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى إبني الحسين الشهيد الزكي المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه سيد العابدين ذي الثفنات علي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه محمد الباقر، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه جعفر الصادق، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه موسى الكاظم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه علي الرضا، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه محمد الثقة التقي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه علي الناصح، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه الحسن الفاضل، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه م ح م د المستحفظ من آل محمد (ع)، فذلك إثنا عشر إماماً. ثم يكون من بعده إثنا عشر مهدياً، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه أول المقربين، له ثلاثة أسامي, اسم كاسمي واسم أبي وهو عبدالله وأحمد، والإسم الثالث المهدي، وهو أول المؤمنين) (بحار الأنوار ج53 ص147. غيبة الطوسي 150).

هذه الوصية هي الوحيدة التي تذكرها كتب الشيعة لرسول الله (ص) عند وفاته، وهذا بحد ذاته سبب قوي لإيماننا بصحتها، لأنه بخلاف هذا الإيمان نكون كأننا نقول لم يوص رسول الله (ص) عند وفاته، وإنه والعياذ بالله مات ميتة جاهلية (من مات ولم يوص فقد مات ميتة جاهلية)، وإنه يقول ما لا يفعل، وإنه يخالف القرآن الكريم (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ) (البقرة:180). سبحان الله القرآن يقول: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24)، وها هو القرآن يوجب الوصية عند حضور الموت، وأهل البيت (ع) يقولون ما معناه: اعرضوا حديثتا على القرآن فما وافقه منه فخذوه، والوصية بهذا المعنى توافق القرآن. وعلى أية حال أشبع الإخوة الأنصار هذه النقطة بحثاً، واثبتوا بما لا مزيد عليه صحة صدورها، لاسيما الشيخ ناظم العقيلي في كتابه (دفاعاً عن الوصية). وبودي الإشارة الآن الى مسألتين في هذا الصدد:

1 – إن دواعي الوضع منتفية في رواية الوصية، إذ لا مصلحة لأحد من غير مذهب التشيع وضع هكذا رواية، لأنها ببساطة تثبت هذا المذهب – أي مذهب التشيع –  دون سواه، كما إنه لا مصلحة شخصية لشيعي بوضعها، لأن الرواية تثبت إمامة الإثني عشر إماماً وهم معروفون للجميع ولا يمكن لأحد أن يدعي إنه أحدهم، وأما المهديين فإنهم يأتون في آخر الزمان،  فتنتفي مصلحة الواضع وهو متقدم في الزمان.

2 – إن الجزء الخاص بذكر الأئمة الإثني عشر (ع) متواتر كما يعرف كل الشيعة ومثله الجزء الخاص بالمهديين، ويمكن لكم مراجعة الروايات الخاصة بالمهديين في كتاب الأخ ضياء الزيدي (المهدي والمهديون في القرآن والسنة)، وكذلك كتاب الشيخ ناظم العقيلي (الرد الحاسم على منكري ذرية القائم) والكتاب الأول يجمع الروايات التي تنص صراحة على وجود مهديين يحكمون بعد الإمام المهدي (ع)، أما الثاني ففيه روايات عديدة تدل على أن أبناء الإمام المهدي (ع) سيحكمون من بعده، فهي إذن تعضد الروايات الأولى من حيث المعنى. وعلى هذا فالرواية (الوصية) متواترة من حيث المعنى لتواتر مضمونها.

فالرواية (الوصية) صحيحة، وقد احتج بها السيد أحمد الحسن (ع)، واحتج بالكثير سواها من الأدلة الشرعية، وكُتب الإخوة الأنصار حافلة بالأدلة المشار إليها، فما الذي يحول بينكم وبين الإيمان؟ بحسب ما أعرفه من حديثي مع الناس أن العائق هو إنهم  يقولون: ما أدرانا إن أحمد الذي تذكره الوصية هو أحمد الحسن، وليس شخصاً آخر؟  للإجابة عن هذا السؤال أود نقل هذه الرواية الواردة عن محمد بن الفضل عن الرضا (ع): (في حديث طويل إنه حضر في البصرة في مجلس عظيم فيه جماعة من العلماء وفيه جاثليق النصارى ورأس الجالوت، فلتفت الرضا (ع) الى الجاثليق وقال: هل دل الإنجيل على نبوة محمد (ص)، قال: لو دل الإنجيل على ذلك لما جحدناه، فقال (ع): أخبرني عن السكتة التي لكم في السفر الثالث، فقال الجاثليق: اسم من أسماء الله لا يجوز لنا أن نظهره. قال الرضا (ع): فإن أقررتك إنه اسم محمد... (وبعد أن ذكر الإمام (ع) ما جاء في الإنجيل والتوراة من ذكر للرسول (ص))، قالا، أي الجاثليق ورأس الجالوت: والله لقد أتى بما لا يمكننا رده ولا دفعه إلا بجحود الإنجيل والتوراة والزبور، وقد بشر به موسى وعيسى عليهما السلام جميعاً، ولكن لم يتقرر عندنا بالصحة إنه محمد هذا، فأما اسمه محمد فلا يصح لنا أن نقر لكم بنبوته ونحن شاكون إنه محمدكم. فقال الرضا (ع): احتججتم بالشك، فهل بعث الله من قبل أو من بعد، من آدم الى يومنا هذا نبياً اسمه محمد؟ فأحجموا عن جوابه... الخ) (إثبات الهداة 194- 195).

الشاهد في هذه الرواية هو أن الإمام الرضا (ع) يحتج على صدق نبوة الرسول الكريم (ص) بما ورد في التوراة والإنجيل من ذكر له (ص)، فيعترف الجاثليق ورأس الجالوت بورود اسم الرسول (ص)، ولكنهما يشككان بأن يكون صاحب الإسم هو نفسه رسول الله (ص)، وليس غيره، فيجيبهما الإمام (ع): احتججتم بالشك، فهل بعث الله من قبلُ أو من بعدُ، من آدم الى يومنا هذا نبياً اسمه محمد؟ وأنا أقول لكم: هل ادعى أحد قبل السيد أحمد (ع) إنه ابن الإمام المهدي (ع) ووصيه، واحتج عليكم بوصية رسول الله (ص) كما احتج الإمام الرضا (ع) على نبوة الرسول (ص) بوصية موسى وعيسى به؟ هذا التأريخ بين يديكم فقلبوا صفحاته إن شئتم، ووالله لن تجدوا من ادعى هذا الأمر قبله، فإذا كنتم تقبلون احتجاج الرضا (ع) فعليكم قبول احتجاج السيد أحمد (ع) بالوصية، أما إذا أبيتم إلا ركوب رؤوسكم فاعلموا إنكم تردون احتجاج الإمام الرضا (ع). (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا) (الإسراء:72).

وثمة مسألة أخرى هي إنهم يقولون: لم نسمع من فقهائنا الماضين منهم والحاضرين بمثل دعوة السيد أحمد الحسن (ع)، أي لم نسمع بأن ابن الإمام المهدي (ع) سيأتي قبل أبيه ممهداً له، أو إنه هو القائم الفعلي بأمر من أبيه (ع)؟ (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ) (ص:7).

أقول نعم لم تسمعوا بهذا، ولكن عدم سماعكم، أو عدم معرفتكم بالشئ لا يعني بحال عدم وجوده، ولو عدتم الى الكتب الصادرة عن الأنصار وفقهم الله لوجدتم الكثير الكثير من الأدلة الروائية والقرآنية وغيرها من الأدلة الشرعية على وجود هذه الدعوة. بقي أن تعلموا إن عدم إلتفات علماء الشيعة لم يكن مصادفة، بل لعله جزء من التخطيط الإلهي لحفظ هذه الدعوة من جهة، ولأن هذه الدعوة يُراد منها اختبار الناس وغربلتهم. ومن المعلوم أن دعوة الإمام المهدي (ع) هي خاتمة الدعوات الإلهية، وهذه الدعوة سينتج عنها دولة العدل الإلهي، والمعرفة المسبقة بكل تفاصيلها تفتح الباب على مصراعيه لدخول المنافقين والمتربصين بها الشر للإنقضاض عليها أو ضربها من الداخل، ومن يرجع منكم الى كتاب الغيبة للنعماني سيجد الكثير من الروايات التي تنص على حصول التمحيص والغربلة، وقد أثبتُّ بعضها فيما تقدم، هذه الروايات تؤكد بما لا يقبل لبساً أن التمحيص أمر ضروري لا محيص منه، وأن ارتباطه بقضية الإمام المهدي (ع) دليل على أن هذه القضية تمثل حد فاصلاً في حركة الإمتحان الإلهي للناس، وكيف لا وهي إحدى الوقعات الإلهية الثلاث الكبرى (القيامة الصغرى) بنص أحاديث أهل البيت (ع).


من ملامح سياسة الإستخفاف

بسم الله الرحمن الرحيم


لأن السكوت لم يعد ممكناً ، بل إنه اشتراك في المؤامرة ، بل الجريمة الكبرى بحق الإسلام ومحمد وعلي والإمام المهدي ( عليهم الصلاة والسلام ) ، ولأن الناس للأسف الشديد قد إستخفهم فقهاء آخر الزمان الذين قال فيهم رسول الله (ص) : (فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء ، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود) ، لكل ذلك كان لابد من كتابة هذه السطور .

ما أتمناه من القارئ هو أن لا ينظر لما أكتبه على أنه هجاء لفقهاء آخر الزمان لغرض الهجاء ، فإنه في حقيقة الأمر عرض لواقعهم ، وما فيه من هجاء ليس في الحقيقة سوى انعكاس واقعهم السيئ . كما أرجو أن لا يظن أحد أني أستسهل الكلمات التي يسطرها القلم ، وإن كنت لا أريد له أن يظن أيضاً أني أكابد الألم ، فالحقيقة هي إني أشعر بحجم المحنة التي يمر بها الشيعة ، وأعلم تمام العلم أن الجزء الأكبر منها يتحمل مسؤوليته الفقهاء ، دون أن يعني ذلك أن الناس لا يقع عليهم جزء من المسؤولية ، وهو جزء هام على أية حال ، أقول إن تجاوز المحنة يستدعي المصارحة والصدق وكشف الحقائق وإن تسبب ذلك بالألم لهذا الشخص أو ذاك .

أخي القارئ سيقال لك ، وقد تقول أنت ذلك ، ليس هذا الوقت الملائم لمثل هذا الحديث ، ولكنك تعلم أخي القارئ إننا كثيراً ما كنا نؤجل لحظة الحقيقة هذه لأن الوقت لم يكن ملائماً !؟ كنا دائماً نقع ضحية الأوقات غير الملائمة ، وآه يا أخي متى كانت أوقاتنا ملائمة ؟ وهل حقاً سيأتي الوقت الملائم ؟ هل تساءلنا يوماً لماذا لا نجد الوقت الملائم ؟ هل تساءلنا وقت من غير الملائم ، أ هو وقتي ووقتك المزدحم بالمنغصات ، أم هو وقتهم ، وهل نملك إقناعهم بتوفير وقت ملائم لآلامنا ؟

إن لعبة الأوقات غير الملائمة أضحت ممجوجة لكثرة ما استثمرها المتسلطون على إرادتنا ، بل إنها صارت كالسيف المسلط على رقابنا ، فما أن تأكل لحمنا الأيام المُرة ، ونشعر بأن وقتنا قد حان ، حتى يأتينا الجواب البارد : لم يحن وقتكم بعد ، أجلوا سعادتكم لوقت قد . .  لا يجئ . وأخيراً إذا لم نغضب لديننا ولإمامنا المهدي (ع) فلن نغضب لشئ أبداً .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيد المرسلين محمد وآله الأئمة والمهديين وسلم تسليما .



المغالطة التأريخية

(المرجعية والنقد)


في مطلع هذا البحث أود وضع القارئ بإزاء واحدة من أهم المغالطات التي تعتمدها مؤسسة المرجعية في إستراتيجية التضليل والإستخفاف التي يقوم عليها كيانها ، وهي المغالطة التي يمكن الإصطلاح عليها نسبة الى موضوعها بـ (المغالطة التأريخية ) ؛ ومضمون هذه المغالطة يتحدد بلجوء مؤسسة المرجعية الى تصوير كل نقد يوجه لها على أنه نقد أو انتقاص من كل التأريخ الشيعي في زمن الغيبة الكبرى الذي تميز بتصدي الفقهاء لأمور الفتوى والدفاع عن العقيدة ، بل إن التشويه كما تزعم مؤسسة المرجعية يتعدى هذا الحد في أغلب الأحيان ، لاسيما بعد الربط المصطنع بين المرجعية والإمامة ، فيجري تصوير نقد المرجعية على أنه انتقاص من أصل المذهب الشيعي ، بينما الواقع هو أن النقد لا يُراد به سوى نفر من العلماء غير العاملين الذين عطلوا أهم ما في الشريعة وهو الواجبات الإجتماعية بشتى صورها ، وكان لسياساتهم على وجه التحديد أبلغ الأثر في تشويه التأريخ الشيعي نفسه ، والحط من حقيقة هذا المذهب الشريف . فالمغالطة إذن يُقصد منها كم الأفواه ، وإخراس الألسن عن توجيه أي نقد للمرجعية .

هذه المغالطة أسست لها مؤسسة المرجعية في عصرنا هذا عبر سطوها ومصادرتها لكامل التأريخ الشيعي و تجييرها هذا التأريخ لمصلحة شخوصها ورموزها ، حتى لقد بلغ الأمر بها أن سلبت عن العلماء العاملين –  الذين كان لجهودهم ودمائهم الدور الكبير في صنع تلك الصفحات المشرقة في التأريخ الشيعي –  كل خصوصية لتنسب كل تلك الجهود المباركة لمصلحة الكيان المؤسسي ، حتى لكأن المؤسسة استحالت الى وحش ضار يشرب دماء الثلة المؤمنة من العلماء العاملين ليرمم كيانه ، ولعل أخطر ما في هذا التوجه هو أن تصبح الجهود التي راكمتها تضحيات الأجيال ميراثاً برسم كل من هب ودب ممن يتاح له تسنم منصب المرجعية ، فيصبح بين ليلة وضحاها شخصاً مقدساً ورمزاً يختزل بعمامته كل التأريخ الشيعي ، حتى وإن لم يكن يستحق شيئاً ، أي شئ ، بل حتى لو كان ينتهج منهجاً يقف بالضد من كل التأريخ الشيعي . إن الإدعاء بأن التأريخ الشيعي هو تأريخ المرجعية – هكذا بهذه الإطلاقية – يراد منه تمييع الحقيقة ، وإعطاء جهود الثلة المخلصة لكيان لا يملك سوى وجود اعتباري ، ليصار بالنتيجة الى تلبيس كل من يتسنم منصب المرجعية عمامة الجهود المباركة التي سطرتها الثلة الصالحة العاملة فيتحقق قول : ( وهب من لا يملك لمن لا يستحق ) . والأخطر من ذلك إن نسبة الجهود الصالحة الى العنوان العام (المرجعية ) يترتب عليه إضفاء مسحة من القدسية على هذا العنوان ، وبالنتيجة على كل من يتربع على كرسيه ، فيصبح العنوان وصاحبه خارج إطار النقد والمراقبة ، بله المحاسبة ، لأنه ببساطة يصبح كل الفقهاء والحال هذه على مستوى واحد ؛ العامل منهم وغير العامل ، فالكل سواسية في العمل طالما غُيبت ملاحظة الجهود الفردية ، ومُنع الناس من تقييم عمل كل فقيه على حدة ، ومن أين يتسنى لهم التقييم إذا كان عمل الشخص لا ينسب له بل ينسب لكيان المؤسسة . وهكذا صرنا نسمع كلمات من قبيل : إن المرجعية قد تصدت للحاكم الفلاني ، وسواها من الكلمات ، بينما المتصدي شخص واحد ، وغالباً ما تكون آراء الفقهاء الآخرين مخالفة لرأيه ، أو إن الآخرين قد اتخذوا موقف السكوت والمداهنة .

والحق إن مؤسسة المرجعية في هذا الزمان شبيهة الى حد كبير بما يُعرف في المسيحية بـ (الفاتيكان) فالسلطة الواسعة والمبتدعة في الوقت نفسه التي منحها رجال الإكليروس ( رجال الدين) في المسيحية لأنفسهم يجدها المراقب قد استنسخت من قبل فقهاء آخر الزمان بكافة تجلياتها ، وهذا الواقع يراه ويتحسسه كل من يتابع التقاليد التي تحكم نظام المؤسسة المرجعية ، والسياسات التي تتبعها في التعاطي مع الأمة . حيث يُلاحظ بوضوح شعور المؤسسة المرجعية الحاد بذاتها ككيان مؤسسي ينبغي صونه والإبقاء عليه حتى لو كان ذلك على حساب الوظيفة المناطة به . فلم تعد سياسات المرجع ومدى تطابقها مع مقررات الشريعة المقدسة تحظى بالأهمية التي يحظى بها هاجس الإبقاء على المرجعية وديمومة نفوذها في الشارع الشيعي ، فالشعار الذي ينبغي أن يُرفع على الدوام هو التستر على المرجعية وتغطية عيوبها ، حتى إن اقتضى الأمر كم الأنوف عن الروائح العفنة التي تفوح منها .

وسبحان الله لقد قالها رسول الله (ص) كلمة لا تختلف ولا تتخلف : ((لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل )) .

والحق إن فكرة القداسة المزيفة التي تتمتع بها المرجعية تحظى برواج منقطع النظير بين الناس الأمر الذي شكل على الدوام حاجزاً يحول دون انفتاح عقولهم على الرأي الآخر ، ولعل ذكرى السيد محمد الصدر (رحمه الله ) لما تزل طرية في الذاكرة ، فعلى الرغم من كونه ابن المرجعية بمعنى من المعاني إلا أن حركته الإصلاحية لم تبلغ المدى المرسوم لها بسبب الحاجز المشار إليه .

وسبحان الله ، ما أشبه اليوم بالبارحة ، فبالأمس ابتدع أعداء أهل البيت (ع) نظرية عدالة الصحابة ليغطوا عيوبهم ، ويضفوا على أفعالهم وأقوالهم مسحة من القدسية تقيهم النقد ، وتجعلهم بمنأى عن المساءلة ، واليوم تبتكر المؤسسة المرجعية نظرية مشابهة هي نظرية عدالة الفقهاء وقدسيتهم للغرض ذاته . وإذا كان أتباع مغتصبي الخلافة قد حرموا على الناس البحث في التأريخ ، متذرعين بحجة أن البحث في صفحاته إيقاظ للفتنة النائمة ، فتلك أمة قد خلت وليس علينا من حسابها من شئ ، فإن مرجعية هذا الزمان تقفو الأثر نفسه حذو النعل بالنعل ، فهي تنعت كل بحث في مجريات التأريخ ، وكل محاسبة للشخوص الذين ساهموا في صنع الواقع الأليم الذي عاشه الشيعة في الوقت الراهن تحديداً ، تنعته بأنه إثارة للفتن ، وتفريقاً لوحدة الصف ، وتصمه بالنتيجة بأنه عمل لا يخدم سوى أعداء الدين والمذهب !!


*    *    *

في العدد (54) من النشرة التي تصدر عن مكتب الشيخ اليعقوبي ، تحت عنوان ( الصادقين ) ، وفي كلمة للشيخ المذكور عنوانها : ( المرجعية حصن يحمي عقائد الأمة ويصحح سلوكها من الفتن الضالة ) يقول الشيخ :

( تكاد الدعوات الضالة رغم تباين مناهجها وتقاطعها في عملها تتحد على قاسم مشترك تجتمع عليه هو ضرب المرجعية وتسقيطها وتشويه صورتها وإلغاء دورها في المجتمع ، يستوي في ذلك أدعياء المهدوية والسفارة والبابية والسلوكية وسائر العناوين المرتبطة بقضية الإمام المهدي (ع) وظهوره الميمون والسر في ذلك أن هؤلاء يراهنون في نجاح دعواتهم على سذاجة الناس وجهلهم وتخلفهم ، ومع وجود مرجعية جامعة للشروط والتي من مهامها توعية الأمة وهدايتها الى الحق فإن تلك الدعوات الضالة لا تجد طريقها الى إغواء الناس وإضلالهم لأن من أوصاف العلماء بحسب ما ورد في الروايات الشريفة أنهم حصون الإسلام فكما أن الحصون توضع على حدود الكيان لتحفظ ثغوره وتصد هجمات الأعداء كذلك دور العلماء والمرجعية الرشيدة فإن من وظائفهم حماية عقائد الناس وسلوكهم من الفساد والإنحراف فهم مرابطون على هذه الثغور والفجوات العقائدية والفكرية ليردوا الأعداء من الجن والإنس الذين يتسللون الى عقول وقلوب ونفوس الناس ) .

الشيخ اليعقوبي يركز في كلمته هذه على المرجعية ويصفها بأنها حصن الإسلام ، ويصف دور العلماء بالتوعية و الهداية وحماية عقائد الناس وسلوكهم من الإنحراف ، ويعزز هذا المضمون عبر الإشارة الى روايات أهل البيت (ع) التي تحدد هذا الدور للعالم أو الفقيه ، وبالنتيجة يبدو ظاهر كلامه أنيقاً لا يكاد يجد المرء ما يعترض به عليه ، ولكن وراء الأكمة ما وراءها ، فليس كل ما يلمع ذهباً .

والحق إن ما يتحدث عنه الشيخ اليعقوبي هو المفروض والواجب الذي ينبغي  للفقهاء القيام به ، وهذا المفروض والواجب ليس هو ما تستهدفه كلمات المنتقدين ، بل إنه – وهنا المفارقة – يمثل الميزان الذي ينطلقون منه في توجيه النقد لمؤسسة المرجعية ، وبكلمة أوضح أقول إن المنتقدين ينطلقون من مقارنة واقع العمل المرجعي مع ما يفترض بالمرجعية القيام به ، فإذا كان واجب المرجعية حماية عقائد الناس فإن منتقديها يرونها تخالف هذا الواجب جهاراً نهاراً ، بل إنها وللأسف الشديد تروج بين الناس عقائد باطلة ، بل عقائد تقف على النقيض من عقائد الإسلام الصحيحة ، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى ، وسيأتي في مستقبل هذا البحث ذكر بعض من هذه العقائد الفاسدة .

إذن الشيخ اليعقوبي في الحقيقة يمارس خطاباً تضليلياً فهو يتحدث عما ينبغي فعله ليُعتّم على الواقع الفعلي للمرجعية الذي يشهد أكبر مؤامرة للتنصل من الدين الإلهي متمثلة باتخاذ الديمقراطية ( تنصيب الناس للحاكم ) بديلاً عن حاكمية الله (التنصيب الإلهي للحاكم ) . ولعل الشيخ اليعقوبي الذي يرى الناس سذجا وجهلة ومتخلفين ( أنظر كلمته أعلاه ) يعتقد أن طنطنته المخادعة هذه ستمر دون أن يلحظها أحد . ولنسأل الشيخ : إذا كان الناس جهلة ومتخلفين وسذجاً بما يتعلق بعقائدهم فأين هي ثمرة جهود مرجعيتكم الرشيدة كما تسمونها ؟

يقول الشيخ اليعقوبي إن من يطعن أو ينتقد المرجعية هو شخص ضال لا محالة ويسوق في هذا الصدد عدة عناوين ( أدعياء المهدوية والسفارة والبابية والسلوكية وسائر العناوين المرتبطة بقضية الإمام المهدي ) وبطبيعة الحال فإن الجمع بين هذه العناوين المختلفة يُراد منه تضييع الحقيقة عن القارئ أو المتلقي ، وإلا فإن الإختلاف بينها أو ضح من الشمس ، كما إن كثرة العناوين الباطلة لا يعني بحال عدم وجود عنوان محق ، فعن محمد بن عصام، قال: حدثني المفضل بن عمر، قال:((كنت عند أبي عبدالله (ع) في مجلسه ومعي غيري، فقال لنا: إياكم والتنويه... الى قوله: ولترفعن إثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يعرف أي من أي. قال المفضل: فبكيت، فقال لي: ما بيكيك؟ قلت: جعلت فداك كيف لا أبكي وأنت تقول: ترفع اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أي من أي؟ قال: فنظر الى كوة في البيت، التي تطلع فيها الشمس في مجلسه، فقال: أهذه الشمس مضيئة؟ قلت: نعم. فقال: والله لأمرنا أضوء منها)) (غيبة النعماني: 153 – 154) .

إذن لا يمكن جمع العناوين والدعوات جميعها في سلة واحدة ، بل لا بد من الفحص والبحث الموضوعي ، كما إن النقد لم يعد قصراً على الناس السذج والجهلة والمتخلفين على حد تعبير اليعقوبي ، والذين برموا من تحكماتكم وفساد مرجعياتكم كما أعتقد ، بل إنها تعدت كل أولئك فصرنا نسمع انتقادات مصدرها المرجعيات نفسها ، فهذا السيد الصدر – وهو لا يُقاس بغيره من فقهاء آخر الزمان على أية حال – يرفع الصوت مدوياً بفضح فساد المرجعيات الساكتة عن الحق ، وهذا السيد كاظم الحائري يفتي بما يلي :-

س / إن الشيخ محمد اليعقوبي طرح نفسه للتصدي لأمور ليس لأحد الحق في التصدي لها إلا الفقيه ، ولم نجد دليلاً على اجتهاده ، وهذه كتبه ومؤلفاته بين يديكم ، نرجوا رأيكم الصريح في الرجل ؟

ج /  ثبت عندنا بعد مطالعة كتبه الإستدلالية عدم اجتهاده وعليه فنحن نعلن من موقع المسؤولية عدم جواز الرجوع إليه فيما يُرجع فيه الى الفقيه ، وأن حمل الحقوق الشرعية إليه بوصفه فقيهاً حرام ، وأن إفتراض الولاية له باطل .

وهذا اسحاق الفياض يفتي بما يأتي :-

س / السلام عليكم شيخنا ورحمة الله وبركاته

شيخنا الجليل من الله علينا بمقابلتكم قبل حوالي 6 أشهر وقد سألتكم عن ادعاء منشور ( الصادقين ) التابع الى حزب الفضيلة بأنكم تقرون بإجتهاد الشيخ اليعقوبي وأجبتم في حينه إنهم هم من يدعي هذا وإنكم لا تقرون بإجتهاد الشيخ اليعقوبي لكننا وللأسف نتعرض للتجريح لعدم وجود دليل على هذا القول غير ادعانا ( كذا والأصح إدعائنا ) أرجو من سماحتكم الإجابة الصريحة هل إن الشيخ اليعقوبي مجتهد أم لا ، و جزاكم الله عن الإسلام وأهله أفضل الجزاء .

ج /  إن وظيفة المرجع شرعاً بيان الأحكام الشرعية للناس لا بيان حالات الشخص من الفسق والعدل والإجتهاد وعدمه . نعم لا يجوز تقليده شرعاً .


ثم إن الشيخ اليعقوبي يقول في كلمته أعلاه ( فهم مرابطون على هذه الثغور والفجوات العقائدية والفكرية ... الخ ) !! سبحان الله وهل في الدين الإسلامي فجوات عقائدية وفكرية ؟ وهل للشيخ أن يدلنا على بعض هذه الفجوات ؟ من جهتي أقول نعم توجد فجوات ، بل دواهي ، ولكن ليس في الإسلام وإنما فيكم أنتم يا فقهاء آخر الزمان . أقول ولعل كلمته هذه لا تقل سوءاً عن كلمته الأخرى التي زعم فيها أن الإسلام يحتاج له ولغيره من الناس .

وأود في ختام مناقشة الشيخ اليعقوبي نقل الإستفتاء الذي نشرته صحيفة صوت الفيحاء الصادرة عن مجموعة الفضلاء / حزب الفضيلة الإسلامي ، بتأريخ حزيران / 2006 .

الإستفتاء :-

س / شيخنا اليعقوبي المفدى ... السيد الشهيد ( رض ) يقول في كل يوم وكل ساعة ترقبوا ظهور الإمام الحجة (عج) والسؤال بأن أقل الروايات تظهر مع الإمام (عج) إثنا عشر راية كلها تقول ( أنا الإمام .. أنا الإمام ) ومن بينها راية حق ، فإذا ظهر الإمام الحجة اليوم فهل نستطيع أن نشخص من هي الراية الحق من بين الرايات كونك نائب الإمام وممهداً له ؟؟

ج / يقول الإمام (ع) : إن أمرنا أبين من الشمس .

أقول لا أدري كيف يكون اليعقوبي نائباً وممهداً للإمام المهدي (ع) ، وهو يصف كل الدعوات المرتبطة بالإمام المهدي (ع) بالضلال [ انظر كلمته أعلاه ] ، فهل ارتباطه دعوى ضالة ، أم على الأقل توجد دعوة محقة ؟ وإذا كان الثاني ، فلماذا لم يقل لأتباعه ( السذج ، الجهلة ، المتخلفون / على حد وصفه هو ) إن عليكم أن تبحثوا في دليل كل دعوة ليتميز لكم الصالح من الطالح ؟ أم لعل الشيخ يرى أن أهل البيت (ع) كانوا يشيرون الى رايته بقولهم ( أبين من الشمس ) ، نعم فإن مقلديه يشيعون بين الناس بأن صاحبهم هو اليماني ، وهذا الإستفتاء يشهد على ذلك ، فهو يصفه ( نائب الإمام والممهد له ) والنائب والممهد هو اليماني كما هو معروف .



صناعة القداسة المزيفة


حين يُفلس الزعيم ، أي زعيم كان ؛ سياسياً أو دينياً أو غير ذلك ، يشهد جهازه الإعلامي حركة ونشاطاً غير عاديين ، من أجل ترقيع صورته الباهتة وإزالة ما لحق بها من بقع مظلمة . وفي هذا الصدد يلجأ دهاقنة الإعلام الى حيل وطرائق شتى يجمعها رباط واحد يتمثل بالحيلولة دون سقوط صورة الزعيم في أعين الناس ، ومحاولة الحد من سَورة السخط الجماهيري المتعاظم . إن أفضل الطرق التي ابتكرتها الآلة الإعلامية تتجسد بإحاطة الزعيم بهالة من القداسة ( أو الكاريزمية بحسب التعبير المعاصر ) تنأى به عن دائرة النقد ، وتحيل سقطاته الى قرارات تأريخية فريدة قلما يجود بمثلها الزمن ، وتصبح فلتاته رشحات عبقرية تند عن فهم العقول القاصرة ، والتي عادة ما تكون عقول كل الناس باستثناء عقل الزعيم الفلتة نفسه ، فالقداسة ببساطة منطقة خارجة عن نفوذ العقل الواعي .

ولصناعة القداسة أساليب أهمها خطابات البلاغة الجوفاء التي تديم الطرق على مسامع الناس لتخلق إلفة بين أسماعهم والفكرة التي تدعو إليها ( اكذب واكذب حتى يصدقك الناس ) ، وبين يدي الآن إنموذجاً لهذه الخطابات البلاغية الجوفاء أضعه بين أيديكم لتتأملوا فيه !! والخطاب يحمل عنوان ( لا تقلقوا على العراق ما دام السيستاني معكم ) نشرته جريدة ( الهداية ) التي تصدر عن ممثلية المرجعية الدينية في مدينة الزبير ، في العدد ( 25 ) السنة الثالثة / 10 شوال / 1426 ، يقول الخطاب : (( آخر المراجع العمالقة ، وحامل مفاتيح أمير المؤمنين علي ، وحارس بوابة العراق من الشر ، صامت كالأضرحة ، هادئ كقمر في برية ، وعذب كالفرات ، وفي يده راية الحسين وفي كفه وصية قمر بني هاشم . عملاق لا يقاس بالأقزام بل بالجبال ، وهو القامة التي تشمخ يوم تتصاغر القامات حتى لا تكاد ترى بكل أنواع المجاهر والمكبرات والمراصد الفلكية ، كبير بلا تكبر وزعيم أمة بلا جيوش وقائد حشود الفقراء يوم تنتفض العمامة على السيف . يجلس خبراء السياسة وخبراء المال والمصارف وأنصاف الرجال وربعهم لتجهيز وليمة دفن الوطن وحرقه وتقطيعه ، لكنه في النهاية المتكلم الوحيد حين تصرخ عراقية على أبواب كربلاء ( يا سيدي ما تسقط نجوم السما ما دام عدنا تفك ) أي إننا نرفع نجوم السماء بالطلقات . شاحب كهلال العيد فوق مئذنة موسى بن جعفر ، ونحيل مثل سيف قمر بني هاشم . وحين يتكلم تتكلم معه قرون من التمرد والعصيان والثورة والرفض . آخر سلالات الفرسان على باب أبو الفضل وآخر قامة عطرة تدخل محراب إمام الفقراء وآخر السيوف الممتشقة يوم تنكس الرؤوس آخر من يتكلم وأول من يحسم ، وهو رجل الحسم وآخر من يرفع كفه بحكمة الكبار فلا تسقط نجوم السماء مادام عدنا تفك . حكيم بلبدة أسد عند باب الضريح وحارس بوابة الأمل من الدخيل والطارئ والمتنكر والقاتل والجبان والصغير ، يأنف من معارك الأشباه وفمه مغسول ب ( هنا كلمة لا أجرؤ على النطق بمثلها ، قاتلهم الله أنى يأفكون ) ، وحين تتزاحم أقدام الشر على باب بيته يلوذ بقرون من حكمة الصمت لكي تمر العاصفة ، لكنه سيد الخطى الباسلة يوم تتزاحم المناكب نحو خيارات الحرية والموت .. سيد في المناورة لكنه سيد في الحكمة ، وفي كفه يمتد شريط من أسماء الشهداء لا يبدأ ولا ينتهي !! يجلس الجنرالات على مناضد الرمل وخلف الأجهزة ويحشدون الجيوش لمعارك مقبلة وهو يجلس على سجادة صلاة تليق بإمام عملاق وليس عنده غير كتاب الله (سيأتي ذكر هذه الفكرة لا حقاً ) ومسبحة إن اهتزت يهتز معها تأريخ من التمرد على السلاطين والملوك والأشباه . تشرق الدنيا وتغرب ، توضع الخطط والبرامج ، يبيع الساسة ويشترون ، تكتب الأقلام ما تكتب يتخاصمون على هذه الأسمال أو تلك يزحفون أو ينبطحون ، ترتعش القلوب خوفاً أو قلقاً على الوطن لكنه هادئ كبوابة الأمير ، وصامت صمت خيول الأنبياء ، وحين تسقط دموعه على سجادة صلاته تتساقط عروش وتهرب جيوش وتنكشف أقنعة وتنهار مصارف وتمطر الدنيا حجرا . 14قرناً من الثورة ، 14قرناً من سلالات العصيان ، 14قرناً من المقابر الجماعية ، حتى أن خلفاء بني أمية كانوا يتباهون بعدد الجماجم التي يورثونها في الخزائن لأحفادهم ، 14قرناً من جنود العسل والسم والسجون وما ركعت هذه السلالة . لم نسأله من أين جاء ؛ من خراسان أو سمرقند أو كراشي أو أبعد قرية في تركيا ، لأننا لسنا عنصريين متنكرين ولأننا نعرف أن نبينا الكريم كان محاطاً بالحبشي والفارسي واليمني . لم نسأله ماذا نفعل لأننا نعرف ماذا يفعل ، وحين يتكلم هذا الهلال النجفي ستتكلم معه قرون من الرمل والدم والحب والخير والخصب . آخر حراس الضريح ، آخر الكبار في أزمنة الرداءة ، صمام أمان المرحلة ، فلا تقلقوا مادام السيد السيستاني معكم ، ولن تسقط نجوم السما )) .

هذا النوع من الخطابات التي تذكر بكتابات المراهقين تعتمد منطقاً يقوم على أساس انتقاء كلمات ذات رنين محملة بأكبر قدر من الطاقة الإنشائية ، بحيث يتلاشى معها المضمون فلا تجد له عيناً ولا أثراً ، و إذا كانت اللغة بحسب بعض الدراسات النقدية الحديثة تؤدي وظيفتين أساسيتين هما الوظيفة التوصيلية ، وهي ما نجده في لغة العلم  التي تهتم بتوصيل المعلومات الى القارئ أو المتلقي ، والوظيفة الإنشائية أو الشاعرية ، التي لا يعنيها توصيل المعلومة بقدر ما يعنيها التأثير الجمالي أو الشعوري في المتلقي ، وهذه الوظيفة تمثل أساس اللغة الشعرية ، فالشعر عادة لا يهتم بتوصيل معلومات الى المتلقين ، وإنما همه الأول إثارة مشاعرهم وعواطفهم ليتفاعلوا مع الرؤية التي يصور من خلالها العالم ، أقول إن اللغة التي يستعملها الخطاب الذي بين أيدينا تتعمد التركيز على الوظيفة الإنشائية للغة بقصد إثارة مخيلة المتلقي وتعطيل وعيه المراقب ليتم من خلال لغة الإفيون هذه التي تخدر العقل تمرير أكثر شفرات الخداع قسوة . ولو شئنا الآن استقراء بعض المضامين المشفرة التي يُراد لها المرور الى وعي القارئ بغفلة من مراكز عقله النائمة بفعل المخدر الإنشائي لوجدنا ما يأتي :

1- تصوير الصمت المعروف عن مرجعية السيستاني ، وهو صمت كان على الدوام مثار انتقادات الناس وتندراتهم ، تصويره على أنه حكمة وصبر على الأذى ، وإحاطة هذا السلوك على العموم بهالة من القداسة .

2- تصوير مرجعية السيستاني وكأنها امتداد يختصر أسمى لحظات التأريخ الشيعي .

3- ربط مرجعية السيستاني بأئمة أهل البيت والحرص على الإيحاء بأنها الحارس الأمين لمبادئهم .

4- تصوير مرجعية السيستاني على أنها الوحيدة القادرة على المحافظة على تماسك الكيان الشيعي ، والدفاع عن مصالحه في المرحلة الحاضرة ، ويمكنكم استخلاص مضامين أخرى .

والحقيقة إن المضامين التي سجلتها في النقاط أعلاه تشكل مع جملة أخرى من المضامين المعروفة للمتابع منظومة دعائية تتكرر في أكثر الخطابات الصادرة عن المؤسسة الدينية ، ولعلكم تلاحظون أن أكثر هذه المضامين ، إن لم يكن جميعها ، مما تفتقر له مرجعية السيستاني الأمر الذي يؤكد فكرة أن هذه المرجعية قد أحلت الخطاب الإعلامي بديلاً عن العمل ، فهي بدل أن تتاجر بالأعمال تبيع الوهم للناس .

والحق إن اللجوء الى اللغة الإنشائية الدعائية من أوضح ملامح سياسة الإستخفاف ، إذ بخلاف اللغة العلمية التي تهتم بطرح الأدلة ، وتستقرأ الواقع الموضوعي ، وتفتح الباب بالنتيجة للمناقشة والنقد ، تُعتّم اللغة الإنشائية على هذا كله ، لترسم صورة مقدسة لموضوعها ، تتعدى مراكز الوعي لتطال مراكز الخيال ، وبكلمة واحدة هي تستبدل الأسطورة (الوهم ) بالتأريخ ( الواقع الموضوعي ) . ولضرب المثل أقول أن أبناء العامة ( أهل السنة كما يسمون أنفسهم ) واجهوا عقيدة الشيعة بالأئمة المعصومين (ع) من خلال ابتكار نظرية عدالة الصحابة ، وحيث أن الصحابة الذين يعنونهم – عمر وأبو بكر (لع) – لهم من الفضائح ما تعج به صفحات التأريخ فقد لجأوا الى وضع الأحاديث المناقبية لهم ليخلقوا واقعاً أسطورياً لهؤلاء الصحابة يستبدلون به الواقع الحقيقي  الذي حرّموا قراءته على الناس أصلاً بزعم أنه يثير الفتنة ، وهذه بعينه ما يحدث اليوم مع فقهاء آخر الزمان ( حذو النعل بالنعل ) ، حتى إن كتابات من قبيل ما يكتبه ( عادل رؤوف ) صدرت بحقها فتاوى التحريم من قبل بشير النجفي  بدعوى أنها كتب فتنة وضلالة .

إن إختلاق واقع أسطوري ( غير حقيقي ) يصور رجال المرجعية ( فقهاء آخر الزمان ) على أنهم لا يخالفون الشرع قيد أنملة ، أو إنهم مثال التقوى والزهد والورع ، وسواها من أخلاق إيمانية عالية يُراد منه صرف انتباه الناس عن ما يصدر من هؤلاء الفقهاء من مواقف وسلوكيات لا تتفق مع الشرع ، بل تناقضه تناقضاً صارخاً ، ولا أريد الخوض في صفحات التأريخ ، فيكفي أن أذكّر بموقف هؤلاء الفقهاء من مسألة الديمقراطية ( تنصيب الناس للحاكم ) التي تقف على النقيض من عقيدة الإسلام فيما يتعلق باختيار الحاكم ( التنصيب الإلهي للحاكم ) ، ويكفي أن أذكّر بالفتوى الغريبة التي صدرت عن السيستاني بتكذيب كل من يدعي رؤية الإمام المهدي (ع) في اليقظة أو في المنام ، وهي فتوى ينبغي دائماً استحضارها لما تنطوي عليه من اعتقاد بأن الإمام المهدي (ع) مات أو هلك ، أعوذ بالله من قول السوء .

والعجيب أن إحدى القنوات الفضائية المعروفة بولائها لمرجعية السيد السيستاني ابتكرت وسيلة غريبة لتكريس قدسية المرجعية وترسيخها في أذهان الناس ، فصرنا لأول مرة في تأريخ التشيع نشهد صورة المرجع وهو يحدق بكتاب الله ، وفي أعلى الشاشة عبارة ( حصرياً ) بينما تنطلق أغنية ( نعم أغنية ) تمجد المرجع إياه !!! وإن عشت أراك الدهر عجبا . طبعاً الأغنية – كما أتوقع أن يقال – لأصحابها وعليهم ، أما المرجع فله القرآن ، ولا بأس ، ولكن ألم يسمع المرجع أو من يمثله بهذه المهزلة ؟ فلماذا لا يشدد النكير على هذه القناة الإسلامية (كذا) المقربة من مرجعيته ؟ وعلى أية حال ليس هذا الأمر هو ما أقصد إليه ، فما يهمني حقاً هو أن صورة المرجع وهو يمسك بيده القرآن يثير في المشاهد فكرة مفادها إهتمام المرجع بالقرآن وإنه من التقوى والتدين بحيث لا يتخلى عن القرآن حتى وهو يمنح حقاً حصرياً بتصويره ، ولعلكم تتذكرون أن أبناء الجماعة قد غسلوا كل عار عن عثمان بن عفان بتصويره ممسكاً كتاب الله لحظة مقتله ، وكلكم مدرك – كما أتوقع – ما تركته هذه الأسطورة الإعلامية من أثر على حياة المسلمين ، ولكن هذه في الحقيقة دلالة مباشرة ومقصودة من قبل المرجع والقناة على حد سواء ، أما الدلالة العميقة التي يُراد لها أن تغيب عن الناس فهي مغايرة تماماً ، فالمرجع الذي أعطى الموافقة على تصويره لأول مرة في حياته الطويلة كان يمكن له أن يُفاجئنا بكلمة يتحدث بها ، أو كان يمكن أن يبقي على عادة الصمت المألوفة ( صامت كصمت خيول الأنبياء/ على حد تعبير صاحب المقال أعلاه ) ، أما اختيار مسك كتاب الله بهذه الطريقة الإستعراضية ( لحظة التصوير الحصرية ) فيُراد منه خلق علاقة بين المرجع وكتاب الله ، علاقة مفقودة على مستوى الحقيقة ، لأن تجلياتها ببساطة منعدمة ، أقصد العمل ، فهل سمعتم مرجعكم ينبس يوماً ببنت شفة ؟ هل رأيتموه دعا يوماً لما يرفع عنكم الظلامة ، لا شئ فهو صامت كصمت خيول الأنبياء ، أ ليس كذلك ؟ طبعاً أنتم مثلي لا يمكنكم الإقتناع بأن القناة المقربة جداً من المرجع قد فاجأته متلبساً بلحظة قراءة القرآن ، فأنتم تعلمون أن تصوير المرجع المسكون بالهاجس الأمني لا يتم دون مقدمات وأخذ الأذونات .


*    *    *

من الوسائل الدعائية التي يلجأ إليها مقلدة الفقهاء ، والأحزاب الإسلامية (كما يسمون أنفسهم ) الصور واللافتات التي تمجد المرجع ، وقد بلغت هذه الظاهرة من الإستشراء حداً فاق ما كان على عهد صدام اللعين بأضعاف مضاعفة ، حتى إنك لا تجد حائطاً في المدينة إلا وقد شوهته الصور أو الكتابات الرخيصة ، وأذكر إن أحد الأصدقاء قال يوماً : أفكر في وسيلة لإحصاء ما تكلفه هذه الصور واللافتات ، فأنا على قناعة كبيرة من أن الأموال التي تصرف عليها تكفي لسد جوع الملايين من الناس !! أقول لصديقي : وهل تعتقد أن سد رمق الملايين أهم عند الجماعة إياهم من تلميع صورة المرجع ؟!

إن ثقافة الصور والكلمات المقتبسة عن الفقهاء تمثل حالة من الوثنية الفكرية ، فالمرجع الغائب عن الساحة الإجتماعية يصبح حاضراً بفعل هاتين الصيغتين الدعائيتين ، فمن خلال حضور هذه الصور والكلمات يترسب في وعيك حضور المرجع فلا تعود تسأل عن عدم حضوره الفعلي ، وبكلمة أدق إن حضور الصورة يقتل في وعيك حضور السؤال عن غياب المرجع ، أي يحدث ما يشبه – أو هو هكذا– استبدال الحقيقة الغائبة بالوهم الحاضر . إن الإله المزيف ، الإله الوهم عند الأقوام الوثنية يتم استحضاره من خلال الوثن أو التمثال !!

وللصور وظيفة تضليلية أخرى ، فالصور التي توضع على بنايات الأحزاب أو التي تنشرها الأحزاب السياسية نفسها ، وغالباً ما تتم الإشارة الى الحزب أسفل الصورة ، هذه الصور في حقيقتها قصصاً رمزية من أكثر القصص مأساوية . فالأحزاب التي لا تجد ما تقنع به الشعب ليلتف حولها تبادر الى هذه الصور لتخلق في روع الناس إنها تهتم بدينهم ( باعتبار المرجع رمزاً دينياً ) ، والحق إن هذه الأحزاب حققت نجاحاً منقطع النظير عبر هذه الوسيلة ، بل إنها وقد اطمأنت الى النتيجة لم تعد تأبه بالناس ، فالناس – وهذه مأساة – تم استبدالهم أو إلغاؤهم واستعيض بالمرجع بدلاً عنهم ، فالحصول على رضا المرجع يستتبعه بالضرورة الحصول على رضا الناس . أي إن الأحزاب ضمنت عبر الصور رضا المرجع وهذا بدوره سيحرك الناس لمصلحة الأحزاب بكلمة واحدة ، فإذا أردت أن يتبعك القطيع ما عليك سوى أن تجعل قائده يتبعك !! هذا هو المنطق الذي تمارسه الأحزاب ، وإلا فليقل لي أحد ماذا فعلت لكم الأحزاب لتكسب ودكم ؟ لا شئ . والمرجع بطبيعة الحال شريك في هذه اللعبة ، فهو يعلم تماماً أن زيارات السياسيين له تدخل في دائرة اللعبة ، ويعلم تماماً أن صوره يتم استثمارها للغرض غير الشريف الذي بينّاه ، أما إذا كان لا يعلم ، وهو أمر أبعد من الثريا ، فالمصيبة أعظم .

والمرجع الذي يُقتل شعبه يومياً بالغارات الأمريكبة وتُنتهك حرماته فيما هو يلوذ بالصمت ( صامت كصمت خيول الأنبياء !! ) ، يحتاج أشد الإحتياج الى من يلمع صورته ويسبغ عليه بطولات ومناقب مجانية .




الأحزاب الإسلامية  بلا إسلام


المبدأ الإقتراضي الذي تنشأ الأحزاب الإسلامية على أساس منه يتمثل بالسعي لتحقيق حاكمية الدين والقرآن على أرض الواقع ، فهي أحزاب إسلامية لأنها تتبنى الإسلام بكل شموليته ، وتسعى لتنظيم الحياة على أساسه ، وبقدر تعلق الأمر بأدبيات  الأحزاب الشيعية العراقية يبدو هذا الأمر واضحاً ، بل بديهياً ، ولكن الإدعاء بتبني النظرية ورفع شعارها لا بد أن تتم ترجمته على أرض الواقع التطبيقي وإلا كان الشعار وسيلة استخفاف وتضليل لا أكثر .

وبقدر تعلق الأمر بتأريخ بعض الأحزاب الإسلامية الشيعية فالحق يقال إن بعض هذه الأحزاب قدم دماء زكية وتضحيات جمة على طريق هذا المبدأ ، بيد أن الحال تغيرت كثيراً في الوقت الراهن ، وعلى وجه التحديد في الفترة التي أعقبت الإحتلال الأمريكي -  البريطاني للعراق ، فالملاحظة التي لا تكاد تخطئها عين هي إن الفجوة قد تباعدت كثيراً بين الشعار والممارسة التطبيقية ، بل إن تناقضاً كتناقض النور والظلمة بات يميز العلاقة بينهما . فالأحزاب التي تدعي أنها إسلامية لا تختلف بشئ اليوم عن الأحزاب العلمانية ، إذ إن ما يميز الحزب ذا التوجه الإسلامي عن غيره إنما هو الهدف الذي يتطلع لتحقيقه والإيديولوجية التي يريد لها أن تحكم الواقع ، وعلى هذا المستوى – وبعد الإقرار بالدستور الوضعي الذي حدد السقف الأعلى لطموح كل الأحزاب – أصبح من غير الممكن الإدعاء بوجود ما يميز حزباً عن حزب ، فالكل سواسية في الخضوع للفكر المادي الديمقراطي الذي جعله الدستور المرجع الوحيد لكل القوانين الممكنة ، أي الفكر الذي يُسقط الدين والسماء من معادلة الحكم على كل المستويات ؛ السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية .. وغيرها .

هذه هي الحقيقة ، ولكنها كما هو واضح قاتلة كحد السكين ، وأقرب ما تكون الى الإنتحار بالنسبة للأحزاب الإسلامية ، ولكن هذه الأحزاب المتشبثة بالكرسي بأي ثمن لم تترك لهذه الحقيقة حرية المرور الى وعي الناس كما هي ، بل لجأت الى المكر ، فكانت المؤامرة – الفجيعة التي إقترفتها الأحزاب الإسلامية بالإتفاق مع مراجع آخر الزمان ( حصون الإسلام كما يسميهم اليعقوبي / وهو تعبير أراه أقرب الى السخرية السوداء منه الى الحقيقة ) متمثلة بالدستور العلماني القذر الذي لوحوا للناس برضا المرجعية عنه ، بل إنهم أوحوا للناس بأن هذا الدستور قد خرج من تحت العمائم ، وإنه بالنتيجة يحظى برضا الله ورسوله (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)  .

طبعاً أنا لا أشك بأن الدستور قد خرج من تحت العمائم إياها ، وإن كان كاتبه يهودياً ، ولكن المشكلة أن الناس تكن للعمائم إياها احتراماً كبيراً ولهذا تم استغلال هذا الإحترام من قبل دهاقنة التضليل . ولكن هذه الوسيلة ليست هي كل شئ ، فالثعالب التي أدمنت ألاعيب السياسة القذرة أضافت بعض اللمسات الديكورية على الدستور فأضافت الفقرات الثلاث الآتية :-

1- لا يجوز سن قوانين تخالف ضروريات الإسلام .

2- الدين مصدر أساسي من مصادر التشريع  .

3- الإسلام هو دين الدولة الرسمي .

الحق إن هذه الفقرات الثلاث ليست في المحصلة الأخيرة سوى رماد يراد منه التعمية على الإنحراف المخزي عن الهدف الذي يفترض بالأحزاب الإسلامية والمرجعيات الدينية أن تسعي لتحقيقه .

فالفقرة الأولى ليست سوى قيد سلبي فهي لا تمنح الأحزاب ( الإسلامية ) إمكانية سن قانون إسلامي ، فمن شأن هذه الفقرة أن تقف عقبة بوجه كل قانون يخالف ضروريات الإسلام ، ولكنها لا تمنح المشرع القانوني قاعدة يرتكز عليها في سن قوانين إسلامية ، فهي قاعدة منع لا قاعدة إيجاد ، وبوضوح أكثر هي تقول بعدم جواز سن قوانين مخالفة ، ولكنها لا تقول يجوز سن قوانين موافقة .

وبالنتيجة لا يُتاح لأحد انطلاقاً من هذه الفقرة أن يقف بوجه بعض المظاهر المناقضة للدين من قبيل السفور وشرب الخمر ، والإحتكار ، وغيرها ، ذلك أن هذه المظاهر لا تحتاج الى قانون يُسن بشأنها فهي جزء من الحريات العامة التي يكفلها الدستور ، وحيث أنه لا قانون يُسن بشأنها يصبح من غير الممكن منعها بذريعة الفقرة المشار إليها . بل إن هذه الفقرة لا تكتفي بسلبية المضمون الذي تعبر عنه ، وإنما هي  تتعمد التمظهر بصورة لغوية ملتبسة تقبل الجدل واللف والدوران ، إذ ما معنى ضروريات الدين ؟ ومن يحدد كون هذه الظاهرة ، أو تلك هي من ضروريات الدين ؟ الدستور يسكت عن كل هذا ويمتنع عن تحديد المرجع القانوني الذي يمكن أن يفصل في هذه الأمور ، الأمر الذي يعني أن كل من هب ودب يمكنه المناقشة والأخذ والرد ، فالشيوعي ، والقومي .. و.. و كلهم يسعهم الخوض في المسألة ، ومعلوم أن ما يراه المؤمن من ضروريات الدين لا يراه غيره كذلك ، وبرأيكم هل يرى أياد علاوي وكتلته الإمتناع عن شرب الخمور والحجاب من ضروريات الدين ؟

أما الفقرة الثانية فهي وإن كانت تنص على كون الدين مصدر أساسي من مصادر التشريع ، إلا أنها لا تحصر المصادر به ، فهو في خاتمة المطاف مصدر من مصادر أساسية أخرى ( وضعية بطبية الحال ) ، ثم إن هذه الفقرة محكومة لفقرات دستورية أخرى لا يجوز خرقها أو تجاوزها بأي حال منها مسألة الديمقراطية والتداول السلمي ( عبر صناديق الإقتراع ) للسلطة ، وهذا يمنع قيام دولة إسلامية حتماً ( الهدف المفترض للإسلاميين ) ، ومنها مسألة الحريات العامة ، أي الحريات كما تحددها الأنظمة الليبرالية ، وغيرها من فقرات لا يسع المجال لذكرها ، هذا التعارض بين فقرات الدستور ينتج عنها إفراغ فقرة ( الدين مصدر أساسي .. الخ ) من كل مضمون . ولا يختلف مصير الفقرة الثالثة عن سابقاتها ، بل إنها في الحقيقة فقرة ديكورية بامتياز ، ولا تقدم شيئاً على الإطلاق ، بمعنى أنها لا تصلح لأن تكون مرتكزاً لسن قوانين انطلاقاً منها ، لأنها وإن نصت على أن دين الأغلبية هو الإسلام إلا أنها لا تذكر شيئاً عن ضرورة خضوع الدولة لقوانين الإسلام ، بل وأكثر من ذلك تكفّل الدستور الذي تمثل هي فقرة من فقراته ، تكفل بتحديد الأساسات التي تبنى عليها وتشتق منها القوانين وهذه هي وظيفة الدستور ، بمعنى أن الدستور الذي نص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام ، هو نفسه جعل من فقراته الأخرى بديلاً عن الإسلام ( الدولة الديمقراطية على سبيل المثال ) ، فأصبح الإسلام مسمى فقط لا يقوم بأداء أية وظيفة على أرض الواقع ، أليس هذا هو الخداع والإستخفاف بعينه ؟

والآن ماذا بقي للأحزاب التي تنتسب الى الإسلام زوراً وبهتاناً ؟ لا شئ سوى القنوات الفضائية التي تعرض اللطميات لتستخف عقول الناس وتخدعهم بأنها تهتم بإسلامهم ، بل إن هذه الأحزاب التي فرطت بأساساتها الإيديولوجية ( أي بالعقيدة التي جعلت منها شعاراً ) وجدت نفسها خالية اليد من أي خطاب إعلامي يمكن أن تستقطب به الجموع وتقنعهم بالإلتفاف حولها ، فما كان منها إلا أن ركبت ظهر المرجعيات وموجة الصراع الطائفي وصارت تطبل ليلاً ونهاراً وتتاجر بالدم الشيعي المسفوك ابتزازاً منها لعواطف الناس وتعويضاً عن الفراغ المخجل الذي صنعته بيدها ، فبدلاً من رفع شعار ضرورة عودة الدين الى مسرح الحياة العملية أضحى الشعار ( ياللهول الشيعة يقتلون ، فيا شيعة التفوا حولنا لننقذكم ) ويا ليت أنهم قادرون على إنقاذ أنفسهم من حبل الأمريكان الذي يزداد ضيقاً على أعناقهم يوماً بعد يوم ، ويا ليت أنهم حقاً يهتمون بإنقاذ الناس !


*    *    *


الديمقراطية  حاكمية الناس


من نكد الدنيا على المسلم المعاصر أن فقهاء آخر الزمان لم يكفهم خيانة الأمانة حين باعوا حاكمية الله بالديمقراطية ، بل راحوا يُنظّرون للديمقراطية على أنها هي النظرية التي جاء بها الأنبياء والأوصياء (ع) ، فالشيخ اليعقوبي يقول في خطاب المرحلة ( 97) وهو بصدد التطبيل للديمقراطية : (( والشاهد الآخر على هذه الأهمية قوله تعالى : ( يا أيها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) فجعل الله تبارك وتعالى تعيين القيادة وتنصيب ولاة الأمر في كفة والرسالة كلها بكفة أخرى ، وإن لم تنجح الأمة في اختيار قادتها الحقيقيين وإيصالهم الى المواقع التي يستحقونها فإنها ستضيّع الشريعة كما حصل خلال القرون المتمادية ،ولم يبق على دين الله إلا النزر اليسير من هذه البشرية الضالة المتعبة )).

بل إن هذا الشيخ الغارق حتى أذنيه بالديمقراطية يُكثر من التبجح بأنه صاحب أقوى فتوى في الحض على الإنتخابات ، فهو قد جعل من المشاركة فيها عملاً أهم من الصلاة والصوم !! ويملأ القلب ألماً أن بضاعتهم التي يتجرون بها ويتبارون في الترويج لها ليست شيئاً أخر سوى التطبيل لفكرة حاكمية الناس أو حاكمية الشيطان ، وأما مبدأ التنصيب الإلهي ، وأما الأمام المهدي (ع) فنسي منسي  بالنسبة لهم ، و(مات أو هلك في أي واد سلك ) !

لكل ذلك أردت كشف جزء من حقيقة الديمقراطية ، ليعرف الناس أي غال نفيس حملهم فقهاء آخر الزمان على التفريط به وأي رخيص ساقط أبدلوهم به !

تقدم الديمقراطية نفسها على أنها النموذج الأكمل لنظام الحكم الذي استطاعت البشرية بلوغه بعد أن قاست الأمرين من نظم الحكم الديكتاتورية والشمولية ، فالديمقراطية بكلمة أخرى وليدة تجربة بشرية طويلة مرت بمراحل كثيرة ، لم تكن تخلو من مرارة الألم ، وشدة المعاناة . وإذا كانت الفكرة الديمقراطية قديمة ، فإن نشوءها في العصر الحديث ترافق مع نشوء الفكر الليبرالي وبروز الرأسمالية على المستوى الإقتصادي ، والحق إن هاتين الحاضنتين ضروريتان للديمقراطية ، لا يكاد المرء يتصورها من دونهما . ولكن الديمقراطية – شأنها شأن كل فكرة شيطانية – تقوم على مغالطة رهيبة ، إذ إنها ببساطة تضمر فكرة أن الفكر البشري المحدود بطبيعته هو كل ما هو موجود في جردة الحساب ، أي إنها بكلمة أخرى لا تقيم وزناً للسماء ولا تحسب لها أي حساب . الديمقراطية تغيب الدين وتنظر للحياة من منظار مادي ضيق وهذه في الحقيقة واحدة من الأسس الليبرالية ( العلمانية وفصل الدين عن الدولة ) التي تتقوم بها الديمقراطية .

والحق إن القوم إلتجأوا الى الديمقراطية فراراً مما ألحقته بهم الديكتاتورية من مظالم وويلات دون أن يلحظوا أن فرارهم ليس سوى فرار من الرمضاء إلى النار. فالديمقراطية التي يتغنى بها اليوم من يحسبون أنفسهم قيادات دينية وأحزاباً أسلامية تمثل بحق أبشع الحلقات في مسلسل التأمر على منهجية السماء.

إذ ليست الديمقراطية سوى إعادة إخراج مسرحي -  يتسم بقدر كبير من الدهاء و الإلتفاف على الحقائق -  لما كان يمثله الطواغيت في عصور سالفة  من منهج معاد لمبدأ التنصيب الإلهي بهدف إضفاء مسحة من المقبولية عليه ومنحه  مشروعية كان يفتقدها .

فالديمقراطية لم تغير شيئاً من روح المنهجية القديمة القائمة على أساس حاكمية الناس ورفض حاكمية الله ، بل أقصى ما فعلته أنها استبدلت بأدوات العنف وآليات الاضطهاد الجسدي التي مارسها الطواغيت أدوات وأساليباً  أكثر سلمية على حد تعبيرهم ، ولكنها أيضا أكثر شيطانية وأغور في التضليل والتعمية . ولعل هذه النظرة التي تصنف النظم الديمقراطية ونظم الاستبداد والديكتاتورية في خانة واحدة لم تكن لتغيب عن أذهان الناس لولا المعاناة المريرة التي مرت بها البشرية طيلة الحقب المتوالية من حكم الطواغيت . والحق أن ماكنة الإعلام الديمقراطي  قد ركزت كثيرا وتباكت طويلا على المعانات المشار إليها بقصد  إيهام  الناس  بان  ثمة انقلابا جذريا وتغييراً حقيقياً قد أحدثته الديمقراطية في حياتهم , وإن  ما حدث ليس مجرد استبدال ثوب بثوب أو قشرة بقشرة ، كما هي الحقيقة .

إن فتاكة سم الديمقراطية تتجلى للمتأمل المنصف من ملاحظة الأساس الذي تتركز عليه , فهي تحاول إقناع الناس بأن مساوئ الديكتاتورية ليست في إنها تجسيد لمبدأ حاكمية الناس , وإنما لأنها تركز على حكم الفرد أو رأي الفرد الواحد أو المجموعة الصغيرة المستبدة , والعلاج برأيها يكمن في إطلاق العنان لأكبر  عدد ممكن من الآراء وكأن الديمقراطية ترى أن كثرة  الآراء تنتج في المحصلة رأياً على قدر من الحكمة و الحصافة , إن  لم نقل العصمة , بينما حقيقة الأمر أن تجميع الآراء الناقصة ليس سوى جمع بالسالب , أي أن النتيجة أكثر سوءاً ، فالآراء والأهواء المتعددة ستقود حتماُ الى  فوضى تفلت عن السيطرة .

إن الشرك الكبير الذي تتصيد به الديمقراطية فرائسها يتمثل بالمقولة التي تبدو أكثر قرباً الى المعقولية والإنصاف ، وهي مقولة ( إنك في ظل النظام الديمقراطي تستطيع تحقيق ما تشاء من فكر على أرض الواقع الإجتماعي دونما حاجة منك الى العنف ، إذ لا يحتاج الأمر منك سوى إقناع أغلبية مناسبة من الناس تؤهلك لتسنم مقعد الحكم في الدولة والبرلمان ، ويمكنك بعدها أن تغير دستور الدولة إذا رغبت ) .

كما قلت تبدو هذه المقولة منصفة ومعقولة تماماً ، لكنها في الحقيقة أشبه شئ بالعسل الذي تختفي تحت صفائه عروق السم الناقع . . كيف ذلك ؟

سلفت الإشارة فيما تقدم الى أن الديمقراطية لا يمكن تصورها دون أن نتصور مجتمعاً تحكمه القيم الرأسمالية على المستوى الإقتصادي ، والليبرالية المستوى الإجتماعي والثقافي ، وبكلمة واحدة لا يمكن لمجتمع تطبق فيه الديمقراطية إلا أن يكون محكوماً لقيم المنفعة والأهواء الفردية ، فالحق إن هذه العناصر تشكل مع الديمقراطية حقيقة واحدة لا يمكن التفكيك بينها ، بمعنى أن أياً عنصر منها يستدعي العناصر الأخرى باعتبارها أجزاءه التي لا يستغني عنها ، بل لا حياة لها من دونها وبين يديك كل التجارب الديمقراطية شاهداً على ما أقول .

في ظل واقع كهذا محكوم لمبدأ المنفعة والمصالح الفردية يلزمك لكي تستقطب جماعة ما أن تقدم لهم أطروحة فكرية تحقق المبدأ الذي ينهجون على وفقه ، بمعنى أن رؤيتك الكونية لابد أن تنبثق من نفس الأفق الفكري الذي يتنفسون فيه ، بل إنك غالباً ما تجد نفسك مضطراً – من أجل كسب أكبر قدر من الأصوات – الى النزول الى أدنى دركات الرغبة المادية التي يعيشها عادة الجمهور الواسع من الناس المحكومين لمبدأ المنفعة ( برنامج الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون تضمن فقرة تدعو الى إحترام رغبات الشاذين ) ، ماذا يعني هذا ؟

يعني إنك بدلاً من تقديم فكر يعمل على انتشال الواقع الفكري والإجتماعي والقيمي للناس من ربقة التردي والإنحدار الأخلاقي ستجد نفسك مرغماً على التردي ، بل ربما اضطررت – كما حدث مع كلينتون وغيره – الى زيادة التردي والسفال ! وماذا يعني هذا أيضاً ؟ يعني أن المقولة التي تبدو منصفة هي مقولة من أكثر المقولات دهاء وخداعاً ن إذ إنها تستدرجك لتدخل في لعبة الديمقراطية ، لتعمل بعد ذلك على تجريدك من كل مبدأ تحمله ، فالترجمة الحقيقية لتك المقولة هي : أنت رجل رسالي لديك فكر يستهدف الرقي بالواقع في مدارج الكمال ، أدخل في لعبة الديمقراطية وستجد نفسك بلا مبدأ ، هذه هي النتيجة التي يريد فقهاء آخر الزمان أن يوصلونا إليها  !!


 


كلمة أخيرة


لم يتبق لي من كلام غير عبارات قليلة أختم بها حديثي، أرجو أن تصادف قبولاً لديكم. أود أن أقول إن الكثير ممن آمن برسول الله (ص)، والكثير ممن آمن بالرسل والأنبياء (ع) لم يطلبوا معجزة، بل إن جُل، إن لم أقل كل من طلب معجزة كان مصيره الفشل. ولعل السبب القريب وراء الفشل إن هؤلاء الناس قد انغمسوا كلياً في المادة، وأضحوا لا يرون وجوداً لسواها. ولعل الحضارة الحديثة  بتوجهها المادي الحسي تقدم لنا إنموذجاً ممتازاً لدراسة ظاهرة الإنغماس بالمادة فهذه الحضارة بدأت مسيرها بالتخلي الكامل عن الدين والميتافيزيقيا، باعتبار أن ما يعبر عنه هذين النسقين الفكريين أمور لا تقع تحت طائلة الحس، وبالتالي هي أمور لا معنى لها، لاسيما بعد تحديد المدرسة الوضعية للمعنى بأنه الشئ الذي يملك رصيداً في الواقع المحسوس. ولعل الفكر التجريبي الذي سيطر على الحضارة الحديثة دليل صارخ على تعلق هذه الحضارة بالمادة، فالفكر التجريبي لا يرى حقيقة إلا لما يمكن ملاحظته أو تجربته، وبالتالي لما يمكن قياسه بمقاييس المادة. ما أريد قوله إن الإصرار على المعجزة لا ينم عن إيمان بمناهج السماء بقدر ما يدل على تحجر الروح الإيماني، هذا الروح الذي من شأنه تحسس المغيّب، والنفوذ الى مناطق ما وراء المادي والمحسوس. لقد قلت في ثنايا هذا الكتاب أن من يطلب المعجزة إنما يحاول في الحقيقة قهر نفسه المتمرد، أو المنكوسة في عالم المادة، وأريد أن أضيف هنا أن طلب المعجزة هو من سنخ طلب الدليل المادي, التجريبي أو المحسوس. ومثل هذا الدليل في الحقيقة لا يتقدم به الأنبياء والمرسلون إبتداءًا، بل يأتي إيجاباً لطلب الناس، والملاحظ إنه يأتي مقترناً بالعذاب، فما أن يكذب الناس بالمعجزة – وهم عادة ما يكذبون – حتى ينزل بهم العذاب، الأمر الذي يُستوحى منه أن المرسلين يجيبون طلب المعجزة بعد أن يستشعروا من أقوامهم التكذيب والإصرار على التكذيب، ويعلموا منهم الإنحراف الكامل وعدم إمكانية الصلاح، فكأن المعجزة آخر الحجج التي يثبت من خلالها المرسلون لأقوامهم أنهم منحرفون ليحُق عليهم بعدها العذاب والإستئصال، فآخر الدواء الكي كما يُقال. إن الناس يقولون عادة إن المعجزة تمثل خرقاً لقوانين الطبيعة المألوفة، وهذا صحيح، ولكن الصحيح أيضاً إنها لا تخرق الطريق المألوف في الإستدلال على الحقائق. فالطريق المألوف بين أبناء الدنيا هو أن يستدلوا على الحقائق عبر استحضارها بشكل حسي، أو باستحضار آثارها المحسوسة، والمعجزة في الحقيقة تكرس هذا الطريق. فالناس يطلبون المعجزة لأنهم ألفوا طريق الإستدلال المذكور، وهذا الطريق هو بالتحديد ما لا يريده الأنبياء والمرسلون، فغايتهم هي ربط الإنسان بالغيب، هي شحذ أرواحهم وتثقيفها للإتصال بما وراء المادة. إن ثقافة الأنبياء والأوصياء هي ما عبر عنه الإمام الحسين (ع) في دعاء يوم عرفة: (إلهي ترددي في الآثار يُوجب بُعد المزار، فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك، كيف يُستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أ يكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المُظهر لك، متى غبت حتى تحتاج الى دليل يدل عليك، ومتى بعُدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عين لا تراك عليها رقيبا، وخسرت صفقة عبد لم يجعل له من حبك نصيبا). نعم التردد في الآثار يُوجب بعد المزار، فالآثار أو الدليل المادي – في حالتنا – لا يقرب القلب من الحقيقة المفارقة للمادة، بل يبعد به عنها. إذن علينا أن نهيئ أنفسنا لتتعلق بالغيب، أن نستعيد فطرتنا المفقودة لنميز الحكمة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين

وصلى الله على سيد المرسلين محمد وآله الأئمة والمهديين وسلم تسليما

ربي توفني مسلماً وألحقني بالصالحين

 

الأستاذ

أبو محمد الأنصاري

  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • اسأل نفسك وليسأل كل منصف نفسه السؤال الحتمي بعد معرفة ما روي في كتب المسلمين أن رسول الله محمداً (ص) عندما مرض بمرض الموت طلب ورقة وقلم ليكتب كتاباً وصفه رسول الله محمد (ص) بأنه كتاب يعصم الأمة التي تتمسك به من الضلال إلى يوم القيامة، فمنعه عمر وجماعة معه من كتابة هذا الكتاب في حادثة رزية الخميس المعروفة، فالسؤال هو: هل يقبل أحد أن يتهم رسول الله محمداً (ص) أنه قصَّر في كتابة هذا الكتاب المهم والذي يعصم الأمة من الضلال بعد أن كانت عنده فرصة لأيام قبل وفاته يوم الاثنين ليكتبه ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني الوصية المقدسة الكتاب العاصم من الضلال
  • رجائي أن شيعة آل محمد (ع) يصطفون تحت هذه الراية فهي راية الحق الوحيدة البارزة، والمنادية بالحق، الراية الوحيدة التي لم تداهن ولم تدخل فيما دخل فيه أهل الباطل، ومُخطأ من شيعة آل محمد (ص) من يُعوِل على هؤلاء الذين أيديهم صفرات من الدليل سواء الشرعي أم العقلي على مايدعون من وجوب تقليد ونيابة، مُخطأ من يُعوِل على هؤلاء الذين لايثقون ببعضهم بعضا وكل واحد منهم اخذ مجموعة من شيعة آل محمد (ص) وحزَّبَهم لنفسه دون أن ينصبه الله، حتى فرقوا شيعة آل محمد (ع) شيعا وجعلوهم لايكادون يلتقون حتى في تحديد يومي العيدين...
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • 1
  • 2