raya

فهرس المقال

الثمرة الخامسة

رد شبهتان (أوهى من بيت العنكبوت)

الشبهة الأولى:

روي عن أمير المؤمنين أنه قال : ((لابد للناس من سلطان بر وفاجر)) وقد إحتج بعض الجهلاء بهذا الكلام مستدلين جواز إنتخاب السلطان حتى لو كان فاجراً!!.

فأقول: إن هذه العقيدة هي عقيدة أبناء العامة ، إضطروا للإعتقاد بذلك لإضفاء الشرعية على خلافة بني أمية وبني العباس لأنهم عاثوا في الأرض الفساد وأهلكوا الحرث والنسل وتتبعوا آل محمد تقتيلاً وتشريداً وسجناً، فلابد لأبناء العامة من القول بمشروعية خلافة الفاسق لإقناع الناس بخلافة هؤلاء الأقزام. وأما في المذهب الجعفري فقد أكد أهل البيت(ع) على ضرورة أن يكون الحاكم عادلاً بل معصوماً عن الخطأ والزلل حتى يأمن على الأمة من الإنزلاق في هاوية الإنحراف.

فلو سلمنا بصحة الحديث السابق فإنه لايدل على مشروعية حكم الفاجر والمنحرف ، بل إن الإمام علي (ع) في مقام بيان حقيقة وأمر وجودي في أصل الخلقة وهو أن الناس مفطورة على حب المحكومية أي أنهم يميلون فطرياً الى وجود منظم ومحاسب يدير شؤونهم وينظم حياتهم، وهذا الميل عام مجرد عن الخصوصية أي بدون قيد أن يكون هذا المنظم عادلاً أو فاسقاً، ولابد لهذا الميل الفطري من تقنين وتوجيه السماء لكي يعطي ثماراً طيبة ويسير سيراً مستقيماً نحو الصلاح والإصلاح. ولقد أكد الله تعالى في القرآن الكريم على توجيه هذا الميل ووضعه في قالب معين،ليتحصن هذا الميل من تدخلات الشيطان، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} التوبة/119.وقال تعالى: {َا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} النساء/59. وأولي الأمر هم الأئمة(ع) خاصة، وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الحشر/7 ، وقال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} آل عمران/26 . وقال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} البقرة/124.

وذم الله تعالى إتباع الفجرة والمنحرفين حيث قال عز وجل: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} الأحزاب/66-68. وقال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ} القصص/41-42 . وقال تعالى حاكياً عن حال إتباع الفجرة: {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا} الفرقان/28-29 . وقال تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} هود/113.

فالإمام علي(ع) عندما قال: ((لابد للناس من سلطان براً أو فاجر)) أراد أن يبين هذا الميل الفطري، وإن هذه اللابدية هي في الفطرة البشرية فإن تاهت الناس عن السلطان الحق العادل مالت الى السلطان الفاجر لإشباع هذا الميل الفطري.

وهذا الكلام نظير قولنا (لابد للناس من معبود كامل أو ناقص) ، فنحن لسنا في مقام إعطاء المشروعية لعبادة الناقص، بل في مقام بيان أن الناس مفطورة على حب العبادة، فإن ضلت وتاهت عن معرفة المعبود الحقيقي والكامل، إلتجأت الى عبادة الناقص لإشباع هذا الميل والحب الفطري، فترى أصحاب العقائد الفاسدة عندما تاهوا عن معرفة الله تعالى المعبود الكامل إلتجأوا الى عبادة غيره من المخلوقات الناقصة فمنهم من عبد الكواكب ومنهم من عبد الأصنام ومنهم من عبد النار ومنهم من عبد البقر كما ينقل.

فقولنا: ((لابد للناس من معبود كامل أو ناقص)) لانريد إثبات معذرية الذين يعبدون الناقص لأنه مفطورعلى العبادة، بل نريد أن نشير الى أن ضمير الإنسان لايستقر ولايهدأ إلا عندما يتوجه الى معبود معين، فإن توصل الى معرفة المعبود الكامل وهو الله جل جلاله فقد فاز ونجح في الإختيار وهدي الى الصراط المستقيم وإن إنحرف وعبد الناقص من دون الله تعالى فهو الى جهنم وبئس المصير، لأنه لو كان باحثاً حقيقياً عن الحق لهداه الله تعالى الى الحق بدليل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} العنكبوت/69. وقوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} البقرة/10 .

وكذلك قول الإمام علي (ع): ((لابد للناس من سلطان براً أو فاجر)) لا يريد به إعطاء المعذرية للذين أطاعوا الفجرة والطواغيت، وإنما أراد أن يشير الى وجود هذا الميل الفطري الى المحكومية، فإن جاهد الإنسان نفسه وطلب معرفة الحق بإخلاص وتجرد عن الهوى والعصبية فإن الله سيهديه الى الإمام الحق وبذلك يكون قد هدي الى الصراط المستقيم والكون مع الصادقين وهم الأئمة (ع) وإن قصر في معرفة الحق وإتبع هواه زاغ عن الصراط المستقيم وهوى في حفرة جهنم قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ * مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) الأعراف/175-178 ، فالناس لاتستقر ضمائرهم ولاتنتظم أمورهم إجمالاً إلا بوجود حاكم، فإن أصلحوا أنفسهم وطلبوا الحق بإخلاص وتجرد عن الهوى والعصبية والرذائل الأخلاقية هداهم الله تعالى الى الإمام الحق. وإذا إنعكس الأمر وقصرت الناس في السعي لمعرفة الحق وإتبعوا الهوى وحب الدنيا وكلهم الله الى أنفسهم فضلوا عن معرفة الحاكم الحق ووقعوا في شباك حكم الفجرة والطواغيت فإن إتبعوهم فمصيرهم النار وبئس الورد المورود، قال تعالى:(إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الرعد/11. وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) الأعراف /96.

وقال رسول الله (ص): ((كما تكونون يولى عليكم)) وقال أيضاً:((قال الله جل جلاله إذا عصاني من خلقي من يعرفني سلطت عليه من خلقي من لا يعرفني))[135].

وعن الإمام علي(ع): ((لاتتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم))[136].

وإلا كيف نتصور أن الإمام علي (ع) يجوز تنصيب أو إعانة الفجرة والطواغيت وهو القائل((... ولكنني آسي أن يلي  أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولاً، وعباده خولاً، والصالحين حرباً، والفاسقين حزباً ... ))[137]. وقال أيضاً: ((العامل بالظلم والمعين عليه والراضي به شركاء ثلاثة))[138].

وسوف أتعمد الإكثار من الأحاديث التي تحذر من طاعة الفجار والطواغيت سداً لأفواه الجهال الذين ينعقون بما لايعقلون كالأنعام بل أضل سبيلا:-

عن النبي (ص) : (إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الظلمة وأعوانهم، من لاق لهم دواة، أو ربط كيساً، أو مد لهــم  مدة قلم ، فاحشروهم معهم)، وعنه (ص) : (من أعان ظالماً على ظلمه جاء يوم القيامة وعلى جبهته مكتوب : آيس من رحمة الله) .

وعنه (ص) : (من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام) .

وعنه (ص) : (من مشى مع ظالم فقد أجرم) .

يقول الله جل جلاله : (أنا من المجرمون منتقمون) .

وعن الرضا (ع) في أعمال السلطان : (الدخول في أعمالهم، والعون لهم والسعي في حوائجهم عديل الكفر، والنظر إليهم على العمد من الكبائر التي يستحق به النار) .

وعنه (ع) : (من أعان ظالما" فهو ظالم ومن خذل ظالما" فهو عادل)، وعن الإمام علي (ع) : (دولة الأشرار محن الأخيار) و (دولة الفجار مذلة الأبرار) و (دولة الأوغاد مبنية على الجور والفساد) .

وعن النبي محمد (ص) : (إياكم وأبواب السلطان وحواشيها، فإن أقربكم من أبواب السلطــان وحواشيهـا أبعدكــم عـن الله عز وجل، ومن آثر السلطان على الله عز وجل أذهب الله عنه الورع وجعله حيران) .

وعنه (ص) : (من مدح سلطانا" جائرا" أو تخفف وتخضع له طمعا" فيه، كان قرينه إلى النار) وقصة صفوان الجمال مشهورة عندما نهاه الإمام الكاظم (ع) عن كري جماله لهارون اللارشيد، لأنه يعتبر من الإعانة للظالم، فباع صفوان جماله تجنبا" لإعانة الظالم.

ثم إنا أن تنـزلنا عن هذا كله وأردنـا حمل الحديث على ظاهره، فنقول :-

أن الأئمة (ع) بينوا لنا المخرج عند تعارض الروايات عنهم (ع)، إذ قالوا أن ما خالف القرآن والسنة فهو تقية، وقالوا أيضا" خذوا  ما خالف أبناء العامة فأن الرشد في خلافهم. عــن عبيـــد الله بن زرارة، عن أبي عبد الله (ع) قال : (ما سمعته مني يشبه قول الناس (يقصد أبناء العامة) فيه التقية، وما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه)[139].

وعن أبي عبد الله (ع) أنه قال :(لا تصدق علينا إلا ما وافق كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله)[140] .

وعن الصادق (ع) : (إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فردوه، فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه)[141].

ومن الواضح أن ظاهر كلام الإمام علي (ع) : ((لابد للناس من سلطان بر أو فاجر)) موافق لعقيدة أبناء العامة فلا بد من تأويله كما سبق أو حمله على التقية .

ولا يخفى أن الذين يستدلون بهذا الحديث على جواز إتباع السلطان الجائر!! فهم يعطون العذر لأتباع النمرود (لع) ولأتباع فرعون (لع) ولأتباع الدولة الأموية والعباسية بل يعطون العذر لأتباع السلاطين الكفرة الزنادقة!! وهذا مخالف لكتاب الله تعالى وسنة نبيه(ص) وما صح عن العترة الطاهرة بل مخالف للوجدان وهو كفر بشريعة محمد(ص). فمن قال به فقولوا له: سلاماً سلاماً.

قال تعالى:(قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) يونس/35.

 

الشبهة الثانية:

قال تعالى حكاية عن قصة النبي يوسف(ع):(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) سورة يوسف/54-56 .

إستدل بعض الجهلاء الذين لايميزون بين الناقة والجمل بقضية يوسف(ع) ودخوله في حكم ملك مصر على جواز الدخول مع دولة الظلم والطاغوت، وبالرغم من أن هذا الإستدلال بديهي البطلان ومن المضحكات المبكيات ولكن نعلق عليه ببعض النقاط غلقاً لهذا الباب وإسكاتاً للسفهاء فنقول:-

1- هناك فارق بين تصرفات المعصوم وصاحب الوحي وبين الإنسان المنعزل عن الوحي، فالأنبياء يتصرفون وفق وحي الله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) النجم/3-4 . فهم يحددون المصلحة يقيناً ويعرفون النتيجة يقيناً إلا ما شاء الله تعالى، فلا يمكن لأحد أن يقحم نفسه في كل معترك خاضه الأنبياء عليهم السلام، لأن الفارق شاسع جداً بل لا توجد مقارنه أصلاً لأن النبي تابع لتدبير الله تعالى وتخطيطه فهو متيقن من صلاح النتيجة لأن الله عاصمه عن الإنحراف وأما غير المعصوم فهو يفتقر الى أمر الله تعالى ووحيه وهو على جهل بالنتيجة إضافة الى أنه يفتقر الى العصمة فلربما يعتقد بشيء أنه الأصلح وبالتالي يتبين أنه الأفسد.

نعم لنا أسوة حسنة بالأنبياء والمرسلين والأئمة الطاهرين عليهم السلام ولكن بالأمور غير المختصة بهم (ع) وبالأمور التي أخبرونا بلسان المقال أو بلسان الحال جواز الإقتداء بها وتطبيقها وهي كثيرة من عبادات ومعاملات سياسية وإجتماعية وإقتصادية، فيمكن إختصاص المعصوم ببعض التصرفات دون غيره للإختلاف الموضوعي بين شخص المعصوم وغيره وبين الواقعة التي يواكبها المعصوم والتي يعالجها بوحي إلهي وبين الواقعة التي يعيشها غير المعصوم ويعالجها بتدبير شخصي منعزل عن الوحي السماوي.

فلا يمكن لشخص أن يقول أنني أقتدي بالعبد الصالح الذي رافقه موسى(ع) فأقتل طفلاً بريئاً يلعب في الشارع أو أخرق سفينة يقتات منها مساكين وذلك للفرق الموضوعي بين المقامين فالعبد الصالح علمه لدني : ((فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)) الكهف/65 . أي أنه كان مطلعاً على الواقع الذي خفي على نبي من أولي العزم وهو موسى(ع). كذلك لا يستطيع شخص أن يصلي بإتجاه بيت المقدس محتجاً بأنه يقتدي بالرسول محمد (ص) لأنه صلى بإتجاه بيت المقدس. وكذلك لا يستطيع شخص أن يصف الشمس والقمر والكوكب بأنها أرباب متبعاً بذلك نبي الله إبراهيم (ع) وقد أخبر الإمام الصادق أن هذا القول جائز من إبراهيم ومن غيره شرك.

في تفسير القمي قال:سئل أبو عبد الله (ع) عن قول إبراهيم هذا ربي أشرك في قوله هذا ربي، قال:((من قال هذا فهو مشرك ولم يكن إبراهيم مشرك وإنما كان في طلب ربه وهو من غيره شرك)).

وكذلك في قضية يوسف (ع) فقد قال تعالى: ((وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)) يوسف/21 .

إذن فالقضية تدبير إلهي ونتيجته التمكين في الأرض يقيناً بخلاف ما إذا كان التدبير شخصياً مفتقراً للوحي الإلهي والتسديد الغيبي. ولاحظ أيضاً ماذا عبر الله تعالى عن يوسف عندما أدخل أخاه في دين الملك، قال تعالى:((فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)) يوسف/76 . فأسند الله تعالى الكيد والتدبير الى نفسه وليس الى يوسف(ع).

ومجمل القول أن قضية يوسف(ع) ودخوله في حكم الملك كانت بوحي وتسديد إلهي ونتيجتها التمكين في الأرض وتطبيق حكم الله تعالى يقيناً وأما غير الأنبياء والأوصياء فلا يجوز لهم الدخول في دولة الظالم إلا بإذن المعصوم كما حصل لعلي بن يقطين وغيره. وقد أكدت كثير من الآيات القرآنية والروايات على المنع من الدخول في دولة الطاغوت والسعي والترويج لها قد ذكرنا الكثير منها في الموضوع السابق فراجع.

2- إن موقفكم وموقف نبي الله يوسف(ع) مختلف ومتباين من جانب آخر، شتان ما بين الثرى والثريا، إذ ان يوسف(ع) سعى الى تغيير حكم طاغوتي وضعي الى حكم إلهي سماوي وكان نافذ القول بدليل قوله تعالى حكاية عن لسان الملك:((وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ)) يوسف/54 . ومعنى مكين أي ذو مكان وأمر نافذ. وذلك خلاف موقفكم الآن فإنكم أوجبتم إنتخاب هذه الحكومة التي تحكم بخلاف ما أنزل الله تعالى وروجتم لها! وقد جاء عن أهل البيت(ع) أن كل دولة لاتحكم بما أنزل الله فهي دولة طاغوتية، قال تعالى:((وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) سورة المائدة .

وعن الصادق (ع):((الحكم حكمان: حكم الله وحكم أهل الجاهلية فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم أهل الجاهلية))[142].

وبذلك تكونون قد أقمتم دولة الطاغوت بعد أن كانت عدماً، وهذا خلاف ما فعله يوسف(ع) إذ هدم دولة الطاغوت وبنى دولة الحق، وينقل في الخبر الآتي أنه عندما إنقضت سنين القحط أراد يوسف(ع) أن يعيد الملك الى حكمه ولكن إشترط عليه أن يسير بسنته(ع) أي أن يحكم بحكم الله تعالى.

عن الإمام الرضا (ع) في حديث طويل:((.... ثم قال يوسف للملك: أيها الملك، ماترى فيما خولني ربي من ملك مصر وما حولها؟ أشر علينا برأيك، فأني لم أصلحهم لأفسدهم ولم أنجهم من البلاء لأكون بلاء عليهم، ولكن الله تعالى أنجاهم على يدي. فقال الملك: الرأي رأيك. قال يوسف: أني أشهد الله وأشهدك أيها الملك أني أعتقت أهل مصر كلهم، ورددت عليهم أموالهم وعبيدهم، ورددت عليك أيها الملك خاتمك وسريرك وتاجك، على أن لاتسير إلا بسيرتي، ولا تحكم إلا بحكمي.

قال له الملك: إن ذلك لزيني وفخري أن لا أسير إلا بسيرتك، ولا أحكم إلا بحكمك، ولولاك ما قويت عليه ولا إهتديت له، ولقد جعلت سلطاني عزيزاً لا يرام، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأنك رسوله، فأقم على ما وليتك، فإنك لدينا مكين أمين))[143].

3- ورغم هذا كله فإن يوسف(ع) كان مجبوراً أو مضطراً الى الدخول في حكم الملك وهذا يستشعر من كلام الملك (إئتوني به أستخلصه لنفسي) ويدل علىذلك أيضاً أن الإمام الرضا(ع) عندما سئل عن مشروعية قبوله لولاية العهد للمأمون العباسي إستشهد بقضية يوسف(ع) وهذا يدل على أن قضية يوسف(ع) مشابهة لقضية الإمام الرضا(ع) حيث أجبر على قبول ولاية العهد تحت التهديد بالقتل .

عن الريان بن الصلت، قال: دخلت على علي بن موسى الرضا(ع) فقلت له: يابن رسول الله، إن الناس يقولون: إنك قبلت ولاية العهد، مع إظهارك الزهد في الدنيا . قال (ع):((قد علم الله تعالى كراهتي لذلك، فلما خيرت بين قبول ذلك، وبين القتل، إخترت القبول على القتل. ويحهم، أما علموا أن يوسف عليه السلام كان نبياً ورسولاً،ولما دفعته الضرورة الى تولي خزائن العزيز ، قال : (إجعلني على خزائن الأرض أني حفيظ عليم) ودفعتني الضرورة الى قبول ذلك على إكراه وإجبار وبعد الإشراف على الهلاك على ما دخلت في هذا الأمر إلا دخول خارج منه. فإلى الله المشتكى وهو المستعان)).[144]

فأقول لمن يحتجون بقضية يوسف(ع) أما تستحون؟! تعملون أعمال الفراعنة والشياطين وتتشبهون بالأنبياء والمرسلين!!!.

وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وأله الطيبين الطاهرين.

وبهذا

تم تحرير الغصن الأول من هذه الشجرة المباركة وسيليه إن شاء الله الغصن الثاني :

(من هم ورثة الأنبياء؟)

وأيضاً سأناقش فيه آراء الشيخ اليعقوبي بهذا الخصوص .

وقد إعتمدت  الأسلوب العلمي الهادف ، وبالدليل الشرعي (القرآن والسنة)

فإذا كان الشيخ اليعقوبي مصراً على رأيه فيجب أن يرد وبالدليل الشرعي : (القرآن والسنة) ، وإلا فعدم الرد يعتبر هزيمة من الميدان العلمي

(أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) النمل/64 .

وينبغي أن يكون الرد أما بقلمه الخاص أو بتخويل منه لكي نصل الى ثمرة وليتبين الحق لطالبيه ليهلك من هلك عن بينه ويحيى من حي عن بينه

والحمد لله أولاً وآخرا ً.

 

الشيخ

ناظم العقيلي

15- ج2 - 1426 هـ . ق

  • اسأل نفسك وليسأل كل منصف نفسه السؤال الحتمي بعد معرفة ما روي في كتب المسلمين أن رسول الله محمداً (ص) عندما مرض بمرض الموت طلب ورقة وقلم ليكتب كتاباً وصفه رسول الله محمد (ص) بأنه كتاب يعصم الأمة التي تتمسك به من الضلال إلى يوم القيامة، فمنعه عمر وجماعة معه من كتابة هذا الكتاب في حادثة رزية الخميس المعروفة، فالسؤال هو: هل يقبل أحد أن يتهم رسول الله محمداً (ص) أنه قصَّر في كتابة هذا الكتاب المهم والذي يعصم الأمة من الضلال بعد أن كانت عنده فرصة لأيام قبل وفاته يوم الاثنين ليكتبه ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني الوصية المقدسة الكتاب العاصم من الضلال
  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • 1
  • 2