raya

بعد أن صادرت السلطة الغاصبة فدكاً من الزهراء (عليها السلام)، طالبت بها عن طريق الميراث؛ إلزاماً للحجة؛ فعمدت بشتّى الأساليب لانتزاع الحق السليب منهم إلاّ أنّهم أبوا إلاّ مصادرة جميع الحقوق المالية لفاطمة (عليها السلام) بهدف سياسي لا يخفى على المنصف؛ وهو سلب القدرة المالية عن علي بن أبي طالب (ع) خوفاً من منازعته إياهم حقّه الذي سلبوه ومنصبه الذي تقمّصوه.

فبعد أن رفضوا كون فدك نحلة وملك لها في حياة أبيها النبي (ص)، طالبت بها من باب كونها ميراثاً لها قد ورثتها من أبيها، والغريب من البعض أنه يجعل المطالبة بالميراث بعد المطالبة بالنحلة نقضاً على حكمة وعصمة فاطمة (عليها السلام) فيقول: إنّ فاطمة طلبت فدك تارة بالنحلة وتارة بالإرث، فإن وقع ذلك عمداً أو سهواً منها بطل عصمتها ؟!

والحال إنّها إنما عدلت لدعوى الميراث بعد ردّ دعواها للنحلة؛ ولذا لم تتعرّض لدعوى النحلة في خطبتها بقدر ما تعرّضت لدعوى الإرث.

قال العلامة المجلسي (رحمه الله): إنها (عليها السلام) ادعت أنّ فدكاً كانت نحلة لها من رسول الله (ص)، فلعل عدم تعرضها صلوات الله عليها في هذه الخطبة لتلك الدعوى ليأسها من قبولهم إياها، إذ كانت الخطبة بعد ما ردّ أبو بكر شهادة أمير المؤمنين (ع) ومن شهد معه، وكان المنافقون الحاضرون معتقدون لصدقته، فتمسك بحديث الميراث لكونه من ضروريات الدين ([1]).

كما ويقول بعض آخر بتقديم دعوى الميراث أولاً على دعوى النحلة، والحال أنّ الروايات تصرّح بأنّ دعوى الميراث كانت متأخرة عن دعوى النحلة.

فإنها (عليها السلام) لما أنكروا نحلتها عدلت إلى الميراث إلزاماً للحجة.

فوقعت المنازعة بينها وبين أبي بكر في إرث النبي (ص)، وكونها بنته الوحيدة فلابد أن ترث أباها طبقاً لتعاليم الإسلام، فجاءت لأبي بكر تطالبه بحقها الثابت لها في محكم التنزيل الحكيم، إلاّ أن أبا بكر منعها منه أيضاً، وبرر ذلك بحديث رواه عن النبي (ص) ينفي الإرث عن ذرية النبي (ص).

ولقد روى هذا الحديث كثير من المحدثين، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أنها أخبرته: أنّ فاطمة بنت رسول الله (ص) أرسلت إلى أبي بكر، تسأله ميراثها من رسول الله (ص)، مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إنّ رسول الله (ص) قال: (لا نورث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمد (ص) في هذا المال). وإنّي والله لا أُغيِّرُ شيئاً من صدقة رسول الله (ص)، عن حالها التي كانت عليها، في عهد رسول الله (ص)، ولاَعملنَّ فيها بما عمل به رسول الله (ص). فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً. فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ...) ([2]).

فصادرت السلطة ميراث فاطمة (عليها السلام) عبر اختلاقهم لهذا الحديث، وحرموا بنت محمد (ص) من أبسط حقوقها.

والغريب تقبل شهادة عائشة وحفصة في ثبوت ميراثهما ولم تثبت شهادة علي والحسنان وأم أيمن، فقد شهدت عائشة لأبيها بأنها سمعت حديث لا نورث من النبي (ص)!!

فروي أنّ عائشة وحفصة اللتان شهدتا على النبي بأنه قال: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث)، لما ولي عثمان، قالت له عائشة: أعطني ما كان يعطيني أبي وعمر، فقال: لا أجد له موضعاً في الكتاب ولا في السنة، ولكن كان أبوك وعمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما وأنا لا أفعل. قالت: فأعطني ميراثي من رسول الله، فقال: أليس جئت فشهدت أنت ومالك بن أوس النضري أن رسول الله (ص) قال: لا نورث، فأبطلت حق فاطمة، وجئت تطلبينه؟‍ لا أفعل. قال: فكان إذا خرج إلى الصلاة نادت وترفع القميص وتقول: إنه خالف صاحب هذا القميص. فلما آذته صعد المنبر فقال: إنّ هذه الزعراء (القليلة الشعر) عدوة الله ضرب الله مثلها ومثل صاحبتها حفصة في الكتاب: ﴿اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ([3]).

فقالت له: يا نعثل يا عدو الله إنما سماك رسول الله باسم نعثل اليهودي الذي باليمن، فلاعنته ولاعنها، وحلفت أن لا تساكنه بمصر أبداً وخرجت إلى مكة ([4]).

ونقف عند حديث نفي الإرث الذي نسبه الخليفة الأول للنبي (ص) لنرى هل يصح أن يصدر هذا الحديث من النبي (ص)، ونذكر مناقشات عديدة في ذلك.

عدم حجيّة حديث لا نورث:

إنّ حديث عدم توريث الأنبياء الذي زعمه أبو بكر لا حجيّة له وأنّه مردود من عدة وجوه:

الوجه الأول: الحديث مخالف لصريح القرآن الكريم، الذي نصّ على توريث الأنبياء (ص)، ولا يمكن أن يصدر من الرسول ما يخالف القرآن، ومن هنا يكون هذا حديثاً موضوعاً بدافع سياسي كما تقدّم.

وقد صرّح القرآن الكريم بثبوت الإرث ، فقال تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً([5])، وغيرها من آيات المواريث المطلقة التي تشمل رسول الله (ص) فمن دونه من سائر البشر.

كما ونصّ القرآن الكريم على خصوص توريث الأنبياء بقوله تعالى حكاية عن زكريا (ع): ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً @ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً([6])، ولا ريب أنّ الميراث في الاستخدام اللغوي يطلق على ما يصحّ أن ينتقل من الموروث إلى الوارث كالأموال وما يجري مجراها، ولا يستعمل في غيرها إلا مجازاً، والأصل هو الحمل الظاهر المقتضي للحقيقة لا للمجازية، وليس لنا أن نعدل عن ظاهر الكلام بغير قرينة قطعية ودلالة واضحة، وهي مفقودة في المقام.

ومنه قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ([7])، وهي ظاهرة في الدلالة على المراد، إذ أنّ إطلاق لفظ الميراث يقتضي أن يراد منه الأموال وما في معناها.

وتقدّم في خطبة الزهراء (عليها السلام) أنّها احتجت على أبي بكر بهذه الآيات، وكذلك احتجّ بها أمير المؤمنين (ع) لكن أبا بكر أبى إلاّ اللجاج والعناد والمكابرة وعدم الإنصات لصوت الحقّ والعدل.

أخرج ابن سعد في الطبقات: خبرنا محمد بن عمر حدثني هشام بن سعد عن عباس بن عبد الله بن معبد عن جعفر قال جاءت فاطمة إلى أبي بكر تطلب ميراثها وجاء العباس بن عبد المطلب يطلب ميراثه وجاء معهما علي فقال أبو بكر قال رسول الله (لا نورث ما تركنا صدقة) وما كان النبي يعول فعلي فقال علي ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وقال زكريا ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ قال أبو بكر هو هكذا وأنت والله تعلم مثلما أعلم فقال علي (ع) هذا كتاب الله ينطق فسكتوا وانصرفوا ([8]).

فخبر نفي الإرث لا يجوز الأخذ به لمخالفته للكتاب الكريم، وحاشا لرسول الله (ص) أن يقول بما يخالف كلام الله (عز وجل).

هذا زيادة على رفض باب مدينة علم النبي (ص) وسيدة نساء العالمين (عليها السلام) لما زعمه أبو بكر، ولو كان صادقاً بزعمه، لكانا عليهما السلام أولى الخلق بحقيقة ذلك الحديث، مما يكشف عن اختلاقه ووضعه.

ولكن أنصاره حاولوا الكذب على النبي (ص) فنسبوه إلى آخرين أيضاً، مع أنّ الثابت هو اختصاص أبي بكر به وتفرّده بنقله.

قالت عائشة: إنّ الناس اختلفوا في ميراث رسول الله، فما وجدوا عند أحدٍ من ذلك علماً، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله (ص) يقول: إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ([9]).

لذا قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: إنه لم يرو هذا الخبر إلاّ أبو بكر وحده، ذكر ذلك أعظم المحدثين، حتى أنّ الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد ([10]).

وقال تعليقاً على حديث نفي الإرث: قلت: هذا حديث غريب، لأنّ المشهور أنه لم يروِ حديث انتفاء الإرث الاّ أبو بكر وحده ([11]).

وقال أيضاً قلت: صدق المرتضى رحمه الله فيما قال أما عقيب وفاة النبي (ص) ومطالبة فاطمة (عليها السلام) بالإرث فلم يرو الخبر إلا أبو بكر وحده وقيل: أنه رواه معه مالك بن أوس بن الحدثان وأمّا المهاجرون الذين ذكرهم قاضي القضاة فإنما شهدوا بالخبر في خلافة عمر وقد تقدّم ذكر ذلك ([12]).

وقال السيوطي: واختلف الأصحاب في ميراثه - النبي - فما وجدوا عند أحد من ذلك علماً. فقال أبو بكر: سمعت رسول الله (ص) يقول: إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة ([13]).

 

قال ابن حجر: اختلف الأصحاب في ميراث النبي فما وجدوا عند أحد من ذلك علما. فقال أبو بكر: سمعت رسول الله (ص) يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورث ([14]).

ولا ندري كيف تُقبل رواية الخصم متفرّداً بحديث يناقض كتاب الله ويعارض النقل، ولا تقبل شهادة فاطمة (عليها السلام) التي توافق الكتاب الكريم ولا تعارض النقل، وهي الصديقة المطهّرة من الرجس ؟! إلا أنه بفقدان الورع والتقوى وشرف الخصومة يكون الخصم هو الحاكم، وللحاكم أن يحكم بما يشاء، والحقّ معه على أيّ حال !!

والذي يدلّ على ما تقدّم أنّ أمير المؤمنين (ع) والعباس عمّ الرسول (ص) وأُمّهات المؤمنين لم يسمعوا بهذا الحديث، حيث طالبوا بالإرث حتى بعد وفاة أبي بكر ووفاة الزهراء (عليها السلام).

فقد روي أنّ العباس (رضي الله عنه) وعليّاً (ع) جاءا عمر بن الخطاب يطلبان ميراثهما من رسول الله (ص) ([15])، وأنّ أزواج النبي (ص) أرسلن عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألن ميراثهن من رسول الله (ص) ([16]).

فهل يصح مع ذلك ماروي من أنّ عمر بن الخطاب ناشد عليّاً (ع) والعباس (رضي الله عنه): هل تعلمان ذلك ؟ - أي حديث منع الارث - فقالا: قد قال ذلك ([17]).

فإذا كانا يعلمانه، فكيف جاء العباس وفاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر يطلبان الميراث ؟ وكيف جاء علي (ع) والعباس إلى عمر بن الخطاب يطلبان الميراث ؟

فهل يصح أن يقال: إنّهما كانا يعلمان الحديث، ثمّ جاءا يطلبان الإرث الذي لا يستحقانه؟ أو إنّ عليّاً (ع) كان يعلم ذلك ثمّ يمكّن فاطمة (عليها السلام) أن تخالف قول الرسول (ص) وتطلب ما لا تستحقه، وأن تخرج من دارها وتنازع أبا بكر، وتكلمه بما كلمته دفاعاً عن حقها ؟ مع ما لعلي (ع) من الزهد والعصمة والطهارة والذوبان في ذات الله والحبّ الشديد لإجراء أحكامه وسُنّة نبيه (ص)، إنّ أهل البيت (ص) أورع وأبرّ وأتقى من أن يطلبوا دنيا فانية أو عرضاً زائلاً، خصوصاً وأن أمير المؤمنين (ع) قد ضرب أروع أمثلة الزهد في هذه الدنيا التي طلّقها ثلاثاً لا رجعة له فيها.

فهل يتصور عاقل بأنّه (ع) جاء ينازع المسلمين حقّهم وهو الذي عرف عنه تصلّبه في الحق إلى الدرجات القصوى حتى أنّ الحق لم يترك له صديقاً !!

وفي صحيح مسلم أنّ عمر قال للعباس وعلي (ع): (فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها فقال أبو بكر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نورث ما تركنا صدقة فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً والله يعلم أنه لصادق بار راشد تابع للحق ثم توفى أبو بكر وأنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي أبي بكر فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً...) ([18]).

فكيف يريان هذا الرأي، ويحكمان هذا الحكم على أبي بكر وعمر في عملهما بأمر فدك وسائر إرث النبي (ص) وهما يعلمان أنّ رسول الله (ص) قال: لا نورث ؟!

وعليه فلا تستقيم مطالبة الزهراء (عليها السلام) وأمير المؤمنين (ع) بإرث النبي (ص) إلاّ لعلمهما بكذب الخبر المانع للإرث.

الوجه الثاني: لو صحّ صدور الحديث لبيّن النبي (ص) لورثته بأنّ تركته صدقة لكلِّ المسلمين، وليس لهم حقّ المطالبة بالإرث بعده، لئلا يتعرّضوا لمواضع التهمة في المطالبة بما لا يستحقونه، وليقطع دابر الفرقة والاختلاف.

فهل يمكن أن يقال: إنّ النبي (ص) لا يعلم أنّ ورثته سيقسمون تركته من بعده وفقاً لأحكام الشريعة ؟ أو إنّه كان يعلم ذلك ولكن قصّر في تبليغ الأحكام والعياذ بالله ؟! وتلك علامات استفهام جوابها أنّ الحديث موضوع على رسول الله (ص).

وكيف يمكن أن نتصور أنّ النبي (ص) يشرّع حكماً يخالف نصوص القرآن الكريم ويخفيه عن جميع المسلمين، ولا يبلغه إلاّ لاَبي بكر وهو غير وارث ؟ بل كيف يمكن أنّ نتصور أنّ أمير المؤمنين علياً (ع) وباب مدينة علم الرسول (ص) كان يجهل هذا الحكم، وهو أقضى الاُمّة وأعلمها بالكتاب والسُنّة ؟!

الوجه الثالث: ولو صحّ حديث أبي بكر، لكان عليه أن يحرّم جميع الورثة من أموال الرسول الخاصة به، لكنّه ترك أزواج النبي (ص) في حجرهن من غير بينة ولا شهادة تدلّ على الهبة أو التمليك، ولم يُدخِل بيوت النبي (ص) وأثاثها في الأموال العامة، فهل الحكم بعدم التوريث مختصاً بالزهراء (عليها السلام) ؟ أم هناك آية خصّت عائشة وحفصة وغيرهما وأخرجت بنت المصطفى (ص) من الإرث ؟

ولقد أوصى أبو بكر حينما حضرته الوفاة أن يُدفَن إلى جنب رسول الله (ص) وفي حجرته، واستأذن لذلك من عائشة، فلو كانت أمواله صدقه، فإنّ حجرة النبي (ص) من الأموال العامّة، وينبغي لأبي بكر أن يستأذن من جميع المسلمين في ذلك لا من عائشة وحدها، بل من جميع نساء النبي (ص) إن كن يرثن النبي (ص) بخلاف فاطمة (عليها السلام) التي خرجت من قانون الإرث بحديث أبي بكر المزعوم، فكأنه لم يصدق روايته ([19]).

عن المفضل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن أحدهما قال: إنّ فاطمة انطلقت إلى أبي بكر فطلبت ميراثها من نبي الله (ص) فقال: إنّ نبي الله لا يورث، فقالت: أكفرت بالله وكذبت بكتابه ؟ قال الله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين([20]).

فلا توجد آية خصّت نفي الإرث عن بنت محمد (ص)، نعم هي السياسة الشيطانية التي تجعل الحقّ باطلاً والباطل حقاً.

ثم لو صحّ صدور الخبر لما ناقض عمر بن الخطاب عمل صاحبه، فقسّم ميراث النبي (ص) على أزواجه ودفع صدقته بالمدينة إلى علي (ع) والعباس.

روى البخاري في كتاب المزارعة عن نافع، قال: إنّ عبد الله بن عمر قال: قسّم عمر خيبر، فخيّر أزواج النبي (ص) أن يُقطَع لهنّ من الماء والأرض، أو يُمضى لهنّ، فمنهنّ من اختار الأرض، ومنهنّ من اختار الوسق، وكانت عائشة اختارت الأرض ([21]).

فهذه خيبر التي طالبت الزهراء (عليها السلام) بنصيبها منها كميراثٍ لها من أبيها الرسول (ص)، وردّها أبو بكر، جاء عمر فقسّمها في أيام خلافته على أزواج النبي (ص) ! فإذا كان النبي (ص) لا يورث، فكيف تقسّم خيبر على أزواج النبي(ص)، فهل قسّمها عمر عليهن لكونهم يرثن؟ إذن فلماذا ترث الأزواج ولا ترث البنت ؟

وعن عائشة، قالت: أمّا صدقة رسول الله (ص) بالمدينة، فدفعها عمر إلى علي والعباس ([22]).

فلو صحّ أنّ النبي (ص) لا يورث، وأنّ ما تركه صدقة للمسلمين، فكيف يدفع عمر ذلك إلى علي (ع) والعباس ؟ ولماذا لم يدفع رجال السلطة هذه الأموال في حياة الزهراء (عليها السلام)، إنّها السياسة التي تطلبت أن يمنعوا حيث توجب المصالح تثبيت ركائز الدولة وتدعيم أركانها، وأن يعطوا في وقت الرخاء والاستقرار وبسطة الفتوح.

الوجه الرابع: لو صحّ الحديث لانصرفت الصديقة الطاهرة فاطمة (عليها السلام) عن مطالبتها راضية مخبتة، لكن المحقَّق أنّ الزهراء (عليها السلام) غضبت على أبي بكر وعمر وهجرتهما بعد سماعها الحديث المفترى على أبيها العظيم محمد (ص)، وماتت وهي ساخطة عليهما، وأوصت أن تدفن ليلاً، وأن لا يحضرا - الأول والثاني - جنازتها، ولا يصليا عليها، وأن يعفى موضع قبرها، فدفنها علي (ع) ليلاً، وغيّب قبرها، ولم يُعلم بها أحداً منهما، كما سيأتي ذلك في محلّه.

ومثل هذا لا تفعله الزهراء (عليها السلام) بمن هو مصيب في قوله وفعله لاَنّها (عليها السلام) لا تغضب لغير الحقّ، وأن الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها.

ولما تمثلت الزهراء (عليها السلام) وقالت ([23]):

تجهّمتنا رجالٌ واستخفّ بنا         لمّا فُقِدت وكلُّ الإرث مغتصبُ

الوجه الخامس: رويت بعض الأخبار التي تعارض حديث منع الإرث، منها ما جاء في السيرة الحلبية عن سبط ابن الجوزي، قال: إنّ أبا بكر كتب لفاطمة (عليها السلام) بفدك، ودخل عليه عمر، فقال: ما هذا ؟ فقال: كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها. فقال: ممّاذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى ؟ ثم أخذ عمر الكتاب فشقّه ([24]).

وواضح من الخبر أنّه كتب بفدك لفاطمة (عليها السلام) على أنها إرث من أبيها (ص) وهو يخالف رواية أبي بكر المانعة لتوريث الأنبياء.

وروى أحمد في مسنده عن أبي الطفيل قال: أرسلت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر: أنت ورثت رسول الله (ص) أم أهله ؟ قال: لا، بل أهله ([25]).

وعلق ابن أبي الحديد على الحديث قائلاً: في هذا الحديث عجب، لاَنّها قالت له: أنت ورثت رسول الله (ص) أم أهله ؟ قال: بل أهله، وهذا تصريح بأنّه (ص) موروث يرثه أهله، وهو خلاف قوله: (لا نورث) ([26]).

أخيراً فإنّ أرض فدك هي حقّ خالص لفاطمة (عليها السلام) لا يمكن المماراة فيه سواء كان نحلة أو ميراثاً، وأنّ الخبر الذي تفرّد به أبو بكر قد جرّ على الاُمّة مزيداً من المحن والإحن، وفتح عليها باب العداء على مصراعيه، وأجّج البغضاء والشحناء، وشقّ عصا المسلمين إلى اليوم.



[1]- بحار الأنوار: ج29 ص280.

[2]- صحيح البخاري: ج4 ص42، صحيح مسلم: ج5 ص153، مسند أحمد: ج1 ص25.

[3]- التحريم: 10.

[4]- كشف الغمة: ج2 ص108.

[5]- النساء: 7.

[6]- مريم: 5 – 6.

[7]- النمل: من الآية 16.

[8]- الطبقات الكبرى: ج2 ص315.

[9]- كنز العمال: ج12 ص488.

[10]- شرح نهج البلاغة: ج16 ص227. قال ابن أبي الحديد: وقال شيخنا أبو علي: لا تقبل في الرواية إلا رواية اثنين كالشهادة، فخالفه المتكلمون والفقهاء كلهم، واحتجوا عليه بقبول الصحابة رواية أبى بكر وحده: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث)، حتى إن بعض أصحاب أبي على تكلف لذلك جوابا، فقال: قد روى أن أبا بكر يوم حاج فاطمة عليه السلام قال: أنشد الله امرأ سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا شيئا ! فروى مالك بن أوس بن الحدثان، أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث ينطق بأنه استشهد عمر وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعدا، فقالوا: سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأين كانت هذه الروايات أيام أبى بكر ! ما نقل أن أحدا من هؤلاء يوم خصومة فاطمة عليه السلام وأبي بكر روى من هذا شيئاً (شرح نهج البلاغة: ج16 ص227).

وقال السيد المرتضى (رضي الله عنه): إنّ الخبر (أي خبر نفي الإرث) على كلِّ حال لا يخرج من أن يكون غير موجب للعلم، وهو في حكم أخبار الآحاد، وليس يجوز أن يرجع عن ظاهر القرآن بما يجري هذا المجرى، لاَنّ المعلوم لا يُخَصّ إلاّ بمعلوم، وإذا كانت دلالة الظاهر معلومة لم يجز أن يرجع عنها بأمر مظنون (الشافي: ج4 ص66).

[11]- شرح نهج البلاغة: ج16 ص221.

[12]- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج16 ص245.

[13]- تاريخ الخلفاء: ص73.

[14]- الصواعق المحرقة: ص35.

[15]- المعجم الأوسط: ج5 ص26.

[16]- عن الإمام الباقر (ع)، قال: (جاءت عائشة إلى عثمان فقالت: أعطني ميراثي من رسول الله (ص). فقال لها: أولم تجيئي ومالك بن أوس النصري، فشهدتما أنّ رسول الله (ص) لا يورث، حتى منعتما فاطمة ميراثها، وأبطلتما حقّها، فكيف تطلبين اليوم ميراثاً من النبي (ص)؟!

فتركته وأنصرفت، وكان عثمان إذا خرج إلى الصلاة، أخذت عائشة قميص رسول الله (ص) ثمّ قالت: إنّ عثمان قد خالف صاحب هذا القميص وترك سنّته) أمالي الشيخ المفيد: ص125.

[17]- مسند أحمد: ج1 ص208.

[18]- صحيح مسلم: ج5 ص152.

 

[19]- لقد استئثارت عائشة ببيت النبي (ص) غير دفن أبي بكر وعمر في حجرته (ص)، أنّها منعت الإمام الحسين (ع) أن يدفن أخاه الحسن (ع) إلى جانب جدّه وركبت بغلة، وخرجت تنادي: لا تدفنوا في بيتي من لا أُحبّ، واصطفّ بنو هاشم وبنو أُميّة للحرب، ولكن الإمام الحسين (ع) قال لها: " إنّه سيطوف بأخيه (ع) على قبر جده (ص) ثمّ يدفنه في البقيع، ذلك لاَنّ الإمام الحسن (ع) أوصاه أن لا يهرق من أجله ولو محجمةً من دم.

فقال ابن عباس رضي الله عنه: واسوأتاه يوماً على بغل، ويوماً على جمل؟ وفي رواية: يوماً تجمّلت، ويوماً تبغّلت، وإن عشت تفيّلت. فأخذه من الشعراء ابن الحجاج البغدادي مشيراً إلى استئثار عائشة بكل بيت النبي (ص) دون باقي نسائه، فقال:

لكِ التسع من الثمن       وبالكلِّ تملكتِ

تجمّلتِ تبغّلتِ         وإن شئت تفيّلتِ

بحار الأنوار: ج44 ص154.

وقال الصقر البصري:

ويوم الحسن الهادي       على بغلك أسرعتِ

ومايست ومانعتِ           وخاصمتِ وقاتلتِ

وفي بيت رسول اللـ       ــه بالظلم تحكّمتِ

هل الزوجة أولى بالـ     ـمواريث من البنتِ

لك التسع من الثمن             فبالكلِّ تحكّمتِ

تجمّلتِ تبغّلتِ               ولو عشت تفيّلتِ

مناقب آل أبي طالب: ج3 ص205.

[20]- تفسير العياشي: ج1 ص225، بحار الأنوار: ج29 ص119.

[21]- صحيح البخاري: ج3 ص68، وفي السنن الكبرى: ج6 ص116، فكانت عائشة وحفصة ممن اختارتا الأرض والماء.

[22]- السنن الكبرى: ج6 ص301.

[23]- اللمعة البيضاء: ص707.

[24]- السيرة الحلبية: ج3 ص488.

[25]- مسند أحمد: ج1 ص4.

[26]- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج16 ص219.

  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • رجائي أن شيعة آل محمد (ع) يصطفون تحت هذه الراية فهي راية الحق الوحيدة البارزة، والمنادية بالحق، الراية الوحيدة التي لم تداهن ولم تدخل فيما دخل فيه أهل الباطل، ومُخطأ من شيعة آل محمد (ص) من يُعوِل على هؤلاء الذين أيديهم صفرات من الدليل سواء الشرعي أم العقلي على مايدعون من وجوب تقليد ونيابة، مُخطأ من يُعوِل على هؤلاء الذين لايثقون ببعضهم بعضا وكل واحد منهم اخذ مجموعة من شيعة آل محمد (ص) وحزَّبَهم لنفسه دون أن ينصبه الله، حتى فرقوا شيعة آل محمد (ع) شيعا وجعلوهم لايكادون يلتقون حتى في تحديد يومي العيدين...
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • اسأل نفسك وليسأل كل منصف نفسه السؤال الحتمي بعد معرفة ما روي في كتب المسلمين أن رسول الله محمداً (ص) عندما مرض بمرض الموت طلب ورقة وقلم ليكتب كتاباً وصفه رسول الله محمد (ص) بأنه كتاب يعصم الأمة التي تتمسك به من الضلال إلى يوم القيامة، فمنعه عمر وجماعة معه من كتابة هذا الكتاب في حادثة رزية الخميس المعروفة، فالسؤال هو: هل يقبل أحد أن يتهم رسول الله محمداً (ص) أنه قصَّر في كتابة هذا الكتاب المهم والذي يعصم الأمة من الضلال بعد أن كانت عنده فرصة لأيام قبل وفاته يوم الاثنين ليكتبه ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني الوصية المقدسة الكتاب العاصم من الضلال
  • 1
  • 2