raya

فهرس المقال

الوصية والإمامة

 

بعد أن عرفنا بأن الوصية حق وواجب على كل مسلم  وأن تاركها يموت ميتة جاهلية  كما ورد في الروايات ، وان كل راعٍ لابد أن يوصي برعيته ويستخلف عليهم من يدير أمورهم ، ويرشدهم لما فيه صلاحهم دنيا وآخرة ، نأتي إلى الخلافة في الأرض ، فنبيّن أولاً كيف تم تعيين أول خليفة على وجه الأرض ، ثم نبيّن كيفية استمرار هذه الخلافة  من شخص إلى آخر وبأي طريقة يكون تعيين الخليفة ؟

فعندما أراد الله تعالى إستخلاف آدم في الأرض لم يستشر أحداً ولم يوكل ذلك الاستخلاف لأحد لا إلى الملائكة ولا إلى غيرهم  بل فرض ذلك على الملائكة فرضاً وأمرهم بالسجود لآدم (ع) ، فقال تعالى : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ )البقرة الآية/30 . واعترض الملائكة على نحو الاستفهام على هذا الجعل فقالوا كما حكى الله تعالى عنهم: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) البقرة الآية/30.

وقال تعالى ) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ* فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ( الحجر (28ـ31)

وقد أقام الله تعالى الحجة على الملائكة وبيّن لهم السر في اختيار آدم (ع) لخلافة الأرض ، وانه أعلم منهم وأوسع فطرة ، وبعد ذلك تاب الملائكة من اعتراضهم على الله تعالى واستغفروا وأخذوا يطوفون بالبيت الحرام  كفارة عن إعتراضهم على تنصيب الله تعالى .

إذن مسالة الخلافة والإمامة مسألة جعل وتعيين من قبل الله تعالى لا يشركه فيها أحد ولا يمكن الاعتراض عليها  حتى على نحو الإستفهام وحتى من قبل الملائكة المقربين ، ولا يمكن أن تخضع الخلافة والإمامة  لاستشارة الخلق أوانتخابهم وانها من الأمور الخاصة بالخالق تعالى ، لأنه خالق الخلق وهو أعرف بالمصلح والمفسد منهم  فإذا عيّن أحداً للإمامة فلا يمكن أن يكون مفسداً قط ، لأنه علاّم الغيوب يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وأما الخلائق فيمكن أن يختاروا شخصاً ويعتقدوا أنه الأصلح  ثم يتبيّن أنه الأفسد لعدم احاطتهم علماً بسرائر الناس وحقائقهم ، بل وقع الخطأ في الاختيار حتى من قبل الأنبياء (ع) ، فهذا نبي الله موسى (ع)  اختار من قومه سبعين رجلاً  لميقات ربه على أنهم أفضل قومه وأصلحهم ، ثم تبيّن أنهم الأفسد حيث سألوه رؤية الله جهرة وكذبوه  فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ، وكذلك نبي الله موسى مع العبد الصالح عندما قتل الغلام فاعترض موسى (ع) ووصف الغلام بأنه نفس زكية ثم تبيّن أنه نفس كافرة خبيثة .

ونجد هذه الحقيقة واضحة وجلية  في الروايـــة الآتيــــة :

(عن سعد بن عبد الله القمي  في حديث طويل أنه سأل الإمام المهدي (ع)  وهو غلام صغير في حياة أبيه الحسن العسكري (ع) فقال : اخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار الإمام لأنفسهم ؟

قال (ع): مصلح أم مفسد ؟ قلت: مصلح، قال: فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد ؟ قلت : بلى ، قال : فهي العلّة التي أوردتها لك ببرهان يثق به عقلك ، اخبرني عن

الرسل الذين اصطفاهم الله وأنزل الكتب عليهم وأيدهم بالوحي والعصمة ، إذ هم أعلام الأمم وأهدى إلى الأختيار منهم ، مثل موسى وعيسى عليهما السلام هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذا همّا بالإختيار أن تقع خيرتهما على المنافق وهما يظنان أنه مؤمن ؟ قلت : لا ، قال : هذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلاً ممن لا يشك في إيمانهم وإخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين ، قال الله عز وجل : وأختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا ، إلى قوله : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ، فلما وجدنا اختيار من اصطفاه الله للنبوة واقعا ً على الأفسد دون الأصلح وهو يظن انه أصلح دون الأفسد علمنا ان لا اختيار إلا ممن يعلم ما تخفي الصدور وما تكن الضمائر وتنصرف عليه السرائر وان لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء (ع) على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الإصلاح ) إثبات الهداة ج1 ص115ـ116.

إذن الدليل عقلاً وشرعاً يمنع من اختيار الناس للإمام والخليفة في الأرض لجهلهم بالمصلح والمفسد حقيقة  وانهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وإن الجعل والتنصيب للإمام خاص بالله تعالى العليم الخبير البصير.

وبعد ان نصب الله تعالى آدم عليه السلام  خليفة في الأرض وقربت أيامه من النفاد وقرب رحيله إلى لقاء الله عز وجل أمره الله تعالى بأن تكون الخلافة بعده بالأختيار الإلهي أيضاً عن طريق الوصية  بأن يوصي آدم في تنصيب من عينه الله تعالى لخلافة الأرض ، وكان المختار للخلافة في بداية الأمر هو هابيل (ع) ، ولم يسلم هذا التنصيب من الاعتراض أيضاً والمعترض يومئذٍ هو قابيل (لع) أخو هابيل (ع) ولكن اعتراضه هذه المرة على نحو الرفض لا على نحو الاستفهام .

عن أبي عبد الله (ع)  قال : (…ثم أوحى الله إلى آدم أن يضع ميراث النبوة والعلم ويدفعه إلى هابيل ، ففعل ذلك فلما علم قابيل غضب وقال لأبيه : ألست أكبر من أخي وأحق بما فعلت به ؟ فقال يا بني إن الأمر بيد الله وأن الله خصه بما فعلت فإن لم تصدقني فقربا قرباناً فأيكما قبل قربانه فهو أولى بالفضل وكان القربان في ذلك الوقت تـنزل النار فتأكله . وكان قابيل صاحب زرع فقرّب قمحا ً رديئاً وكان هابيل صاحب غنم فقرّب كبشاً

سميناً فأكلت النار قربان هابيل  فأتاه إبليس فقال : يا قابيل لو ولد لكما وكثر نسلكما افتخر نسله على نسلك بما خصه به أبوك  ولقبول النار قربانه وتركها قربانك وإنك إن قتلته لم يجد أبوك بداً من أن يخصك بما دفعه إليه  فوثب قابيل إلى هابيل فقتله ... ) قصص الأنبياء  55 .

فأول من اعترض على تنصيب الله تعالى على وجه الأرض هو قابيل (لع) وظن أنه بيد الناس أي بيد آدم (ع) لا بيد الله سبحانه وعندما أخبره آدم (ع) بأن الاختيار لله لا لغيره أصَّر على معارضته إلى أن قتل أخاه هابيل (ع)  فكانت أول جريمة على الأرض بسبب الخلافة والإمامة والمجرم هو قابيل المعترض على التنصيب الإلهي التابع لهواه ونفسه الأمّارة بالسوء . ثم بعد ذلك رزق الله تعالى آدم (ع) ولداً صالحاً وهو هبة الله (ع) الذي كانت إليه الوصية بعد آدم (ع).

عن أبي عبد الله (ع)  قال : ( لما انقضت نبّوة آدم وانقطع أكله أوحى الله إليه : يا آدم انه قد انقضت نبوتك وانقطع أكلك فأنظر إلى ما عندك من العلم والايمان وميراث النبوة وآثار العلم والاسم الأعظم فاجعله في العقب من ذريتك عند هبة الله فإني لن أدع الأرض بغير عالم يعرف به الدين ويعرف به طاعتي ويكون نجاة لمن يولد ما بين قبض النبي إلى ظهور النبي الآخر ) المحاسن 1 / 235 .

إذن فالوصية من الله تعالى  ووصي النبي أو الإمام يعينه الله تعالى  ولا دخل للنبي أو الإمام في ذلك  إلا من باب التبليغ للناس  ومن ذلك نعرف أيضاً بأن كل إمام مفترض الطاعة على الناس لابد أن يكون موصى به من قبل الله تعالى عن طريق أنبياءه ورسله عليهم السلام لأن الإمام والحجة لابد أن يكون معصوماً والمعصوم لا يعرفه إلا الله تعالى فلا يُعرف إلا بنص من الله تعالى.

عن الإمام علي بن الحسين (ع)  قال : ( الإمام منّا لا يكون إلا معصوماً وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها ولذلك لا يكون إلا منصوصاً . فقيل له : يا ابن رسول الله فما معنى المعصوم ؟ فقال: هو المعتصم بحبل الله وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة والإمام يهدي إلى القرآن والقرآن يهدي إلى الإمام وذلك قول الله عز وجل : (إنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) معاني الأخبار ص 132 .

وهذه هي عقيدة الشيعة الإمامية من الرسول محمد (ص) إلى يوم القيامة  لا يقول بخلافها إلا من خرج من ولاية الله ودخل في ولاية الشيطان أعاذنا الله من ذلك.

وهاك اسمع أقوال بعض علماء الشيعة بهذا الخصوص :

قال الشيخ الصدوق (رحمه الله )  في وصف الأئمة (ع) : ( ... لا يضرهم قطع من قطعهم  ولا إدبار من أدبر عنهم  إذ كانوا من قبل الله منصوصاً عليهم على لسان نبي الله صلى الله عليه وآله ) كمال الدين وتمام النعمة ص 247.

وقال أيضاً : ( ...دللنا على أن الإمام لا يكون إلا معصوماً وأرينا أنه إذا وجبت العصمة في الإمام لم يكن بد من أن ينص النبي صلى الله عليه واله عليه لأن العصمة ليست في ظاهر الخلقة فيعرفها الخلق بالمشاهدة فواجب أن ينص عليها علاّم الغيوب تبارك وتعالى على لسان نبيه صلى الله عليه واله وذلك لأن الإمام لا يكون إلا منصوصاً عليه . وقد صح لنا النص بما بيناه من الحجج وبما رويناه من الأخبار الصحيحة... ) معاني الأخبار ص 136.

وقال الشيخ الطوسي (ره): ( ...أن يكون الإمام أعقل رعيته والمراد بالأعقل أجودهم رأياً أعلمهم بالسياسة. ويجب أن يكون على صورة غير منفرة ولا مشينة ولا يلزم أن يكون أحسن الناس وجهاً ويجب أن يكون منصوصاً عليه لما قدمناه من وجوب عصمته. ولما كانت العصمة لا تدرك حساً ولا مشاهدة ولا استدلالاً ولا تجربة ولا يعلمها إلا الله تعالى وجب أن ينص عليه ويبينه من غيره على لسان نبي... ) الاقتصاد  ص193.

وقال الشريف الرضي (ره) : ( ... لأنا نعلم ضرورة أن كل عالم من علماء الإمامية يذهب إلى أن الإمام يجب أن يكون معصوما منصوصا عليه ... ) رسائل المرتضى 2 / 367.

وبعد أن ثبت أن الإمام والحجة على الخلق  لابد أن يكون منصوصاً عليه بوصية النبي أو الإمام السابق  نؤكد مرة أخرى على أن الوصية من الله تعالى  وليس من نبي أو إمام  وان النبي أو الإمام مجرد مبلّغ للوصية عن الله تعالى لاغير  وإليك أيها القارئ بعض الروايات  التي تدل على ذلك : -

عن أبي عبد الله (ع) قال: ( أترون الموصي منّا يوصي إلى من يريد ؟! لا والله ولكن عهد من الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لرجل فرجل حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه) الكافي 1 /307.

وفي حديث طويل عن أبي عبد الله (ع) قال : ( إن الإمامة عهد من الله عز وجل معهود لرجال مسمين ليس للإمام أن يزويها عن الذي يكون من بعده إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى داود (ع) أن اتخذ وصياً من أهلك فإنه قد سبق في علمي أن لا أبعث نبياًً إلا وله وصي من أهله  وكان لداود (ع) أولاد عدة وفيهم غلام كانت أمه عند داود وكان لها محباً فدخل داود (ع) عليها حين أتاه الوحي فقال لها : إن الله عز وجل أوحى إليّّّّّّّّّ يأمرني أن أتخذ وصياًً من أهلي  فقالت له امرأته : فليكن ابني  قال : ذلك أريد . وكان السابق في علم الله المحتوم عنده أنه سليمان، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى داود : أن لا تعجل دون أن يأتيك أمري ...) الكافي 1 / 307.

وعن أبي عبد الله (ع) قال: (ما مات عالم حتى يعلّمه الله عز وجل إلى من يوصي ) الكافي 1/ 307.

( الوصية من آدم (ع) إلى نبينا محمد (ص) )

قد تبيّن مما سبق أن الوصية هي الأساس في الخلافة وبها يعرف الحجة بعد الحجة ولا يمكن لأحد أن يدعي الإمامة إذا لم يُنص عليه بوصية عن نبي أو إمام عن الله تعالى.

وبعد نبي الله آدم استمرت الوصية من وصي إلى وصي حتى وصلت إلى نبي الله نوح (ع) الذي بشّر به آدم (ع) قبل وفاته وذكره باسمه وصفاته في الوصية واستلم الوصية من آدم (ع) ابنه هبة الله (ع) كما سبق ذكره.

عن أبي جعفر (ع)  قال : قال رسول الله (ص) : إن أول وصي كان على وجه الأرض هبة الله إبن آدم  وما من نبي مضى إلا وله وصي  وكان جميع الأنبياء مائة ألف نبي وعشرين ألف نبي  منهم خمسة أولي العزم : نوح  وإبراهيم  وموسى  وعيسى ومحمد عليهم السلام  وإن علي بن أبي طالب كان هبة الله لمحمد  ووارث علم الأوصياء وعلم من كان قبله  أما أن محمداً ورث علم من كان قبله من الأنبياء والمرسلين .. (الحديث) )) إثبات الهداة 1 / 83 .

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : ( إن قابيل أتى هبة الله عليه السلام فقال : إن أبي قد أعطاك العلم الذي كان عنده  وأنا كنت أكبر منك وأحق به منك  ولكن قتلت ابنه فغضب عليَّ فآثرك بذلك العلم عليَّ  وإنك والله إن ذكرت شيئاً مما عندك من العلم الذي ورثك أبوك لتتكبر به عليَّ وتفتخر عليَّ لأقتلنك كما قتلت أخاك  واستخفى هبة الله بما عنده من العلم لينقضي دولة قابيل  ولذلك يسعنا في قومنا التقية  لأن لنا في ابن آدم أسوة  قال : فحدث هبة الله ولده بالميثاق سراً فجرت والله السنة بالوصية من هبة الله في ولده يتوارثونها عالم بعد عالم  فكانوا يفتحون الوصية كل سنة يوماً فيحدثون أن أباهم قد بشرهم بنوح عليه السلام  قال : وإن قابيل لما رأى النار التي قبلت قربان هابيل ظن قابيل إن هابيل كان يعبد تلك النار ولم يكن له علم بربه  فقال قابيل : لا أعبد النار التي عبدها هابيل  ولكن أعبد ناراً واقرب قرباناً لها  فبنى بيوت النيران ) بحار الأنوار 11  / 241.

وكذلك نوح (ع) عندما دنا أجله أمره الله تعالى أن يعيّن وصيه من بعده ويدفع إليه الوصية ومواريث الأنبياء عليهم السلام ويبشّرهم بنبوة نبي الله هود (ع).

عن أبي عبد الله (ع) قال : ( عاش نوح (ع) خمسمائة سنة بعد الطوفان ثم أتاه جبرائيل فقال : يا نوح قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك  فانظر الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة التي معك فادفعها إلى ابنك سام فاني لا أترك الأرض إلا وفيها عالم تعرف به طاعتي ويعرف به هداي ويكون نجاة فيما بين مقبض النبي ومبعث النبي الآخر ولم أكن أترك الناس بغير حجة لي  وداعٍ إلي وهادٍ إلى سبيلي وعارف بأمري  فأني قضيت أن أجعل لكل قوم هادياً أهدي به السعداء ويكون حجة لي على الأشقياء إلى أن قال : وبشّرهم نوح بهودٍ عليهما السلام وأمرهم بأتباعه وأمرهم أن يفتحوا الوصية في كل عام وينظروا فيها ويكون عيداً لهم ) إثبات الهداة 1 /  98 .

انظر أيها العاقل إلى أهمية الوصية بحيث أوصى بها آدم (ع) أن تفتح كل عام وتقرأ ويكون ذلك اليوم عيداً للمؤمنين وبشر بها بمجيء نبي الله نوح (ع). وكذلك نبي الله نوح (ع) أوصى بها بمثل ما أوصى آدم (ع) وبشر بها بنبوة هود (ع).

عن أبي عبد الله (ع)  قال : ( أوصى موسى عليه السلام إلى يوشع بن نون وأوصى يوشع إلى ولد هارون .. إلى أن قال : وبشّر موسى ويوشع بالمسيح (ع)  فلما أن بعث الله المسيح  قال المسيح إنه سوف يأتي من بعدي نبي اسمه أحمد من ولد إسماعيل  يجيء بتصديقي وتصديقكم  وعذري وعذركم . وجرت من بعده في الحواريين في المستحفظين  إنما سمّاهم الله المستحفظين لأنهم استحفظوا الاسم الأكبر  وهو الكتاب يعلم به كل شئ  الذي كان مع الأنبياء .. إلى أن قال : فلم تزل الوصية في عالم بعد عالم حتى دفعوها إلى محمد (ص)  فلما بعث الله محمدا (ص) أسلم له العقب من المستحفظين وكذّب به بنو إسرائيل (الحديث). إثبات الهداة 1 / 151 ، الكافي 1 / 325 .

وعن أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام )  قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أنا سيد النبيين  ووصيي سيد الوصيين  وأوصياؤه سادة الأوصياء  إن آدم ( عليه السلام ) سأل الله عز وجل أن يجعل له وصياً صالحاً فأوحى الله عز وجل إليه: أني أكرمت الأنبياء بالنبوة ثم اخترت خلقي وجعلت خيارهم الأوصياء. ثم أوحى الله عز وجل إليه : يا آدم  أوصِ إلى شيث  فأوصى آدم إلى شيث  وهو هبة الله بن آدم  وأوصى شيث إلى ابنه شبان ( شتبان ) وهو ابن نزلة الحوراء التي أنزلها الله على آدم من الجنة  فزوجها ابنه شيثا  وأوصى شبان إلى مجلث ( محلث)  وأوصى مجلث إلى محوق  وأوصى محوق إلى غثميشا (عثميشا)  وأوصى غثميشا إلى أخنوخ  وهو إدريس النبي ( عليه السلام )  وأوصى إدريس إلى ناحور ( ناخور ) ودفعها ناحور إلى نوح النبي ( عليه السلام )  وأوصى نوح إلى سام  وأوصى سام إلى عثامر  وأوصى عثامر إلى برعيثاشا ( برعيثاثا )  وأوصى برعيثاشا إلى يافث  وأوصى يافث إلى برة وأوصى برة إلـــى جفسيه (  جفيسه ) وأوصى جفسيه إلى عمران  ودفعها عمران إلى إبراهيم خليل الرحمن ( عليه السلام )  وأوصى إبراهيم إلى ابنه إسماعيل  وأوصى إسماعيل إلى إسحاق  وأوصى إسحاق إلى يعقوب وأوصى يعقوب إلى يوسف  وأوصى يوسف إلى بثرياء (  يثريا )  وأوصى بثرياء إلى شعيب ( عليه السلام ) ودفعها شعيب إلى موسى بن عمران ( عليه السلام ) وأوصى موسى بن عمران ( عليه السلام ) إلى يوشع بن نون  وأوصى يوشع بن نون إلى داود ( عليه السلام )  وأوصى داود ( عليه السلام ) إلى سليمان ( عليه السلام ) وأوصى سليمان ( عليه السلام ) إلى آصف بن برخيا وأوصى آصف بن برخيا إلى زكريا ( عليه السلام ) ودفعها زكريا ( عليه السلام ) إلى عيسى بن مريم ( عليه السلام ) وأوصى عيسى إلى شمعون بن حمون الصفا وأوصى شمعون إلى يحيى بن زكريا وأوصى يحيى بن زكريا إلى منذر  وأوصى منذر إلى سليمة  وأوصى سليمة إلى بردة . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ودفعها إلي بردة  وأنا أدفعها إليك يا علي  وأنت تدفعها إلى وصيك ويدفعها وصيك إلى أوصيائك من ولدك واحداً بعد واحد  حتى تدفع إلى خير أهل الأرض بعدك ولتكفرن بك الأمة  ولتختلفن عليك اختلافا شديداً الثابت عليك كالمقيم معي  والشاذ عنك في النار  والنار مثوى الكافرين ) - الأمالي- الشيخ الصدوق ص 486.

وعن ابن عباس في قول الله  تعالى : (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) قال : قضى إليه بالوصية إلى يوشع بن نون وأعلمه أنه لم يبعث نبياً إلا وقد جعل له وصياً وإني باعث نبياً عربياً وجاعل وصيه علياً . قال ابن عباس رضي الله عنه: فمن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يوصِ فقد كذب على الله وجهل نبيه وقد أخبر الله نبيه بما هو كائن إلى يوم القيامة. وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ) - تفسير فرات الكوفي- ص 316 .

وربما يقول قائل: إن بين نبي الله عيسى (ع) وبين محمد (ص) خمسمائة عام فمن الذي سلّم الوصية للرسول محمد (ص) ؟!

والجواب : إن الذي سلّم الوصية للرسول هو أبو طالب (ع) عم الرسول محمد (ص) الذي كان هو آخر مستحفظ لوصايا الأنبياء والمرسلين عليهم السلام .

عن درست بن أبي منصور انه سأل أبا الحسن الأول (ع) (أكان رسول الله (ص) محجوجاً بأبي طالب ؟ قال : لا ولكنه كان مستودعاً للوصايا فدفعها إليه عليه وآله السلام  فقلت : ودفع الوصايا إليه على أنه محجوج به ؟ فقال لو كان محجوجاً لما دفع إليه الوصية  قلت : فما كان حال أبي طالب ؟ قال : أقر بالنبي (ص) وآمن به ودفع إليه الوصايا ومات من يومه ) . إثبات الهداة 1 /  152 .

  • علي صلوات الله عليه نصر رسول الله محمد (ص) في أول بعثته فكان أول المؤمنين ثم وهو شاب صغير في العمر قدم حياته قربانا بين يدي الله سبحانه وفي كل مرة يخرج بجرح أو جروح مميتة ولكنها لا تثنيه أن يتقدم للموت مرة أخرى، قدم عبادة وإخلاصا، تصدق بكل ما يملك، بخاتمه، وبطعامه وهو صائم، وما كان ليعلم به احد لولا أن الله أنزل قرآنا يذكر فعله، كان علي صلوات الله عليه يخفي بكائه بين يدي الله سبحانه حتى على فاطمة صلوات الله عليها، علي سحق أناه ولم يطلب أن يذكر فوهبه الله حكما وعلما وفضله على العالمين.
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • رجائي أن شيعة آل محمد (ع) يصطفون تحت هذه الراية فهي راية الحق الوحيدة البارزة، والمنادية بالحق، الراية الوحيدة التي لم تداهن ولم تدخل فيما دخل فيه أهل الباطل، ومُخطأ من شيعة آل محمد (ص) من يُعوِل على هؤلاء الذين أيديهم صفرات من الدليل سواء الشرعي أم العقلي على مايدعون من وجوب تقليد ونيابة، مُخطأ من يُعوِل على هؤلاء الذين لايثقون ببعضهم بعضا وكل واحد منهم اخذ مجموعة من شيعة آل محمد (ص) وحزَّبَهم لنفسه دون أن ينصبه الله، حتى فرقوا شيعة آل محمد (ع) شيعا وجعلوهم لايكادون يلتقون حتى في تحديد يومي العيدين...
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • 1
  • 2