raya

مجالس العزاء والبكاء على فقد المصطفى (صلى الله عليه وآله):

روت مصادر الفريقين أنّ فاطمة (عليها السلام) كانت تندب أباها (ص) وتبكيه ليلاً ونهاراً، وتندبه بأبيات شعر مشجية.

فروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال لما ثقل النبي (ص) جعل يتغشاه فقالت فاطمة (عليها السلام): (واكرب أباه)، فقال لها: (ليس على أبيك كرب بعد اليوم) فلما مات قالت: (يا أبتاه، أجاب رباً دعاه يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه)، فلما دفن قالت فاطمة (عليها السلام): (يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب) ([1]).

قال ابن شهر آشوب في المناقب: روي انها ما زالت بعد أبيها معصبة الرأس ناحلة الجسم منهدة الركن باكية العين محترقة القلب يغشى عليها ساعة بعد ساعة وتقول لولديها: (أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما مرّة بعد مرّة ؟ أين أبوكما الذي كان أشد الناس شفقة عليكما فلا يدعكما تمشيان على الأرض ولا أراه يفتح هذا الباب أبداً ولا يحملكما على عاتقه كما لم يزل يفعل بكما،..) ([2]).

وكانت تأتي قبر أبيها (ص) وتشم تراب القبر.

روى أحمد في مسنده: أنها أخذت قبضة من تراب النبي (ص) فوضعتها على عينيها، ثم قالت([3]):

ماذا على من شم تربة أحمد       أن لا يشم مدى الزمان غواليا

صبت علي مصائب لو أنها         صبت على الأيام عدن لياليا

وكانت تقيم تلك المجالس عند قبر أبيها (ص)، وفي بيتها وفي البقيع أيضاً. واستمرت على ذلك طوال مدتها بعد النبي (ص) حتى عدّها صادق أهل البيت (ع) من البكائين.

فعن ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن معروف، عن محمّد بن سهل، يرفعه إلى أبي عبد الله (ع) قال: (البكّاؤون خمسة: آدم، ويعقوب، ويوسف، وفاطمة بنت محمّد (ص) وعليّ بن الحسين (عليهما السلام)... وأمّا فاطمة (عليها السلام) فبكت على رسول الله (ص) حتّى تأذّى بها أهل المدينة، فقالوا لها: قد آذيتينا بكثرة بكائك !! فكانت تخرج إلى المقابر - مقابر الشهداء - فتبكي حتّى تقضي حاجتها، ثمّ تنصرف ...) ([4]).

وروى في المناقب عن الصادق (ع): (أمّا فاطمة فبكت على رسول الله (ص) حتّى تأذّى أهل المدينة، فقالوا لها: آذيتينا بكثرة بكائك !! إمّا أن تبكي بالليل، وإمّا أن تبكي بالنهار! وكانت تخرج إلى مقابر الشهداء، فتبكي) ([5]).

روى الكليني بسنده عن الصادق (ع)، قال: (عاشت فاطمة بعد رسول الله (ص) خمسة وسبعين يوماً لم تر كاشرة ولا ضاحكة تأتي قبور الشهداء في كل جمعة مرتين الاثنين والخميس فتقول: هاهنا كان رسول الله (ص) وهاهنا كان المشركون) ([6]).

وروى ابن شهرآشوب في المناقب عن الباقر (ع)، قال: (ما رُأيت فاطمة ضاحكة قط منذ قبض رسول الله (ص) حتى قبضت) ([7]).

وقال الزرندي الحنفي في نظم درر السمطين: وعن عمران بن دينار أن فاطمة لم تضحك بعد النبي (ص)حتى قُبضت لما لحقها من شدة الحزن على أبيها (ص) ([8]).

وقال ابن كثير: ويقال إنها لم تضحك في مدة بقائها بعده (ع)، وأنها كانت تذوب من حزنها عليه، وشوقها إليه ([9]).

وجاء في ذخائر العقبى: وذكر أنها لما أرتها النعش تبسمت وما رؤيت مبتسمة - يعني بعد النبي صلى الله عليه وسلم - إلى يومئذٍ ([10]).

وقال ابن الصباغ المالكي: إنّ فاطمة (عليها السلام) لم تضحك بعد موت النبي (ص) حتى قبضت ([11]).

شكايتها وتظلمها (عليها السلام):

وقد كانت (عليها السلام) تندب أباها المصطفى (ص) بنوع من التظلّم والتألّم والشكاية له مما جرى عليها ممن آذاها. وإليك بعض المقطوعات الشعرية في ذلك مما روي عنها (عليها السلام). فقد روي أنّها (عليها السلام) تمثّلت بشعر فاطمة بنت الأجحم، قالت (عليها السلام) ([12]):

قد كنت لي جبـلاً ألـوذ بظله
قد كنت جار حميتي ما عشت لي
واغـض من طرفي واعلم أنه
حضرت منيته فأسلمني العزا
نشر الغراب علي ريش جناحه
اني لأعجب من يروح ويغتدي
فاليوم أخضع للذليل واتقي
وإذا بكت قمريـة شجنا بها
فالله صبرني على ما حل بي

 

فاليـوم تسلمني لاجرد ضـاح
واليوم بعدك من يريش جناحي
قد مات خير فوارسي وسلاحي
وتمكنت ريب المنون جواحي
فظللت بين سيوفه ورماح
والموت بين بكوره ورواح
ذلي وادفع ظالمي بالراح
ليلاً على غصن بكيت صباحي
مات النبي قد انطفى مصباحي

وروي أنّها طافت بقبر أبيها (ص) فقالت:

قد كان بعدك أنباء وهنبثة         لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها      واختل قومك فاشهدهم ولا تغب

أبدت رجالٌ لنا فحوى صدورهم   لما قضيت وحالت دونك الترب

تجهمتنا رجالٌ واستخفّ بنا        إذ غبت عنا فنحن اليوم نغتصب

قد كنت بدراً ونوراً يستضاء به    عليك تنزل من ذي العزة الكتب

وكان جبريل بالآيات يؤنسنا        فغاب عنا فكل الخير محتجب

وقد رزينا بما لم يرزه أحد          من البرية لا عجم ولا عرب

أذان بلال يذكر الزهراء بأبيها (صلى الله عليه وآله):

لمّا قبض النبيّ (ص) امتنع بلال من الأذان قال: لا اُؤذّن لأحد بعد رسول الله (ص)، وإنّ فاطمة (عليها السلام) قالت ذات يوم: (إنّي أشتهي أن أسمع صوت مؤذّن أبي (ص) بلال) فبلغ ذلك بلالاً فأخذ في الأذان، فلمّا قال: الله أكبر الله أكبر، ذكرت أباها وأيامه فلم تتمالك من البكاء، فلمّا بلغ إلى قوله: أشهد أنّ محمداً رسول الله (ص) شهقت فاطمة (عليها السلام) وسقطت لوجهها وغشي عليها، فقال الناس لبلال: امسك يا بلال، فقد فارقت ابنة رسول الله (ص) الدنيا، وظنّوا أنّها قد ماتت، فقطع أذانه ولم يتمه، فأفاقت فاطمة (عليها السلام) وسألته أن يتمّ الأذان فلم يفعل، وقال لها: يا سيّدة النسوان، إنّي أخشى عليك ممّا تنزلينه بنفسك إذا سمعت صوتي بالأذان، فأعفته عن ذلك ([13]).

وعن عليّ (ع) قال: (غسلتُ النبيّ (ص) في قميصه، فكانت فاطمة تقول: أرني القميص، فإذا شمّته غشي عليها فلمّا رأيت ذلك غيّبته) ([14]).

بيت الأحزان:

لقد تمادت السلطة الغاصبة - وبلا رادع - في غيها وظلمها لحبيبة محمد (ص) فمنعوها من أبسط الحقوق المشروعة للإنسان، ألا وهو البكاء حزناً على فقد أبيها، فقالوا للإمام عليّ (ع): إنّ فاطمة قد أزعجتنا ببكائها !! فبنى لها الإمام (ع) بيتاً خارج المدينة سمي بيت الأحزان !!

قال الشيخ المجلسي: ثمّ رجعت إلى منزلها وأخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها، وهي لا ترقأ دمعتها، ولا تهدأ زفرتها، فاجتمع شيوخ أهل المدينة، وأقبلوا إلى أمير المؤمنين (ع) فقالوا له: يا أبا الحسن، إنّ فاطمة تبكي بالليل والنهار، فلا أحد منّا يتهنّأ بالنوم في الليل على فرشنا ! ولا بالنهار لنا قرار على أشغالنا وطلب معايشنا ! وإنّا نخبرك أن تسألها إمّا أن تبكي ليلاً أو نهاراً !! فقال (ع): (حبّاً وكرامة). فأقبل أمير المؤمنين (ع) حتّى دخل على فاطمة صلوات الله عليها وهي لا تفيق من البكاء، ولا ينفع فيها العزاء، فلمّا رأته سكنت هنيئة له. فقال لها: (يابنت رسول الله، إنّ شيوخ المدينة يسألونني أن أسألك إمّا تبكين أباك ليلاً وإمّا نهاراً). فقالت: (يا أبا الحسن، ما أقلّ مكثي بينهم، وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم، فوالله، لا أسكت ليلاً ولا نهاراً أو ألحق بأبي رسول الله (ص)). فقال لها عليّ (ع): (إفعلي يا بنت رسول الله ما بدا لك). ثمّ إنّه (ع) بنى لها بيتاً في البقيع، نازحاً عن المدينة، يسمّى بيت الأحزان،.. ([15]).

قال السمهودي: إنّ الغزالي ذكر استحباب الصلاة في مسجد فاطمة (عليها السلام) بالبقيع، وقال غيره: إنّه المعروف ببيت حزن لأنّ فاطمة (عليها السلام) أقامت فيه أيام حزنها على أبيها (ص) ([16]).

* * *



[1]- صحيح البخاري: ج5 ص144.

[2]- مناقب آل أبي طالب: ج3 ص137.

[3]- مسند أحمد: ج2 ص489.

[4]- الخصال: ص273.

[5]- مناقب آل أبي طالب: ج3 ص104.

[6]- الكافي: ج4 ص561.

[7]- مناقب آل أبي طالب: ج3 ص119.

[8]- نظم درر السمطين: ص181.

[9]- البداية والنهاية: ج6 ص367.

[10]- ذخائر العقبى: ص53.

[11]- الفصول المهمة في معرفة الأئمة: ج1 ص669.

[12]- مناقب آل أبي طالب: ج1 ص 208.

[13]- من لا يحضره الفقيه: ج1 ص298.

[14]- بيت الأحزان: ص167.

[15]- بحار الأنوار:43/ص177.

[16]- تاريخ المدينة: ج2/ص95، وفي وفاء الوفاء:ج 3/ص907.

  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • 1

البحث في الموقع