raya

فهرس المقال


 

الوصيّة

و

الوصي أحمد الحسن

 

 

 

 

 

 

تأليف

الشيخ ناظم العقيلي

 


الإهـــــــــداء

 

إلى المصطفى وأمه وأبيه

وإلى المرتضى وأمه وأبيه

وإلى الزهراء وأمها الزكية

وإلى كل الأنبياء والأوصياء

وآبائهم وأمهاتهم وذراريهم

الصالحين وأتباعهم المخلصين وإلى زينب الكبرى وأبي الفضل العباس (ع) أهدي هذا الجهد

المتواضع متوسلاً إلى الله تعالى

أن لا يحرمني من شفاعتهم وأن

يميتني على ولايتهم غير شاك

ولا مرتاب انه سميع مجيب.


وصية الرسول (ص) ليلة وفاته

 

عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عن أبيه الباقر عن أبيه ذي الثفنات سيد العابدين عن أبيه الحسين الزكي الشهيد عن أبيه أمير المؤمنين عليهم السلام قال : ( قال رسول الله (ص) في الليلة التي كانت فيها وفاته لعلي (ع) يا أبا الحسن أحضر صحيفة ودواة  فأملا رسول الله (ع) وصيته حتى انتهي إلى هذا الموضع فقال : يا علي انه سيكون بعدي إثنا عشر إماماً ومن بعدهم إثنا عشر مهدياً  فأنت يا علي أول الأثني عشر إمام سمّاك الله تعالى في سمائه علياً المرتضى وأمير المؤمنين والصديق الأكبر والفاروق الأعظم والمأمون والمهدي  فلا تصح هذه الأسماء لأحد غيرك يا علي أنت وصيي على أهل بيتي حيّهم وميتهم وعلى نسائي فمن ثبتها لقيتني غداًً ومن طلقتها فأنا برئ منها لم ترني ولم أرها في عرصة القيامة  وأنت خليفتي على أمتي من بعدي فإذا حضرتك الوفاة فسلّمها إلى ابني الحسن البر الوصول  فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابني الحسين الشهيد الزكي المقتول فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه سيد العابدين ذي الثفنات علي  فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد الباقر  فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه جعفر الصادق فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه موسى الكاظم فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه علي الرضا فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد الثقة التقي فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه علي الناصح  فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه الحسن الفاضل فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد  فذلك إثنا عشر إماماً ثم يكون من بعده إثناعشر مهدياً فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى إبنه أول المقربين (المهديين) له ثلاثة أسامي أسم كاسمي وأسم أبي وهو عبد الله وأحمد والاسم الثالث المهدي وهو أول المؤمنين ) الغيبة الطوسي ص107- 108

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وآله الأئمة والمهديين (ع).

تُعد الوصية الحجر الأساس لتأسيس الخلافة على هذه الأرض منذ آدم (ع) وإلى يوم القيامة وبها قامت الحجة على الناس واستدلوا على الأنبياء والأوصياء من خلالها. وقد أهتم بها الأنبياء (ع) أشد الاهتمام ولم يرحل نبي إلى ربه إلا ووضع وصيته عند وفاته ونصّب خليفته أو من يأتي بعده من الأنبياء (ع).

ولما رأيت أن هذا الموضوع المهم  لم يعط حقه من البحث  بل لم يلتفت إليه بما هو حجة ودليل لا يشوبه شك  قررت أن أخصص له بحثاً مستقلاً يحتوي على فكرة مجملة حول الوصية والأوصياء وفي الحقيقة عندما شرعت في هذا البحث وجدت نفسي في بحر من الأدلة والروايات التي تخص الوصية والتي لا أستطيع استقصائها وتسطيرها  في هذا البحث  فاضطررت إلى ترك الكثير من المواضيع المهمة  التي تخص الوصية  واقتصرت على الأهم فالأهم لكي لا يطول البحث  ويتعسر على طالب الحق الإحاطة به  وأنبه على أني قد فاتني الكثير من الأدلة والروايات لأني كتبت هذا البحث بصورة مستعجلة جداً لما أراه من ضرورة أن يصدر بأسرع وقت ممكن لكثرة فائدته لمن يطلب الحق بالحق.

وقد ابتدأت أولاً بمسألة وجوب الوصية على كل مسلم  ثم وصية آدم (ع) وهكذا حتى نبينا محمد (ص) بمقدار ما عثرت عليه في هذه العجالة وبعدها ركّزت على وصية الرسول محمد (ص) ليلة وفاته وكيفية الاحتجاج بها  وحاولت تسليط الأضواء عليها بقدر المستطاع  ثم ختمت ذلك بدراسة مفصلة حول انطباق الوصية على السيد أحمد الحسن وصي ورسول الإمام المهدي (ع) ، واليماني الموعود. وبيّنت المراد من كثير من الروايات  التي تخص ذرية الإمام المهدي (ع) وخصوصاً وصيه الأول أحمد  والربط بينه وبين شخصية اليماني  وانهما شخصية واحدة  تظهر من المشرق لا من اليمن  كما توهم البعض  إضافة إلى فوائد أخرى لم يسبق التنبيه عليها في غير هذا البحث المتواضع .

وأخيراً أسأل الله تعالى أن يغفر لي تقصيري في اعطاء هذا الموضوع حقه من الدراسة وأن يجعله خالصاً لوجهه من كل رياء وسمعة وعجب والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الأئمة والمهديين واللعنة الدائمة على منكري وصاياهم إلى يوم الدين .

 

( الوصية واجب على كل مؤمن)

 

انطلاقا من قول الرسول محمد(ص): ( كلكم راعٍٍ وكلكم مسوؤل عن رعيته ) يجب على كل مؤمن أن لا يهمل رعيته بعد وفاته، فلا بد أن يرشدهم إلى مصالحهم الدنيوية والأخروية وأن يرفدهم بما تم تحصيله خلال مراحل حياته من عقائد وأخلاق وتجارب لتـُكمل الرعية مسيرة راعيها ولا تضطر الى أن تبدأ من الصفر  وتجرب كل شيء من جديد  فليس للانسان عمرين ، حتى يجرب بالأول وينجح بالثاني  فلابد من الاستفادة من تجارب الماضين  والاعتبار بأحوالهم ، وحث الله على ذلك بقوله : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ...) .

والوصية أيضاً عند مراعاتها تمنع من الاختلاف والتناحر وتسهل على الرعية مهمتها في الحفاظ على الوحدة وصلاح العباد والبلاد.

والرعية تارة تكون العالم بأسره وتارة تكون دولة وتارة تكون عشيرة  وتارة تكون أسرة صغيرة وتارة تكون نفس الأنسان ، فإمام العالَم لابد له قبل وفاته أن يُعيَّن خليفته ويرشد الأمة إلى مسارها الصحيح ويُعين لها عقبات الدهر التي قاساها خلال حياته ، ويُبين لهم سبل الخروج منها وتجاوزها. ورئيس الدولة كذلك لا بدله من تعيين خليفته وإرشاد دولته لما فيه صلاحها…. ورب الأسرة كذلك يجب عليه أن لا يهمل أفراد عائلته ، بدون وصية يرشدهم فيها الى فضائل الأخلاق والتمسك بالدين الحنيف ونصرة الحق وأهله وكذلك يرشدهم فيها إلى ما يصلح معاشهم وينظم أمرهم  ويعطي لكل ذي حق حقه ،أضف إلى ذلك أن يوصي بما يتعلق بنفسه من واجبات وحقوق كقضاء ما في ذمته للناس من ديون ومظالم  و…و…الخ .

لأنه سيفارق الدنيا وينقطع عمله فلابد من قيام غيره مقامه لإتمام ما نقص أو لإصلاح ما فسد من أمور دينه ودنياه.

ولأجل ذلك وغيره نجد التشدد في الحث على الوصية عند و قبل الموت ووردت أحاديث وروايات كثيرة  تؤكد على ذلك ، منها :-

قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ) . وقوله تعالى: (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ .....)

وقال الإمام الصادق (ع) بعد أن ذكر قول الرسول (ص) بوجوب الوصية عند الموت قال (ع) : ( وتصديق هذا في سورة مريم قول الله تبارك وتعالى { لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً } وهذا هو العهد ) بحار الأنوار 100 /200.

وقال الرسول (ص) لعلي (ع): ( تعلمها أنت وعلمها أهل بيتك وشيعتك. قال : وقال : علمنيها جبرائيل ) بحار الأنوار 100 /200.

وقوله تعالى ) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ* أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَه مُسْلِمُون ) البقرة (132ـ133).

وعن النبي محمد (ص): (من مات ولم يوصِ مات ميتة جاهلية) وقال (ص) : (الوصية حق على  كل  مسلم)  وقال (ص) : (من مات ولم يوص فقد ختم عمله بمعصية) إثبات الهداة ج1ص143 .

وعن أبي الصباح عن أبي عبد الله (ع)  قال : ( سألته عن الوصية ، فقال : هي حق على كل مسلم) إثبات الهداةج1ص99.

وعن الإمام علي (ع): ( الوصية تمام ما نقص من الزكاة ) نفس المصدر.

 

وعن الرسول (ص): ( من مات على وصية حسنة مات شهيداً ) البحار 100 / 200.

وعنه (ص) : ( إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة فيحيف في وصيته فيختم له بعمل أهل النار  وان الرجل ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بعمل أهل الجنة ثم قرأ { ومن يتعد حدود الله } وقال : { تلك حدود الله } ) البحار 100 / 200.

وغيرها الكثير من الروايات التي أكدت على ضرورة أن يوصي الإنسان عند موته وبينت كيفية الوصية وما يوصى به.

فالشرع الحنيف لم يهمل أمر الأسرة الصغيرة وأوجب على ربها أن يوصي بها قبل وفاته، بل جعل ترك الوصية مستلزماً لموت الإنسان على الجاهلية وتكون خاتمة أعماله معصية.

وهذا يشير إلى أهمية الوصية  وانها زمام الدين والدنيا ، وانها سنّة من سنن الله تعالى في خلقه  ولن تجد لسنّة الله تحويلاً  ولن تجد لسنّة الله تبديلاً .


الوصية والإمامة

 

بعد أن عرفنا بأن الوصية حق وواجب على كل مسلم  وأن تاركها يموت ميتة جاهلية  كما ورد في الروايات ، وان كل راعٍ لابد أن يوصي برعيته ويستخلف عليهم من يدير أمورهم ، ويرشدهم لما فيه صلاحهم دنيا وآخرة ، نأتي إلى الخلافة في الأرض ، فنبيّن أولاً كيف تم تعيين أول خليفة على وجه الأرض ، ثم نبيّن كيفية استمرار هذه الخلافة  من شخص إلى آخر وبأي طريقة يكون تعيين الخليفة ؟

فعندما أراد الله تعالى إستخلاف آدم في الأرض لم يستشر أحداً ولم يوكل ذلك الاستخلاف لأحد لا إلى الملائكة ولا إلى غيرهم  بل فرض ذلك على الملائكة فرضاً وأمرهم بالسجود لآدم (ع) ، فقال تعالى : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ )البقرة الآية/30 . واعترض الملائكة على نحو الاستفهام على هذا الجعل فقالوا كما حكى الله تعالى عنهم: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) البقرة الآية/30.

وقال تعالى ) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ* فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ( الحجر (28ـ31)

وقد أقام الله تعالى الحجة على الملائكة وبيّن لهم السر في اختيار آدم (ع) لخلافة الأرض ، وانه أعلم منهم وأوسع فطرة ، وبعد ذلك تاب الملائكة من اعتراضهم على الله تعالى واستغفروا وأخذوا يطوفون بالبيت الحرام  كفارة عن إعتراضهم على تنصيب الله تعالى .

إذن مسالة الخلافة والإمامة مسألة جعل وتعيين من قبل الله تعالى لا يشركه فيها أحد ولا يمكن الاعتراض عليها  حتى على نحو الإستفهام وحتى من قبل الملائكة المقربين ، ولا يمكن أن تخضع الخلافة والإمامة  لاستشارة الخلق أوانتخابهم وانها من الأمور الخاصة بالخالق تعالى ، لأنه خالق الخلق وهو أعرف بالمصلح والمفسد منهم  فإذا عيّن أحداً للإمامة فلا يمكن أن يكون مفسداً قط ، لأنه علاّم الغيوب يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وأما الخلائق فيمكن أن يختاروا شخصاً ويعتقدوا أنه الأصلح  ثم يتبيّن أنه الأفسد لعدم احاطتهم علماً بسرائر الناس وحقائقهم ، بل وقع الخطأ في الاختيار حتى من قبل الأنبياء (ع) ، فهذا نبي الله موسى (ع)  اختار من قومه سبعين رجلاً  لميقات ربه على أنهم أفضل قومه وأصلحهم ، ثم تبيّن أنهم الأفسد حيث سألوه رؤية الله جهرة وكذبوه  فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ، وكذلك نبي الله موسى مع العبد الصالح عندما قتل الغلام فاعترض موسى (ع) ووصف الغلام بأنه نفس زكية ثم تبيّن أنه نفس كافرة خبيثة .

ونجد هذه الحقيقة واضحة وجلية  في الروايـــة الآتيــــة :

(عن سعد بن عبد الله القمي  في حديث طويل أنه سأل الإمام المهدي (ع)  وهو غلام صغير في حياة أبيه الحسن العسكري (ع) فقال : اخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار الإمام لأنفسهم ؟

قال (ع): مصلح أم مفسد ؟ قلت: مصلح، قال: فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد ؟ قلت : بلى ، قال : فهي العلّة التي أوردتها لك ببرهان يثق به عقلك ، اخبرني عن

الرسل الذين اصطفاهم الله وأنزل الكتب عليهم وأيدهم بالوحي والعصمة ، إذ هم أعلام الأمم وأهدى إلى الأختيار منهم ، مثل موسى وعيسى عليهما السلام هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذا همّا بالإختيار أن تقع خيرتهما على المنافق وهما يظنان أنه مؤمن ؟ قلت : لا ، قال : هذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلاً ممن لا يشك في إيمانهم وإخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين ، قال الله عز وجل : وأختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا ، إلى قوله : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ، فلما وجدنا اختيار من اصطفاه الله للنبوة واقعا ً على الأفسد دون الأصلح وهو يظن انه أصلح دون الأفسد علمنا ان لا اختيار إلا ممن يعلم ما تخفي الصدور وما تكن الضمائر وتنصرف عليه السرائر وان لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء (ع) على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الإصلاح ) إثبات الهداة ج1 ص115ـ116.

إذن الدليل عقلاً وشرعاً يمنع من اختيار الناس للإمام والخليفة في الأرض لجهلهم بالمصلح والمفسد حقيقة  وانهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وإن الجعل والتنصيب للإمام خاص بالله تعالى العليم الخبير البصير.

وبعد ان نصب الله تعالى آدم عليه السلام  خليفة في الأرض وقربت أيامه من النفاد وقرب رحيله إلى لقاء الله عز وجل أمره الله تعالى بأن تكون الخلافة بعده بالأختيار الإلهي أيضاً عن طريق الوصية  بأن يوصي آدم في تنصيب من عينه الله تعالى لخلافة الأرض ، وكان المختار للخلافة في بداية الأمر هو هابيل (ع) ، ولم يسلم هذا التنصيب من الاعتراض أيضاً والمعترض يومئذٍ هو قابيل (لع) أخو هابيل (ع) ولكن اعتراضه هذه المرة على نحو الرفض لا على نحو الاستفهام .

عن أبي عبد الله (ع)  قال : (…ثم أوحى الله إلى آدم أن يضع ميراث النبوة والعلم ويدفعه إلى هابيل ، ففعل ذلك فلما علم قابيل غضب وقال لأبيه : ألست أكبر من أخي وأحق بما فعلت به ؟ فقال يا بني إن الأمر بيد الله وأن الله خصه بما فعلت فإن لم تصدقني فقربا قرباناً فأيكما قبل قربانه فهو أولى بالفضل وكان القربان في ذلك الوقت تـنزل النار فتأكله . وكان قابيل صاحب زرع فقرّب قمحا ً رديئاً وكان هابيل صاحب غنم فقرّب كبشاً

سميناً فأكلت النار قربان هابيل  فأتاه إبليس فقال : يا قابيل لو ولد لكما وكثر نسلكما افتخر نسله على نسلك بما خصه به أبوك  ولقبول النار قربانه وتركها قربانك وإنك إن قتلته لم يجد أبوك بداً من أن يخصك بما دفعه إليه  فوثب قابيل إلى هابيل فقتله ... ) قصص الأنبياء  55 .

فأول من اعترض على تنصيب الله تعالى على وجه الأرض هو قابيل (لع) وظن أنه بيد الناس أي بيد آدم (ع) لا بيد الله سبحانه وعندما أخبره آدم (ع) بأن الاختيار لله لا لغيره أصَّر على معارضته إلى أن قتل أخاه هابيل (ع)  فكانت أول جريمة على الأرض بسبب الخلافة والإمامة والمجرم هو قابيل المعترض على التنصيب الإلهي التابع لهواه ونفسه الأمّارة بالسوء . ثم بعد ذلك رزق الله تعالى آدم (ع) ولداً صالحاً وهو هبة الله (ع) الذي كانت إليه الوصية بعد آدم (ع).

عن أبي عبد الله (ع)  قال : ( لما انقضت نبّوة آدم وانقطع أكله أوحى الله إليه : يا آدم انه قد انقضت نبوتك وانقطع أكلك فأنظر إلى ما عندك من العلم والايمان وميراث النبوة وآثار العلم والاسم الأعظم فاجعله في العقب من ذريتك عند هبة الله فإني لن أدع الأرض بغير عالم يعرف به الدين ويعرف به طاعتي ويكون نجاة لمن يولد ما بين قبض النبي إلى ظهور النبي الآخر ) المحاسن 1 / 235 .

إذن فالوصية من الله تعالى  ووصي النبي أو الإمام يعينه الله تعالى  ولا دخل للنبي أو الإمام في ذلك  إلا من باب التبليغ للناس  ومن ذلك نعرف أيضاً بأن كل إمام مفترض الطاعة على الناس لابد أن يكون موصى به من قبل الله تعالى عن طريق أنبياءه ورسله عليهم السلام لأن الإمام والحجة لابد أن يكون معصوماً والمعصوم لا يعرفه إلا الله تعالى فلا يُعرف إلا بنص من الله تعالى.

عن الإمام علي بن الحسين (ع)  قال : ( الإمام منّا لا يكون إلا معصوماً وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها ولذلك لا يكون إلا منصوصاً . فقيل له : يا ابن رسول الله فما معنى المعصوم ؟ فقال: هو المعتصم بحبل الله وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة والإمام يهدي إلى القرآن والقرآن يهدي إلى الإمام وذلك قول الله عز وجل : (إنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) معاني الأخبار ص 132 .

وهذه هي عقيدة الشيعة الإمامية من الرسول محمد (ص) إلى يوم القيامة  لا يقول بخلافها إلا من خرج من ولاية الله ودخل في ولاية الشيطان أعاذنا الله من ذلك.

وهاك اسمع أقوال بعض علماء الشيعة بهذا الخصوص :

قال الشيخ الصدوق (رحمه الله )  في وصف الأئمة (ع) : ( ... لا يضرهم قطع من قطعهم  ولا إدبار من أدبر عنهم  إذ كانوا من قبل الله منصوصاً عليهم على لسان نبي الله صلى الله عليه وآله ) كمال الدين وتمام النعمة ص 247.

وقال أيضاً : ( ...دللنا على أن الإمام لا يكون إلا معصوماً وأرينا أنه إذا وجبت العصمة في الإمام لم يكن بد من أن ينص النبي صلى الله عليه واله عليه لأن العصمة ليست في ظاهر الخلقة فيعرفها الخلق بالمشاهدة فواجب أن ينص عليها علاّم الغيوب تبارك وتعالى على لسان نبيه صلى الله عليه واله وذلك لأن الإمام لا يكون إلا منصوصاً عليه . وقد صح لنا النص بما بيناه من الحجج وبما رويناه من الأخبار الصحيحة... ) معاني الأخبار ص 136.

وقال الشيخ الطوسي (ره): ( ...أن يكون الإمام أعقل رعيته والمراد بالأعقل أجودهم رأياً أعلمهم بالسياسة. ويجب أن يكون على صورة غير منفرة ولا مشينة ولا يلزم أن يكون أحسن الناس وجهاً ويجب أن يكون منصوصاً عليه لما قدمناه من وجوب عصمته. ولما كانت العصمة لا تدرك حساً ولا مشاهدة ولا استدلالاً ولا تجربة ولا يعلمها إلا الله تعالى وجب أن ينص عليه ويبينه من غيره على لسان نبي... ) الاقتصاد  ص193.

وقال الشريف الرضي (ره) : ( ... لأنا نعلم ضرورة أن كل عالم من علماء الإمامية يذهب إلى أن الإمام يجب أن يكون معصوما منصوصا عليه ... ) رسائل المرتضى 2 / 367.

وبعد أن ثبت أن الإمام والحجة على الخلق  لابد أن يكون منصوصاً عليه بوصية النبي أو الإمام السابق  نؤكد مرة أخرى على أن الوصية من الله تعالى  وليس من نبي أو إمام  وان النبي أو الإمام مجرد مبلّغ للوصية عن الله تعالى لاغير  وإليك أيها القارئ بعض الروايات  التي تدل على ذلك : -

عن أبي عبد الله (ع) قال: ( أترون الموصي منّا يوصي إلى من يريد ؟! لا والله ولكن عهد من الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لرجل فرجل حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه) الكافي 1 /307.

وفي حديث طويل عن أبي عبد الله (ع) قال : ( إن الإمامة عهد من الله عز وجل معهود لرجال مسمين ليس للإمام أن يزويها عن الذي يكون من بعده إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى داود (ع) أن اتخذ وصياً من أهلك فإنه قد سبق في علمي أن لا أبعث نبياًً إلا وله وصي من أهله  وكان لداود (ع) أولاد عدة وفيهم غلام كانت أمه عند داود وكان لها محباً فدخل داود (ع) عليها حين أتاه الوحي فقال لها : إن الله عز وجل أوحى إليّّّّّّّّّ يأمرني أن أتخذ وصياًً من أهلي  فقالت له امرأته : فليكن ابني  قال : ذلك أريد . وكان السابق في علم الله المحتوم عنده أنه سليمان، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى داود : أن لا تعجل دون أن يأتيك أمري ...) الكافي 1 / 307.

وعن أبي عبد الله (ع) قال: (ما مات عالم حتى يعلّمه الله عز وجل إلى من يوصي ) الكافي 1/ 307.

( الوصية من آدم (ع) إلى نبينا محمد (ص) )

قد تبيّن مما سبق أن الوصية هي الأساس في الخلافة وبها يعرف الحجة بعد الحجة ولا يمكن لأحد أن يدعي الإمامة إذا لم يُنص عليه بوصية عن نبي أو إمام عن الله تعالى.

وبعد نبي الله آدم استمرت الوصية من وصي إلى وصي حتى وصلت إلى نبي الله نوح (ع) الذي بشّر به آدم (ع) قبل وفاته وذكره باسمه وصفاته في الوصية واستلم الوصية من آدم (ع) ابنه هبة الله (ع) كما سبق ذكره.

عن أبي جعفر (ع)  قال : قال رسول الله (ص) : إن أول وصي كان على وجه الأرض هبة الله إبن آدم  وما من نبي مضى إلا وله وصي  وكان جميع الأنبياء مائة ألف نبي وعشرين ألف نبي  منهم خمسة أولي العزم : نوح  وإبراهيم  وموسى  وعيسى ومحمد عليهم السلام  وإن علي بن أبي طالب كان هبة الله لمحمد  ووارث علم الأوصياء وعلم من كان قبله  أما أن محمداً ورث علم من كان قبله من الأنبياء والمرسلين .. (الحديث) )) إثبات الهداة 1 / 83 .

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : ( إن قابيل أتى هبة الله عليه السلام فقال : إن أبي قد أعطاك العلم الذي كان عنده  وأنا كنت أكبر منك وأحق به منك  ولكن قتلت ابنه فغضب عليَّ فآثرك بذلك العلم عليَّ  وإنك والله إن ذكرت شيئاً مما عندك من العلم الذي ورثك أبوك لتتكبر به عليَّ وتفتخر عليَّ لأقتلنك كما قتلت أخاك  واستخفى هبة الله بما عنده من العلم لينقضي دولة قابيل  ولذلك يسعنا في قومنا التقية  لأن لنا في ابن آدم أسوة  قال : فحدث هبة الله ولده بالميثاق سراً فجرت والله السنة بالوصية من هبة الله في ولده يتوارثونها عالم بعد عالم  فكانوا يفتحون الوصية كل سنة يوماً فيحدثون أن أباهم قد بشرهم بنوح عليه السلام  قال : وإن قابيل لما رأى النار التي قبلت قربان هابيل ظن قابيل إن هابيل كان يعبد تلك النار ولم يكن له علم بربه  فقال قابيل : لا أعبد النار التي عبدها هابيل  ولكن أعبد ناراً واقرب قرباناً لها  فبنى بيوت النيران ) بحار الأنوار 11  / 241.

وكذلك نوح (ع) عندما دنا أجله أمره الله تعالى أن يعيّن وصيه من بعده ويدفع إليه الوصية ومواريث الأنبياء عليهم السلام ويبشّرهم بنبوة نبي الله هود (ع).

عن أبي عبد الله (ع) قال : ( عاش نوح (ع) خمسمائة سنة بعد الطوفان ثم أتاه جبرائيل فقال : يا نوح قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك  فانظر الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة التي معك فادفعها إلى ابنك سام فاني لا أترك الأرض إلا وفيها عالم تعرف به طاعتي ويعرف به هداي ويكون نجاة فيما بين مقبض النبي ومبعث النبي الآخر ولم أكن أترك الناس بغير حجة لي  وداعٍ إلي وهادٍ إلى سبيلي وعارف بأمري  فأني قضيت أن أجعل لكل قوم هادياً أهدي به السعداء ويكون حجة لي على الأشقياء إلى أن قال : وبشّرهم نوح بهودٍ عليهما السلام وأمرهم بأتباعه وأمرهم أن يفتحوا الوصية في كل عام وينظروا فيها ويكون عيداً لهم ) إثبات الهداة 1 /  98 .

انظر أيها العاقل إلى أهمية الوصية بحيث أوصى بها آدم (ع) أن تفتح كل عام وتقرأ ويكون ذلك اليوم عيداً للمؤمنين وبشر بها بمجيء نبي الله نوح (ع). وكذلك نبي الله نوح (ع) أوصى بها بمثل ما أوصى آدم (ع) وبشر بها بنبوة هود (ع).

عن أبي عبد الله (ع)  قال : ( أوصى موسى عليه السلام إلى يوشع بن نون وأوصى يوشع إلى ولد هارون .. إلى أن قال : وبشّر موسى ويوشع بالمسيح (ع)  فلما أن بعث الله المسيح  قال المسيح إنه سوف يأتي من بعدي نبي اسمه أحمد من ولد إسماعيل  يجيء بتصديقي وتصديقكم  وعذري وعذركم . وجرت من بعده في الحواريين في المستحفظين  إنما سمّاهم الله المستحفظين لأنهم استحفظوا الاسم الأكبر  وهو الكتاب يعلم به كل شئ  الذي كان مع الأنبياء .. إلى أن قال : فلم تزل الوصية في عالم بعد عالم حتى دفعوها إلى محمد (ص)  فلما بعث الله محمدا (ص) أسلم له العقب من المستحفظين وكذّب به بنو إسرائيل (الحديث). إثبات الهداة 1 / 151 ، الكافي 1 / 325 .

وعن أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام )  قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أنا سيد النبيين  ووصيي سيد الوصيين  وأوصياؤه سادة الأوصياء  إن آدم ( عليه السلام ) سأل الله عز وجل أن يجعل له وصياً صالحاً فأوحى الله عز وجل إليه: أني أكرمت الأنبياء بالنبوة ثم اخترت خلقي وجعلت خيارهم الأوصياء. ثم أوحى الله عز وجل إليه : يا آدم  أوصِ إلى شيث  فأوصى آدم إلى شيث  وهو هبة الله بن آدم  وأوصى شيث إلى ابنه شبان ( شتبان ) وهو ابن نزلة الحوراء التي أنزلها الله على آدم من الجنة  فزوجها ابنه شيثا  وأوصى شبان إلى مجلث ( محلث)  وأوصى مجلث إلى محوق  وأوصى محوق إلى غثميشا (عثميشا)  وأوصى غثميشا إلى أخنوخ  وهو إدريس النبي ( عليه السلام )  وأوصى إدريس إلى ناحور ( ناخور ) ودفعها ناحور إلى نوح النبي ( عليه السلام )  وأوصى نوح إلى سام  وأوصى سام إلى عثامر  وأوصى عثامر إلى برعيثاشا ( برعيثاثا )  وأوصى برعيثاشا إلى يافث  وأوصى يافث إلى برة وأوصى برة إلـــى جفسيه (  جفيسه ) وأوصى جفسيه إلى عمران  ودفعها عمران إلى إبراهيم خليل الرحمن ( عليه السلام )  وأوصى إبراهيم إلى ابنه إسماعيل  وأوصى إسماعيل إلى إسحاق  وأوصى إسحاق إلى يعقوب وأوصى يعقوب إلى يوسف  وأوصى يوسف إلى بثرياء (  يثريا )  وأوصى بثرياء إلى شعيب ( عليه السلام ) ودفعها شعيب إلى موسى بن عمران ( عليه السلام ) وأوصى موسى بن عمران ( عليه السلام ) إلى يوشع بن نون  وأوصى يوشع بن نون إلى داود ( عليه السلام )  وأوصى داود ( عليه السلام ) إلى سليمان ( عليه السلام ) وأوصى سليمان ( عليه السلام ) إلى آصف بن برخيا وأوصى آصف بن برخيا إلى زكريا ( عليه السلام ) ودفعها زكريا ( عليه السلام ) إلى عيسى بن مريم ( عليه السلام ) وأوصى عيسى إلى شمعون بن حمون الصفا وأوصى شمعون إلى يحيى بن زكريا وأوصى يحيى بن زكريا إلى منذر  وأوصى منذر إلى سليمة  وأوصى سليمة إلى بردة . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ودفعها إلي بردة  وأنا أدفعها إليك يا علي  وأنت تدفعها إلى وصيك ويدفعها وصيك إلى أوصيائك من ولدك واحداً بعد واحد  حتى تدفع إلى خير أهل الأرض بعدك ولتكفرن بك الأمة  ولتختلفن عليك اختلافا شديداً الثابت عليك كالمقيم معي  والشاذ عنك في النار  والنار مثوى الكافرين ) - الأمالي- الشيخ الصدوق ص 486.

وعن ابن عباس في قول الله  تعالى : (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) قال : قضى إليه بالوصية إلى يوشع بن نون وأعلمه أنه لم يبعث نبياً إلا وقد جعل له وصياً وإني باعث نبياً عربياً وجاعل وصيه علياً . قال ابن عباس رضي الله عنه: فمن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يوصِ فقد كذب على الله وجهل نبيه وقد أخبر الله نبيه بما هو كائن إلى يوم القيامة. وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ) - تفسير فرات الكوفي- ص 316 .

وربما يقول قائل: إن بين نبي الله عيسى (ع) وبين محمد (ص) خمسمائة عام فمن الذي سلّم الوصية للرسول محمد (ص) ؟!

والجواب : إن الذي سلّم الوصية للرسول هو أبو طالب (ع) عم الرسول محمد (ص) الذي كان هو آخر مستحفظ لوصايا الأنبياء والمرسلين عليهم السلام .

عن درست بن أبي منصور انه سأل أبا الحسن الأول (ع) (أكان رسول الله (ص) محجوجاً بأبي طالب ؟ قال : لا ولكنه كان مستودعاً للوصايا فدفعها إليه عليه وآله السلام  فقلت : ودفع الوصايا إليه على أنه محجوج به ؟ فقال لو كان محجوجاً لما دفع إليه الوصية  قلت : فما كان حال أبي طالب ؟ قال : أقر بالنبي (ص) وآمن به ودفع إليه الوصايا ومات من يومه ) . إثبات الهداة 1 /  152 .


( وصايا الأنبياء بالنبي محمد (ص) )

قال الله تعالى : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيل ) ِ

وقال تعالى (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) الفتح29

وقال سبحانه وتعالى : (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) الصف6.

كل الأنبياء والرسل (ع) بشّروا بنبوة النبي محمد (ص) وإمامة أوصياءه من بعده بل لم يـُبعث نبي إلا أن يؤخذ عليه الإقرار بنبوة محمد (ص) وإمامة أوصياءه من بعده إلى يوم القيامة وقد نجا الأنبياء من الشدائد والمحن  بفضل محمد وآل محمد عليهم السلام .

عن الإمام علي (ع) في حديث : ( ... لقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا لمحمد (ص).. ) الكافي 1 / 220.

والخوض في فضل محمد وآل محمد (ص) لا تسعه المجلدات فلذلك سأختصر على بعض الروايات والأخبار التي تُبيّن وصية الأنبياء بالرسول محمد (ص) وآل بيته (ع):

عن الإمام الكاظم (ع)  في حديث طويل في اسلام سلمان الفارسي (ع) قال : ( ... إلى أن قال سلمان : فقمت فأخذت الكتاب فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد من الله إلى آدم أنه خالق من صلبه نبياً يقال له محمد (ص) يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن عبادة الأوثان ياروزب آيت وصي عيسى فآمن وأترك المجوسية ... ) إثبات الهداة 1 / 171 ـ172.

وعن بكر بن عبد الله الأشجعي عن آبائه قالوا : خرج سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وعبد مناة بن كنانة  نوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن  يعمر بن نعامة بن عدي تجاراً إلى الشام فلقيهما أبو المويهب الراهب  فقال لهما : من أنتما  قالا : نحن تجار من أهل الحرم من قريش  فقال لهما : من أي قريش  فأخبراه  فقال لهما : هل قدم معكما من قريش غيركما  قالا : نعم شاب من بني هاشم اسمه محمد  فقال أبو المويهب  إياه والله أردت  فقالا : والله ما في قريش أخمل ذكراً منه إنما يسمونه يتيم قريش وهو أجير أمرأة منا يقال لها : خديجة  فما حاجتك إليه  فأخذ يحرك رأسه ويقول : هو هو  فقال لهما : تدلاني عليه  فقالا : تركناه في سوق بصرى  فبينما هم في الكلام إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : هو هذا  فخلا به ساعة يناجيه ويكلمه  ثم أخذ يقبل بين عينيه وأخرج شيئاً من كمه لا ندري ما هو ورسول الله صلى الله عليه وآله يأبى أن يقبله  فلما فارقه قال لنا : تسمعان مني هذا والله نبي آخر الزمان  والله سيخرج قريب فيدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإذا رأيتم ذلك فاتبعوه  ثم قال : هل ولد لعمه أبي طالب ولد يقال له علي  فقلنا : لا قال : إما أن يكون قد ولد أو يولد في سنته هو أول من يؤمن به  نعرفه  وإنا لنجد صفته عندنا بالوصية كما نجد صفة محمد بالنبوة  وإنه سيد العرب وربانيها وذو قرنيها  يعطى السيف حقه  اسمه في الملا الأعلى علي  هو أعلى الخلائق بعد الأنبياء ذكراً  وتسميه الملائكة البطل الأزهر المفلج  لا يتوجه إلى وجه إلا أفلج وظفر  والله لهو أعرف بين أصحابه في السماء من الشمس الطالعة ) كمال الدين وتمام النعمة ص190.

وعن محمد بن المكندر عن أبيه عن جده قال : لما قدم السيد والعاقب أسقفا نجران في سبعين راكبا" وفدا على النبي (ص)  فبينا نحن نسير وصاحب نفقاتهم إذا عثر بغلته  فقال : تعس من نائية يعني النبي (ص) فقال له صاحبه وهو العاقب : أخطأت  قال : ولـِمَ ذلك ؟ قال : لأنك أتعست النبي أحمد (ص)  قال : وما علمك بنبّوته ؟ قال أما تقرأ من المفتاح الرابع من الوحي إلى المسيح : أن قل لبني إسرائيل أجهلكم تستطيبون بالطيب لتطيبوا به في الدنيا وعند أهلها  وأجوافكم عندي كجيفة الميتة  يابني إسرائيل آمنوا برسولي النبي الأمي الذي يكون في آخر الزمان صاحب الوجه الأقمر والجمل الأحمر  المشرّب بالنور ذي الثبات الحسن  والثياب الخشن  إلى أن قال : هو أحمد محمد رسولي إلى الخلق كافة وأقربهم مني منزلة ... ( الحديث ) . إثبات الهداة 1 / 200.

وعنهم (ع) في مناجاة الله تعالى لعيسى (ع) وهي طويلة منها: (.. ثم أوصيك يا ابن مريم البكر البتول بسيد المرسلين وحبيبي فهو أحمد صاحب الجمل الأحمر والوجه الأقمر ... (إلى أن قال تعالى ) : أن تخبر به بني إسرائيل وتأمرهم أن يصدقوا به وأن يؤمنوا به وأن يتبعوه وأن ينصروه ... ( إلى أن قال تعالى ) : يا عيسى دينه الحنفية وقبلته يمانية وهو من حزبي وأنا معه فطوبى له ثم طوبى له  (الحديث) ) الكافي 8 / 139 .

وعن سليم بن قيس الهلالي في حديث طويل  : إن رجلاً ديرانياً من نسل حواريّ عيسى جاء إلى أمير المؤمنين (ع) وذكر أن عنده كتبا ً بخط أبيه وإملاء عيسى (ع) وذكر مما فيها شيئاً كثيراً من جملته : ان الله تبارك وتعالى يبعث رجلاً من العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الله  من أرض يقال لها تهامة من قرية يقال لها مكة وذكر من مولده ومبعثه ومهاجره إلى أن قال : أحمد رسول الله وأسمه محمد وعبد الله والفتاح ويس والخاتم والحاشر والماحي والقايد ونبي الله وصفي الله وحبيب الله ... (الحديث) ) كتاب سليم ابن قيس ص253.

وعن الرضا (ع) قال: (( كان في الكنز الذي قال الله تعالى: وكان تحته كنز لهما لوح من الذهب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم لا اله إلا الله محمد رسول الله عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ؟.... (الحديث) ) بحار الأنوار 13 / 294.

وروي إن آدم (ع) قال : ( اني لسيد البشر يوم القيامة إلا رجل من ذريتي نبي من الأنبياء يقال له أحمد... (الحديث) ) الذرية الطاهرة النبوية ص 38 .

وعن أبي عبد الله (ع) قال : ( نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى يقول الله تبارك وتعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ) يعني رسول الله (ص) (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ) لأن الله عز وجل قد أنزل عليهم في التوراة والانجيل والزبور صفة محمد (ص) وصفة أصحابه ومبعثه ومهاجره وهو قـوله ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ) فهذه صفة رسول الله (ص) في التوراة والإنجيل  وصفة أصحابه  فلما بعثه الله عز وجل عرفه أهل الكتاب كما قال جل جلاله : (فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ) فكانت اليهود يقولون للعرب قبل مجيء النبي (ص) : أيها العرب هذا أوان نبي يخرج بمكة ويكون مهاجره بالمدينة  وهو آخر الأنبياء وأفضلهم في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة يلبس الشملة ويجتزي بالكسر والتميرات  ويركب الحمار العرية وهو الضحوك القتال يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر وليقتلنكم يا معاشر العرب قتل عاد  فلما بعث الله نبيه بهذه الصفة حسدوه وكفروا به (فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ) ـ الحديث ـ ) إثبات الهداة 1 / 199 .

وعن ابن عباس : إن رجلاً من اليهود سأل النبي (ص) عن الأئمة فأخبره فأسلم  وقال : لقد وجدت هذا في الكتب المتقدمة وفيما عهده إلينا موسى بن عمران (ع) : إنه إذا كان في آخر الزمان يخرج نبي يقال له أحمد خاتم الأنبياء لا نبي من بعده  يخرج من صلبه أئمة أبرار عدد الأسباط )) إثبات الهداة 1 / 182 .

وفي تفسير قوله تعالى : (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ) عن أبي جعفر الباقر (ع) أنه قال : كان قوم من اليهود ليسوا من المعاندين المتواطئين إذا لقوا المسلمين حدثوهم بما في التوراة من صفة محمد (ص) فنهاهم كبرائهم عن ذلك وقالوا : لا تخبروهم بما في التوراة من صفة محمد (ص) فيحاجوكم به عند ربكم فنزلت الآية ) إثبات الهداة 1/184.

وفي تفسيرقوله تعالى ( وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ ) عن ابن عباس قال : كانت اليهود يستفتحون أي يستنصرون على الأوس والخزرج برسول الله (ص) قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب ولم يكن من بني إسرائيل كفروا به وجحدوا ما كان يقولونه فيه  فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور : يا معشر اليهود اتقوا الله فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد (ص) ونحن أهل الشرك وتصفونه وتذكرون أنه مبعوث  فقال سلام بن مشكم : ماجائنا بشيء نعرفه  وما و بالذي كنا نذكره لكم  فأنزل الله تعالى هذه الآية ) إثبات الهداة 1/185 .

وعن الرضا (ع) في محاججته مع جاثليق النصارى ورأس الجالوت وهي طويلة نأخذ طرفاً منها : ( ... قال الجاثليق : صفه  قال : لا أصفه إلا بما وصفه الله  هو صاحب الناقة والعصا والكسـاء ( النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) يهدي إلى الطريق الأفضل والمنهاج الأعدل والصراط الأقوم سألتك يا جاثليق بحق عيسى روح الله وكلمته هل تجد هذه الصفة في الأنجيل لهذا النبي  ؟ فأطرق الجاثليق ملياً وعلم إنه إن جحد الإنجيل فقد كفر  فقال : نعم هذه الصفة في الإنجيل وقد ذكر عيسى في الإنجيل هذا النبي (ص) وقد صح في الإنجيل فأقررت بما فيه صفة محمد (ص) . فقال فخد عليّ في السفر الثاني فأني أوجدك ذكره وذكر وصيه وذكر إبنته فاطمة وذكر الحسن والحسين عليهم السلام . فلما سمع الجاثليق ورأس الجالوت ذلك علما أن الرضا (ع) عالم بالتوراة والإنجيل فقالا : والله لقد أتى بما لا يمكننا رده ولا دفعه إلا بجحود الإنجيل والتوراة والزبور  وقد بشّر به موسى وعيسى عليهما السلام جميعا ً  ولكن لم يتقرر عندنا بالصحة إنه محمد هذا  فأما إسمه محمد فلا يصح لنا أن نقر لكم بنبوته ونحن شاكون إنه محمدكم . فقال الرضا (ع) : إحتججتم بالشك فهل بعث الله من قبل أو من بعد من آدم إلى يومنا هذا نبيا ًإسمه محمد ؟

وتجدونه في شئ من الكتب التي أنزلها على جميع الأنبياء غير محمد ؟ فأحجموا عن جوابه (الحديث) ) إثبات الهداة 1 / 194-195 .

ومن كلام الإمام الرضا (ع)  يتبيّن أنه ما دام أن النبي محمد (ص)  مبشّر به من قبل الله تعالى  ولم يأت ذلك المبشر به  إلا في زمن نبينا محمد (ص)  فلا يسوغ التشكيك به والاعتراض عليه  وهذه المسألة تنفعنا في مستقبل البحث عند مناقشة مسألة أول المؤمنين من ذرية الإمام المهدي (ع) .

وأكتفي بهذا المقدار  وإلا فالبشارات والروايات عن ذكر محمد (ص) في الكتب القديمة  تبلغ المئات ولا يسع استقصائها  في هذا البحث المختصر . وهذا المقدار يكفي اللبيب  في اثبات دور الوصية وأهميتها  وأنها أهم الدلائل على صاحب الحق  وبها يعرف المحق من المبطل .


 

( هل أوصى الرسول محمد (ص) أم لا  ؟ )

لا شك أن الرسول محمد (ص) هو القدوة والمثل الأعلى  فلا يقول ما لا يفعل (وحاشاه)  ولقد سمعنا الآيات والروايات الكثيرة الواردة عن الرسول محمد (ص)  بوجوب الوصية وان من مات ولم يوصِ مات ميتة جاهلية  وختم عمله بمعصية  فهل يعقل أن يموت الرسول (ص) ولا يوصي إلى أمته . وهل يعقل  أن يوجب الله تعالى على ربّ الأسرة  أن يوصي بأسرته  وما عليه وما له  ولا يوجب على الرسول (ص) الوصية  لهذه الأمة الإسلامية التي هي خاتمة الأمم  ليرفع عنها الاختلاف والتناحر  الذي أدى إلى الاقتتال  فيما بين الفرق الإسلامية .

وقال ابن شهر آشوب  حول هذا الموضوع :  ( في انه  الإمام علي  عليه السلام الوصي والولي لا يجوز أن يمضي رسول الله صلى الله عليه وآله بلا وصي  لقوله تعالى: (كتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ...  الآيات ) ولقوله عليه السلام : من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية وقال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ... الآية) ولأن الأنبياء كلهم مضوا بالوصية وقال الله تعالى فبهديهم اقتده) مناقب آل أبي طالب  2 / 246.

ولم ينكر الوصية عن رسول (ص)  إلا أبناء العامة  حيث ادّعوا أن الرسول (ص) مات ولم يوصِ لأحد  ولم ينصب أحداً للخلافة على الأمة  وترك الأمة هملاً بلا راعٍ  وعلى الأمة أن تختار قيّماً عليها بالتشاور (الانتخابات)

وعند التحقيق ولو بنظرة عابرة على سيرة الرسول (ص) يتبيّن ضعف حجة أبناء العامة وإن الرسول محمد (ص) لابد أنه قد أوصى ولا يمكن أن يترك الأمة بلا وصي عليها يرعى مصالحها ويقودها لما فيه نجاتها دنيا وآخرة.

والأحاديث التي تنص على أن رسول الله (ص) قد أستخلف على أمته  كثيرة جدا" بحيث لا يمكن أن يتسع لها المجال هنا  ومن الطريقين الشيعة والسنة  كالحديث المشهور (حديث الغدير )  ومن شاء التفصيل  فليراجع كتاب المراجعات  للسيد عبد الحسين شرف الدين  وليراجع أيضا ً  مؤلفات محمد التيجاني  في هذا المجال .

وأريد أن أؤكد على مسألة مهمة  وباختصار  وهي : إذا كان الرسول محمد (ص) مات ولم يوصِ  ولم يستخلف على أمته أحدا ً  فهذه سنّة يجب الاقتداء بها والسير عليها ، بينما نجد إن أول من خالف هذه السنّة ـ على فرضهم ـ   هو أبو بكر وعمر بن الخطاب  حيث ان أبا بكر عندما حضرته الوفاة  أوصى بالخلافة لعمر بن الخطاب  وكذلك عمر  أوصى وبيّن الطريق لمن بعده .

فهنا ثلاثة احتمالات :-

أ ـ اما أن يكون الرسول (ص) مخطئا ً (وحاشاه)  عندما لم يوصِ  ولم يعيّن الخليفة من بعده  وأراد أبو بكر وعمر تصحيح هذا الخطأ  وتشريع الوصية  وهذا الاحتمال لا يقول به إلا كافر زنديق .

ب- واما أن يكون الرسول (ص) قد أصاب ولم يستخلف على الأمة أحداً وعلى هذا الفرض  يجب على أبي بكر وعمر أن يقتديا برسول (ص)  وأن لا يوصيا لأحد بعد وفاتهما  وبما أنهما قد أوصيا  فقد خالفا رسول الله (ص)  وغيّرا سنته  فكيف يكون العاصي للرسول (ص)  إماما ً على الأمة وقيّما ً عليها ؟!!

جـ - واما أن يكون رسول الله (ص)  قد أوصى واستخلف على الأمة وقد تبعه أبو بكر وعمر واقتديا به وأوصيا عند مماتهما وهذا احتمال جيد أفضل من سابقيه  ولكن أين هي وصية الرسول محمد (ص)  وإلى من أوصى ؟؟! مع إن أبناء العامة يقولون بأن الرسول (ص) لم يوصِ  فلم يبقَ لهم إلا احتمالان أما الأول وأما الثاني وعلى كلاهما فهم محجوجون ولا يمكن لهم إقامة البرهان ولا يستقيم لهم بيان  والحق أن الرسول (ص) قد أوصى قبل وفاته  وفي ليلة وفاته لعلي بن أبي طالب (ع) ونصبه خليفة على الأمة من بعده .

عن أبي جعفر الثاني ـ الجواد ـ (ع) في حديث طويل  قال: (ولا يستخلف رسول الله (ص) إلا من يحكم بحكمه وإلا من يكون مثله إلا النبّوة  وإن كان رسول الله (ص) لم يستخلف في علمه أحدا ً فقد ضيّع من في أصلاب الرجال ممن يكون بعده ...  إلى أن قال : لابد من سيد يتحاكمون إليه  ثم قال : أبى الله بعد محمد (ص) أن يترك العباد لا حجة عليهم  قال السائل : أرأيت أن قالوا حجة الله القرآن  قال : إذاً أقول لهم إن القرآن ليس بناطق يأمر وينهى  ولكن للقرآن أهل يأمرون وينهون إلى أن قال : فقد أبى الله أن يصيب عبداً بمصيبة في دينه أو في نفسه أو في ماله ليس في أرضه من حكمه قاضٍ بالصواب في تلك المصيبة...  إلى أن قال: فكذلك لم يمت محمد (ص) إلا وله بعيث نذير  فإن قلت لا فقد ضيّع رسول الله (ص) من في أصلاب الرجال من أمته . قال: وما يكفيهم القرآن قال: بلى لو وجدوا له مفسراًً قال : وما فسره رسول الله (ص)  قال : بلى قد فسره لرجل واحد  وفسر للأمة شأن ذلك الرجل  وهو علي بن أبي طالب عليه السلام  إلى أن قال : وأيم الله ما مات آدم إلا وله وصي وكل من بعد آدم من الأنبياء قد أتاه الأمر فيها يعني ليلة القدر ووضع الوصية من بعده  وأيم الله إن كان النبي ليؤمر فيما يأتيه من الأمر في تلك الليلة من لدن آدم إلى محمد (ص) أن أوصي إلى فلان ) إثبات الهداة 1/89-99.

إذن فالقول بأن الرسول محمد (ص)  لم يوصِ ولم يستخلف على الأمة أحداً يستلزم الخدش في شخصية الرسول محمد (ص) وحاشاه من الخدش  وهو الرسول الكريم الرحيم  الذي لم ينفك لحظة واحدة  عن التفكير بمصير أمته  وما تؤول إليه  فكيف يرحل ويتركها بدون وصي  يكون حجة لله على الناس  لكي لا يكون للناس على الله حجة .

وقد قال السيد عبد الحسين شرف الدين في المراجعات رداً على قول عائشة : بأن الرسول (ص) مات في حجرها  ولم يوص لعلي (ع) ليلة وفاته  فقال : ( ... وقد قال الله عز وجل مخاطبا لنبيه الكريم في محكم كتابه الحكيم: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ) فهل كانت أم المؤمنين تراه صلى الله عليه وآله  لكتاب الله مخالفاً وعن أحكامه صادفاً معاذ الله وحاشا لله  بل كانت تراه يقتفي أثره  ويتبع سوره  سباقاً إلى التعبد بأوامره ونواهيه  بالغاً كل غاية من غايات التعبد بجميع ما فيه  ولا أشك في أنها سمعته يقول : ( ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ) . أو سمعت نحواً من هذا  فإن أوامره الشديدة بالوصية مما لا ريب في صدوره منه  ولا يجوز عليه ولا على غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين  أن يأمروا بالشيء  ثم لا يأتمرون به أو يزجروا عن الشيء  ثم لا ينزجرون عنه  تعالى الله عن إرسال من هذا شأنه علواً كبيراً . أما ما رواه مسلم وغيره عن عائشة إذ قالت : ما ترك رسول الله ديناراً ولا درهماً  ولا شاة ولا بعيراً ولا أوصى بشيء  فإنما هو كسابقه  على أنه يصح أن يكون مرادها أنه ما ترك شيئاً على التحقيق  وأنه إنما كان صفراً من كل شئ يوصي به  نعم لم يترك من حطام الدنيا ما يتركه أهلها  إذ كان أزهد العالمين فيها  وقد لحق بربه عز وجل وهو مشغول الذمة بدين وعدات  وعنده أمانات تستوجب الوصية  وترك مما يملكه شيئاً يقوم بوفاء دينه  وإنجاز عداته ويفضل عنهما شئ يسير لوارثه  بدليل ما صح من مطالبة الزهراء عليها السلام بإرثها. على أن رسول الله صلى الله عليه وآله  قد ترك من الأشياء المستوجبة للوصية ما لم يتركه أحد من العالمين وحسبك أنه ترك دين الله القويم في بدء فطرته وأول نشأته  ولهو أحوج إلى الوصي من الذهب والفضة  والدار والعقار  والحرث والأنعام  وان الأمة بأسرها ليتاماه وأياماه  المضطرون إلى وصيه ليقوم مقامه في ولاية أمورهم  وإدارة شؤونهم الدينية والدنيوية ويستحيل على رسول الله صلى الله عليه وآله  أن يوكل دين الله - وهو في مهد نشأته - إلى الأهواء... ) المراجعات ص 320.

وفي قول السيد شرف الدين كفاية لمن قصد الحق بصدق  وأما من رفض هذا القول  فهو من أتباع عائشة وعمر ونضائرهما  الذين يسعون جاهدين  لإنكار وصية الرسول محمد (ص) ليلة وفاته  لأنها لا تنسجم مع أغراضهم الدنيوية الرخيصة  وما بعد الحق إلا الضلال المبين .

وقد تعمدت الاختصار في هذا الموضوع  لوضوحه وبداهته  فلا حاجة للإطناب فيه .


( متى تكون الوصية  )

قال تعالى ( وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ* أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) البقرة 132ـ133

وقال تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) وقال تعالى: (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ... ) .

نصت آيات وروايات كثيرة على أن الوصية عند الموت، فإذا حضر المؤمن الموت واجتمع عليه أهله وأحباؤه  فعليه أن يوصي لهم وينصحهم النصيحة الأخيرة  نعم ربما تكون الوصية قبل الموت  وأن يكون الانسان قد كتب وصيته ، خوفاً من مفاجئة الموت أو أن يموت الانسان بقتل أو حرق أو غرق ولكن إن مات الانسان موتة طبيعية ، فعليه الوصية عند موته ليكون ذلك آخر كلام له في آخر لحظات حياته ويكون آخر ما يقرره ويثبته في الوصية وربما تكون الحكمة من ذلك هو اختلاف أحوال الانسان وتبدل قراراته  فعند الموت يكون أمام الأمر الواقع  فيوصي بما أستقر عليه أمره وصية مودع لا رجعة له وحتى لا يدعي أحد بأن الموصي قد غيّر وصيته خلال حياته  فيقال له : بأنه قد أوصى في آخر حياته وعند موته وهي آخر كلام سمع منه فمتى غيّرها !!

وهذا ما أكدت عليه روايات كثيرة عن الرسول محمد (ص)  وأهل بيته الطاهرين :

عن الصادق (ع) ، في تفسير قوله تعالى( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) قال : يعني يوصي الإمام إلى إمام عند وفاته ) إثبات الهداة 1 /143 .

وعن أبي عبد الله الصادق (ع)  قال : ( قال رسول الله (ص) : من لم يحسن وصيته عند الموت كان نقصاً في مروءته وعقله  قيل يا رسول وكيف يوصي  قال : إذا حضرته الوفاة واجتمع الناس إليه قال : ... (الحديث) ) الفقيه 4/ 188.

وعن الصادق (ع) أيضاً قال : ( ما من ميت يحضره الموت إلا رد عليه من بصره وسمعه وعقله للوصية آخذ للوصية أو تارك وهي الراحة التي يقال لها راحة الموت فهي حق على كل مسلم ) إثبات الهداة 1 /90 .

وعن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : ( من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرث  فقد ختم عمله بمعصية ) ـ النهاية- الشيخ الطوسي ص 605.

وعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : وصى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليا ( عليه السلام ) عند موته فقال : يا علي لا يظلم الفلاحون بحضرتك ولا يزداد على أرض وضعت عليها ولا سخرة على مسلم يعني الأجير ) -  الكافي - الشيخ الكليني  5 /  284 .

وعن جعفر بن محمد (ع) أنه قيل له : (إن أعين مولاك لما احتضر اشتد نزاعه ثم أفاق حتى ظننا أنه قد استراح ثم مات بعد ذلك . فقال (ع) : تلك راحة الموت . أما إنه ما من ميت يموت حتى يرد الله عز وجل عليه من عقله وسمعه وبصره . وعدد أشياء للوصية  أخذ أو ترك) -  دعائم الاسلام - القاضي النعمان المغربي  2 / 345.

وعن أمير المؤمنين (ع)  أنه قال : ( ينبغي لمن أحس بالموت أن يعهد عهده ويجدد وصيته . قيل : وكيف يوصي يا أمير المؤمنين  قال يقول : بسم الله الرحمن الرحيم  شهادة  من الله شهد به فلان بن فلان : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم  اللهم من عندك وإليك وفي قبضتك ومنتهى قدرتك ....) -  دعائم الإسلام - القاضي النعمان المغربي  2 / 346

وعن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ( عليهما السلام )  قال: (....... وكان ( صلى الله عليه وآله ) يلبس من القلانس اليمنية والبيضاء والمضربة ذات الأذنين في الحرب وكانت له عنزة يتكئ عليها ويخرجها في العيدين  فيخطب بها  وكان له قضيب يقال له الممشوق  وكان له فسطاط يسمى الكن  وكانت له قصعة تسمى المنبعة  وكان له قعب يسمى الري  وكان له فرسان  يقال لأحدهما : المرتجز  وللآخر : السكب  وكانت له بغلتان  يقال لأحدهما : دلدل  وللأخرى : الشهباء  وكانت له ناقتان  يقال لأحدهما : العضباء  وللأخرى : الجدعاء  وكان له سيفان  يقال لأحدهما : ذو الفقار  وللآخر : العون  وكان له سيفان آخران  يقال لأحدهما : المخذم  وللآخر : الرسوم  وكان له حمار يسمى يعفور  وكانت له عمامة تسمى السحاب  وكانت له درع تسمى ذات الفضول  لها ثلاث حلقات فضة : حلقة بين يديها  وحلقتان خلفها  وكانت له راية تسمى العقاب  وكان له بعير يحمل عليه يقال له : الديباج  وكان له لواء يسمى المعلوم  وكان له مغفر يقال له : الأسعد. فسلم ذلك كله إلى علي (عليه السلام ) عند موته  وأخرج خاتمه وجعله في إصبعه ...) الأمالي للشيخ الصدوق ص 129.

وعن يونس بن يعقوب  قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : ( ان أبي أوصاني عند الموت يا جعفر كفني في ثوب كذا وكذا وثوب كذا وكذا واشتر لي برداً واحداً وعمامة وأجدهما فان الموتى يتباهون بأكفانهم ) - تهذيب الأحكام - الشيخ الطوسي  1 / 449 .

ومن وصية الرسول (ص)  أنه قال : ( يا علي من لم يحسن وصيته عند موته كان نقصاً في مروءته ولم يملك الشفاعة ) من لا يحضره الفقيه 4/352.

 

وعن أمير المؤمنين (ع) قال : ( ... رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ عند موته بيدي ففتح لي ألف باب من العلم تنفتح من كل باب ألف باب... ) الفضائل- شاذان بن جبرئيل القمي ص142.

فانظر أيها العاقل بعين الانصاف  إلى هذه النصوص الشريفة  التي تنص على وجوب الوصية عند الموت  أي عندما تحظر الوفاة  لتعرف أن الذين ينفون وصية رسول الله عند الوفاة (ليلة الوفاة)  قد اتهموا الرسول (ص) بأنه يقول ما لا يفعل  وأنه خالف نص القرآن الكريم (وحاشاه)  لأن الرسول (ص) قال  كما سبق  : (من لم يحسن وصيته عند الموت كان نقصاً في مروءته وعقله )  وقال الإمام علي (ع) : ( ينبغي لمن أحس بالموت أن يعهد عهده ويجدد وصيته ...) وغيرها من الأحاديث التي تنص على أن من مات ولم يوص مات ميتة جاهلية وختم عمله بمعصية ولا يملك الشفاعة لأحد وأضف إلى ذلك قول   الله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ) وقوله تعالى  : ( يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) وأنبه على أن الوصية الواجبة  المذكورة في الآيتين والروايات السابقة الذكرهي الوصية عندما تحضر الوفاة بالخصوص  بدليل قوله تعالى : (إذا حضر أحدكم الموت)   وتأكيد الروايات على كلمة : (عند الموت)  فلابد أن يكون الرسول محمد (ص)  قد أوصى في الليلة التي كانت فيها وفاته .

وهذا ما حصل أيضاً  مع نبي الله آدم (ع)  فقد أوحى الله تعالى إليه  أن يوصي عندما انقضت أيامه وحانت وفاته .

عن أبي عبد الله (ع) قال : (لما انقضت نبّوة آدم وأنقطع أكله أوحى الله إليه : يا آدم انه قد انقضت نبوتك وأنقطع أكلك فأنظر إلى ما عندك من العلم والأيمان وميراث النبوة وآثار العلم والاسم الأعظم فأجعله في العقب من ذريتك عند هبة الله .. (الحديث) ) المحاسن 1 /235 .

وكذلك نبي الله نوح (ع)  عن الإمام الصادق (ع)  قال : ( عاش نوح (ع) خمسمائة سنة بعد الطوفان  ثم أتاه جبرئيل فقال : يا نوح قد قضيت نبوتك استكملت أيامك  فأنظر الاسم الأعظم وميراث العلم وآثار النبوة التي معك فادفعها إلى إبنك سام .. (الحديث) ) إثبات الهداة 1/98 .

وكذلك نبي الله يعقوب (ع) إذ حكى عنه الله تعالى بقوله ( أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ ُمسْلِمُون) البقرة 133.

وقد أوصى رسول الله (ص) عند وفاته فعن الرضا (ع) في حديث: (... إلى أن قال: وان رسول الله (ص) لما كان وقت وفاته دعا علياً (ع) وأوصاه ودفع إليه الصحيفة التي كانت فيها الأسماء التي خصّ الله بها الأنبياء والأوصياء... ) إثبات الهداة 1 /613-614.

وقد أوصى الإمام علي (ع) أولاده بعد أن ضربه ابن ملجم (لعنه الله تعالى)  فعن أبي جعفر (ع)  قال : ( إن أمير المؤمنين صلوات الله عليه لما حضره الذي حضره قال لإبنه الحسن : أدنُ مني حتى أسر إليك ما أسر رسول الله (ص) إلي وأئتمنك على ما أئتمني عليه ففعل ) الكافي 1 /331 .

وعن سليم بن قيس قال : شهدت وصية أمير المؤمنين عليه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن عليه السلام وأشهد على وصيته الحسين عليه السلام ومحمداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته  ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال لابنه الحسن عليه السلام : يا بني أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي رسول الله صلى الله عليه وآله ودفع إلى كتبه وسلاحه  وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين عليه السلام  ثم أقبل على ابنه الحسين عليه السلام فقال  وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله أن تدفعها إلى ابنك هذا  ثم أخذ بيد علي بن الحسين عليه السلام ثم قال لعلي بن الحسين : وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي واقرأه من رسول الله صلى الله عليه وآله ومني السلام ) الكافي - الشيخ الكليني  1  297.

وعن أبي عبد الله عليه السلام : ( إن عليا صلوات الله عليه وآله حين سار إلى الكوفة  استودع أم سلمة كتبه والوصية فلما رجع الحسن دفعتها إليه ) الكافي - الشيخ الكليني  1 / 298.

وعن إبراهيم بن إسحاق الأحمري رفعه قال : لما ضرب أمير المؤمنين عليه السلام حف به العواد وقيل له : يا أمير المؤمنين أوص فقال : اثنوا لي وسادة ثم قال : الحمد لله حق قدره متبعين أمره وأحمده كما أحب  ولا إله إلا الله الواحد الأحد الصمد كما انتسب أيها الناس كل امرء لاق في فراره ما منه يفر والأجل مساق النفس إليه  والهرب منه موافاته  كم اطردت الأيام أبحثها عن مكنون هذا الأمر فأبى الله عز ذكره إلا إخفاء  هيهات علم مكنون  أما وصيتي فأن لا تشركوا بالله جل ثناؤه شيئاً ومحمداً صلى الله عليه وآله فلا تضيعوا سنته أقيموا هذين المعمودين وأوقدوا هذين المصباحين وخلاكم ذم ما لم تشردوا حمل كل امرئ مجهوده  وخفف عن الجهلة  رب رحيم  وإمام عليم  ودين قويم . أنا بالأمس صاحبكم  [ أنا ] اليوم عبرة لكم  وغداً مفارقكم  إن تثبت الوطأة في هذه المزلة فذاك المراد  وإن تدحض القدم  فإنا كنا في أفياء أغصان وذرى رياح  وتحت ظل غمامة اضمحل في الجو متلفقها  وعفا في الأرض محطها وإنما كنت جاراً جاوركم بدني أياماً وستعقبون مني جثة خلاء ساكنة بعد حركة  وكاظمة بعد نطق  ليعظكم هدوي وخفوف إطراقي  وسكون أطرافي  فإنه أوعظ لكم من الناطق البليغ  ودعتكم وداع مرصد للتلاقي غدا ترون أيامي ويكشف الله عز وجل عن سرائري  وتعرفوني بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي إن أبق فأنا ولي دمي وإن أفن فالفناء ميعادي [ وإن أعف ] فالعفو لي قربة  ولكم حسنة  فاعفوا واصفحوا  ألا تحبون أن يعفو الله لكم  فيالها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة أو تؤديه أيامه إلى شقوة  جعلنا الله وإياكم ممن لا يقصر به عن طاعة الله رغبة  أو تحل به بعد الموت نقمة  فإنما نحن له وبه  ثم أقبل على الحسن عليه السلام فقال : يا بني ضربة مكان ضربة ولا تأثم ) الكافي - الشيخ الكليني  1 / 299.

وكذلك الحسن (ع) فعل كما فعل جده وأبيه صلوات الله عليهما حيث أوصى إلى أخيه الإمام الحسين (ع) عندما حضرته الوفاة  فعن أبي جعفر (ع) قال : ( لما حضر الحسن بن علي (ع) الوفاة قال للحسين (ع) : يا أخي أني أوصيك بوصية فأحفظها ... (الحديث) ) الكافي 1 /333.

وكذلك فعل الإمام الحسين (ع) عندما حان وقت شهادته في كربلاء روحي له الفداء . فعن أبي جعفر (ع) قال : ( إنَّ الحسين بن علي (ع) لما حضره الذي حضره دعا إبنته الكبرى فاطمة بنت الحسين (ع) فدفع إليها كتابا" ملفوفا" ووصية ظاهرة ، وكان علي بن الحسين (ع) مبطونا" معهم لا يرون إلا أنه لما به ، فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين (ع) ... (الحديث) الكافي 1 /337.

وكذلك الإمام علي بن الحسين (ع) دفع الصندوق الذي فيه علم رسول الله (ع) والوصية وآثار النبوة إلى ولده محمد الباقر عند وفاته . فعن عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده قال : التفت علي بن الحسين عليهما السلام إلى وُلْدِه ـ وهو في الموت ـ  وهم مجتمعون عنده ثم التفت إلى محمد بن علي فقال : يا محمد  هذا الصندوق اذهب به إلى بيتك قال: أما إنه لم يكن فيه دينار ولا درهم ولكن كان مملوءا" علما") الكافي 1 /339.

وكذلك أوصى الباقر (ع) لإبنه الصادق عند وفاته عن أبي عبد الله (ع)  قال لما حضرت أبي (ع) الوفاة  قال : يا جعفر أوصيك بأصحابي خيرا ً.. الحديث )) الكافي ج1 /340 ـ 341.

وعن أبي عبد الله (ع)  قال : ( إن أبي استودعني ما هناك  فلما حضرته الوفاة قال : ادع لي شهوداً ، فدعوت له أربعة من قريش فيهم نافع مولى عبد الله بن عمر فقال : اكتب : هذا ما أوصى به يعقوب بنيه ( يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ )  وأوصى محمد بن علي إلى جعفر بن محمد ..... إلى أن قال : ثم قال للشهود انصرفوا رحمكم الله  فقلت له : يا أبت  ـ بعدما انصرفوا ـ ما كان في هذا بأن تُشهد عليه  فقال : يابني كرهت أن تغلب وأن يقال : إنه لم يوص إليه  فأردت أن تكون لك الحجة ) الكافي 1 /342.

وقد أضطر بعض الأئمة (ع) أن يوصوا قبل مماتهم بأشهر أو سنين وذلك للتقية ولأن بعضهم مات في السجون كالإمام الكاظم (ع) ومنهم من مات في دار الغربة كالإمام الرضا (ع) بعيداً عن أهله وولده الجواد (ع).بل هناك بعض الأخبار تذكر أن الإمامين الكاظم والرضا (ع) قد جمعهما الله تعالى مع وصييهما قبل أو عند الوفاة.

وقد ذكر يزيد بن سليط وصية الكاظم (ع) لولده الرضا (ع) فقال: لما أوصى أبو إبراهيم عليه السلام أشهد إبراهيم بن محمد الجعفري وإسحاق بن محمد الجعفري وإسحاق بن جعفر بن محمد وجعفر ابن صالح ومعاوية الجعفري ويحيى بن الحسين بن زيد بن علي وسعد بن عمران الأنصاري ومحمد بن الحارث الأنصاري ويزيد بن سليط الأنصاري ومحمد بن جعفر بن سعد الاسلمي - وهو كاتب الوصية الأولى - أشهدهم أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث ما في القبور وأن البعث بعد الموت حق وأن الوعد حق وأن الحساب حق والقضاء حق وأن الوقوف بين يدي الله حق وأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله حق وأن ما نزل به الروح الأمين حق على ذلك أحيا  وعليه أموت وعليه ابعث إن شاء الله  وأشهدهم أن هذه وصيتي بخطي وقد نسخت وصية جدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ووصية محمد بن علي قبل ذلك نسختها حرفا بحرف ووصية جعفر بن محمد  على مثل ذلك وإني قد أوصيت إلى علي وبني بعد معه إن شاء وآنس منهم رشدا وأحب أن يقرهم فذاك له وإن كرههم وأحب أن يخرجهم فذاك له ولا أمر لهم معه ... إلى آخر الوصية ) الكافي 1 / 316.

وبعد كل ذلك يتبيّن بما لا يقبل الشك إن وقت الوصية عند الموت وإن الإمام السابق يسلّم مواريث الأنبياء للإمام اللاحق عند الموت ويخصه بالوصية. وبهذا نعرف أيضا ًأن الوصية الرئيسية للرسول محمد (ص) كانت في ليلة وفاته أملاها هو وكتبها علي بن أبي طالب

(ع) . كما سأفصل هذا في مستقبل هذا البحث إنشاء الله تعالى.

( عمر يمنع رسول الله (ص) من كتابة وصيته عند وفاته )

عندما حانت وفاة رسول الله (ص) واشتد المرض عليه  واجتمع عليه أهل بيته والمسلمون  أراد أن يكتب وصيته  ويُعيّن خلفيته في آخر لحظاته وقد أكد (ص) على خلافة الإمام علي (ع) خلال حياته في عشرات المواقف ولكنه أراد أن يقيم الحجة على الأمة  وأن لا يجعل لها عذراً تعتذر به  وأن يسد أفواه المشككين والمرتابين الذين يُحرفون الكلم عن مواضعه فأمر بإحضار صحيفة ودواة  ليكتب لهم كتاباً ( وصية ) لن يضلوا بعده أبداً ولكن كالعادة لابد من وجود معترض  يعارض أمر الله ورسوله في تعيين الوصي  فانبرى عمر بن الخطاب قائلاً : حسبنا كتاب الله ان محمداً يهجر – أي يهذي – وحاشاه من ذلك ، فقد نزهه الله من ذلك بقوله تعالى : (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) وبقوله تعالى : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) .

عن أبان بن عثمان عن بعض أصحابه إن النبي (ص)  قال في مرضه الذي قبض فيه : ( إئتوني بصحيفة ودواة لأكتب لكم كتابا ًلا تضلون بعدي  فدعا العباس بصحيفة ودواة فقال بعض من حضر : إن النبي (ص) يهجر  ثم أفاق النبي (ص) فقال له العباس : هذه صحيفة ودواة قد أتينا بها يا رسول الله  فقال : بعدما قال قائلكم ما قال  ثم أقبل عليهم وقال : احفظوني في أهل بيتي...) غاية المرام 6/99 .

ما رواه البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس قال: لما اشتد بالنبي مرضه الذي مات فيه قال: ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدى فقال عمر (.....  ) : إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد غلبه الوجع  حسبنا كتاب الله وكثر اللغط فقال النبي صلى الله عليه وآله قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع  قال ابن عباس : الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين رسول الله ) المهذب للقاضي ابن البراج  1 / 12.

وعلق السيد ابن طاووس على هذه الحادثة قائلاً: (...واعترفوا ان الحاضرين ما قبلوا نص النبي صلى الله عليه وآله على هذا الكتاب الذي أراد أن يكتبه لئلا يضلوا بعده أبداً ومع كونهم ما قبلوا هذه السعادة التي هلك بإهمالها اثنان وسبعون فرقة ممن ضل عن الإيجاب  وكان في قبولها اعظم النفع لجميع الأديان حتى قالوا في وجهه الشريف انه يهجر ونسبوه - وحاشاه - إلى الهذيان وقد نزهه من اصطفاه عما اقدموا عليه من البهتان  فقال جل جلاله : (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) اليقين للسيد ابن طاووس الحسني ص 522.

ونقل السيد ابن طاووس ،عن كتاب الحميدي  فقال : ( قال الحميدي : فاختلف الحاضرون عند النبي (ص) فبعضهم يقول : القول ما قاله النبي فقربوا إليه كتابا يكتب لكم  ومنهم من يقول : القول ما قاله عمر فلما اكثروا اللغط والاختلاط قال النبي (ص) : قوموا عني فلا ينبغي عندي التنازع  فكان ابن عباس يبكى حتى تبل دموعه الحصى ويقول : يوم الخميس وما يوم الخميس ! قال راوي الحديث فقلت : يابن عباس وما يوم الخميس  فذكر عبد الله بن عباس يوم منع رسول الله (ص) من ذلك الكتاب  وكان ابن عباس يقول : الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (ص) وبين كتابه . ( قال عبد المحمود ) مؤلف هذا الكتاب : لقد صدق ابن عباس عند كل عاقل مسلم  والله لو لبس المسلمون السواد وأقاموا المآتم وبلغوا غاية الأحزان كان ذلك يسيراً لما أدخل عمر عليهم من المصيبات وأوقعهم فيه من الهلاك والضلال والشبهات . وليت شعري أي اختلال في هذا كلام نبيهم محمد (ص) حتى يقول عمر انه يهجر أو قد غلب عليه المرض  أهكذا يجب أن يكون أدب الأمم مع الأنبياء  أو هكذا يجب أن يكون أدب الرعية مع الملوك  وأي ذنب كان لنبيهم عندهم  وأي تقصير قصر في حقهم  حتى يواجهه عمر عند وفاته ويجبهه في وجهه ويقول انه يهذي  وأين هذا مما تضمنه كتابهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) ما هذا إلا بئس الامتثال من عمر لأمر ربه فلقد رفع صوته وجهر له أقبح مما يجهر بعضهم لبعض.ومن أعجب ذلك أنهم ذكروا إن كتابهم يتضمن وصف نبيهم بقوله (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) وخاصة مثل هذا الكتاب الذي أراد ان يكتبه لهم إنهم لا يضلون بعده أبدا  فإن هذا لا يمكن ان يكون إلا بوحي  وان كان هذا بوحي أفما يكون عمر قد نسب الهجر إلى ربه  سوءة له من هذا الهجر القبيح والكفر الصريح وسوءة لمن هان عنده هذا ... ) الطرائف للسيد ابن طاووس الحسني ص 432.

فالرسول (ص) أراد ان يحكم مستقبل الأمة  ويمنع اختلاف العامة في الوصي  في آخر لحظات حياته  ولكن ثقل ذلك على الشيطان وجنده  فلم يجد وسيلة لمنع ذلك  إلا التشكيك في قول الرسول  وإنه يتكلم بلا وعي من شدة مرضه (وحاشاه)  وربما علم رسول الله (ص)  إن هذا الإشكال سينطلي على عامة الناس  فلذلك إمتنع عن كتابة الوصية للعامة  وكتبها فيما بعد للخاصة كما سنذكر فيما بعد .

فقد خسرت الأمة  خسارة عظيمة عندما مـُنع الرسول محمد (ص)  من كتابة وصيته التي تتكفل بيان الوصي بعد رسول الله (ص)  والأوصياء من بعده إلى يوم القيامة  وبيان الفتن والمخرج منها  وحينها لما وقع الخلاف بين المسلمين ولما أصبحوا طوائف وأحزاب  يلعن بعضهم البعض الآخر . ولكن حكمة الله بالغة فقد قضى على هذه الأمة بالاختلاف بسبب عدم عزمها على مناصرة الحق وأهله ومخالفتها لوصايا الرسول (ص).

وأعلموا أن النجاة فيما سيكتب في الصحيفة والدواة  كما سنذكره فقد عيّن الرسول (ص)أوصياءه بأسمائهم وصفاتهم  إلى قيام الإمام المهدي (ع)  وبعد قيامه (ع)  حتى قيام الرجعة وهم (24) وصياً منهم إثنا عشر إماماً  ثم إثنا عشر مهدياً من ذرية الإمام المهدي (ع) ولذلك قـال رسول الله (ص) : ( لن تضلوا بعدي أبدا)  وذلك كما قلته مراراًً  بسبب ذكر الأوصياء والحجج على الخلق إلى قيام الرجعة  التي هي من مقدمات يوم القيامة  كما سأبيّن ذلك  إن شاء الله تعالى .


( النجاة في ما كتب بالصحيفة والدواة )

ما أكثر الصحف وأكثر الأقلام  ولكن شـُـح بها على رسول الله (ص)  يوم طلبها ليكتب لأمته وصية  تكفل نجاتهم إلى يوم القيامة  بـُخل بها على أكرم خلق الله ، والذي من أجله خلقت السماوات والأرض  الذي أعطى كل شيء لأمته  وبخلوا عليه بصحيفة ودواة  طلبها لمصلحتهم ونجاتهم دنيا وآخرة .

وبعد أن خرج القوم عن رسول الله (ص)  وبقي أهل بيته وبعض أصحابه  طلب رسول الله (ص) من علي (ع) نفس الطلب الذي طلبه من القوم وترددوا في إحضاره  واتهموا الرسول (ص) بما لا يليق به، طلب الرسول (ص) من الإمام علي (ع)  أن يحضر صحيفة ودواة  ليملي عليه الوصية  لتكون عنده يتوارثها إمام عن إمام  إلى يوم القيامة  مادام التكليف باقياً على الناس .

وأوكد على مسألة : ( إلى يوم القيامة )  أي لابد أن تبيّن وصية رسول الله (ص) ولو إجمالاً تكليف الأمة والأوصياء بعد وفاة الإمام المهدي (ع) لأن الإمام المهدي (ع) وكما هو معلوم  يتوفى قبل يوم القيامة  فقد حددت الروايات مدة حكمه بسبعة سنين أو تسعة أو أربعين  على اختلاف الروايات . فلكي يصدق قول الرسول (ص) بأنه سيكتب في الوصية ما ينجي الأمة إلى يوم القيامة  فلابد أن يبيّن ويعيّن الأوصياء بعد الإمام المهدي (ع) وهم ذريته  كما نطقت بذلك عشرات الروايات عن الرسول محمد (ص) وأهل بيته الطاهرين وأما من زعم أن الرسول ذكر الأوصياء إلى الإمام المهدي (ع) فقط  فهذا يستلزم نقصان وصية رسول الله (ص) وحاشاه وانه لم يبيّن مصير الأمة إلى يوم القيامة وانه ضيّع الأمة بعد الإمام المهدي (ع) وحاشاه . ومن الملاحظ عند الاطلاع على الروايات  أن الرسول (ص) وأهل بيته حاولوا بيان التكليف بعد وفاة الإمام المهدي (ع) ولكن مع تعمد الرمزية في ذلك بعض الأحيان ومع تعمد إخفاء بعض الجوانب في هذه المسألة عن عامة الناس ونجد هذا التحفظ واضحاً في جواب أمير المؤمنين (ع) عندما يُسأل عن ما بعد المهدي (ع) .

عن عبد الله بن الحارث قال : قلت لعلي عليه السلام : يا أمير المؤمنين أخبرني بما يكون من الأحداث بعد قائمكم  قال : (  يا ابن الحارث ذلك شئ ذكره موكول إليه  وإن رسول الله صلى الله عهد إلي أن لا اخبر به إلا الحسن والحسين عليهما السلام ) كمال الدين وتمام النعمة ص  77.

وفي حديث عن أمير المؤمنين (ع) يذكر فيه بعض علامات قيام القائم (ع) : ( فعند ذلك ترفع التوبة فلا تقبل توبة ولا ينفع نفساً ايمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيراً ثم قال عليه السلام لا تسألوني عما يكون بعد هذا فانه عهد إلى حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا أخبر به غير عترتي ) التفسير الصافي للفيض الكاشاني ج 4 ص 75.

ولم يصرح بذكر ذرية الإمام المهدي (ع) بصورة واضحة إلا بعد مقتل الإمام الحسين (ع) أو قبله بقليل فحتى وصية الرسول (ع) بالمهديين (ع) لم تروَ علناً إلا في زمن الإمام الصادق (ع) وهذا ما اقتضته حكمة الله تعالى للحفاظ على هذا السر العظيم .

فلذلك نجد بعض الروايات تذكر الأوصياء وتعددهم إلى القائم (ع)  وبعضها تكتفي بقولها : ( إلى يوم القيامة )  وبعضها تنص على الأوصياء بعد القائم (ع) وهم ذريته وهذا من تخطيط الله تعالى وحكمته  في ستر هذه المسألة  حتى يحين وقتها ويبينها صاحبها  ولكي لا يدعيها أحد غير صاحبها  فقد ورد في كثير من الروايات إن القائم (ع) إذا قام يدعو إلى أمر قد خفي وضل عنه الجمهور  وأنه يدعو إلى أمر جديد على العرب شديد .

عن أبي جعفر (ع) قال : ( إن قائمنا إذا قام دعا الناس إلى أمر جديد كما دعا إليه رسول الله (ع)  وإن الإسلام بدأ غريبا ً وسيعود غريبا ً  فطوبى للغرباء) غيبة النعماني ص336 .

وعن مالك الجهني قال : قلت لأبي جعفر (ع) : إنّا نصف صاحب هذا الأمر بالصفة التي ليس بها أحد من الناس . فقال: لا والله لا يكون ذلك أبدا ً حتى يكون هو الذي يحتج عليكم بذلك ويدعوكم إليه ) غيبة النعماني ص337 .

فلا يمكن لأحد أن يتكهن  ويدّعي أنه يعرف الإمام المهدي (ع)  وسيدعو إليه إثناء قيامه الشريف إلا من اتصل بالإمام المهدي (ع) . ومن الأمور الجديدة التي يدعو إليها الإمام المهدي (ع) هي ولاية المهديين من ذريته  والتي ستكون ثقيلة وشديدة على العرب  كما كانت ولاية الأئمة (ع) ثقيلة وشديدة على العرب عندما أعلنها رسول الله (ص) وسيكون أثقل مافيها ولاية ووصاية أول المهديين من ذرية الإمام المهدي (ع)  كما كان أثقل ما أعلنه رسول الله (ص)  هو ولاية علي بن أبي طالب (ع) . سنّة الله ولن تجد لسنّة الله تحويلاً .

والآن فلنعود إلى ذكر ما حدث بعد منع الرسول (ص) من كتابة الوصية التي تتكفل بنجاة الأمة إلى يوم القيامة.

عن سليم بن قيس الهلالي قال :( سمعت سلمان يقول : سمعت علياً (ع) بعد ما قال ذلك الرجل (عمر) ما قال وغضب رسول الله (ص) ودفع الكتف : ألا نسأل رسول الله (ص) عن الذي كان أراد أن يكتبه في الكتف مما لو كتبه لم يضل أحد ولم يختلف اثنان فسكت حتى إذا قام من في البيت وبقي علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وذهبنا نقوم وصاحبي أبو ذر والمقداد  قال لنا علي (ع) : إجلسوا . فأراد أن يسأل رسول الله (ص) ونحن نسمع  فابتدأه رسول الله (ع)  فقال : (( يا أخي  أما سمعت ما قال عدو الله  أتاني جبرئيل (ع) قبل فأخبرني أنه سامري هذه الأمة وأن صاحبه عجلها  وأن الله قد قضى الفرقة والاختلاف على أمتي من بعدي فأمرني أن اكتب ذلك الكتاب الذي أردت أن أكتبه في الكتف لك وأشهد هؤلاء الثلاثة عليه أدع لي بصحيفة . فأتى بها  فأملى عليه أسماء الأئمة الهداة من بعده رجلا ً رجلاً وعلي (ع) يخط بيده وقال رسول الله (ص) : إني أشهدكم أن أخي ووزيري ووارثي وخليفتي على أمتي علي بن أبي طالب  ثم الحسن ثم الحسين ثم من بعدهم تسعة من ولد الحسين ... ) كتاب سليم بن قيس 398 (تحقيق الأنصاري ) .

وقد احتج الإمام علي (ع) بهذه الواقعة على طلحة واستشهد بأبي ذر والمقداد على ذلك :( عن سليم بن قيس الهلالي : قال الإمام علي (ع) لطلحة : ألست قد شهدت رسول الله (ص) حين دعا بالكتف ليكتب فيها مالا تضل الأمة ولا تختلف ، فقال صاحبك ما قال : ( إن نبي الله يهجر) فغضب رسول الله (ص) ثم تركها  قال : بلى قد شهدت ذلك . قال : فإنكم لما خرجتم اخبرني بذلك رسول الله (ص) بالذي أراد أن يكتب فيها وأن يشهد عليها العامة  فأخبره جبرئيل : ( إن الله عز وجل قد علم من الأمة الاختلاف والفرقة ) ثم دعا بصحيفة فأملى عليّ ما أراد أن يكتب في الكتف وأشهد على ذلك ثلاث رهط : سلمان وأبا ذر والمقداد  وسمى من يكون من  أئمة الهدى الذين أمر الله بطاعتهم إلى يوم القيامة . فسماني أولهم ثم إبني هذا ـ وأدنى بيده إلى الحسن ـ ثم الحسين ثم تسعة من ولد إبني هذا ـ يعني الحسين- كذلك كان يا أبا ذر وأنت يا مقداد  فقاموا وقالوا : نشهد بذلك على رسول الله (ص) ...)) كتاب سليم بن قيس 211 (تحقيق الأنصاري ) / غيبة النعماني 81 .

فالرواية الأولى المروية عن سليم بن قيس الهلالي  لم تذكر ما أملاه رسول الله (ص) على علي بن أبي طالب نصاً ًفي الوصية إنما ذكرت إشهاد الرسول (ص) لسلمان وأبي ذر والمقـداد بقولـه : ( إني أشهدكم أن أخي ووزيري ووارثي وخليفتي على أمتي علي بن أبي طالب  ثم الحسن ثم الحسين ثم من بعده تسعة من ولد الحسين ... ) وهذا الكلام موجه إلى هؤلاء الثلاثة وليس نص ما أملاه الرسول (ص) على الإمام علي (ع) في الوصية وخطه الإمام علي (ع) بيده  بل هو من بعد ما أملى الرسول (ص) وعلي (ع) يكتب إلى أن تمت الوصية  التفت الرسول إلى الشهود الثلاثة وخاطبهم بهذا الكلام كما ذكر في الراوية ذلك . ثم إن الرسول (ص) عندما أبلغ الشهود الثلاثة وعدد لهم الأئمة إلى تسعة من ولد الحسين لم يخبرهم بأن الأئمة هؤلاء فقط  بل بقيت القضية مهملة ومفتوحة فمن الممكن أن يكون بعد هؤلاء أوصياء لم يذكرهم الرسول للشهود ولعدم ضرورة ذلك لأنه قد ذكرهم فيما أملاه على الإمام علي (ع) في الوصية . بل إنه (ص) قد أهمل تسمية التسعة من ذرية الحسين(ع)  ولم يذكر صفاتهم  ومن المعلوم أنه (ع) قد ذكر أسماءهم في الوصية واحدا ً واحدا ً.

إذن هذه الرواية لم تذكر لنا نص ما أملاه الرسول (ص) وما خطه الإمام (ع) من الوصية بل ذكرت الحادثة بصورة مجملة وبدون تفصيل  فأين يا ترى نجد الوصية وما عدده الرسول (ص) من أسماء الأوصياء بالكامل إلى يوم القيامة .

وكذلك الرواية الثانية التي نقلها سليم إبن قيس الهلالي لم تذكر نص ما أملاه رسول الله (ص) وخطه الإمام علي (ع) بيده من وصية الرسول (ص) بل اختصر الإمام علي (ع) على نفس ما أشهد الرسول (ع) عليه سلمان وأبا ذر والمقداد .

وقد تتبعنا الروايات التي تعدد أسماء الأئمة (ع)  أو التي تذكر وصية الرسول (ص) فلم نجد رواية تذكر نص ما أملاه رسول الله (ص) ليلة وفاته وما خطه الإمام علي (ع) بيده من وصية الرسول محمد (ع)، فاما أن تكون الرواية تتكلم عن كلام الرسول (ص) في مراحل حياته قبل ليلة الوفاة  وهذا غير الذي نريد معرفته  وهو ما أملاه الرسول (ص) في وصيته ليلة وفاته، واما أن تذكر الروايات الوصية بصورة مجملة  بدون ذكر نص الوصية  كما سمعناه في الروايتين عن سليم بن قيس الهلالي، واما أن تذكر الروايات كلام رسول الله (ص) في مرضه الذي توفى فيه ولكنه ليس الكلام الذي أودعه في الصحيفة  لعلي بن أبي طالب (ع)، انما هو كلام آخر  تكلم به الرسول (ص)  في مناسبات غير الوصية . وهذا أيضاً غير الذي نبتغيه من معرفة نص الوصية التي أملاها الرسول (ص) ووصفها بأنها نجاة للأمة إلى يوم القيامة. فلم نجد رواية واحدة  تذكر نص ما أملاه الرسول (ص)  في وصيته ليلة وفاته إلا رواية واحدة ذكرها زعيم الطائفة ورئيسها العالم النحرير العارف بالحديث والرجال المحقق الشيخ الطوسي  المتوفى سنة 460هـ  في كتابه ( الغيبة )  ويعتبر هذا الكتاب  من أضبط كتب الشيعة وأفضلها  كيف لا ومؤلفه لا يشق له غبار في علوم الحديث وطرقه وأسانيده  والرواية كما يلي :-

... عن أبي عبد الله جعفر بن محمد  عن أبيه الباقر عن أبيه ذي الثفنات سيد العابدين  عن أبيه الحسين الزكي الشهيد  عن أبيه أمير المؤمنين عليهم السلام  قال : ( قال رسول الله (ص) في الليلة التي كانت فيها وفاته لعلي (ع) يا أبا الحسن أحضر صحيفة ودواة  فأملا رسول الله (ص) وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع فقال : يا علي إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً فأنت يا علي أول الأثني عشر إمام سمّاك الله تعالى في سمائه علياً المرتضى وأمير المؤمنين والصديق الأكبر والفاروق الأعظم والمأمون والمهدي فلا تصح هذه الأسماء لأحد غيرك يا علي أنت وصيي على أهل بيتي حيّهم وميتهم وعلى نسائي فمن ثبتها لقيتني غداً ومن طلقتها فأنا برئ منها لم ترني ولم أرها في عرصة القيامة  وأنت خليفتي على أمتي من بعدي فإذا حضرتك الوفاة فسلّمها إلى ابني الحسن البر الوصول  فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى إبني الحسين الشهيد الزكي المقتول فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه سيد العابدين ذي الثفنات علي  فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد الباقر  فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه جعفر الصادق  إذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه موسى الكاظم  فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه علي الرضا  فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد الثقة التقي  فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه علي الناصح  فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه الحسن الفاضل  فإذا  حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد  فذلك اثنا عشر إماما ً  ثم يكون من بعده اثنا عشر مهديا ً  فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى إبنه أول المقربين (المهديين) له ثلاثة أسامي أسم كاسمي وأسم أبي وهو عبد الله وأحمد  والاسم الثالث المهدي وهو أول المؤمنين ) الغيبة الطوسي ص107-108 . مختصر بصائر الدرجات   39. بحار الأنوار 36 /260. مكاتيب الرسول 2 /95.

وهذا ما يشفي العليل ويروي الغليل وهو ما نبحث عنه من نص ما أملاه الرسول محمد(ص) ليلة وفاته وخطه علي بن أبي طالب (ع) بيمينه من تعداد أسماء الأئمة والأوصياء للرسول محمد (ص) إلى يوم القيامة.

وقد أكد الرسول (ع) على أن الوصية تكون عند الوفاة ـ كما قدمت ـ بقوله في وصيته عن كل إمام: فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه... وهكذا.

وصدق رسول الله (ص) عندما قال عن هذه الوصية : ... أكتب لكم كتاباً ًلن تضلوا بعدي أبداً فهي عيّنت الأئمة والأوصياء إلى يوم القيامة فلم يترك رسول الله (ص) أحداً في أصلاب الرجال لم يرشده إلى حبله الذي يتمسك به والذي يوصله إلى الله تبارك وتعالى. وهذه الوصية  هي عهد رسول الله (ص) والتي يعرف بها كل إمام أو حجة  فمن لم يذكر فيها فلا يحق له ادعاء الإمامة  وشاء الله أن لا يدعيها أحد باطلاً لأنها قد أطلقها الرسول محمد (ص)  فلا تصيب إلا صاحبها (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى)  والحمد لله على ما هدانا .


( وصية السماء ووصية الرسول (ص) )

ربما يعترض معترض  بالروايات التي تنص على نزول وصية من السماء  مختومة لكل إمام اسمه  ويحاول أن يجعلها معارضة للوصية التي أوصى بها الرسول (ص) في ليلة وفاته لعلي بن أبي طالب (ع)  وسيتضح أنه لا معارضة بين الروايات  فهناك وصية نزلت من السماء لكل إمام وهذه لا يطلع عليها أحد سوى الأئمة (ع)  وهناك الوصية التي أوصى بها رسول الله (ص)  وكتبها الإمام علي بيده  وأشهد عليها سلمان الفارسي وأبو ذر والمقداد . وسأذكر كـِـلا الروايات :-

عن أبي عبد الله (ع) قال : ( الوصية نزلت من السماء على رسول الله (ص) كتابا ً مختوماً ولم ينزل على رسول الله (ص) كتاب مختوم إلا الوصية  فقال جبرئيل (ع) : يا محمد هذه وصيتك في أمتك إلى أهل بيتك .

فقال رسول الله (ص) : أي أهل بيتي  ياجبرئيل فقال : نجيب الله منهم وذريته ليورثك في علم النبوة قبل إبراهيم  وكان عليها خواتيم ففتح علي (ع) الخاتم الأول ومضى لما أمر فيه  ثم فتح الحسن (ع) الخاتم الثاني ومضى لما أمر فيه ثم فتح الحسين (ع) الخاتم الثالث فوجد فيه : أن قاتل واقتل وتقتل وأخرج بقوم للشهادة  لا شهادة لهم إلا معك  ففعل  ثم دفعها إلى علي بن الحسين (ع) ومضى  ففتح علي بن الحسين الخاتم الرابع فوجد فيه : أن أطرق وأصمت لما حجب العلم  ثم دفعها إلى محمد بن علي (ع) ففتح الخاتم الخامس فوجد فيه : أن فسر كتاب الله تعالى وصدق أباك وورّث إبنك العلم واصطنع الأمة  وقل الحق في الخوف والأمن ولا تخش إلا الله ففعل  ثم دفعها إلى الذي يليه  فقال معاذ بن كثير : فقلت له : وأنت هو  فقال : ما بك في هذا إلا أن تذهب ـ يا معاذ ـ فترويه عني  نعم  أنا هو  حتى عدد عليّ اثنا عشر اسماً ًثم سكت فقلت : ثم من  فقال حسبك ) غيبة النعماني ص60 .

وهنا اشارة مهمة جداً ًوردت في ذيل هذه الرواية المتقدمة وهي الإشارة إلى المهديين من ذرية الإمام المهدي (ع)  وهي أن المستمع عندما عدد عليه الإمام (ع) اثنا عشر إماماً أي إلى الإمام المهدي (ع)  كان ينتظر من الإمام أن يسمي له الذي بعد الإمام (ع)  وهذا يدل على أن السائل كان في ذهنه أن الأئمة أكثر من اثني عشر إمام  أو ان هناك خلفاء بعد الإمام المهدي (ع) ثم إن الإمام

الصادق (ع) لم يقل له بأن الأئمة هؤلاء الأثني عشر فقط  بل اكتفى بقوله : (حسبك)  ومعناه كفاك  أو كفى  أي أن الإمام الصادق (ع) قد تكتم على أسماء الأوصياء بعد القائم (ع)  وقال للسائل إلى هنا كفاك  ولم يقل له  لا أحد بعد القائم (ع) .

وهذا إشارة إلى أن المهديين مذكورين في الوصية التي نزلت من السماء  وليس في وصية رسول الله فحسب والظاهر أن المهديين (ع) كلهم داخلين ضمن الخاتم الخاص بالإمام المهدي (ع) لأن الخواتيم النازلة من السماء  اثنا عشر خاتماً. وذلك لأن المهديين هم مشاركون للإمام المهدي (ع)  في حكم دولة العدل الإلهي  بعد مضي الإمام المهدي (ع)  وهم الذين سيحكمون الدولة التي أسسها الإمام المهدي (ع)  ولذلك فقد شاركوه حتى بالصفة  فهو المهدي وهم المهديون  وهو القائم وهم القوام من بعده  كما وصفتهم الروايات فالإمام المهدي (ع) وذريته  يعتبرون عدة حكام في مرحلة واحدة لدولة واحدة  وهي دولة الإمام المهدي (ع)  والتي ستستمر بقيادة ذريته حتى تكون الرجعة فيخرج الإمام الحسين (ع) على آخر المهديين عليهم السلام . ولذلك كانوا ضمن خاتم الإمام المهدي (ع) .

وعن أبي عبد الله (ع) قال : دفع رسول الله (ص) إلى علي (ع) صحيفة مختومة باثني عشر خاتماً وقال له : فض الأول وأعمل به  وادفع إلى الحسن (ع) يفض الثاني ويعمل به ويدفعها إلى الحسين (ع) يفض الثالث ويعمل بما فيه  ثم إلى واحد واحد من ولد الحسين (ع) ) غيبة النعماني ص61 .

وعن أبي عبد الله (ع) قال : ( إن الله جل أسمه أنزل من السماء إلى كل إمام عهده وما يعمل به وعليه خاتم فيفضه ويعمل بما فيه ) غيبة النعماني ص62 .

وسيتبيّن لنا الفرق بين الوصية التي نزلت من السماء  وبين الوصية التي أملاها الرسول (ص) على الإمام علي (ع)  ليلة الوفاة  من خلال محاورة الإمام موسى الكاظم مع أبيه الإمام الصادق (ع)  في الرواية الآتيـــة :-

عن الإمام موسى بن جعفر (ع) قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أليس كان أمير المؤمنين كاتب الوصية ورسول الله (ص) المملي عليه وجبرئيل والملائكة المقربون عليهم السلام الشهود؟؟ قال : فأطرق طويلاً ثم قال : يا أبا الحسن قد كان ما قلت  ولكن حين نزل برسول الله (ص) الأمر نزلت الوصية من عند الله كتابا ًمسجلا ً  نزل بها جبرئيل مع أمناء الله تبارك وتعالى من الملائكة فقال جبرائيل: يا محمد مـُر بإخراج من عندك إلا وصيك ليقبضها منّا وتشهدنا بدفعك إياها إليه ضامناً لها ـ يعني علياً (ع)- وفاطمة فيما بين الستر والباب ... ( الحديث). الكافي 1 /311.

والظاهر أن الإمام الكاظم (ع) أراد بسؤاله لأبيه الصادق (ع)  أن يبيّن الفرق بين الوصيتين  حتى لا يكون هناك تعارض بينهما وحتى لا يتمسك أحد بإحدى الوصيتين ويترك الأخرى والوصية التي نزلت من السماء خاصة بالأئمة (ع) وأما الوصية التي أملاها الرسول (ص) لعلـي (ع)  فهي التي أراد أن يعلنها للأمة ولكن أعترض عليها عمر ثم أملاها الرسول (ص) بعد ذلك للإمام علي (ع)  وأشهد عليها سلمان وأبا ذر والمقداد .

والوصية النازلة من السماء هي نفس مضمون الوصية التي أوصى بها الرسول (ص) للإمام علي (ع) وهذا ما صرح به الإمام علي (ع) نفسه في الرواية الآتية:-

عن أمير المؤمنين (ع) قال : ( دعاني رسول الله (ص) عند موته  وأخرج من كان عنده في البيت غيري  والبيت فيه جبرئيل والملائكة أسمع الحس ولا أرى شيئاًً  فأخذ رسول الله (ص) كتاب الوصية من يد جبرائيل فدفعها إليّ وأمرني أن أفضها  ففعلت وأمرني أن أقرأها فقرأتها فقال إن جبرائيل عندي أتاني بها الساعة من عند ربي فقرأتها فإذا فيها كل ما كان رسول الله (ص) يوصي به شيئاً شيئاً ما تغادر حرفاً ) . مكاتيب الرسول 2/93 .

إذن فما دام إن وصية الرسول (ص) لعلي (ع) محتوية على ذكر المهديين من ذرية الإمام المهدي (ع) فلا بد أن تكون الوصية النازلة من السماء حاوية لذكرهم أيضاً. والظاهر أن وصية الرسول (ص) لعلي (ع)  لم تنقل لنا بالكامل ، فقد نُقل منها الرواية التي ذكرناها  والتي عددت أسماء الأئمة اسم المهدي الأول من ذرية الإمام المهدي (ع)  وذكرت عدد باقي المهديين (ع)  وقد وجدت بعض أجزاء الوصية في روايات متفرقة  منها الرواية الآتية  التي ذكرت بداية الوصية ونهايتها فقط  وأنها عهد رسول الله (ص) :

عن الكاظم (ع) عن أبيه (ع) قال : قال علي بن أبي طالب (ع) كان في وصية رسول الله (ص) في أولها : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد محمد بن عبد الله (ص) وأوصى به وأسنده بأمر الله إلى وصيه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين … وكان في آخر الوصية : شهد جبرائيل وميكائيل وإسرافيل على ما أوصى به محمد (ص) إلى علي بن أبي طالب  وقبضه وصيه وضمانة على مافيها على ما ضمن يوشع بن نون لموسى بن عمران000(الحديث) ) بحار الأنوار ج22 ص482, مكاتيب الرسول 2/93 .

وقد أشار الإمام الرضا (ع) إلى وصية رسول الله (ص) حين وفاته بالإجمال في الرواية الآتية :- عن الرضا (ع) في حديث دخوله الكوفة واحتجاجه على علماء اليهود والنصارى أنه قال لنصراني : (… إلى أن قال وإن رسول الله (ص) لما كان وقت وفاته دعا علياً (ع) وأوصاه ودفع إليه الصحيفة التي كانت فيها الأسماء التي خص الله بها الأنبياء والأوصياء … (الحديث) ) إثبات الهداة 1/613ـ614 .

وعن موسى بن جعفر(ع) عن أبيه قال: ( كان فيما أوصى به رسول الله (ص)  أنه يدفن في بيته  ويكفن في ثلاثة أثواب : أحدهما يمان ولا يدخل قبره غير علي (ع)… الحديث ) الوسائل 3/83 .

وقد بقيت تلك الوصية التي أملاها رسول الله (ص)  عند علي بن أبي طالب (ع)  وأخرجها بذي قار لابن عباس  وقرأ عليه شيئاً منها  كما في الرواية الآتية :-

عن سليم بن قيس الهلالي عن ابن عباس في حديث أنه دخل على علي بن أبي طالب (ع) بذي قار فأخرج له صحيفة وقال: يا ابن عباس هذه صحيفة أملاها عليَّ رسول الله (ص) وخطي بيدي قال: فأخرج إلي الصحيفة فقلت يا أمير المؤمنين أقرأها، وإذا فيها كل شيء منذ قبض رسول الله (ص) إلى قتل الحسين (ع)  ومن يقتله ومن ينصره ومن يستشهد معه وكان فيما قرأه كيف يصنع به  وكيف تستشهد فاطمة  وكيف يستشهد الحسين وكيف تغدر به الأمة  ثم أدرج الصحيفة وقد بقي ما يكون إلى يوم القيامة وكان فيما قرأ منها أمر أبي بكر وعمر وعثمان، وكم يملك كل انسان منهم، وكيف بويع علي ووقعة الجمل ومسيرة عائشة وطلحة والزبير … إلى أن قال: فلما أدرج الصحيفة قلت : يا أمير المؤمنين لو كنت قرأت عليَّ بقية الصحيفة قال : لا ولكني محدثك ما يمنعني منها، ما يلقي أهل بيتك وولدك من أمر فضيع من قتلهم لنا وعداوتهم  وسوء ملكهم وشؤم قدرتهم فأكره أن تسمعه فتغتم ويحزنك… إلى أن قال ابن عباس : لأن يكون نسخني ذلك الكتاب أحب إليّ مما طلعت عليه  الشمس ) إثبات الهداة 1 /277ـ 278.

وذكر الإمام علي (ع) شيئاً من الوصية  فيما يخص دَين رسول الله (ص)  في الرواية الآتية :-

عن الإمام علي (ع) قال : ( وأما السابعة والأربعون : فإن رسول الله (ص) عهد إليّ في وصيته بقضاء دينه وعداته فقلت : يا رسول الله قد علمت أنه ليس عندي مال  فقال : سيغنيك الله  فما أردت أمراً من قضاء ديونه وعداته إلا يسره الله حتى قضيت ديونه وعداته  فأحصيت ذلك فبلغ ثمانين ألفاً وبقى بقية أوصيت الحسن أن يقضيها ) إثبات الهداة 1 /291 .

وقد علم الإمام الرضا (ع) طريقة قتله وأين يدفن من خلال وصية رسول الله (ص) وإليك نص كلامه (ع) في الرواية الآتيــة :-

عن علي بن موسى الرضا (ع) قال : ( إني مقتول مسموم ومدفون بأرض غربة أعلم ذلك بعهد عهده إليّ أبي عن أبيه عن آبائه عن رسول الله (ص) ـ الحديث ) إثبات الهداة 1 /287 .

وعن علي الأزرق قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : ( وصى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علياً ( عليه السلام) عند موته فقال : يا علي لا يظلم الفلاحون بحضرتك ولا يزداد على أرض وضعت عليها ولا سخرة على مسلم يعني الأجير ) الكافي للشيخ الكليني  5 / 284.

وعن جعفر بن محمد (ع) أنه قال : قال في وصية رسول الله (ص) لعلي : يا علي أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها  ثم قال : اللهم أعنه أما الأولى فالصدق لا تخرجن من فيك كذبة أبداً والثانية الورع  لا تجترئ على خيانة أبداً والثالثة الخوف من الله حتى كأنك تراه . والرابعة كثرة البكاء لله يبنى لك بكل دمعة ألف بيت في الجنة والخامسة بذلك مالك ودمك دون دينك  والسادسة الأخذ بسنتي في صلاتي وصيامي وصدقتي  أما الصلاة فالإحدى والخمسون ركعة  وأما الصيام فثلاثة أيام في كل شهر خميس من أوله وأربعاء في وسطه وخميس في آخره . وأما الصدقة فجهدك حتى يقال : قد أسرفت ولم تسرف . فعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الزوال وعليك بصلاة الزوال وعليك بصلاة الزوال  وعليك بتلاوة القرآن على كل حال  وعليك برفع يديك في صلاتك  وعليك بالسواك عند كل وضوء وعليك بمحاسن الأخلاق فاركبها ومساوئ الأخلاق فاجتنبها  وإن لم تفعل فلا تلم إلا نفسك ) دعائم الاسلام للقاضي النعمان المغربي  2 / 347.

وهناك روايات أخرى تتضمن بعض أجزاء وصية الرسول (ص) تركتها للاختصار وفيما ذكرت كفاية وما يهمنا في هذا البحث  هو إثبات وصية الرسول (ص) ليلة وفاته  التي أملاها على الإمام علي (ع)  وخطها أمير المؤمنين بيده وأن هذه الوصية غير التي نزلت من السماء .

وقد أكد على هذه المسألة الأحمدي الميانجي في كتابه مكاتيب الرسول (ص) ، فقال : ( أقول : مقتضى هذه الأحاديث أن الوصية كانت على قسمين :

أ - قسم من الله تعالى إلى رسوله مختوما بإثني عشر خاتما من الذهب ، لكل إمام خاتم يفكه ويعمل بما كتب له .

ب - قسم كتبه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعلي فيه أمور قد أشير إليها في الأخبار والأحاديث المروية كقوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( يا علي غسلني ولا يغسلني غيرك ) ( راجع ما تقدم بالرقم / 8 ) . ( يا علي إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماما - إلى قوله - والاسم الثالث المهدي هو أول المؤمنين )

مكاتيب الرسول - الأحمدي الميانجي ج 2 ص 99.

وأهم نص من الوصية هو ما ذكرته سابقاً ًوالذي يتكفل بيان الأوصياء من الأئمة والمهديين إلى يوم القيامة  ولا يوجد نص يثبت ما كتبه الرسول (ص) نصاً لبيان هذا الموضوع فتكون هذه الوصية هي الأول وهي الآخر وهي السند وعليها المعتمد  لمعرفة أوصياء الرسول (ص) إلى يوم القيامة ومن أعرض عنها فهو من أتباع الأول والثاني  الذين رفضوا وصية الرسول (ص) وخالفوها  ونقول له : ائتنا بوصية غير هذه  تبيّن الأوصياء واحداً بعد الآخر إلى يوم القيامة  من فم الرسول (ص)  إلى قلم أمير المؤمنين (ع) . وسيعيه الطلب ودون إثباته خرط القتاد . لعدم وجود ذلك إلا في الوصية التي ذكرتها سابقاً والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

 

( ذكر الوصية عند أبناء العامة )

رغم تجنب أبناء العامة  للتطرق إلى مسألة وصية الرسول محمد (ص) لأنها تتعارض مع مذهبهم  إلا أن الله تعالى أظهر ذلك في بعض كتبهم وان كانوا له منكرين  وأقصد بذلك مسألة وصية الرسول لعلي (ع) ليلة الوفاة  وأما ما ذكره الرسول (ص) في إثبات خلافة الإمام علي (ع) في مراحل حياته وقبل الوفاة  فقد امتلأت كتبهم بذلك ولا سبيل لنكرانها ولكن الذي يهمنا في هذا البحث  هو ذكر الوصية في آخر حياة الرسول (ص)  وإليك بعض ما ذكره أبناء العامة في كتبهم :-

فقد ذكر العجلوني في كتابه كشف الخفاء هذه الرواية عن الرسول محمد (ص) : ( يا علي أدع بصحيفة ودواة فأملى رسول الله (ص) فكتب علي وشهد جبرائيل ثم طويت الصحيفة ، قال الراوي فمن حدثكم أنه يعلم ما في الصحيفة إلا الذي أملاها وكتبها وشهدها فلا تصدقوه فعل ذلك في مرضه الذي توفى فيه ) كشف الخفاء 2 /384 .

وذكر ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات) هذه الرواية مع زيادة وحاول تضعيف رواتها والطعن فيها لأنها تعارض عقيدته في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان .

فقال ابن الجوزي : ... عن أبي عرفجة عن عطية قال : مرض رسول الله (ص) المرض الذي توفى فيه  قال وكانت عنده حفصة وعائشة  فقال لهما : أرسلا إليّ خليلي فأرسلتا إلى أبي بكر فجاء فسلّم ودخل المجلس فلم يكن للنبي (ص) حاجة فقام فخرج  فنظر إليهما فقال : أرسلا إليّ خليلي فأرسلتا إلى عمر فجاء فسلّم ودخل  فلم يكن للنبي (ص) حاجة فقام فخرج  ثم نظر إليهما فقال : أرسلا إليّ خليلي  فأرسلتا إلى علي (ع) فجاء فسلّم ودخل  فلما جلس أمرهما فقامتا . قال : يا علي : أدع صحيفة ودواة  فأملى رسول الله (ص) وكتب علي وشهد جبرئيل . ثم طويت الصحيفة . فمن حدثكم أنه يعلم ما في الصحيفة إلا الذي أملاها وكتبها فلا تصدقوه) الموضوعات 1 /377 .

وقد أخبرنا الذي كتب هذه الوصية ورواها لشيعته لكي يعرفوا بها الأوصياء إلى يوم القيامة. وقريب من هذه الرواية ما نقله الخاصة عن الإمام الصادق (ع) أنه قال :

( قال رسول الله (ص) في مرضه الذي توفي فيه : ادعوا لي خليلي  فأرسلتا إلى أبويهما  فلما نظر إليهما رسول الله (ص) أعرض عنهما ثم قال : ادعوا لي خليلي  فأرسل إلى علي  فلما نظر إليه أكب عليه يحدثه فلما خرج لقياه فقالا له : ما حدثك خليلك  فقال : حدثني ألف باب يفتح كل باب ألف باب ) الكافي 1 / 328ـ329.

وبذلك تلزم الحجة أبناء العامة ولابد لهم من معرفة ما أوصى به الرسول محمد (ص) لعلي في تلك الصحيفة ولا طريق إلى ذلك إلا الإمام علي (ع) كما شهد بذلك راويا تلك الرواية.


( الوصية هي الطريق الوحيد )

بعد أن ثبت وجوب الوصية على كل مسلم  وتركها يستلزم أن يموت الانسان ميتة جاهلية  وأيضاًً ثبت أن كل الأنبياء والأئمة عليهم السلام قد أوصوا قبل مماتهم أو عند الموت بالخصوص وإن الرسول محمد (ص) قد أوصى في ليلة وفاته  وإن وصيته هذه ان اعتمدتها الأمة وسارت عليها  لن تضل إلى يوم القيامة  ولا يختلف اثنان، فلا بد أن تكون هذه الوصية فيها أمر جديد  غير الذي كان يؤكد عليه الرسول (ص) خلال حياته  من وجوب طاعة خليفته والأئمة من ولده  فلا بد من وجود بيان وتفصيل جديد على أقل تقدير وإلا إذا كانت الوصية هي نفس ما كان يؤكد عليه الرسول (ص) في عدة مناسبات على خلافة الإمام علي (ع)  فلماذا كل هذا الحرص من الإمام علي (ع)  والصحابة المقربين على معرفة تفاصيل هذه الوصية  فهل أنهم كانوا يجهلون حق علي (ع) بخلافة الرسول (ص)  وهم الذين عايشوا حادثة الغدير عياناً إضافة إلى مئات المواقف التي صرح بها الرسول (ص) بحق الإمام علي (ع) بالخلافة  وأنه أفضل وأقرب وأعلم وأطهر أصحابه على الإطلاق !!

فحتى لو لم يتمكن الرسول (ص)  من إملاء الوصية على أمير المؤمنين (ع)  فإن الصحابة أمثال سلمان المحمدي وأبي ذر والمقداد وغيرهم ، لا يشكون في أحقّية الإمام علي(ع) بخلافة الرسول (ص) .

إذن فلا بد من وجود أمر جديد حرص الرسول (ص) حرصاً شديداً على تبليغه للأمة وبعد أن اعترض عمر بن الخطاب واتهم الرسول (ص) بأنه يهجر (وحاشاه)  كتب الرسول (ص) هذه الوصية للإمام علي (ع)  وأشهد عليها أخلص أصحابه وهم : سلمان الفارسي وأبو ذر والمقداد  كما تقدم ذكر ذلك مراراً .

وحرص الرسول (ص) والإمام علي (ع)  والصحابة على كتابة وسماع هذه الوصية  يؤكد على مدى أهمية هذه الوصية وأنها ستهدي الأمة إلى الصراط المستقيم  وتجنبهم السبل التي تفرقهم عن الحق الخالص .

وإذا كان كذلك ولكي تثمر هذه الوصية ثمرتها  ولكي لا تضيع أتعاب الرسول (ص) والإمام علي (ع)  أدراج الرياح  لابد أن تصل هذه الوصية إلى شيعة ومحبي الرسول (ص) وأوصيائه (ع)  فقد تحمل الرسول (ص) بسبب هذه الوصية معاناة شديدة  وهو في سكرات الموت  ولاسيما حين أتهمه عمر بأنه يهجر (وحاشاه)  هذه التهمة التي من شأنها نسف الرسالة والدين من الأساس  إذ كيف يمكن أن يتطرق إلى الرسول (ص) الهذيان والكلام بلا شعور وهو الذي قال عنه الله تعالى : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)  فأمرهم الله تعالى بالأخذ في قول الرسول (ع)  في أصغر الأمور وأكبرها  فكيف يمكن التشكيك بكلام الرسول (ص)  في أهم وأعظم وثيقة سيكتبها الرسول (ص)  والتي تتكفل بيان تكليف الأمة الإسلامية إلى يوم القيامة !!!

وإذا لم تصل هذه الوصية  أو على الأقل أهم جزء منها  إلى الشيعة فلا فائدة من كل هذه الجهود التي بذلها الرسول (ص) ولكانت كل الأمة بما فيهم الشيعة فاقدة لصمام الأمان  وهي الوصية التي قال عنها الرسول (ص) : ( أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً ً)  وحاشا الله تعالى ورسوله (ص) ووليه علي (ع)  أن يحرموا كل الأمة من هذه الوصية  التي تتكفل بيان الأوصياء إلى يوم القيامة فلابد أن يوصلها الإمام علي (ع) إلى شيعته  ويؤدي الأمانة التي حمَّلها له الرسول (ص) لكي لا يُضيعوا من في أصلاب الرجال إلى يوم القيامة .

إذن إذا كان لابد من وصول الوصية للشيعة المخلصين وأؤكد على أن المراد بالوصية  هو ما أملاه الرسول (ص) ليلة الوفاة وما خطه الإمام علي (ع) بيده بالصحيفة والدواة التي طلبها الرسول (ص) فهل يمكن لأحد أن يأتينا بوصية غير الوصية التي ذكرتها سابقاً  والتي بيّنت عدد وأسماء الأوصياء من الأئمة والمهديين  من ذرية الإمام المهدي (ع) .

وأؤكد على أنه لا توجد رواية واحدة  تذكر نص ما أملاه الرسول (ص) لعلي (ع)  غير تلك الوصية  وأتحدى الجميع بأن يأتوا بذلك  فقد تتبعنا الروايات  فلم نجد أثراً لما أملاه الرسول (ص) ـ نصاً - غير ما ذكرت ومن المعلوم أن الرواية التي نقلها الشيخ الطوسي (رحمه الله)  تتضمن أهم جزء من الوصية  وهو تعيين الرسول (ص) لأوصيائه إلى يوم القيامة  لأن الولاية ومعرفة الإمام  أهم ما في الدين بعد معرفة الله تعالى  وإلى هذا المعنى أشارت روايات كثيرة من شاء فليراجع الكافي ج1 ووسائل الشيعة ج18  وغيرها من كتب الحديث . وإذا كانت هذه الوصية هي الوحيدة التي تذكر نص ما أملاه الرسول (ص) ليلة الوفاة فهي الطريق الوحيد لمعرفة وصية الرسول (ص) ليلة الوفاة ولا طريق غيرها على الإطلاق.

والذي يحاول التشكيك بها  أو ردها فهو شريك عمر بن الخطاب في اعتراضه على كتابة نفس تلك الوصية  واتهامه للرسول (ص) بأنه يهجر (وحاشاه) إذن عمر اعترض على كتابتها لأنه يعلم أنها إذا كتبت لا يمكن له الاعتراض على خلافة الإمام علي (ع)  ولا يمكن تحقيق ما كان يصبو إليه من ملك دنيوي رخيص والذي يعترض عليها الآن ولا يعترف بها  كذلك لأنه يعلم أن اعترافه بها يثبت حق المهديين بالوصاية وإن أولهم أول الممهدين للإمام المهدي (ع)  وهو اليماني الموعود  وطبعاً هذا لا ينسجم مع أهداف من إتبع هواه وأخلد إلى الأرض  وابتغى الدنيا وزينتها من جاه وأتباع وشهوات  فالأمر يعود كما بدأ  فنفس الأسباب التي من أجلها اعترض عمر على كتابة الوصية هي الأسباب التي من أجلها الآن يعترض المعترضون على الوصية .

فلو نقلت الوصية بروايتين مختلفتين  لربما كان هناك حق للاعتراض والتشكيك بإحداهما واثبات الأخرى لكي لا نكون صفر اليدين مما أملاه الرسول (ص) ليلة وفاته لعلي (ع)  ولكنها نص واحد ورواية واحدة وبرفضها ترفض وصية رسول الله (ص) ليلة الوفاة  وتحرم الأمة من بركاتها  ويـُساء إلى الرسول ويجازى إحسانه بالإساءة  وتكون للناس حجة على الله تعالى  بأنه لم يبيّن لهم كل الأوصياء إلى يوم القيامة ولله الحجة البالغة على الناس حيث يأتيهم الجواب : قد وصلتكم وصية رسول الله (ص) وقـد رفضتموها لأنها لـم تنسجم مع أهواءكـم  ورغباتكم الدنيوية  قال تعالـى : (أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) . وأما من قال : بأن هذه الوصية خبر آحاد لا يمكن الاستدلال بها . فهذا مردود من عدة جهات . منها : إننا لا نسلم بهكذا قاعدة وإنها لم تصدر عن إمام معصوم ، بل ما صدر عن الأئمة خلافها ومنها : إن الوصية مؤيدة بعدة قرائن توجب القطع بصدورها كما سيأتي مناقشة ذلك بالتفصيل  فأنتظر وتأمل .


( الراد على الوصية خارج عن الولاية )

وردت الكثير من الروايات الصحيحة  تحذر وتنذر من الرد على روايات أهل البيت  مهما كانت الأسباب  إلا إذا كانت مخالفة للقرآن الكريم أو السنّة الصحيحة الثابتة  وقد صرحت بعض الروايات بأن الراد على كلام الأئمة (ع)  يعتبر خارجاً عن الولاية وبعضها صرحت بأن الراد عليهم كالراد على الله تعالى .

وأكثر العلماء ومدعي العلم والدين تراهم الآن بمجرد أن يسمعوا رواية لا تنسجم مع عقولهم الناقصة أو تخالف أهوائهم يبادرون إلى ردها ووصفها بأنها إسرائيلية أو موضوعة !!! وتجاهلوا كلام الأئمة (ع) بأن دين الله لا يصاب بعقول الرجال وإن حديثهم صعب مستصعب لا يحتمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرّب أو عبد امتحن الله قلبه للأيمان.

عن أبي جعفر (ع) قال : ( قال رسول الله (ص) : إن حديث آل محمد صعب مستصعب لا يؤمن به إلا ملك مقرّب أو نبي مرسل أو عبد أمتحن الله قلبه للأيمان  فما ورد عليكم من حديث آل محمد (ع) فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه  وما اشمأزت منه قلوبكم وأنكرتموه فردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى العالم من آل محمد (ع)  وإنما الهالك أن يحدث أحدكم بشيء منه لا يحتمله  فيقول : والله ما كان هذا ، والله ما كان هذا  والإنكار هو الكفر ) الكافي 1/455.

ففي هذا الحديث يحكم الرسول (ص) بالكفر على من أنكر حديثاً من أحاديث آل محمد حتى ان كان مخالفاً لعقله فهلاّ يتعض الآن من ينكر وصية رسول (ص) وبدون حجة  فلا هي مخالفة للقرآن  بل هي موافقة للقرآن كما سيأتي  ولا هي مخالفة للسنّة  بل هي السنّة  ولا هي مخالفة للعقول، نعم هي مخالفة للأهواء الشيطانية  والقلوب المريضة  التي انطوت على معاداة أهل البيت (ع)  وان  أظهرت المحبة ظاهراً.

وفي الرواية الصحيحة عن الباقر (ع) : ( والله إن أحب أصحابي إليّ أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا  وان أسوأهم عندي حالاً وأمقتهم الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا فلم يعقله اشمأز منه وجحده وكفّر من دان به وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج وإلينا أسند فيكون بذلك خارجاً ًعن ولايتنا ) الكافي 2 / 223، السرائر 3 /591.

وسبحان الله الكلام هنا عن الحديث الذي لا يقبله العقل والذي تشمئز منه النفوس ورغم ذلك يصف الإمام الراد لهكذا حديث يكون خارجاً عن ولاية أهل البيت (ع)  ومن البديهي أن الخارج عن ولايتهم (ع)  قطعاً يكون داخلاً ًفي ولاية الشيطان (أعاذنا الله) . فما عذر الذين يردون وصية رسول الله (ص) رغم أنها ذُكرت في أوثق الكتب الشيعية ومؤيدة بعدة روايات تعضد مضمونها وأن سندها معتبر كما سيأتي تفصيله إنشاء الله تعالى.

وعن سفيان بن السمط قال : قلت لأبي عبد الله (ع) : جعلت فداك إن الرجل ليأتينا من قبلك فيخبرنا عنك بالعظيم من الأمر فيضيق بذلك صدورنا حتى نكذبه  قال : فقال : أبو عبد الله (ع) ( أليس عني يحدثكم  قال : قلت :بلى . قال: فيقول لليل انه نهار وللنهار انه ليل قال: قلت:لا. قال: فقال: رده إلينا فإنك إن كذبت إنما تكذبنا ) بصائر الدرجات ص 557.

بل أكثر من ذلك فقد أمر الأئمة (ع)  بعدم رد الخبر  حتى إذا كان ناقله يعرف بالكذب والخبر مخالف للعقل !!!

عن سفيان بن السمط في رواية صحيحة  قال : قلت لأبي عبد الله (ع) جعلت فداك يأتينا الرجل من قبلكم يعرف بالكذب  فيحدث بالحديث فنستبشعه . فقال أبو عبد الله (ع): يقول لك إني قلت الليل انه نهار والنهار انه ليل قلت:لا. قال: فأن قال لك هذا إني قلته فلا تكذب به فإنك إنما تكذبني ) مختصر بصائر الدرجات ص76.

ولا أعتقد أن عاقلاً يسمع هذه الروايات ويتجرأ على تكذيب رواية واحدة وإن كانت غير معقولة بل في الرواية السابقة يمنع الإمام الصادق (ع) من تكذيب الخبر حتى إذا كان محالاً وهو كون الليل نهار والنهار ليل !! مع كون الناقل لهكذا خبر معروفاً بالكذب . وبهذا تسقط عن الاعتبار  أكثر قواعد الحديث  التي وضعت لرد روايات أهل البيت (ع)  لمجرد أن الراوي ليس بثقة  أو معتقد لغير الحق  ويقسمون الحديث على أساس ذلك إلى صحيح وغير صحيح  بينما قواعد أهل البيت (ع) في الحديث  هي الأخذ بما وافق القرآن والسنّة الصحيحة  والأخذ بما خالف أبناء العامة  وترك ما وافقهم عند تعارض الروايات  وغيرها من الضوابط التي ليس الآن محل بيانها .

بل وردت روايات تحذر من تكذيب الرواية  وإن كان المُكذِب يعرف خلاف ما نقل إليه  لإحتمال أن الأئمة (ع)  يقصدون بكلامهم أمراً آخر غير الذي ظهر للمستمع .

فعن الرضا (ع) في رواية صحيحة منها : ( ... ولا تقل لما بلغك عنا أو نسب إلينا هذا باطل وإن كنت تعرف خلافه فإنك لا تدري لم قيل وعلى أي وجه وصفة ) روضة الكافي ج59 / بصائر الدرجات 558 .

بل أكثر من ذلك كله فقد وردت روايات تنهى عن التكذيب للخبر وان كان الناقل له فاسد العقيدة والمذهب كالخارجي والقدري والمرجئي كما في الرواية الصحيحة

الآتية :- ( لا تكذبوا بحديث أتى به مرجئي ولا قدري ولا خارجي فنسبه إلينا فإنكم لا تدرون لعله شيء من الحق فتكذبوا الله ) البحار 2 /187 .

فبربكم إذا كان الخبر يتصف بكل هذه الصفات المرفوضة عند الناس ورغم ذلك ينهى الأئمة (ع) عن تكذيبه بل يعدون ذلك خروجاً عن الولاية وتكذيباً لله تعالى ويرشدون إلى التوقف به وعدم رده وتكذبيه، على أقل تقدير. فكيف يمكن رد رواية الوصية وهي لم تروَ عن خارجي ولا مرجئي ولا قدري ولا كذاب  وليست مخالفة للقرآن والسنة ولا للعقل  بل موافقة للقرآن وللسنّة وللعقل  وتعضدها كثير من القرائن الداخلية والخارجية  وقد اعتمد عليها كثير من فطاحل العلماء والمحدثين ، فهي بذلك تكون قطعية الصدور عن الرسول محمد (ص)  وهذا ما قرره أهل علم الحديث في كتبهم  ولا يمكن التشكيك بها  إلا من قبل منافق مرتاب  وردها يعتبر كفر وخروج عن الولاية  كما نطقت بذلك الروايات المتقدمة  وكفى بذلك عاراً لمن كذب وصية رسول الله (ص)  أو حاول التشكيك بها  مع كل هذه الأدلة التي تعضدها .

وليت شعري أين هي الروايات المدسوسة والموضوعة كذباً على الأئمة (ع) وهل بقي كذاب لم يفضحه الله تعالى حتى قال بعض العلماء: ( ما ستر الله أحداً ًيكذب في الحديث ) شرح الدراية للعاملي ص58 .

فأين هي الروايات المكذوبة والتي لم تكتشف لحد الآن بعد كل الجهود التي بذلها المحدثون في هذا المجال وهل هذا إلا كخوف الطفل من ابن آوى وهو في حصن حصين بين أهله !!

فلا ينبغي المبالغة في التشكيك في الروايات  بحجة أنها مدسوسة أو ما شابه ذلك ولم نرَ لحد الآن أن هناك أخبار مدسوسة  قد عملت بها الشيعة واعتمدت عليها  أو نقلها العلماء في كتبهم الموثقة أو استدلوا بها ولاسيما زعيم الطائفة ورئيسها الشيخ الطوسي الذي روى وصية رسول الله (ص) واستدل بها في كتابه (الغيبة) وهو صاحب كتابين من الكتب الأربعة  التي تعد أوثق الكتب الشيعية على الإطلاق وعليها قام المذهب واعتمد وهما : التهذيب والاستبصار والكتابان الآخران  هما الكافي للشيخ الكليني ومن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق (رحمهم الله ) . ولكن لا غرابة في أن ترد أحاديث أهل البيت في هذا الزمان الذي يصف الرسول (ص) أهله بأنهم يرون المعروف منكراً والمنكر معروفاً.ًوهل يدري هؤلاء لماذا فضّل الله تعالى أهل آخر الزمان على أهل كل زمان ـ وهم أنصار المهدي (ع) ـ لقد فضلهم الله تعالى لتصديقهم بروايات الرسول (ص) وعترته الطاهرة  وإليك الرواية الآتية عن الرسول (ص) التي يظهر أنها من ضمن الوصية التي أوصى بها رسول الله (ص) ليلة وفاته  لتصريح الإمام علي (ع) بذلك  ولأنها نفس سياق الوصية  ابتدأت بقول الرسول (ص) : ( ياعلي…) .

عن الإمام جعفر بن محمد عن أبيه، عن جده  عن علي ابن أبي طالب (ع) في حديث طويل في وصية النبي (ص)  يذكر فيها إن رسول الله (ص) قال له : ( يا علي واعلم أن أعجب الناس إيمانا وأعظمهم يقيناً قوم يكونون في آخر الزمان لم يلحقوا بنبي وحجب عنهم الحجة  فآمنوا بسواد على بياض ) كمال الدين 1/288.

والسواد على بياض هو الروايات فالذي يرد روايات أهل البيت بحجج واهية  ناقص الايمان وناقص اليقين  بل كافر وخارج عن الولاية - كما ذكرت الروايات المتقدمة -  ولا يتوقع نصرة القائم (ع)  لأن نصرة القائم لأعظم الناس يقيناً وهم المؤمنون بالروايات (بسواد على بياض)  والروايات كثيرة في مدح المصدقين والمسلّمين لروايات أهل البيت (ع) لا يتسع المقام لذكرها  وسأختصر بإضافة ثلاث روايات فقط : عن الرسول (ص) أنه قال : ( أي إيمان أعجب  قالوا : إيمان الملائكة  قال وأي عجب فيه  وينزل عليهم الوحي : قالوا : إيماننا  قال (ص) وأي عجب فيه وأنتم تروني : قالوا فأي إيمان هو  قال : إيمان قوم في آخر الزمان بسواد على بياض) مستدرك الوسائل 17/300 .

وعن صفوان الصيقل قال : ( دخلت أنا والحرث بن المغيرة وغيره على أبي عبد الله (ع) فقال له الحرث : إن هذا ـ يعني منصور الصيقل- لا يريد إلا أن يسمع حديثنا فوالله ما يدري ما يقبل مما يرد . فقال أبو عبد الله (ع): هذا الرجل من المسلّمين وإن المسلمين من النجباء ) بصائر الدرجات 544.

وعن زيد بن الشحام قال : قلت لأبي عبد الله (ع) (عندنا رجل يسمى كليبا ً فلا نحدث عنكم شيئاً إلا قال : أنا أسلّم  فسميناه كليب التسليم قال : فترحم عليه ثم قال : أتدرون ما التسليم  فسكتنا  فقال : هو والله الإخبات قول الله : (إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ) بصائر الدرجات ص545 .

 

( الوصية من الرسول (ص) إلى الإمام المهدي (ع))

 

بعد أن أطلت الكلام في إثبات وصية الرسول (ص) ليلة الوفاة  ومدى أهميتها وفائدتها للأمة  وأنها تهدي الأمة في كل زمان إلى إمامهم الحق وتجنبهم اتباع أئمة الضلالة الذين يدعون إلى النار، أبدأ الآن في تسليط الضوء على هذه الوصية بعد الرسول محمد (ص)  وانتقالها من إمام إلى إمام  حتى قيام الإمام المهدي (ع) .

فقد كانت الوصية قبل أن يخلق آدم (ع) : (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) وهكذا هلم جراً إلى كل الأنبياء والمرسلين  وإلى قيام القائم (ع)  ثم بعده إلى ذريته المهديين (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ)  وقد أوكل الله تعالى للرسول محمد (ص)  بيان الخلافة من بعده إلى يوم القيامة .

عن الإمام الباقر (ع) في حديث طويل : (إن الله أوحى إلى النبي (ص) إني لم أقبض نبياً من أنبيائي ولا رسولاً من رسلي إلا بعد إكمال ديني وكشف حجتي وقد بقيت عليك من ذلك فريضتان مما يحتاج أن تبلغهما قومك فريضة الحج وفريضة الولاية والخلافة من بعدك وإني لم أخل أرضي من حجة ولن أخليها أبداً ... الحديث ) إثبات الهداة 1 /133.

وقد أمتثل الرسول (ص) لأمر الله تعالى  وبيّن خلفاءه إلى يوم القيامة في وصيته ليلة وفاته، وهم الأئمة والمهديون (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) .

عن أبي عبد الله (ع) في حديث : إن رسول الله (ص) قال لعلي (ع) : وأنت تدفعها يعني الوصية إلى وصيك ويدفعها وصيك إلى أوصيائك من ولدك واحداً بعد واحد حتى تدفع إلى خير أهل الأرض بعدك ولتكفرن بك الأمة ولتختلفن عليك اختلافا ً شديداً ) إثبات الهداة 1 /259 .

عن أبي عبد الله (ع) في قول الله تعالى : ( (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ) قال : انما يعني أولى بكم أي أحق بكم وبأموركم وبأنفسكم وأموالكم والذين آمنوا يعني علياً وأولاده الأئمة إلى يوم القيامة ... الحديث) إثبات الهداة 1 /442 .

وعن أبي عبد الله (ع) أنه قال : ( لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين إنما هي في الأعقاب وأعقاب الأعقاب ) الكافي 1 /316 .

واليك أيضاً الروايات التي تذكر ان الإمام المهدي (ع) عندما يقوم بمكة يكون عنده عهد رسول الله ( الوصية )  وتكون دليلاً لاثبات صدقه عند الناس وهذا يدل على عظمة الوصية وأهميتها .

عن الإمام الصادق (ع) في حديث قال : ( ... فيبايعونه بين الركن والمقام ومعه عهد من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد توارثته الأبناء عن الآباء... ) غيبة النعماني ص282.

وعنهم (ع): (... يخرج من مكة هو ومن معه الثلاثمائة وبضعة عشر يبايعونه بين الركن والمقام  معه عهد نبي الله صلى الله عليه وآله ورايته  وسلاحه  ووزيره معه  فينادي المنادي بمكة بإسمه وأمره من السماء  حتى يسمعه أهل الارض كلهم اسمه اسم نبي . ما أشكل عليكم فلم يشكل عليكم عهد نبي الله صلى الله عليه وآله ورايته وسلاحه... ) بحار الأنوار 25 /223.

وفي الرواية السابقة  يؤكد الإمام (ع) على إنه إذا أشكل عليكم معرفة القائم (ع)  فالدليل هو الوصية  التي توارثها الأبناء عن الآباء  وبعد هذا فالتعليق لا يليق  لأنه من توضيح الواضحات .

وكل إمام يدفع الوصية إلى من بعده إذا حضرته الوفاة كما تقدم تفصيله وان الإمام اللاحق يعلم كل علم الإمام السابق في آخر دقيقة من حياته  كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى  والكلام في إمامة الأئمة إلى الإمام المهدي (ع) متفق عليه بين الشيعة فلا حاجة لاطالة الكلام في ذلك  ولننتقل إلى انتقال الوصية إلى ذرية الإمام المهدي (ع) من بعده .


( الوصية بعد الإمام المهدي (ع) )

لاشك أن التكليف سيبقى بعد استشهاد الإمام المهدي (ع) روحي له الفداء  وستستمر دولته إلى يوم القيامة  لأن مدة بقاء الإمام المهدي (ع) في الحكم قليلة جداً مرددة على ما جاء في الروايات بين خمس سنين إلى أربعين سنة  وهي مدة قصيرة نسبة إلى ما عاشته البشرية من دولة الباطل استمرت لآلاف السنين  فلا يتصور إن الله تعالى يجعل دولة الباطل آلآف السنين ودولة الحق أربعين سنة  وإلى هذا المعنى أشار السيد الشهيد الصدر (ره) في كتاب اليوم الموعود  قائلاً :   ( ... إن البشرية عاشت الالآم والويلات آلآفاً من السنين مقدمة لوجود مستقبلها الموعود المتمثل بالدولة العالمية وما بعدها فليس من المعقول أن يوجد ذلك المستقبل لفترة قصيرة من الزمن بحيث تكون آلآم البشرية أكثر من سعادتها  ... إن هذا غير حسن في الحكمة الإلهية بكل تأكيد بل ولا يمكن أن تكون السعادة بمقدار الآلام إن هذه التضحية لا تصح إلا إذا كانت السعادة أضخم بكثير من الآلام... ) اليوم الموعود ص596.

وقد نطقت عشرات الروايات باستمرار الحكم بعد الإمام المهدي (ع)  ومباشرة ذريته (ع) للحكم من بعده .

فعن الإمام الرضا (ع) عن آبائه عن أمير المؤمنين (ع) في حديث طويل مع الرسول (ص) في نهايته قال الله تعالى للرسول (ص) عن الإمام المهدي (ع) وعن مدة حكمه : ( ... ولأنصرنه بجندي ولأمدّنه بملائكتي حتى يعلن دعوتي ويجمع الخلق على توحيدي ثم لأديمن ملكه ولأداولن الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة ) عيون أخبار الرضا 1 /137-138 .

وعن الإمام الصادق (ع)  أنه قال : ( ان أهل الحق لم يزالوا منذ كانوا في شدة أما إن ذلك إلى مدة قليلة وعافية طويلة ) البحار 64 /213.

ونقل العلامة المجلسي عن كتاب البشارة للسيد رضي الدين علي بن طاووس : وجدت في كتاب تأليف جعفر بن محمد بن مالك الكوفي بإسناده إلى حمران قال : ( عمر الدنيا مائة ألف سنة لسائر الناس عشرون ألف سنة وثمانون ألف سنة لآل محمد عليه وعليهم السلام ) بحار الأنوار  35 / 116.

إذن ستستمر دولة الإمام المهدي من بعد استشهاده تتداول بين أولياء الله تعالى إلى مدة طويلة وهم ذرية الإمام المهدي كما سيتضح ذلك من روايات أهل العصمة (ع).

والانطلاقة الرئيسية لإثبات أن الوصية ستستمر بعد الإمام المهدي (ع) لذريته المهديين (ع)، هي وصية الرسول محمد (ص) ليلة وفاته التي ذكرتها سابقاً وسأذكرها الآن باختصار :

عن ...عن الإمام علي (ع)  قال : ( قال رسول الله (ص) – في الليلة التي كانت فيها وفاته لعلي (ع) يا أبا الحسن أحضر صحيفة ودواة فأملا رسول الله (ص) وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع فقال : يا علي إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماما ً ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً فأنت يا علي أول الأثني عشر إمام ... وساق الحديث إلى أن قال : فإذا حضرته الوفاة (الحسن العسكري) فليسلّمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد عليهم السلام فذلك اثنا عشر إماماً ثم يكون من بعده اثنا عشر مهدياً فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه أول المقربين (المهديين ) له ثلاثة أسامي أسم كأسمى واسم أبي وهو عبد الله وأحمد والاسم الثالث المهدي وهو أول المؤمنين ) غيبة الطوسي ص107-108 .

وهذا بيان واضح وجلي ولا يحتمل أي لبس من الرسول محمد (ص) يثبت بأن الوصية ستنتقل بعد الإمام المهدي (ع) إلى ذريته المهديين (ع) والذين سيكونون أئمة الأمة بعد أبيهم الإمام المهدي (ع): (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وليس وصية الرسول (ص) وحدها التي تثبت ذلك بل هناك الكثير من الروايات المتواترة معنىًً تؤكد على أن أوصياء الإمام المهدي (ع) هم ذريته منها :

ما جاء في الدعاء المشهور المعتبر عن الإمام المهدي في كيفية الصلاة على محمد وآل محمد إلى أن يصل إلى نفسه فيقول (ع) : ( ... اللهم أعطه في نفسه وذريته وشيعته ورعيته وخاصته وعامته وعدوه وجميع أهل الدنيا ما تقر به عينه وتسر به نفسه  ... إلى قوله (ع): وصل على وليك وولاة عهده والأئمة من ولده ومدّ في أعمارهم وزد في آجالهم وبلغهم أقصى آمالهم دنيا وآخرة ... ) غيبة الطوسي ص186 / جمال الأسبوع ص301 .

وما جاء في دعاء الإمام الرضا (ع) ـ الصحيح ـ للإمام المهدي في عصر الغيبة : ( ... اللهم أعطه في نفسه وأهله وَوَلـَدِه وذريته وأمته وجميع رعيته ما تقر به عينه وتسر به نفسه وتجمع له ملك المملكات كلها... إلى ان يقول : اللهم صل على ولاة عهده والأئمة من بعده وبلغهم آمالهم وزد في آجالهم وأعز نصرهم ... ) مفاتيح الجنان ص618 .

وعن الصادق (ع) إنه قال : ( إن منّا بعد القائم (ع) إثنا عشر مهدياً من ولد الحسين (ع) ) مختصر بصائر الدرجات ص49 .

وعن أبي بصير قال: ( قلت للصادق جعفر بن محمد (ع): يا ابن رسول إني سمعت من أبيك (ع) انه قال: يكون بعد القائم اثنا عشر إماماً. فقال إنما قال: اثنا عشر مهديا ًولم يقل اثنا عشر إماما ً ولكنهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقنا ) كمال الدين 2/358.

وهنا لا يريد الإمام الصادق (ع)  نفي مطلق الإمامة عن ذرية الإمام المهدي (ع)  بل أراد ان يبيّن أنهم ليس أئمة كإمامة آبائهم الأثني عشر عليهم السلام بل بمرتبة أدنى  وإلا فهم أئمة يقودون الناس بعد أبيهم الإمام المهدي (ع)  بدليل قول الإمام المهدي في الدعاء السابق أيضاً: ( ... اللهم صل على ولاة عهده والأئمة من بعده...).

وعن حبة العرني قال : خرج أمير المؤمنين (ع) إلى الحيرة فقال : (لتصلن هذه بهذه وأومى بيده إلى الكوفة والحيرة حتى يباع الذراع فيما بينهما بدنانير وليبنين بالحيرة مسجداً له خمسمائة باب يصلي فيه خليفة القائم عجل الله فرجه لأن مسجد الكوفة ليضيق عنهم وليصلين فيه اثنا عشر إماماً عدلاً... الحديث ) التهذيب 3/253، معجم أحاديث الإمام المهدي 3 /112.

فمن هو خليفة القائم ومن هؤلاء الاثنا عشر إمام الذين يصلّون بهذا المسجد الذي يبنى في دولة القائم (ع)  فهل يصدق هذا على غير ذرية الإمام المهدي (ع)  الأثني عشر المهديين (ع)  كما نصت الروايات عليهم .

وعن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) في ذكر الكوفة قال: (...فيها مسجد سهيل الذي لم يبعث الله نبياً إلا وصلى فيه ومنها يظهر عدل الله وفيها يكون قائمه والقوام من بعده وهي منازل النبيين والأوصياء والصالحين ) وسائل الشيعة الإسلامية 3 /524.

وعن الإمام السجاد (ع) قال: ( يقوم القائم منا ثم يكون بعده اثنا عشر مهدياً ) شرح الأخبار 3 /400.

وفي الدعاء الوارد عن الحسن العسكري (ع)  بمناسبة ولادة الإمام الحسين (ع) قال فيه : ( ... وسيد الأسرة ( الحسين ) الممدود بالنصرة يوم الكرة المعوض من قتله ان الأئمة من نسله والشفاء في تربته والفوز معه في أوبته والأوصياء من عترته بعد قائمهم وغيبته حتى يدركوا الأوتار ويثأروا الثار ويكونوا خير أنصار ) المصباح للكفعمي ص543 / مصباح المتهجد للشيخ الطوسي ص826 .

فهذا الكلام لا يمكن حمله على غير ذرية الإمام المهدي (ع) لأن الإمام العسكري (ع) قال : ( والأوصياء من عترته بعد قائمهم وغيبته) أي إن الأوصياء بعد الإمام المهدي وغيبته  هم من ذرية الإمام الحسين (ع)  وهم من ذرية القائم (ع)  آخر التسعة من ذرية الحسين (ع)  فكلمة (بعد قائمهم وغيبته) دليل قاطع على أن المقصود هم ذرية الإمام المهدي (ع) الأوصياء المهديون عليهم السلام .

وأخرج الشيخ الطوسي في غيبته عن أبي عبد الله (ع) أنه قال لأبي حمزة في خبر طويل : ( ... يا أبا حمزة إن منّا بعد القائم أحد عشر مهدياً من ولد الحسين ) غيبة الطوسي ص309 .

والمقصود بالقائم في هذه الرواية  هو أول المهديين من ذرية الإمام المهدي (ع)  فهو الذي بعده أحد عشر مهدياً وأما الإمام المهدي (ع) فبعده اثنا عشر مهدياً ولا تعارض بين الروايات حيث يصح تسمية كل واحد من ذرية الإمام المهدي (ع) بالقائم  بعد ملاحظة قول الإمام الصادق (ع) عنهم في الرواية السابقة الذكر (وفيها يكون قائمه والقوام من بعده ) فهم قوام بعد القائم على أمر الأمة .

وجاء في الحديث القدسي عن أبي عبد الله (ع) قال : ( قال الله عز وجل: افترضت على عبادي عشرة فرائض إذا عرفوها أسكنتهم ملكوتي وأبحتهم جناني : أولها : معرفتي . والثانية: معرفة رسولي إلى خلقي والإقرار به والتصديق له . والثالثة : معرفة أوليائي وأنهم الحجج على خلقي من والاهم فقد والاني  ومن عاداهم فقد عاداني وهم العلم فيما بيني وبين خلقي ومن أنكرهم أصليته ناري وضاعفت عليه عذابي .

والرابعة: معرفة الأشخاص الذين أقيموا من ضياء قدسي وهم قوام قسطي.

والخامسة: معرفة القوام بفضلهم والتصديق لهم... الحديث ) البحار 6/613، مستدرك سفينة البحار 7 /174.

فالفريضة الأولى في الربوبية  وهي معرفة الله تعالى  والثانية في الرسالة وهي معرفة الرسول (ص) والثالثة في الإمامة وهي معرفة الأئمة الاثني عشر أوصياء الرسول (ع) واما الرابعة فلا يمكن انطباقها إلا على الهداية وهم المهديون من ذرية الإمام المهدي (ع) وهم قوام قسط الله حيث عبر عنهم الإمام الصادق كما سبق بـ (القوام) من بعد الإمام المهدي (ع) .

وعن الصادق (ع) قال في أحد الأدعية المشهورة ( اللهم كن لوليك القائم بأمرك محمد بن الحسن المهدي عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ومؤيداً حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طولاً وعرضاً وتجعله وذريته من الأئمة الوارثين ) بحار الأنوار 49 /349 وأغلب كتب الأدعية .

وروى علي بن بابويه دعاءاً عن الإمام الرضا (ع) وفيه ذكر المهديين (ع) قال : هذا ما نداوم به معاشر أهل البيت : (... إلى ان قال : اللهم صل عليه وعلى آله من آل طه ويس واخصص وليك ووصي نبيك وأخا رسولك ووزيره وولي عهده إمام المتقين وخاتم الوصيين لخاتم النبيين محمد (ع) وابنته البتول وعلى سيدي شباب أهل الجنة من الأولين والآخرين وعلى الأئمة الراشدين المهديين السالفين الماضيين وعلى النقباء الأتقياء البررة الأئمة الفاضلين الباقين وعلى بقيتك في أرضك القائم بالحق في اليوم الموعود وعلى الفاضلين المهديين الأمناء الخزنة ...) فقه الرضا ص403 .

والدعاء واضح وصريح  في ذكر المهديين من ذرية الإمام المهدي (ع) حيث ذكر الرضا (ع) أولاً الأئمة الماضين قبله  ثم الأئمة الباقين بعده  ثم القائم المنتظر(ع)  ثم أردفه بذكر المهديين عليهم السلام .

وهناك روايات كثيرة تنص على ذرية الإمام المهدي (ع) أعرضت عن ذكرها مراعاة للاختصار ومن أراد الإحاطة فعليه بمراجعة كتاب (المهدي والمهديين في القرآن والسنة)  وكتاب (المهديين في حديث اهل البيت (ع)) وكتاب ( الرد الحاسم على منكري ذرية القائم)  وغيرها من إصدارات أنصار الإمام المهدي (ع) .

وهذه الروايات متواترة معنىً  بل تفوق حد التواتر  وكلها تؤكد على أن الوصاية بعد الإمام المهدي (ع) لذريته المهديين (ع)  فلا يمكن رد هذه الأخبار بحال  بل الرد عليها يعتبر خروجاً عن الولاية وكفراً ورداً على الله تعالى كما نصت على ذلك الروايات السابقة الذكر.

وهذه الروايات كلها تثبت مضمون وصية الرسول (ص) في ليلة وفاته  حيث شاركتها في النص على ذرية الإمام المهدي (ع) وكلها مؤيدات وقرائن على صحة الوصية وبها تكون رواية الوصية متواترة معنىً  ومحفوفة بقرائن ترفعها إلى مستوى القطع بصدورها  وإذا رُُفض هكذا خبر  مع كل هذه المؤيدات والقرائن  فلا تثبت لنا عقيدة  ولا فقه  ولا تاريخ  ولا ... ولا ... !!!

إذن فوصية الرسول (ص) في ليلة وفاته لا يمكن التشكيك بها إلا من قبل فاسق كافر خارج عن الولاية ـ كما تقدم ـ ( أعاذنا الله من ذلك ) وهي تنص على عدد أوصياء الإمام المهدي (ع) وعلى اسم وصفات أول المهديين أحمد (ع).

 

 

( الوصية والرجعة )

قد يتوهم البعض أن روايات ذرية الإمام المهدي (ع) تتعارض مع الروايات التي تنص على رجوع بعض الأئمة أو كلهم بعد الإمام المهدي (ع).

وفي الحقيقة لا تعارض بين روايات كلا الفريقين ـ كما سيتضح ـ ولا يمكن ترك أو رد روايات المهديين  لأنها متواترة معنىً وتفيد الاعتقاد وكذلك لا يمكن رد روايات الرجعة  لأنها كذلك تفيد الاعتقاد .

وبسبب ذلك احتار الكثير من أكابر العلماء في الجمع بين ذلك فمنهم من رجح روايات المهديين وضعف روايات الرجعة كالشهيد الصدر (ره)  ومنهم ترك روايات المهديين وأثبت الرجعة بعد الإمام المهدي (ع) مباشرة وبذلك وقعوا في محذور خطير وهو رفض روايات متواترة معنىً  تفيد الاعتقاد وتوجبه،  وبين هذا وذاك تراوح العلماء إثباتاً ونفياً وضل هذا الأمر مبهم  ومن المتشابهات على الأمة  ولم يستطع أحد من العلماء فك رموز هذه القضية والخروج بنتيجة الجمع بين كلا العقيدتين  ـ المهديين والرجعة  ـ إلى أن جاء أول المهديين من ذرية الإمام المهدي (ع)  السيد أحمد الحسن اليماني الموعود ووصي ورسول الإمام المهدي (ع) فأفاض علينا ما يشفي العليل ويروي الغليل في حل هذه المسألة من دون رد أي رواية في كلا المسألتين .

ولا عجب من ذلك  فقد ورد في عدة روايات عن أهل البيت (ع) إن القائم يدعو إلى أمر قد خفي  وضلّ عنه الجمهور وهذه المسألة من أهم الأمور المخفية  والتي ضلّ عنها الناس عالمهم وجاهلهم  حتى جاء صاحبها  فكشف القناع عنها ليثبت أنه صاحب الحق والمتصل مع الحق  لاغير .

فقد جاء في الرواية  عن أبي جعفر (ع) : (...وإنما سمي المهدي مهدياً لأنه يهدي إلى أمر خفي...) غيبة النعماني ص242-243 .

وعن الصادق (ع) قال: ( إذا قام القائم جاء بأمر غير الذي كان ) غيبة الطوسي 307.

وعن أبي جعفر (ع)  قال: ( إن قائمنا إذا قام دعا الناس إلى أمر جديد كما دعا إليه رسول الله (ع) وإن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء ) غيبة النعماني ص336.

وعن أمير المؤمنين (ع) في خطبة طويلة جداً قال ( ... ويظهر للناس كتاباً جديداً وهو على الكافرين صعب شديد يدعو الناس إلى أمر من أقر به هـُدي ومن أنكره غوى فالويل كل الويل لمن أنكره......) إلزام الناصب 2 /174-190.

وإن أثقل ما دعا إليه الرسول (ص) هو إمامة علي بن أبي طالب (ع)  والأئمة من ولده وكانت ثقيلة جداً على العرب  حتى لم يفز بها إلا القليل ، وكذلك الإمام المهدي (ع) من أثقل ما أظهره وسيظهره هي ولاية المهديين من ولده ، وكذلك لم يقر بها إلا القليل  ممن وفى بما عاهد الله عليه .

وأرجع وأقول أن لا تعارض بين حكم المهديين بعد الإمام المهدي (ع) وبين الرجعة إذ أن حكم المهديين سيكون بعد القائم (ع) مباشرةً ثم تكون الرجعة بعد المهدي الثاني عشر من ذرية الإمام المهدي (ع)  والذي لا عقب له لأنه خاتم أوصياء الإمام المهدي (ع) وبه تنقطع الإمامة من الأعقاب وتبدأ الرجعة برجوع الإمـام الحسيـن (ع)  الذي سيتولى تغسيل آخر المهديين ودفنه .

عن الحسن بن علي الخزاز  قال : ( دخل علي بن أبي حمزة على أبي الحسن الرضا (ع)  فقال : أنت الإمام  قال : نعم  فقال له : إني سمعت جدك جعفر بن محمد (ع)  يقول : لا يكون الإمام إلا وله عقب  فقال : أنسيت يا شيخ أو تناسيت  ليس هكذا قال جعفر  إنما قال جعفر : لا يكون الإمام إلا وله عقب إلا الإمام الذي يخرج عليه الحسين بن علي (ع) فانه لا عقب له  فقال : صدقت جعلت فداك هكذا سمعت جدك يقول) غيبة الطوسي ص150 .

فالإمام الذي لا عقب له لا يمكن أن يكون إلا آخر المهديين من ذرية الإمام المهدي (ع) لانتهاء الأوصياء به  كما قدمت وأما الإمام المهدي (ع) فقد ثبتت ذريته بعشرات الروايات  فلا يحمل هذا الحديث عليه  وحتى لو قلنا بالتعارض  فإن تعارض عدة أخبار متواترة  مع خبر واحد  يوجب الأخذ بالأخبار المتعددة  وترك الخبر الواحد . ولكننا لا نقول حتى بترك الخبر الواحد  بل المقصود منه  آخر المهديين من ذرية الإمام المهدي (ع)  بلا شك .

ويتضح معنى ذلك أكثر من خلال رواية أخرى  في محاورة لعلي بن أبي حمزة البطائني مع الإمام الرضا (ع) فقال البطائني للإمام الرضا (ع)  في كلام طويل : (...إنا روينا أن الإمام لا يمضي حتى يرى عقبه قال : فقال : أبو الحسن (ع) : أما رويتم في هذا الحديث غير هذا  قال :لا  قال : بلى والله لقد رويتم إلا القائم وأنتم لا تدرون ما معناه ولم قيل قال له علي : بلى والله إن هذا لفي الحديث قال أبو الحسن (ع) : ويلك كيف اجترأت على شيء تدع بعضه ) بحار الأنوار 48 /270 .

فانتبه هداك الله إلى قول الإمام الرضا (ع) : ( وأنتم لا تدرون ما معناه ولم قيل ) فلو كان المقصود به هو الإمام المهدي لما خفي ذلك على رجل كعلي بن أبي حمزة البطائني الذي يمتاز بكثرة حفظه وروايته لحديث أهل البيت عليهم السلام  وكيف يخفى عليه  وأغلب الناس في ذلك الزمان تعرف أن المقصود بالقائم هو الإمام المهدي (ع) إذن فمادام هذا المعنى ( لا عقب له )  قد خفي على علي بن أبي حمزة  وغيره من الرواة  فلا بد أن يكون المقصود به غير الإمام المهدي (ع) وهو آخر المهديين من ذرية الإمام المهدي (ع) وهذا هو الأمر الذي قصده الإمام الرضا (ع)  بقوله : ( وأنتم لا تدرون لما قيل وما معناه ) . ولا توجد رواية واحدة  تدل على مباشرة الرجعة بعد استشهاد الإمام المهدي (ع) إلا ما توهمه البعض  من بعض الروايات  وهي :

ما ورد عن الصادق (ع) أنه (ع) سئل عن الرجعة أحق هي؟  قال : نعم . فقيل له : من أول من يخرج  قال : الحسين (ع) يخرج على أثر القائم (ع) قلت : ومعه الناس كلهم  قال : لا بل كما ذكر الله تعالى في كتابه : (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً) قوم بعد قوم ) . مختصر بصائر الدرجات ص 48.

وعنه عليه السلام : ( ويقبل الحسين (ع) في أصحابه الذين قتلوا معه ومعه سبعون نبياً كما بعثوا مع موسى بن عمران (ع) فيدفع إليه القائم (ع) الخاتم فيكون الحسين عليه السلام هو الذي يلي غسله وكفنه وحنوطه ويواري به في حفرته ) مختصر بصائر الدرجات ص49.

وعن أبي عبد الله (ع)  في حديث طويل  أنه قال : ( ... ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ خروج الحسين عليه السلام في سبعين من أصحابه عليهم البيض المذهبة لكل بيضة وجهان المؤدون إلى الناس إن هذا الحسين قد خرج حتى لا يشك المؤمنون فيه  وإنه ليس بدجال ولا شيطان  والحجة القائم بين أظهرهم  فإذا استقرت المعرفة في قلوب المؤمنين أنه الحسين عليه السلام جاء الحجة الموت  فيكون الذي يغسله ويكفنه ويحنطه ويلحده في حفرته الحسين بن علي عليهما السلام ولا يلي الوصي إلا الوصي ). بحار الأنوار  35 / 94.

وهذه الروايات لا تدل بصراحة بل مع ملاحظة روايات الذرية  لا تبقى لها أي دلالة  على مباشرة رجوع الإمام الحسين (ع) بعد القائم مباشرة  لأن الرواية لم تنص على الحجة محمد ابن الحسن العسكري بل ذكرت ( القائم) وصفة القائم كما تصدق على الإمام المهـدي (ع)  كذلك تصدق على كل واحد من ذريته كما سبـق في روايـة الإمـام الصادق (ع) : ( والقوام من بعده )  والحديث القدسي ( قوام قسطي ) .

إذن فيجب حمل هذه الرواية ، على آخر قائم من ذرية الإمام المهدي (ع)  والذي يخرج عليه الإمام الحسين في الرجعة ـ كما تقدم ـ  ولا يوجد أي تعارض مع روايات ذرية الإمام المهدي (ع) .

وأما الروايات التي تذكر ذرية الإمام المهدي (ع)  فإنها تنص وبوضوح على مباشرة حكمهم بعد أبيهم الإمام المهـدي (ع)  وبدون أي فاصل بخلاف روايات الرجعة التي لا تدل على المباشرة بعد الإمام المهـدي (ع) وبهذا تكون دولة ذرية الإمام المهدي (ع) الأثني عشر ثم تكون الرجعة .

ومن الروايات التي تدل على مباشرة حكم المهديين بعد الإمام المهدي (ع) هي:

1 - وصية الرسول محمد (ص) : (...فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى إبنه أول المقربين (المهديين) له ثلاثـة أسامي أسم كأسمي وأسم أبي وهو عبد الله  وأحمد والاسم الثالث المهدي وهو أول المؤمنين) .

فإنها تنص على أن الإمام المهدي (ع) يُسلّم الإمامة إلى ابنه أحمد بعده مباشرة وبدون أي فاصل.

2 – ما روي عن الصادق (ع) : ( إن منا بعد القائم اثنا عشر مهدياً من ولد الحسين (ع)) .

3 - الرواية عن أمير المؤمنين (ع)، في وصف المسجد الذي يصلي فيه خليفة القائم ـ كما مر ذكرها والخليفة ما يخلف الرجل .

4– ما روي عن الصادق (ع) في ذكر الكوفة : (...وفيها يكون قائمه والقوام من بعده...) فنصت على أن القوام بعد الإمام المهدي (ع) بلا فصل .

5 - دعاء الإمام الحسن العسكري وفيه : (...والأوصياء من عترته بعد قائمهم وغيبته...)

6 - دعاء الإمام الرضا (ع): (...اللهم صل على ولاة عهده والأئمة من بعده ...) .

7 - الدعاء عن الإمام المهدي (ع) : (...وصل على وليك وولاة عهده والأئمة من ولده...) وغيرها الكثير من الروايات التي تدل على مباشرة حكم المهديين بعد الإمام المهدي (ع). ولا توجد رواية واحدة تدل على مباشرة الرجعة بعد الإمام المهدي (ع) فلا مناص من تقديم حكم المهديين على الرجعة  وبذلك خرجنا عن التعارض ولم نتورط في رد روايات أهل البيت (ع)، لا روايات المهديين  ولا روايات الرجعة .

وقد استدل الشهيد الصدر (رحمه الله)  على مباشرة المهديين للحكم بعد الإمام المهدي (ع)  بقوله : ( وأوضح ما يرد على هذا الوجه هو ان روايات الأولياء  صريحة بمباشرتهم للحكم على أعلى مستوى  بحيث يكون التنازل عن هذه الدلالة تأويلاً باطلاً . كقوله : (ليملكن منا أهل البيت رجل ) وقوله : ( فإذا حضرته الوفاة  فليسلّمها  يعني الإمامة أو الخلافة  إلى إبنه أول المهديين )  وقوله (اللهم صل على ولاة عهده والأئمة من بعده ) ونحوه في الدعاء الآخر ) تاريخ ما بعد الظهور ص642 .

والشهيد الصدر  قد أطال الكلام في هذا الموضوع  وأثبت حكم ذرية الإمام المهدي (ع) بعد أبيهم ونفى الرجعة  وقد وقع في محذور  وهو نفي أمر عقائدي ثابت  وهو الرجعة  وطبعاً خفاء هذا الأمر على السيد الصدر (رحمه الله ) ليس لتقصير بل لأن ذلك أمر مخفي على الجميع  بمشيئة الله تعالى  ولا يعرفه إلا صاحبه .


( الإمام يعرف بالوصية )

الوصية من أهم الأدلة  التي يعرف بها الحجة على الخلق إذ كل حجة لابد أن يكون منصوصاً عليه  وموصى إليه من قبل الحجة الذي قبله  وقد تقدم ذكر وصية آدم (ع)  وبشارته بمبعث نبي الله نوح (ع)  وكذلك وصية نبي الله نوح (ع) وبشارته بمبعث نبي الله هود (ع)  وكذلك بشارة نبي الله موسى وعيسى عليهما السلام بمبعث النبي الخاتم محمد (ص)  وأيضاً النبي محمد (ص)  أوصى إلى الإمام علي(ع) وبشر بالأئمة والمهديين (ع) وأن الوصاية ستستمر الى يوم القيامة وقد احتج الله تعالى على اليهود والنصارى  بأن الرسول (ص) مذكور في كتبهم  فيلزمهم الإيمان به وعدم تكذيبه  ومعنى ذلك أن الوصية والبشارة حجة إذا انطبقت على صاحبها ولا ينبغي التكذيب أو التشكيك في ذلك.

قال تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ) (الفتح : 29) وقال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ....) (الاعراف: 157).

 

وقوله تعالى على لسان عيسى (ع) : (وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) (الجمعة) .

إلى غيرها من الآيات والروايات  التي تقدم ذكرها  في صدر البحث  والتي تثبت حجية ما جاء من وصف الرسول (ص)  وأهل بيته، وإن الله سيحتج بذلك على مكذبيهم ويدخلهم جهنم خالدين فيها (أعاذنا الله من ذلك) .

فذكر الرسول (ع) للأئمة والمهديين (ع) في وصيته  يعتبر حجة على الخلق كما كان ذكر الرسول (ص) والأئمة (ع) في وصايا الأنبياء (ع) حجة على اليهود والنصارى  وغيرهم من الديانات الأخرى  ومن فرّق بين هذا وذاك يعتبر من الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض فحجة الله واحدة لا تختلف من زمان إلى زمان  ولا من مكان إلى مكان آخر . سنّة الله ولن تجد لسنته تبديلاً .

فالوصية هي الوصية حجة منذ أن خلق الله آدم (ع)  وإلى يوم القيامة  يسلمها نبي إلى نبي  وإمام إلى إمام  حتى تنتهي الدنيا والكافر بها كافر بكل النبوّات والرسالات  وسأذكر الروايات التي تنص على أن الأئمة (ع)  يعرفون بالوصية التي أوصاها الرسول (ص) ليلة وفاته :

عن أبي عبد الله (ع) ،في حديث طويل قال: (... يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال لا تكون في غيره : ( هو أولى الناس بالذي قلبه وهو وصيه  وعنده سلاح رسول الله (ص) ووصيته ... الحديث    ) إثبات الهداة 1/88، الكافي 1 /428 .

ولا يقول أحد  أن المقصود بالوصية  هي وصية الإمام السابق على اللاحق  فقد فرّق الإمام الصادق (ع) في كلامه بين المسألتين  ونص على إن المقصود بالوصية هي وصية الرسول (ع)  فقد قال أولاً ( هو أولى الناس بالذي قبله  وهو وصيه )  ثم ذكر العلامة الثالثة  وهي ( عنده سلاح رسول الله (ص) ووصيته ) أي وصية الرسول (ص)  والحديث واضح لا لبس فيه .

وأيضا في حديث طويل حول الوصية والإمامة عن الصادق (ع) قال: (... ثم قال: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) فكان علي (ع) وكان حقه الوصية التي جعلت له والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار النبوة ...) الكافي 1/325 ـ 328 .

إذن فالوصية هي الحق التي نص عليه تعالى أن يعطى لذي القربى ومن كذب بالوصية ولم يعترف بها لصاحبها فقد غصب حق ذي القربى وكذب الله ورسوله (ص).

وعن أبي عبد الله (ع) قال: ( أترون الموصي منّا يوصي إلى من يريد ! لا والله ولكن عهد من الله ورسوله (ع) لرجل فرجل حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه ) الكافي 1/307.

أي إن الأئمة (ع) لا يوصون لمن بعدهم بمحض إرادتهم واختيارهم  بل بعهد معهود من الله تعالى ورسوله (ص) وقد تقدم أن عهد الله هو الوصية التي نزلت من السماء ولا يعلمها إلا الأئمة عليهم السلام  لأنها خاصة بهم  وأما عهد رسول الله (ص)  فهي الوصية التي أوصى بها ليلة وفاته وذكر فيها الأوصياء من الأئمة والمهديين إلى يوم القيامة وقد كتبها أمير المؤمنين (ع) بيده وظلت تتوارث من إمام إلى إمام إلى يوم القيامة .

وقال عبد الله بن أبي الهذيل  عندما سُُئل عن الإمامة  كلاماً طويلاً في وصف الأئمة (ع) منه : ( ... وهم عترة الرسول عليه وعليهم السلام المعروفون بالوصية والإمامة لا تخلو الأرض من حجة منهم في كل عصر وزمان وفي كل وقت وأوان ... ) . ثم قال تميم بن بهلول حدثني أبو معاوية عن الأعمش عن جعفر بن محمد عليهما السلام في الإمامة مثله سواء . عيون أخبار الرضا 1 / 57-59.

وهذا نص صريح على أن الأئمة عليهم السلام في كل زمان ومكان يعرفون بالوصية التي خصهم بها الرسول محمد (ص) وهذا من الأمور التي خفيت على الأمة أو التي لم يعطوها حقها من الأهمية.

وعن أبي عبد الله (ع) ، في قول الله عز وجل : (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ) قال : هي الوصية يدفعها الرجل منا إلى الرجل ) غيبة النعماني 59-60 .

فالوصية أيضاً هي الأمانة  التي أمر الأئمة عليهم السلام  أن يؤدوها إلى أهلها  وهم ذراريهم من الأوصياء إلى يوم القيامة فإذا كان الإمام المعصوم ليس له الحق بمنع الوصية  ويجب عليه أداؤها إلى صاحبها والإقرار له بها فكيف بعامة الناس إذا اعترضوا على الإقرار بالوصية لأحد الأوصياء  إذا كان مذكوراً بها باسمه وصفته !!!

وفي حديث طويل يبيّن فيه الإمام الباقر (ع) راية الحق الوحيدة التي يجب اتباعها قبل قيام القائم (ع) وهي التي معها عهد نبي الله (ص) :

عن الباقر (ع) قال: (... إياك وشذاذ من آل محمد (ع) فإن لآل محمد وعلي راية ولغيرهم رايات فالزم الارض ولا تتبع منهم أحداً أبداً حتى ترى رجلاً من ولد الحسين (ع) معه عهد نبي الله ورايته وسلاحه فإن عهد نبي الله صار عند علي بن الحسين ثم صار عند محمد بن علي ويفعل الله ما يشاء فالزم هؤلاء أبداًً ًوإياك ومن ذكرت لك ...) إلزام الناصب 296.

وعهد الرسول (ص) هي الوصية وهي التي تنتقل من إمام إلى إمام وسميت عهد لأن الرسول (ع) بدأ فيها بقوله: ( هذا ما عهد به محمد بن عبد الله...) كما سبق ذكره  ولأنها العهد المذكور في قوله تعالى : (إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً)  كما سبق ذكر الدليل على ذلك وهذا الذي معه عهد النبي (ص) هو المهدي الأول من ذرية الإمام المهدي (ع)  واليماني الموعود  كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

وفي نفس الحديث السابق ذكر الإمام الباقر (ع) إن من أهم العلامات لمعرفة الإمام المهدي حين قيامه  هي الوصية فعن الباقر (ع) قال : ( ... اسمه اسم نبي ما أشكل عليكم فلم يشكل عليكم عهد نبي الله ورايته وسلاحه...) إلزام الناصب 2 /96-97.

وهنا يجعل الإمام (ع) عهد الرسول (ص) ( وصيته) من الأمور التي لا تشكل ولا تشتبه على الناس أي إنه لا يمكن لأحد أن يدّعي الوصية كذباً وزوراً وهي محفوظة بإرادة الله تعالى قال تعالى: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى)). وسبحان الله لم أسمع أحداً إدّعى أنه مذكور في وصية الرسول (ص) كذباً على مر التاريخ .

وهناك الكثير من الروايات  تذكر إن الوصية من مختصات الأئمة (ع) مما يؤكد على أنها دليل على إمامتهم  أذكر بعضها :

عن معاوية بن وهب قال استأذنت على أبي عبد الله عليه السلام فأذن لي فسمعته يقول في كلام له: ( يا من خصنا بالوصية وأعطانا علم ما مضى وعلم ما بقى وجعل أفئدة من الناس تهوى إلينا وجعلنا ورثة الأنبياء). بصائر الدرجات- محمد بن الحسن الصفار ص 149.

وعن معاوية بن وهب عن أبى عبد الله عليه السلام قال : سمعته يقول : ( اللهم يا من أعطانا علم ما مضى وما بقى وجعلنا ورثة الأنبياء وختم بنا الأمم السالفة وخصنا بالوصية ) بصائر الدرجات- محمد بن الحسن الصفار ص 149.

وقيل لأبي عبد الله عليه السلام  بأي شئ يعرف الإمام  قال : ( بالوصية الظاهرة وبالفضل إن الإمام لا يستطيع أحد أن يطعن عليه في فم ولا بطن ولا فرج  فيقال : كذاب ويأكل أموال الناس  وما أشبه ذلك ) الكافي -  1 / 284.

وعن الرسول (ص) إنه قال لعلي (ع) : ( يا على : تختم باليمين فإنها فضيلة من الله عز وجل للمقربين  قال : بِمَ أتختم يا رسول الله  قال : بالعقيق الأحمر فإنه أول جبل أقر لله تعالى بالربوبية  ولي بالنبوة ولك بالوصية  ولولدك بالإمامة ولشيعتك بالجنة ولأعدائك بالنار ) من لا يحضره الفقيه  4 / 374.

وفي رسالة طويلة كتبها الإمام الرضا (ع) للمأمون  فقال بعد تعداد الأئمة وفضائلهم : ( ......الحسن بن علي ثم الحجة القائم المنتظر صلوات الله عليهم أجمعين أشهد لهم بالوصية والإمامة وإن الأرض لا تخلو من حجة الله تعالى على خلقه في كل عصر وأوان وأنهم العروة الوثقى أئمة الهدى ) عيون أخبار الرضا (ع)  1 / 130.

وعن عبد السلام بن صالح الهروي قال : سمعت الرضا عليه السلام يقول : ( ... والذي أكرمنا بعد محمد ( ص) بالإمامة وخصنا بالوصية إن زوار قبري أكرم الوفود على الله يوم القيامة وما من مؤمن يزورني فيصيب وجهه قطرة من الماء إلا حرم الله تعالى جسده على النار ) عيون أخبار الرضا (ع) 1 /248.

ومن كلام للإمام علي (ع) مع أحد اليهود قال له: (...هذه الحالة - يا أخا اليهود - ثم طلبت حقي لكنت أولى ممن طلبه لعلم من مضى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن بحضرتك منه بأني كنت أكثر عدداً وأعز عشيرة وأمنع رجالاً وأطوع أمراً وأوضح حجة وأكثر في هذا الدين مناقب وآثاراً لسوابقي وقرابتي ووراثتي فضلاً عن استحقاقي ذلك بالوصية التي لا مخرج للعباد منها والبيعة المتقدمة في أعناقهم ممن تناولها ... ) الخصال ص 374.

وفي الرواية السابقة أكد أمير المؤمنين (ع) على أمور مهمة جداً لابد من التوقف عندها وهي:

1ـ ذكر (ع) أولاً فضائله ومناقبه التي تجعله أولى من غيره بالخلافة .

2ـ قوله (ع) : ( فضلاً عن استحقاقي ذلك بالوصية التي لا مخرج للعباد منها ) وهنا يؤكد الإمام علي (ع) على أنه يستحق الخلافة بوصية رسول الله (ص)  ثم وصف تلك الوصية بأنها : لا مخرج للعباد منها  أي إنها الدليل المحكم  الذي يلجم الجميع وأنها مختصة به (ع)  ولا يمكن لأحد أن يدعيها غيره وأنها حجة الله تعالى على العباد في الدلالة على الخليفة الحق للرسول محمد (ص) .

3ـ ولا يمكن لأحد أن يزعم أن تلك الوصية هي وصية الرسول (ص) بعلي (ع) يوم الغدير أو غيرها من المناسبات التي أشار بها الرسول (ع) لعلي (ع)  لأن أمير المؤمنين (ع) بعد أن ذكر الوصية المختصة به أردف ذلك قائلاً : (والبيعة المتقدمة في أعناقهم ممن تناولها )  وبهذا الكلام ميز أمير المؤمنين (ع)  بين الوصية وبين بيعة الغدير ووصف بيعة الغدير بأنها متقدمة على الوصية وبيعة الغدير حدثت بعد حجة الوداع  وهي آخر حجة للرسول محمد (ع) وبملاحظة ذلك نستنتج : إن الوصية أيضاً متأخرة عن كل بيانات الرسول (ص) بحق أمير المؤمنين (ع) قبل بيعة الغدير وبذلك تنحصر الوصية بالوصية التي أملاها الرسول (ص) في ليلة وفاته  والتي أوصى بها بالأئمة والمهديين (ع)  إذن فهي الدليل الذي لا مخرج للعباد منه  كما وصفها أمير المؤمنين (ع)  في الحديث السابق .

وعنه (ع): (... فإن الله تبارك وتعالى خص نبيه صلى الله عليه وآله بالنبوة وخصني النبي صلى الله عليه وآله بالوصية فمن أحبني فهو سعيد يحشر في زمرة الأنبياء عليهم السلام ) الخصال- الشيخ الصدوق ص 578.

وقصة الراهب مع الرسول (ص) قبل مبعثه وكيف استدل الراهب بالوصية على نبوة الرسول محمد (ص) وإمامة أمير المؤمنين وقد تقدم ذكرها ونذكر هنا ما يخص الوصية: (... يناجيه ويكلمه  ثم أخذ يقبل بين عينيه وأخرج شيئاً من كمه لا ندري ما هو ورسول الله صلى الله عليه وآله يأبى أن يقبله  فلما فارقه قال لنا : تسمعان مني هذا والله نبي آخر الزمان والله سيخرج قريب فيدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإذا رأيتم ذلك فاتبعوه  ثم قال : هل ولد لعمه أبي طالب ولد يقال له علي  فقلنا : لا . قال : إما أن يكون قد ولد أو يولد في سنته هو أول من يؤمن به  نعرفه وإنا لنجد صفته عندنا بالوصية كما نجد صفة محمد بالنبوة ... ) اكمال الدين وتمام النعمة الصدوق ص 190.

فقد استدل الراهب على الرسول (ع) من خلال الوصية لأنها تذكر محمداً (ص) باسمه وصفته ومسكنه وكذلك بينت الوصية أول من يؤمن بالرسول (ص) وهو أمير المؤمنين (ع) وبذلك تكون تلك الوصية شبيهة بوصية الرسول (ع) ليلة وفاته عندما ذكر فيها الإمام المهدي (ع)  وأول من يؤمن به  وهو وصيه أحمد ( وهو أول المؤمنين ) ان في ذلك لآيات للمتوسمين .


( الوصية لا يدعيها إلا صاحبها  )

سمعنا من الروايات السابقة أن الوصية دليل وعلامة على الوصي وبها مُّيز صاحب الحق من المدعين باطلاً وزوراًً لمنصب الإمامة  فتكون الحجة البالغة على هؤلاء وعلى الناس أن الإمام الحق هو الذي نُص عليه باسمه وصفته في وصية رسول الله (ص)  وقد صرف الله تعالى كل الذين حاولوا منازعة الأوصياء (ع) على منصب الإمامة  صرفهم الله تعالى عن إدعاء الوصية  ولم يجعل لهم نصيباً في إنطباقها عليهم إسماً أو صفة وهذا الصرف الإلهي إعجاز بحد ذاته  كصرف الناس عن الرد على القرآن الكريم  أو مباهلة الرسول محمد (ص) .

فلم نرَ أو نسمع أن أحداً ادعى أنه منصوص عليه في وصية الرسول محمد (ص) غير الأئمة المعصومين (ع) من زمن أمير المؤمنين إلى القائم المنتظر (ع) بل لم

يدّعِ ذلك حتى في وصايا الأنبياء (ع) من زمن آدم إلى الرسول محمد (ص).

فعندما يقول الأئمة (ع): إن الوصي يعرف بالوصية  فهذا يعني أن الوصية علامة تدل على أمر مجهول للكل أو للبعض  وإذا كان كذلك  فلابد أن تكون هذه العلامة تدل على صاحبها فقط  بل لايدّعيها غيره إطلاقاً  لأنه إذا مكن الله تعالى المدعين من انتحال الوصية أو جعلها تنطبق عليهم بالإسم والصفة فتكون هذه العلامة تنطبق على أكثر من مصداق أي على صاحبها الحق وغيره من المنتحلين  وبهذه تكون هذه العلامة هي سبب اختلاف الأمة وضلالها  وهذا خلف كونها علامة هداية  تدل على الحق لا غير !!!

فإنك إذا سألت شخصاً ما عن بيت زيد مثلاً في أي جهة يقع من الزقاق الفلاني وقال لك: إن أمام بيته نخلة  وعندما ذهبت إلى ذلك الزقاق وجدت أمام كل بيت منه نخلة  فهل أن ذلك الشخص الذي دلك على بيت زيد هداك أم أضلك ؟

بالطبع انه أضلك أو انه لم يقدم لك شيئاً ووصفه يعتبر سفهاً لايصدر عن رشيد حكيم .

وإذا كان هكذا فعل يوصف بالسفه إذا صدر عن شخص عادي فكيف نتصور صدوره من الله تعالى وأنبيائه وأوليائه !! كيف يمكن أنهم يجعلون الوصية علامة ودليل تدل على الوصي ثم نجدها تنطبق على الوصي وغيره !! حاشا الله تعالى من ذلك .

ولذلك نجد الإمام الرضا (ع) في مناظرته مع علماء اليهود والنصارى واحتجاجه عليهم بأن الرسول (ص) موصى به ومذكور في كتبهم التوراة والإنجيل ، فعندما أقروا له بوجود اسم الرسول محمد (ص) وصفته في كتبهم وقالوا لـه : ولكننا لا نقطع بأن محمداً المذكور في كتبنا هو محمدكم نفسه  فلعله محمد آخر !!!

فبماذا تتوقع أجاب الإمام الرضا (ع)  وبماذا احتج عليهم وهل ان جوابه كافٍ وحجة دامغة وإذا كان جوابه حجة فهل يمكن أن نحتج به الآن أم لا  ؟

وهاك اسمع احتجاج الإمام الرضا (ع) على إشكالهم  حيث قال : ( احتججتم بالشك فهل بعث الله من قبل أو من بعد من آدم (ع) إلى يومنا هذا نبياً اسمه محمد  وتجدونه في شيء من الكتب التي أنزلها على جميع الأنبياء غير محمد  فأحجموا عن جوابه ... ) إثبات الهداة 1/194-195.

ونحن نسألكم الآن هل بعث الله  من قبل أو من بعد من محمد (ص) الى يومنا هذا وصياً اسمه أحمد مذكوراً في وصية النبي محمد (ص)  أو هل ادعى الوصية غير أحمد الحسن ؟

فما يرد على دليلنا هذا يرد على دليل الإمام الرضا (ع) في احتجاجه على اليهود والنصارى ومن رد على الأئمة (ع) فقد رد على الله تعالى (أعاذنا الله من ذلك).

ونجد هذا المعنى واضحاً جلياً أيضاً في قول الإمـام الباقر (ع) في الدلالة على الإمام المهدي: (... ما أشكل عليكم فلم يشكل عليكم عهد نبي الله ورايته وسلاحه ) وفي رواية أخرى: (معه عهد رسول الله) وعهد الرسول (ص) أي وصيته ليلة وفاته كما تقدم بيانه.

وهنا نتسائل كيف يمكن للناس معرفة العهد ( الوصية )  التي عند القائم (ع) !!! هل تقولون إن القائم (ع) يخبرهم بصحتها ! إذن أقول : إن الناس ما زالت تشك به  فكيف تصدق قوله وهذا دور واضح  كما يقال !! فلا يوجد جواب غير ان الوصية لا يمكن أن تنطبق على غير صاحبها ولا يدّعيها أحد غيره بقدرة الله تعالى وتدبيره  فإن ادّعاها  وكانت تنص على اسمه وصفته  كان صادقاً ولاينبغي التشكيك في دعواه .


( وصي الإمام المهدي (ع) حسيني أم حسني )

لقد أشرت عدة مرات فيما سبق من هذا البحث  الى أن الخلافة بعد القائم (ع) حسينية وليس حسنية  لأن الإمام المهدي (ع) حسيني  وهو والد المهديين الإثناعشر الذين سوف يحكمون بعده (ع) . ولكن لأقامة الحجة أكثر ولأهمية الموضوع أفردت له عنواناً خاصاً ومن الله التوفيق فأقول :

لقد استمرت الإمامة بعد رسول الله (ع)  وانتقلت إلى الإمام علي (ع)  وبعده إلى ولده الحسن ثم الحسين (ع)، وبعد الإمام الحسين (ع) استقرت الإمامة في ذريته يسلمها الأب إلى ابنه ولاتخرج من ذرية الحسين (ع) أبداً إلى يوم القيامة  إلى أن يستلمها هو (ع) عند رجوعه في الرجعة  على آخر المهديين من ذرية الإمام المهدي (ع) .

عن أبي عبدالله (ع) قال : ( لاتعود الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام أبداً انها جرت من علي بن الحسين عليهما السلام كما قال عزوجل : (وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ ) فلا تكون بعد علي بن الحسين عليهما السلام إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب ) غيبة الطوسي ص152 .

وكذلك عن أبي عبدالله (ع) أنه قال : ( لاتجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام إنما هي في الأعقاب وأعقاب الأعقاب ) نفس المصدرالسابق .

ولنا أن نسأل لماذا قال الإمام الصادق (ع) : ( في الأعقاب وأعقاب الأعقاب) حيث كرر كلمة الأعقاب مرتان ! فإن كلمة الأعقاب جمع (عقب) وهي تصدق على التسعة المعصومين (ع) فلا يحتاج أن تكرر مرة ثانية، لكي يصح الكلام !! فلابد من وجود فائدة ومعنى آخر لكلمة (الأعقاب) الثانية لأن الأئمة (ع) لا يتكلمون بكلام زائد (وحاشاهم) وهم سادة البلاغة والفصاحة  وكما يقولون : (خير الكلام ماقل ودل) . ومن تأمل في الرواية مع مقارنتها ببعض الروايات  يجد أن معنى ذلك ان الإمامة بعد الحسين (ع) ستمر بمرحلتين تختلف احداهما عن الأخرى بعض الشيء في الفضل هما : مرحلة الإمامة ومرحلة الهداية  أي أعقاب الأئمة  وأعقاب المهديين بعد الإمام المهدي (ع) ولذلك كرر الإمام الصادق (ع) كلمة الأعقاب مرتين (الأعقاب وأعقاب الأعقاب) .

وعن الصادق (ع) في حديث  عندما سأله المفضل بن عمر عن قوله تعالى : (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ)  فقال (ع) : ( يعني بذلك الإمامة  جعلها الله في عقب الحسين إلى يوم القيامة . قال : فقلت له : يا ابن رسول الله فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن وهما جميعاً وَلدا رسول الله وسبطاه وسيدا شباب أهل الجنة  فقال (ع) : إن موسى وهارون كانا نبين مرسلين أخوين فجعل الله النبوة في صلب هارون دون صلب موسى ولم يكن لأحد ان يقول : لـِمَ  فعل الله ذلك فإن الإمامة خلافة الله عزوجل ليس لأحد ان يقول : لـِمَ جعلها في صلب الحسين دون صلب الحسن لأن الله تبارك وتعالى هو الحكيم في أفعاله لايُسأل عما يفعل وهم يُُسألون ) معاني الأخبار ص126-127

إذن ذرية الإمام الحسن (ع) لايكون لهم ملك ولا إمامة إلى يوم القيامة، وهذه مشيئة الله تعالى  لا يمكن لأحد الاعتراض عليها  ولا المناقشة فيها  فمن سَلَّم سَلَِم .

وعن فضيل بن ُكّرة قال : دخلت على أبي عبدالله (ع)  فقال : ( يافضيل  أتدري في أي شئ كنت أنظر قبيل  قال : قلت : لا  قال : كنت أنظر في كتاب فاطمة عليها السلام ليس من ملك يملك (الارض) إلا هو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه وما وجدت لولد الحسن (ع) فيه شيئاً ) الكافي 1/267 .

وهنا الإمام أراد نفي الإمامة عن ذرية الإمام الحسن (ع) لأن بعضهم كان يحسد الأئمة من ذرية الإمام الحسين (ع) وبعضهم حاول ادّعاء الإمامة لنفسه ، قال تعالى : (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء...) .

ورغم أن الروايات السابقة وغيرها الكثير نصت على أن لا إمامة لذرية الإمام الحسن (ع) إلى يوم القيامة  أي حتى بعد الإمام المهدي (ع) نصت روايات كثيرة  على أن الحكم بعد الإمام المهدي (ع) لذرية الإمام الحسين (ع)  وهم ذرية الإمام المهدي المهديون الإثنا عشر عليهم السلام .

ففي وصية الرسول (ص) ـ التي مر ذكرها- قال (ع) في نهايتها :( ... فإذا حضرته الوفاة  أي الإمام المهدي (ع)  فليسلّمها إلى إبنه أول المقربين له ثلاثة أسامي أسم كأسمي وأسم أبي وهو عبدالله وأحمد والأسم الثالث المهدي وهو أول المؤمنين ) ومن المعلوم أن الإمام المهدي (ع) حسيني  فابنه كذلك .

ورواية الصادق (ع): ( إن منّا بعد القائم إثناعشر مهدياً من ولد الحسين (ع) ) وكذلك عن الصادق (ع) في كلامه لأبي حمزة قال : ( يا أباحمزة إن منّا بعد القائم أحد عشر مهدياً من ولد الحسين ) .

وكذلك في الدعاء الوراد عن الإمام العسكري (ع)  في يوم ولادة الحسين (ع) : (... والأوصياء من عترته ـ الحسين ـ بعد قائمهم وغيبته )  والدعاء الوراد عن الإمام المهدي (ع) : ( ... وصلّ على وليك ـ القائم ـ وولاة عهده والأئمة من ولده ...) وماورد عن الصادق (ع)  في الدعاء للإمام المهدي (ع) : (... وتجعله وذريته من الأئمة الوراثين)  وغيرها من الروايات الصريحة  التي تنص على أن الخلافة بعد الإمام المهدي (ع)  حسينية لا حسنية  (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وهذا أمر واضح وبيّن لايحتاج إلى توضيح أكثر  إلا لمن عمي عن الشمس في وضح النهار !!!

إضافة إلى هذا كله  فلا توجد رواية واحدة تنص أو تشير إلى حكم ذرية الإمام الحسن (ع) بل هذا مخالف للقرآن والسنّة الصريحة الصحيحة فلا يمكن قبوله ولا يلتفت إلى قائله  والحمدلله وحده .

 

تابع تتمة الكتاب

  • رجائي أن شيعة آل محمد (ع) يصطفون تحت هذه الراية فهي راية الحق الوحيدة البارزة، والمنادية بالحق، الراية الوحيدة التي لم تداهن ولم تدخل فيما دخل فيه أهل الباطل، ومُخطأ من شيعة آل محمد (ص) من يُعوِل على هؤلاء الذين أيديهم صفرات من الدليل سواء الشرعي أم العقلي على مايدعون من وجوب تقليد ونيابة، مُخطأ من يُعوِل على هؤلاء الذين لايثقون ببعضهم بعضا وكل واحد منهم اخذ مجموعة من شيعة آل محمد (ص) وحزَّبَهم لنفسه دون أن ينصبه الله، حتى فرقوا شيعة آل محمد (ع) شيعا وجعلوهم لايكادون يلتقون حتى في تحديد يومي العيدين...
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • 1
  • 2