raya

لقد منعت السلطة الغاصبة فاطمة الزهراء (عليها السلام) من كل الحقوق الثابتة لها في الشرع الإسلامي، فصادوا منها نحلتها، كما منعوها إرثها من النبي (ص) وهي بنته الوحيدة، وكذلك منعوها من سهم ذي القربى.

وكانت السلطة الجائرة تهدف من وراء هذه السياسات سلب القدرة الاقتصادية من علي وفاطمة عليهما السلام المتمثل في فدك وغيرها، لكي يجعلوا علياً (ع) خالي اليد غير قادر على الوقوف بوجه الحكومة الجديدة الغاصبة من جهة، ولكي يدعموا حكومتهم من جهة ثانية.

ونعرض في هذا الفصل إلى ما صادرته السلطة الغاصبة، من نحلة الزهراء، وحرمانها من الميراث، وسهم ذي القربى، وما احتجت به فاطمة (عليها السلام) على السلطة الغاصبة الظالمة.

نحلة الزهراء (عليها السلام):

لقد عمدت السلطة الغاصبة لمصادرة نحلة الزهراء (عليها السلام) المتمثلة بفدك والعوالي ([1]).

وهاتان القريتان كانتا ملكاً للنبي (ص) دون سائر المسلمين. إلا أنّ العوالي لم تذكر في كثير من الأخبار، و ذلك بسبب كونها تابعة لفدك فذكر فدك يستلزم ذكرها، أو لكونها أقل نفعاً من فدك فلم يعتنوا بذكرها واكتفوا بالحديث عن فدك.

ونتعرض لذكر فدك وما جرى عليها فالكلام فيها يغنينا عن الكلام في العوالي ؛ لأنهما معاً يندرجان تحت عنوان النحلة المغصوبة.

 

 

ما هي فدك ؟

قال ابن منظور في لسان العرب: الأزهري: فدك: قرية بخيبر، وقيل: بناحية الحجاز، فيها عين ونخل، أفاءها الله على نبيّه (صلى الله عليه وسلم) .... فذكر عليّ رضي الله عنه، أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وسلم) كان جعلها في حياته لفاطمة رضي الله عنها وولدها (ص) ([2]) .

وقال الحموي في معجم البلدان: فدك: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة، أفاءها الله على رسوله، صلى الله عليه وسلم، في سنة سبع صلحاً، وذلك أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما نزل خيبر وفتح حصونها ولم يبق إلاّ ثلث واشتد بهم الحصار راسلوا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، يسألونه أن ينزلهم على الجلاء وفعل، وبلغ ذلك أهل فدك فأرسلوا إلى رسول الله، صلى عليه وسلم، أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم فأجابهم إلى ذلك، فهي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكانت خالصة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفيها عين فوارة ونخيل كثيرة، وهي التي قالت فاطمة، رضي الله عنها: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نحلنيها، فقال أبو بكر، رضي الله عنه: أريد لذلك شهوداً، ولها قصة ([3]).

وقال الطريحي في مجمع البحرين: فدك بفتحتين: قرية من قرى اليهود بينها وبين مدينة النبي (ص) يومان. وبينها وبين خيبر دون مرحلة. وهي ما أفاء الله على رسوله، منصرف وغير منصرف. وكانت لرسول الله (ص) لأنه فتحها هو وأمير المؤمنين (ع) لم يكن معهما أحد فزال عنها حكم الفيء ولزمها اسم الأنفال. فلما نزل (وآت ذا القربى حقه)، أي أعط فاطمة (عليها السلام) فدكاً، أعطاها رسول الله (ص) إياها. وكانت في يد فاطمة (عليها السلام) إلى أن توفى رسول الله (ص). فأخذت من فاطمة بالقهر والغلبة ([4]).

 

 

 

فدك ملك النبي (صلى الله عليه وآله):

كانت فدك ملكاً صرفاً للنبي المصطفى (ص) في حياته؛ لأنها لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب([5])؛ وإنما أسلم عليها أهلها. وأنحلها النبي (ص) لأبنته فاطمة (عليها السلام) في حياته الشريفة، وهذا ما صرّحت به المصادر من طرق الفريقين.

قال المؤرخ محمد بن جرير الطبري: قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وكان عنده كنز بني النضير فسأله فجحد أن يكون يعلم مكانه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل من يهود فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني قد رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة فقال رسول الله لكنانة: (أرأيت إن وجدناه عندك أقتلك) ؟ قال: نعم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله ما بقى ؟ فأبى أن يؤديه فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام فقال عذبه حتى تستأصل ما عنده فكان الزبير يقدح بزنده في صدره حتى أشرف على نفسه ثم دفعه رسول الله إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر في حصنهم الوطيح والسلالم حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم ويحقن لهم دماءهم ففعل وكان رسول الله قد حاز الأموال كلها الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم إلاّ ما كان من ذينك الحصنين، فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم لهم ويخلوا الأموال ففعل، وكان فيمن مشى بينهم وبين رسول الله في ذلك محيصة بن مسعود أخو بني حارثة فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله أن يعاملهم بالأموال على النصف وقالوا نحن أعلم بها منكم وأعمر لها، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، وصالحه أهل فدك على مثل ذلك فكانت خيبر فيئاً للمسلمين وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب([6]).

وقال المؤرخ عزّ الدين أبو الحسن المعروف بابن الأثير: وكانت خيبر فيئاً للمسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله (ص) لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب ([7]).

وقال الحموي: فهي - أي فدك - مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت خالصة لرسول الله (ص)، وفيها عيّن فوّارة ونخيل كثيرة، وهي التي قالت فاطمة (عليها السلام): إنّ رسول الله نحلنيها. فقال أبو بكر أريد لذلك شهوداً، ولها قصة ([8]).

قال ابن أبي الحديد المعتزلي: قال أبو بكر: حدثني أبو زيد عمر بن شبة قال: حدثنا حيان بن بشر، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق عن الزهري قال: بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا. فسألوا رسول الله (ص) أن يحقن دماءهم ويسيرهم، ففعل، فسمع ذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك، وكانت للنبي (ص)خاصة؛ لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. قال أبو بكر: وروى محمد بن إسحاق أيضاً، أنّ رسول الله (ص) لما فرغ من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك، فبعثوا إلى رسول الله (ص) فصالحوه على النصف من فدك، فقدمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطريق، أو بعد ما أقام بالمدينة، فقبل ذلك منهم، وكانت فدك لرسول الله (ص) خالصة له لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ([9]).

وقال الجوهري: حدثني أبو زيد عمر بن شبه، قال: حدثنا حيان بن بشر، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري قال: بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا، فسألوا رسول الله (ص) أن يحقن دماءهم ويسيرهم، ففعل، فسمع ذلك أهل فدك، فنزلوا على مثل ذلك، وكانت للنبي (ص) خاصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. وروى أحمد بن إسحاق أيضاً، أن رسول الله (ص)، لما فرغ من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك، فبعثوا إلى رسول الله (ص)، فصالحوه على النصف من فدك، فقدمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطريق، أو بعد ما أقام بالمدينة، فقبل ذلك منهم، وكانت فدك لرسول الله (ص) خالصة له، لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ([10]).

النبي (صلى الله عليه وآله) ينحل فدكاً لفاطمة (عليها السلام):

روى الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ دعا رسول الله (ص) فاطمة فأعطاها فدك ([11]).

وعنه أيضاً عن ابن عباس قال: لما أنزل الله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ دعا رسول الله (ص) فاطمة وأعطاها فدكاً وذلك لصلة القرابة ([12]).

ونقلهما أيضاً عن أبي سعيد وابن عباس الشوكاني في فتح القدير ([13]). والسيوطي في الدر المنثور للسيوطي، ولباب النقول ([14]).

كما روى المتقي الهندي في كنز العمال أيضاً عن أبي سعيد قال: لما نزلت ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا فاطمة لك فدك) ([15]).

وروى العياشي عن عطية العوفي قال: لما افتتح رسول الله (ص) خيبر، وأفاء الله عليه فدك وانزل عليه ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ قال: (يا فاطمة لك فدك) ([16]).

وهناك من شكك في كون فدك بيد الزهراء (عليها السلام) في حياة رسول الله (ص). قال ابن أبي الحديد نقلاً عن القاضي عبد الجبار: ولسنا ننكر صحة ما روي من ادعائها فدك، فأمّا أنها كانت في يدها فغير مسلم، بل إن كانت في يدها لكان الظاهر أنها لها، فإذا كانت في جملة التركة فالظاهر أنها ميراث ([17]).

إلا أنّ هذا التشكيك لا قيمة له لما تقدّم من أنّ النبي (ص) أنحل فدكاً لابنته فاطمة (عليها السلام)، وممّا يدلُّ على ذلك علاوة على ما تقدّم أمور:

أولاً: ما جاء في كتاب أمير المؤمنين (ع) إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف، قال (ع): (بلى كانت في أيدينا فدك، من كلّ ما أظلّته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، ونعم الحكم الله، وما أصنع بفدك وغير فدك، والنفس مظانّها في غدٍ جدث، تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها ...) ([18]).

ثانياً: ما جاء عن فاطمة (عليها السلام)؛ بأنّ رسول الله (ص) وسلم قد أعطاها فدكاً فقالت (عليها السلام) في جوابها لعائشة بنت طلحة: (أتسأليني عن هنة حلَّق بها الطائر، وحفي بها السائر، رفعت إلى السماء أثراً، ورزئت في الأرض خبراً ؟ إنّ قُحيف تَيم، واُحيول عدي جاريا أبا الحسن في السباق، حتى إذا تفرّيا في الخناق فأسرّا له الشنآن، وطوياه الإعلان، فلمّـا خبأ نور الدين وقبض النبي الأمين نطقا بفورهما، نفثا بسورهما، وأدالا فدكاً، فيالها كم من ملك ملك، إنّها عطية الربّ الأعلى للنجيّ الأَوفى، ولقد نَحلينها للصبية السواغب من نجله ونسلي، وإنّها لَبِعِلْمِ الله وشهادة أمينه، فإن انتزعا مني البلغة ومنعاني اللمظة فأحتسبها يوم الحشر، وليجدن آكلها ساعرة حميم في لظى جحيم) ([19]).

ثالثاً: شهادة أمير المؤمنين (ع) وأُمّ أيمن لها (عليها السلام)، وذلك بعد أن وضعت السلطة يدها على الأرض، وأخرجت وكيلها منها.

ومطالبة الزهراء (عليها السلام) بفدك وشهادة أمير المؤمنين (ع) لها، أمرٌ متواتر يعرفه الخاص والعام، وسيأتي بيانه.

رابعاً: موقف عمر بن عبد العزيز والمأمون في ردّهما فدكاً على ولد الزهراء (عليها السلام) لمّا تبيّن لهما أنّ الحقّ كان معها (عليها السلام) وأنّها (عليها السلام)كانت صادقة في دعواها.

أمّا عمر بن عبد العزيز؛ فقد كتب إلى عامله على المدينة أبي بكر بن عمرو بن حزم: إذا ورد عليك كتابي هذا، فاقسمها في ولد علي من فاطمة عليهما السلام. فنقمت بنو أُمية على عمر بن عبد العزيز عمله هذا وعاتبوه فيه، فقال لهم: إنّكم جهلتم وعلمتُ، ونسيتم وذكرتُ، إنّ رسول الله (ص) قال: (فاطمة بضعة مني، يسخطني ما أسخطها، ويرضيني ما أرضاها) قالوا: فأن أبيت إلا هذا فأمسك الأصل، وأقسم الغلّة، ففعل ([20]).

وفي رواية الجوهري أنّه قال لهم: (قد صحّ عندي وعندكم أنّ فاطمة بنت رسول الله (ص) أدعت فدك، وكانت في يدها، وما كانت لتكذب على رسول الله (ص) مع شهادة علي (ع) وأُمّ أيمن وأُمّ سلمة، وفاطمة عندي صادقة فيما تدّعي وإن لم تقم البيّنة، وهي سيدة نساء أهل الجنة، فأنا اليوم أردّها على ورثتها . . . ولو كنت بدل أبي بكر وادّعت فاطمة كنت أصدّقها على دعواتها. فسلّمها إلى محمد بن علي الباقر (ع) وعبد الله بن الحسن) ([21]).

وأمّا المأمون؛ فقد جلس مجلساً مشهوراً ونصب فيه وكيلاً لفاطمة (عليها السلام) وآخر لأبي بكر، وجلس هو لسماع المناظرة والقضاء، وحكم بردّ فدك إلى أولاد فاطمة (عليها السلام) بعد قيام الحجّة ووضوح الأمر.

وكتب كتاباً في الثاني من ذي القعدة سنة 210 هـ إلى عامله على المدينة قثم بن جعفر أمره فيه بتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين (ع)، ومحمد بن عبد الله بن الحسين بن علي بن الحسين (ع)، ومما جاء في الكتاب: قد كان رسول الله (ص) أعطى فاطمة بنت رسول الله (ص) فدك وتصدّق بها عليها، وكان ذلك أمراً ظاهراً معروفاً لا اختلاف فيه بين آل الرسول (ص). . . فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها ويسلّمها إليهم، تقرباً إلى الله تعالى بإقامة حقّه، وإلى رسول الله (ص) بتنفيذ أمره وصدقته ([22]).

 

 

أقوال العلماء في نحلة فاطمة (عليها السلام):

1- قال الشهرستاني: الخلاف السادس في أمر فدك والتوارث عن النبي (ص)، ودعوى فاطمة (عليها السلام) وراثة تارة، وتمليكاً أخرى، حتى دفعت عن ذلك بالرواية المشهورة عن النبي عليه الصلاة والسلام: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) ([23]).

2- قال الياقوت: وفيها - أي فدك - عين فوارة ونخيل كثيرة، وهي التي قالت فاطمة رضي الله عنها: إنّ رسول الله نحلنيها ([24]).

3- قال الواقدي: ولعل طلب إرثها من فدك كان منها بعد أن ادعت رضي الله عنها أنّ النبي (ص) أعطاها فدكاً، وقال لها: لك بينة ؟ فشهد لها علي كرم الله وجهه وأم أيمن، فقال لها: أبرجل وامرأة تستحقيها ؟ ([25]).

4- قال عبد الرحمن بن أحمد الإيجي: فإن قيل: ادعت أنه نحلها، وشهد علي والحسن والحسين وأم كلثوم، فرد أبو بكر شهادتهم، قلنا: أمّا الحسن والحسين فللفرعية، وأمّا علي وأم كلثوم فلقصورهما عن نصاب البينة، ولعله لم ير الحكم بشاهد ويمين؛ لأنه مذهب كثير من العلماء ([26]).

5- قال السيد ابن طاووس (رحمه الله): فصل: فيما نذكره من الكراس الآخر من الجزء الخامس (من تفسير محمد بن العباس بن علي بن مروان المعروف بابن الحجام) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ روى فيه حديث فدك من عشرين طريقاً، فلذلك ذكرته، نذكر منها طريقاً واحداً... عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ دعا رسول الله (ص) فاطمة وأعطاها فدكاً ([27]).

6- قال العلامة الإربلي (رحمه الله): عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (ع): قال: (قلت: أكان رسول الله (ص) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدك ؟ قال: كان رسول الله وقفها، فأنزل الله تبارك وتعالى عليه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ فأعطاها رسول الله (ص) حقها. قلت: رسول الله أعطاها ؟ قال: بل الله تبارك وتعالى أعطاها. وقد تظافرت الرواية من طرق أصحابنا بذلك، وثبت أنّ ذا القربى علي وفاطمة والحسن والحسين (ص)) ([28]).

7- قال أحمد بن علي الطبرسي (رحمه الله): عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله (ع) قال: (لما بويع أبو بكر، واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار، بعث إلى فدك من إخراج وكيل فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله منها، فجاءت فاطمة الزهراء (عليها السلام) إلى أبي بكر ثم قالت: لم تمنعني ميراثي من أبي رسول الله (ص)، وأخرجت وكيلي من فدك، وقد جعلها لي رسول الله (ص) بأمر من الله تعالى ؟ فقال: هاتي على ذلك بشهود. فجاءت بأم أيمن، فقالت له أم أيمن: لا أشهد يا أبا بكر حتى أحتج عليك بما قال رسول الله (ص)، أنشدك بالله ألست تعلم أن رسول الله (ص) قال: (أم أيمن امرأة من أهل الجنة) ؟ فقال: بلى، قالت: فأشهد أن الله (عز وجل) أوحى إلى رسول الله (ص): ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ فجعل فدكاً لها طعمة بأمر الله، فجاء علي (ع) فشهد بمثل ذلك. فكتب: لها كتاباً ودفعه إليها، فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب؟ فقال: إن فاطمة (عليها السلام) ادعت في فدك وشهدت لها أم أيمن وعلي (ع)، فكتبته لها، فأخذ عمر الكتاب من فاطمة، فتفل فيه ومزقه. فخرجت فاطمة (عليها السلام) تبكي فلما كان بعد ذلك جاء علي (ع) إلى أبي بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والأنصار، فقال: يا أبا بكر، لم منعت فاطمة ميراثها من رسول الله (ص) وقد ملكته في حياة رسول الله (ص) ؟ فقال أبو بكر: هذا فيء للمسلمين، فإن أقامت شهوداً أن رسول الله جعله لها، وإلا فلا حق لها فيه.

فقال أمير المؤمنين (ع): يا أبا بكر، تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين ؟ قال: لا، قال: فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه، ثم ادعيت أنا فيه، من تسأل البينة ؟ قال: إياك أسأل البينة، قال: فما بال فاطمة سألتها البينة على ما في يديها وقد ملكته في حياة رسول الله (ص) وبعده، ولم تسأل المسلمين بينة على ما ادعوها شهوداً كما سألتني على ما ادعيت عليهم ؟ فسكت أبو بكر، فقال عمر: يا علي دعنا من كلامك، فإنا لا نقوى على حجتك، فإن أتيت بشهود عدول، وإلا فهو فيء للمسلمين لا حق لك ولا لفاطمة فيه.

فقال أمير المؤمنين (ع): يا أبا بكر تقرأ كتاب الله؟ قال: نعم، قال: أخبرني عن قول الله (عز وجل): ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً([29])، فيمن نزلت، فينا أم في غيرنا ؟ قال: بل فيكم، قال: فلو أن شهوداً شهدوا على فاطمة بنت رسول الله (ص) بفاحشة، ما كنت صانعاً بها ؟ قال: كنت أقيم عليها الحد كما أقيمه على نساء المسلمين، قال: إذن كنت عند الله من الكافرين، قال: ولم ؟ قال: لأنك رددت شهادة الله لها بالطهارة،، وقبلت شهادة الناس عليها، كما رددت حكم الله وحكم رسوله أن جعل لها فدكاً قد قبضته في حياته، ثم قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها، وأخذت منها فدكاً، وزعمت أنه فيء للمسلمين، وقد قال رسول الله (ص): (البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه)، فرددت قول رسول الله (ص): البينة على من ادعى، واليمين على من ادعي عليه.

قال: فدمدم الناس وأنكروا، ونظر بعضهم إلى بعض وقالوا: صدق والله علي بن أبي طالب. ورجع إلى منزله) ([30]).

8- روى الشيخ المفيد (رحمه الله) بإسناده عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (ع)، قال: (لما قبض رسول الله (ص) وجلس أبو بكر مجلسه بعث إلى وكيل فاطمة صلوات الله عليها فأخرجه من فدك، فأتته فاطمة (عليها السلام) فقالت: يا أبا بكر، ادعيت أنك خليفة أبي وجلست مجلسه، وأنك بعثت إلى وكيلي فأخرجته من فدك، وقد تعلم أن رسول الله (ص) صدق بها علي، وأن لي بذلك شهوداً (وساق الحديث إلى أن قال لها) هلمي ببينتك، قال: فجاءت بأم أيمن وعلي (ع)، فقال أبو بكر: يا أم أيمن، إنك سمعت من رسول الله (ص) يقول في فاطمة ؟ فقالا: سمعنا رسول الله (ص) يقول: (إن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة). ثم قالت أم أيمن: فمن كانت سيدة نساء أهل الجنة تدعي ما ليس لها ؟ وأنا امرأة من أهل الجنة ما كنت لأشهد إلاّ بما سمعت من رسول الله (ص). فقال عمر: دعينا يا أم أيمن من هذه القصص، بأي شيء تشهدان ؟ فقالت: كنت جالسة في بيت فاطمة (عليها السلام) ورسول الله (ص) جالس حتى نزل عليه جبرائيل فقال: يا محمد قم فإن الله تبارك وتعالى أمرني أن أخط لك فدكاً بجناحي. فقام رسول الله (ص) مع جبرائيل (ع)، فما لبثت أن رجع، فقالت فاطمة (عليها السلام): يا أبه، أين ذهبت ؟ فقال: خط جبرائيل (ع) لي فدكاً بجناحه وحد لي حدودها، فقالت: يا أبه إني أخاف العيلة والحاجة من بعدك، فصدق بها علي، فقال: هي صدقة عليك، فقبضتها. قالت: نعم، فقال رسول الله (ص): يا أم أيمن اشهدي، ويا علي اشهد. فقال عمر: أنت امرأة ولا نجيز شهادة امرأة وحدها، وأما علي فيجر إلى نفسه. قال: فقامت مغضبة وقالت: اللهم إنهما ظلما ابنة محمد نبيك حقها، فاشدد وطأتك عليهما. ثم خرجت، وحملها علي على أتان عليه كساء له خمل، فدار بها أربعين صباحاً في بيوت المهاجرين والأنصار، والحسن والحسين معهما، وهي تقول: يا معشر المهاجرين والأنصار، انصروا الله، فإني ابنة نبيكم، وقد بايعتم رسول الله (ص) يوم بايعتموه أن تمنعوه وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم، ففوا لرسول الله (ص) ببيعتكم. قال: فما أعانها أحد ولا أجابها ولا نصرها. قال: فانتهت إلى معاذ بن جبل فقالت: يا معاذ بن جبل إني قد جئتك مستنصرة وقد بايعت رسول الله (ص) على أن تنصره وذريته وتمنعه مما تمنع منه نفسك وذريتك، وإن أبا بكر قد غصبني على فدك وأخرج وكيلي منها، قال: فمعي غيري ؟ قالت: لا، ما أجابني أحد، قال: فأين أبلغ أنا من نصرتك ؟

قال: فخرجت من عنده ودخل ابنه، فقال: ما جاء بابنة محمد إليك ؟ قال: جاءت تطلب نصرتي على أبي بكر فإنه أخذ منها فدكاً، قال: فما أجبتها به ؟ قال: قلت: وما يبلغ من نصرتي ؟ أنا وحدي ! قال: فأبيت أن تنصرها ؟ قال: نعم، قال: فأي شيء قالت لك ؟ قال: قالت لي: والله لأنازعنك الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول الله (ص). قال: فقال: أنا والله لأنازعنك الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول الله (ص) إذ لم تجب ابنة محمد (ص) ...) ([31]).

مصادرة السلطة الحاكمة لفدك:

لقد صادرت السلطة الحاكمة نحلة الزهراء (عليها السلام) فوضعت يدها على فدك، لتصبح طعمةً لتلك السلطة الغاصبة.

واختلقوا مبررات شرعية لفعلهم هذا، كما اختلقوا مبررات لاقتحامهم الدار وحرقها وتقمصهم الخلافة من أهلها وزحزحتها عنهم، وقد وصفت ذلك الزهراء (عليها السلام) بالزور، فقالت: (أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور) ([32]).

قال ابن حجر المكي في الصواعق: إنّ أبا بكر انتزع من فاطمة فدكاً ([33]).

ولا يعرف الباحث المنصف وجهاً شرعياً لذلك؛ وتخطر في ذهنه أسئلة متعددة لا يجد لها تفسيراً مقبولاً ؛ أفهل أنّ أبا بكر وعمر لم يعلما بكون فدك تعود ملكيتها لفاطمة (عليها السلام) ؟! وكيف يعقل ذلك مع ما ورد من الروايات التي تنص أنّ الله تعالى أمر نبيه الكريم (ص) بأن يعطي فدكاً لأبنته فاطمة (عليها السلام) بقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ كما تقدّم.

إذن، لماذا سلبا فدكاً من فاطمة (عليها السلام) ؟!

ولنفرض أنّهما لم يعلما - وهو فرض بعيد - لكن أبا بكر على الأقل قد علم الحقيقة بعد أن شهد الشهود أمامه بكون فدكاً عائدة لفاطمةعليها السلام)، إذن لماذا لم يسلمها فدكاً ؟!

وهكذا لا يجد الباحث تفسيراً سوى تفسر واحد، وهو التفسير الذي أشار إليه عمر بن الخطاب عندما كتب أبو بكر كتاباً بفدك وكونها لفاطمة (عليها السلام) فاعترضها عمر بن الخطاب وبصق في الكتاب ومزقه. وقال لأبي بكر كما يروي سبط ابن الجوزي: ممّاذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى ([34]) ؟

وعن المفضل بن عمر، عن الصادق (ع)، قال: (لما ولّي أبو بكر بن قحافة قال له عمر: إنّ الناس عبيد هذه الدنيا لا يريدون غيرها، فامنع عن علي وأهل بيته الخمس والفيء وفدكاً، فإنّ شيعته إذا علموا ذلك تركوا علياً (ع)، وأقبلوا إليك رغبة في الدنيا وإيثاراً لها ومحاماة عليها، ففعل أبو بكر ذلك وصرف عنهم جميع ذلك) ([35]).

فهذا يفسّر لنا السبب في انتزاعهم ومصادرتهم فدك من يد فاطمة (عليها السلام)، ومن هنا كانت الزهراء تطالب بفدك لا بصفتها ملكاً شخصياً لها، بل كان لفدك مفهوم آخر؛ ومما يدلنا على ذلك سير الأحداث؛ حيث لا يجد الباحث عند المقارنة بين ما تحمله الزهراء (عليها السلام) من زهد في الدنيا وشدة المطالبة بملك بالٍ؛ علماً أنّ مطالبتها به لا ينافي الزهد، فهو حقها الذي فرضه الله لها في محكم التنزيل.

ولهذا حينما وليّ علي زمام الأمور لم يسترد فدكاً، بينما طالبت بها فاطمة (عليها السلام) في زمن أبي بكر، فمال علي (ع) وملك لا يبقى، والزهراء (عليها السلام) هي قرينة علي(ع) فلم يكن هدفها المطالبة بأرض في الحجاز تسمى فدك، وإنّما هدفها كشف السلطة الغاصبة وفضحها على رؤوس الأشهاد، وقد بانت هذه الحقيقة واضحة في خطبتها في مسجد أبيها رسول الله (ص)، وكلامها مع نساء المهاجرين والأنصار، حيث تعرّضت (عليها السلام) للخلافة المغصوبة، والانقلاب الذي حصل بعد وفاة أبيها (ص)، وتركيزها على وراثة علي للنبي(ص) وزحزحة الخلافة عنه (ع)، وبذلك تثبت للملأ أنّ علياً وأهل بيته (ص) هم الخلفاء الذين يرثون النبي (ص)، كما أنها وبخت المسلمين الذين يداهنون ولا ينصرون الحق وأهله، ومخالفتهم للنصوص القرآنية الشريفة وسنّة أبيها النبي (ص) التي تدل على وجوب إحقاق الحق وإبطال الباطل، ووقوعهم في الفتنة التي زعموا أنهم بخلافة أبي بكر قد عصموا من الوقوع فيها، فقالت لهم: (زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ ﴿ألا فيِ الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإنَّ جَهَنّمَ لَمُحيِطَةٌ بِالْكافِريِنَ).

الزهراء تطالب بإرجاع حقها المغصوب:

من تأمل في زهد الزهراء (عليها السلام) يرى أن احتجاجها وتظلمها في قضية فدك لم يكن لحطام الدنيا. فما تصنع بفدك مَن تطعم الطعام على حبه سبحانه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، وتصوم ثلاثة أيام على الماء، مع بعلها وبنيها، ويؤثرون الفقير والمسكين والأسير على أنفسهم ويقولون: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً([36]).

وقد اكتفى بعلها من الدنيا بطمريه، ومن طعامه بقرصيه، ويقول: (ما أصنع بفدك وغير فدك) ([37]).

وإنّما كان تظلمها لأجل ما ترى من تضييع الحق بالباطل، فكانت فدك هي الحق الذي أمر الله رسوله بإعطائها لذي الحق، فقامت (ع) لإحقاق حقها لمعرفتها بعظمة الله وعظمة أمر الله، وقد بعث الله رسوله لإحقاق الحق وإبطال الباطل، ومع ضياع حق ابنته التي هي أحب الخلق إليه لا يبقى أمان لحق أحد من الأمة، فلم يكن تظلمها (عليها السلام) إلاّ لإحقاق حق الله بعدم انتهاك حرمة أمر الله، وإحقاق حق الناس. فالتي يغضب الله لغضبها، ويرضى لرضاها كما قال أبوها (ص) في حقها، وهو الذي لا ينطق عن الهوى، لا يمكن أن يكون رضاها وغضبها إلاّ تبعاً لرضا الله وغضبه.

فالمسألة ليست مسألة مطالبة مادية - وإن كان من حق فاطمة (عليها السلام) المطالبة بحقها المادي المغصوب -، بل ثورة لإرجاع الناس عن ظاهرة الإنقلاب على الأعقاب وإتباع الأمة للباطل الذي أسسته السقيفة، ولكي تكشف النفاق الذي كان معشعشاً في النفوس، ولترجع بهم إلى قواعد الإيمان، التي بيّنها الله تعالى في القرآن الكريم والرسول (ص) في السنّة الشريفة.

فهذا التأسيس لطريقة الحكم التي خرجت من السقيفة طريقة مناقضة لقانون الله تعالى في التنصيب فأرادت فاطمة (عليها السلام) أن ترجع الناس إلى الطريق القويم الذي يمثل حقيقة الدين وتنفيذ إرادة الله سبحانه وإرادة رسوله الكريم في كون الخيرة لله تعالى والحاكمية له وهو من ينصّب خلفائه، بخلاف الحزب الحاكم الذي يحكم بحاكمية الناس والشورى والانتخابات؛ لذا تقول في حديثها مع نساء المهاجرين والأنصار: (أين زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة، ومهبط الروح الأمين والطبين بأمر الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران المبين..)، كما أنّها أشارت للعاقبة التي ستنتهي لها الأمة من جراء هذا الانحراف الكبير الذي حصل في السقيفة، فقالت: (أما لعمر إلهك لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً، وذعافاً ممقراً، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب ما سن الأولون).

وذات يوم دخلت اُمّ سلمة على فاطمة (عليها السلام) فقالت لها: كيف أصبحتِ عن ليلتكِ يا بنت رسول الله (ص)؟ قالت (عليها السلام): (أصبحت بين كمد وكرب، فقد النبيّ (ص) وظلم الوصيّ (ع)، هتك والله حجاب من أصبحت إمامته مقبضة على غير ما شرع الله في التنزيل أو سنّها النبيّ  (ص) في التأويل، ولكنّها أحقاد بدرية وترات اُحديّة) ([38]).

وهذه الحقيقة أشار إليها ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة، قال: (سألت علي بن الفارقي أحد أساتذة ذلك العصر في بغداد عن فدك، قلت: أكانت فاطمة صادقة ؟ قال: نعم. قلت: إذا كان ذلك فلماذا لم يعطها الخليفة فدكاً. فتبسم، وأجاب جواباً مستظرفاً مستحسناً! خلاصة قوله: إنه إذا أعطاها فدكاً لمجرد ادعائها، كانت تعود له بعد يوم مطالبة إياه بالخلافة التي اغتصبها من زوجها، وعندها كان عليه لزوماً أن يسلم الحق إلى أهله، لأنه قد صدقها)([39]).

فكانت فدك ترمز إلى كل ذلك؛ ومما يؤكد ذلك - مضافاً إلى ما تقدم - المحاورة التي دارت بين الإمام الكاظم (ع) وبين الرشيد، فقد كان الرشيد يقول لموسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام: (يا أبا الحسن، خذ فدك حتى أردها عليك، فيأبى، حتى ألح عليه، فقال: لا آخذها إلاّ بحدودها. قال: وما حدودها ؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن حددتها لم تردّها. قال: بحق جدك إلاّ فعلت ؟ قال: أمّا الحد الأول فعدن. فتغير وجه الرشيد وقال: هيه. قال: والحد الثاني سمرقند. فأربد وجهه. قال: والحد الثالث أفريقية. فاسود وجهه، وقال: هيه. قال: والرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية. قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء فتحول في مجلسي. قال الكاظم (ع): قد أعلمتك إن حددتها لم تردّها، فعند ذلك عزم على قتله) ([40]).

فمن هنا تعد مسألة ظلامة الزهراء (عليها السلام) وما جرى عليها من أهم المسائل وأخطرها، فهي تكشف الواقع بصورة ناصعة لا لبس فيها، حيث أزالت فاطمة (عليها السلام) القناع عن بشاعة القوم وأهدافهم الرخيصة التي اتهموا النبي (ص) من أجل تحقيقها بالهجر، واعتدوا على باب أهل بيت النبي (ص)، ذلك الباب الذي يقف عنده النبي (ص) مسلماً على أهله في أسفاره وفي مجيئه من تلك الأسفار، فآخر من يودع باب فاطمة (عليها السلام) وأول من يطرق باب فاطمة (عليها السلام).

ومن هنا حاولوا أن يكتموها أو يتكتموا على أسماء من ظلموها، ويحرفوا كل ما فيه تصريح أو مساس ببيان بشاعة الواقعة الشرسة التي تعرضت لها فاطمة (عليها السلام) أثناء هجوم الخلفاء الغاصبين وأذنابهم على باب دارها، كما تقدم ذلك في الفصل السابق.

ومن هنا طالبت فاطمة (عليها السلام) بحقها الذي صادرته السلطة الغاصبة، ولم تثنيها الآلام التي تعاني منها، فحاججت السلطة الغاصبة بالحجج الحقّة لكي تعلم الناس إنّ لا يسكتوا عن الحق مهما كانت الظروف، وهي التي يمثل سلوكها معياراً لمعرفة الحق وأهله والباطل وأهله، والصواب من الخطأ، والظالم والمظلوم، فهي التي يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها، وهي التي من آذاها فقد آذى حبيب آله العالمين محمد (ص) كما قرر ذلك الرسول محمد (ص)، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك.

فجاءت فاطمة (عليها السلام) تطالب بحقها فأنكر كون فدك ملكاً للنبي (ص)!!

قال الجوهري: حدثني محمد بن زكريا ، قال: حدثنا محمد بن الضحاك، قال: حدثنا هشام بن محمد، عن عوانة بن الحكم، قال: لما كلمت فاطمة (عليها السلام) أبا بكر بما كلمته به، حمد أبو بكر الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال: يا خيرة النساء، وابنة خير الآباء، والله ما عدوت رأي رسول الله (ص)، وما عملت إلاّ بأمره، وإنّ الرائد لا يكذب أهله، وقد قلت فأبلغت، وأغلظت فأهجرت، فغفر الله لنا ولك، أما بعد فقد دفعت آلة رسول الله ودابته وحذاءه إلى علي (ع)، وأمّا سوى ذلك فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة ولا أرضاً ولا عقاراً ولا داراً، ولكنا نورث الإيمان والحكمة والعلم والسنة، فقد عملت بما أمرني، ونصحت له وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

وروى هشام بن محمد، عن أبيه قال: قالت فاطمة، لأبي بكر: إنّ أم أيمن تشهد لي أن رسول الله (ص)، أعطاني فدك، فقال لها: يا ابنة رسول الله ، والله ما خلق الله خلقاً أحب إليّ من رسول الله (ص) أبيك، ولوددت أن السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك، والله لأن تفتقر عائشة أحب إلي من أن تفتقري، أتراني أعطي الأحمر والأبيض حقه وأظلمك حقك، وأنت بنت رسول الله (ص)، إنّ هذا المال لم يكن للنبي (ص)، وإنما كان مالاً من أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال، وينفقه في سبيل الله، فلما توفي رسول الله (ص)وليته كما كان يليه، قالت: والله لا كلمتك أبداً، قال: والله لا هجرتك أبداً ، قالت: (والله لأدعون الله عليك)، قال: والله لأدعون الله لك ، فلما حضرتها الوفاة أوصت ألاّ يصلي عليها ، فدفنت ليلاً،.. ([41]).

ومن هنا جاءت الزهراء (عليها السلام) بشهودها لكي يدلوا بشهادتهم عند الخليفة بعد أن طلب منها شهوداً.

قال الجوهري: حدثني محمد بن زكريا، قال: حدثني ابن عائشة، قال: حدثني أبي ، عن عمه قال: لما كلمت فاطمة أبا بكر بكى ثم قال: يا ابنة رسول الله ، والله ما ورث أبوك ديناراً ولا درهماً، وأنه قال: إنّ الأنبياء لا يورثون، فقالت، أن فدك وهبها لي رسول الله (ص)، قال: فمن يشهد بذلك، فجاء علي بن أبي طالب (ع) فشهد، وجاءت أم أيمن فشهدت أيضاً، فجاء عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف ، فشهد أن رسول الله (ص)، كان يقسمها ، قال أبو بكر، صدقت يا ابنة رسول الله (ص) وصدق علي، وصدقت أم أيمن، وصدق عمر، وصدق عبد الرحمن بن عوف،.. ([42]). فرجّح أبي بكر بعد ذلك عمر بن الخطاب !!

ومن هنا كذّب أبو بكر علياً وفاطمة عليهما السلام وأم أيمن، إلا أنّه قال بصدقهم لساناً ونفاقاً، وصدّق عملياً كلام عمر وعبد الرحمن بن عوف ([43]) !!

ولو سألت أيّها القارئ الكريم وقلت: كيف أنّ أبا بكر صدّق البينتين ظاهراً مع تباينهما فلن تجد جواباً !!

 

في الحقيقة أنّهم يريدون مصادرة فدك من علي وفاطمة عليهما السلام بأي وجه؛ لما تقدّم من قول إمامنا الصادق(ع) ([44])، واعتراف عمر كما ينقل ذلك ابن الجوزي ([45])!!

ومن هنا كان عمر رافضاً أشد الرفض لإرجاع فدك لفاطمة (عليها السلام)؛ ولذا حينما أعطى أبو بكر صحيفة أمر فيها بإرجاع فدك لفاطمة (عليها السلام) مزّقها !!

وفي رواية أنها قالت له بعد أن مزّق الصحيفة: (بقر الله بطنك كما بقرت صحيفتي) ([46]).

وفي أخرى: فخرجت فاطمة (عليها السلام) تبكي وتقول: (بقر الله بطنك كما بقرت كتابي)، فاستقبلها علي (عليها السلام) فقال: (مالك يا بنت رسول الله غضبى) ؟ فذكرت له ما صنع عمر، فقال (ع): (ما ركبوا مني ومن أبيك أعظم من هذا) ([47]).

ولم تمض الأيام إلا وبُقرت بطن عمر على يد أبو لؤلؤة !!

وقفة لتقييم فعل سلطة السقيفة:

ونريد الآن تسليط الضوء على فعل السلطة الحاكمة ونقيّمه وفقاً لما جاء من قوانين شرعية وقضائية في الاسلام؛ لنرى هل يكون لهذا الموقف شيء من الحق، ولهذا سنوقف القارئ على مناقشتين تاركين الإطالة:

المناقشة الأولى: لقد شهد الله تعالى في كتابه الكريم للزهراء (عليها السلام) بإذهاب الرجس، والطهارة من الدنس، وكونها مأمونة من فعل غير الحق، ومن كانت هذه صفته لا يحتاج إلى بيّنة فيما يدعيه، وقد تقدم في الباب الأول أنّ الزهراء (عليها السلام) من أهل البيت الذين نزلت فيهم آية التطهير.

هذا مع أنّ أبا بكر كان يعلم أنّ لسانها يتجافى عن قول الباطل، فقد شهد لها بالصدق، وأنّها لا تقول على أبيها (ص) إلاّ الحقّ، فقال: (ما كنت لتقولي على أبيك إلا الحق) كما تقدّم في الرواية السابقة.

والمسلمون جميعاً يشهدون بذلك، لكن أبا بكر بقي مصرّاً على مطالبة الزهراء (عليها السلام) بالشهود حتى بعد أن احتجّ عليه أمير المؤمنين (ع) بمحضر المهاجرين والأنصار وأكّد له أنّ الله تعالى شهد لفاطمة (عليها السلام) بالطهارة، وأن ردّ شهادتها ردّ على الله.

وهذا ما احتج به أمير المؤمنين (ع)، فقال: (يا أبا بكر تقرأ كتاب الله) ؟ قال: نعم. قال: (أخبرني عن قول الله عز وجل: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، فيمن نزلت فينا أم في غيرنا) ؟ قال: بل فيكم، قال: (فلو أن شهودا شهدوا على فاطمة بنت رسول الله (ص) بفاحشة ما كنت صانعاً بها) ؟ قال: كنت أقيم عليها الحد، كما أقيمه على نساء المسلمين، قال: (إذن كنت عند الله من الكافرين)، قال: ولم قال: (لأنك رددت شهادة الله لها بالطهارة، وقبلت شهادة الناس عليها...) ([48]).

ثم إنّ أبا بكر أعطى بعض الصحابة بمجرّد الدعوى، دون أن يطلب منهم البيّنة، ومن ذلك ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: لمّا مات النبي (ص) وسلم جاء أبا بكر مالٌ من قبل العلاء بن الحضرمي، فقال أبو بكر: من كان له على النبي (ص) دَين، أو كانت له قبله عِدَةٌ فليأتنا.

قال جابر: فقلت: وعدني رسول الله (ص) أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا، فبسط يديه ثلاث مرّات. قال جابر: فعدّ في يدي خمسمائة، ثمّ خمسمائة، ثمّ خمسمائة ([49]).

وروى ابن سعد في الطبقات عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت منادي أبي بكر ينادي بالمدينة حين قدم عليه مال البحرين: من كانت له عِدة عند رسول الله (ص) فليأتِ، فيأتيه رجال فيعطيهم، فجاء أبو بشير المازني، فقال: إنّ رسول الله (ص) قال: يا أبا بشير، إذا جاءنا شيءٌ فأتنا، فأعطاه أبو بكر حفنتين أو ثلاثاً، فوجدها ألفاً وأربعمائة درهم ([50]).

فلماذا إذن يطلب البينة من ابنة رسول الله (ص) سيدة نساء أهل الجنة !!

أفهل أنّ جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا بشير المازني أبر وأصدق من فاطمة (عليها السلام)؟!

مع أنها كما قالت عائشة:لم يكن أصدق لهجة منها إلاّ الذي ولدها ([51])، وشهد الله بطهارتها عن مطلق الرجس، ونطق الكتاب والسنة بعصمتها كما تقدّم في الباب الأول.

ولو سلّمنا - جدلاً - أنّ فاطمة كسائر النساء يطلب منها البينة لإثبات دعواها، فلماذا ترد بينتها التي أقامتها !!

فقد شهد لها أمير المؤمنين (ع) وصي رسول الله (ص) والصدّيق الأكبر وصالح المؤمنين، ومن شهد له رسول الله (ص) بقوله: (عليٌ مع الحقّ والحقُّ مع علي) ([52]).

فكيف تردّ شهادته مع قيام البينة على عصمته عن الذنب وطهارته من الرجس ؟

كما شهدت لها مع أمير المؤمنين (ع) أُمّ أيمن، وهي حاضنة رسول الله ومولاته، وقد شهد لها بالجنة، وقال فيها: (أُمّ أيمن أُمّي بعد أُمّي) ([53])، وردّ شهادتها أيضاً. فكيف ترد شهادة مثل هؤلاء ؟!

وإن قيل: إنّ أبا بكر لا يرى عصمتها وعصمة شاهدها !

أقول: لكنه يرى أنها صادقة على الأقل وإن لم تكن معصومة عنده.

المناقشة الثانية: من الثابت تحقيقاً إنّ فدك كانت بيد الزهراء (عليها السلام) في حياة أبيها (ص) وهذا ما تبين سابقاً من خلال الروايات التي تقدّم ذكرها، فقد كان للزهراء (عليها السلام) وكيلاً فيها وأخرجوه قهراً وقسراً، واليد أمارة على الملكية، فبمقتضى ذلك لا يجوز أن يطلب الخليفة البينة منها، بل تجب البينة عليه لا على الزهراء (عليها السلام)؛ لأنّ البينة على المدعي الذي يخالف قوله قاعدة اليد.

وهذا ما بينه أمير المؤمنين (ع)، فقال لأبي بكر: (يا أبا بكر، تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين) ؟! قال: لا. قال: (فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه، ثم ادعيت أنا فيه من تسأل البينة) ؟ قال: إياك أسأل البينة، قال: (فما بال فاطمة سألتها البينة على ما في يديها ؟ .... إلى أن يقول (ع): وقد قال رسول الله (ص): البينة على المدعي: واليمين على المدعى عليه. فرددت قول : رسول الله (ص): البينة على من أدعى، واليمين على من ادعي عليه،...) ([54]).

كلام العلماء في الاستدلال على النحلة:

1- قال السيد شرف الدين (رحمه الله): ثم لما أنزل الله (عز وجل) عليه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ أنحل فاطمة فدكاً، فكانت في يدها حتى انتزعت منها لبيت المال.

هذا ما ادعته الزهراء بعد رسول الله (ص) وأوقفت في سبيله موقف المحاكمة بإجماع الأمة، ..... وقد علم المسلمون كافة أنّ الله (عز وجل) اختارها من نساء الأمة، كما اختار ولديها من الأبناء، واختار بعلها من الأنفس، فهم الخيرة مع رسول الله للمباهلة يوم أوحى الله سبحانه إليه: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ([55])، فخرج رسول الله (ص) - كما نص عليه الإمام الرازي في تفسير الآية من تفسيره الكبير - وعليه مرط من شعر أسود، وقد احتضن الحسين، وأخذ بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها، وهو يقول لهم: إذا أنا دعوت فأمنوا. فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً لأزاله بها، فلا تباهلوهم فتهلكوا فلا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.

وأيضاً أجمع المسلمون كافة على أنّ الزهراء (عليها السلام) ممن أنزل الله (عز وجل) فيهم ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً([56])، وأنها ممن افترض الله مودتهم على الأمة، وجعلها أجر رسالته (ص)، وأنها ممن تعبد الله الخلق بالصلاة عليهم كما تعبدهم بالشهادتين في كل فريضة ... وبالجملة فإنّ للزهراء (عليها السلام) من منازل القدس عند الله (عز وجل) ورسوله (ص) والمؤمنين ما يوجب الثقة التامة في صحة ما تدعي والطمأنينة الكاملة بكل ما تقول، لا تحتاج في إثبات دعواها إلى شاهد، فإن لسانها ليتجافى عن الباطل، وحاشا الله أن ينطق بغير الحق، فدعواها بمجردها تكشف عن صحة المدعى به كشفاً تاماً ليس فوقه كشف، وهذا مما لا يرتاب فيه أحد ممن عرفها (عليها السلام)، وأبو بكر من أعرف الناس بها وبصدق دعواها، ولكن الأمر كما حكاه علي بن الفارقي - وكان من أعلام بغداد مدرساً في مدرستها الغربية - وهو أحد شيوخ ابن أبي الحديد المعتزلي، إذ سأله فقال له: أكانت فاطمة صادقة في دعواها النحلة ؟ قال: نعم، قال له ابن أبي الحديد: فلم لم يدفع لها أبو بكر فدكاً وهي عنده صادقة ؟ فتبسم ثم قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدكاً بمجرد دعواها لجاءت إليه غداً وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه، ولم يكن يمكنه حينئذ الاعتذار بشيء، لأنه يكون قد سجل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي كائناً ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود.

قلت: وبهذا استباح أبو بكر ردة شهادة علي بن أبي طالب لفاطمة بالنحلة وإلاّ فإن يهود بني خيبر على لؤمهم وأن علياً دمرهم لينزهونه عن شهادة الزور، وبهذا أيضاً لا بسواه استونق الجمل، فاعتبر ذات اليد المتصرفة مدعية فطالبها بالبينة إنما هي عليه، الأمر الذي علمنا أنه دبر بليل، وما ينسَ ولا ينسَ قوله في مجابهة فاطمة: (لست أعلم صحة قولك) مع أنّ قولها بمجرّده من أوضح موازين الحكم لها بما ادعت. ولو تنزلنا عن هذا كله وسلمنا أنها كسائر المؤمنات الصالحات تحتاج في إثبات دعواها إلى بينة، فقد شهد لها علي، وحسبها أخو النبي ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى، شاهد حتى تشرق بشهادته أنوار اليقين - وليس بعد اليقين غاية -، يطلبها الحاكم في المرافعات، ولهذا جعل رسول الله (ص) شهادة خزيمة بن ثابت كشهادة عدلين، ولعمر الله أن علياً أولى بهذا من خزيمة وغيره وأحق بكل فضيلة من سائر أبدال المسلمين.

ولو تنازلنا فسلمنا أن شهادة علي كشهادة رجل واحد من عدول المؤمنين، فهلا استحلف أبو بكر فاطمة الزهراء (عليها السلام) بدلاً عن الشاهد الثاني، فإن حلفت وإلا رد دعواها ؟ ما رأيناه فعل ذلك، وإنما رد الدعوى ملغياً شهادة علي وأم أيمن، وهكذا كما ترى مما لم يكن بالحسبان! بينا كان علي عدل القرآن في الميزان، وكان مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان، وهو في آية التباهل نفس المصطفى ليس غيره إياها، إذا هو في هذه المحاكمة ممن لا أثر لشهادتهم! يا لها مصيبة في الإسلام تلقينا بقولنا! إنا لله وإنا إليه راجعون ([57]).

2- قال العلامة أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي: ومن عجائب الأمور تأتي فاطمة بنت رسول الله (ص) تطلب فدك وتظهر أنها تستحقها، فيُكذب قولها، ولا تُصدق في دعواها، وتُرد خائبة إلى بيتها، ثم تأتي عائشة بنت أبي بكر تطلب الحجرة التي أسكنها إياها رسول الله (ص) وتزعم أنها تستحقها، فيصدق قولها، ويقبل دعواها، ولا يطالب ببينة عليها، وتسلم هذه الحجرة إليها، فتصرف فيها، وتضرب عند رأس النبي (ص) بالمعاول حتى تدفن تيماً وعدياً فيها، ثم تمنع الحسن ابن رسول الله (ص) بعد موته منها ومن أن يقربوا سريره إليها، وتقول: لا تدخلوا بيتي من لا أحبه، وإنما أتوا به ليتبرك بوداع جده فصدته عنه.

فعلى أي وجه دفعت هذه الحجرة إليها، وأمضى حكمها إن كان ذلك ؟ لأن النبي نحلها إياها فكيف لم تُطالب بالبينة على صحة نحلتها كما طولبت بمثل ذلك فاطمة صلوات الله عليها ؟ وكيف صار قول عائشة بنت أبي بكر مصدقاً، وقول فاطمة ابنة رسول الله مكذباً مردوداً ؟ وأي عذر لمن جعل عائشة أزكى من فاطمة صلى الله عليها وقد نزل القرآن بتزكية فاطمة في آية الطهارة وغيرها، ونزل بذم عائشة وصاحبتها وشدة تظاهرهما على النبي (ص) وأفصح بذمها ؟ وإن كانت الحجرة دفعت إليها ميراثاً فكيف استحقت هذه الزوجة من ميراثه ولم تستحق ابنته منه حظاً ولا نصيباً ؟ وكيف لم يقل هذا الحاكم لابنته عائشة نظير ما قالت (قال: ظ) لبنت رسول الله: (إنّ النبي لا يورث، وما تركه صدقة) ؟ على أنّ في الحكم لعائشة بالحجرة عجباً آخر وهو أنها واحدة من تسع أزواج خلفهن النبي، فلها تسع الثمن بلا خلاف، ولو اعتبر مقدار ذلك من الحجرة مع ضيقها لم يكن بمقدار ما يدفن أباها وكان بحكم الميراث للحسن (ع) منها أضعاف بما ورثه من أمه فاطمة ومن أبيه أمير المؤمنين المنتقل إليه بحق الزوجية منها ([58]).

3- قال الشيخ المظفر (رحمه الله): لا ريب عندنا أنّ النبي (ص) نحلها فدك، وأن اليد لها عليها من يوم أفاء الله تعالى بها عليه، وكان بأمر الله سبحانه حيث قال له: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، وأنّ أبا بكر قبضها قهراً، وطلب منها البينة على خلاف حكم الله تعالى، لأنه هو المدعي، وقد حاجه أمير المؤمنين (ع) في ذلك فما كان جوابهم إلاّ أن قال عمر: لا نقوى على حجتك، ولا نقبل إلاّ أن تقيم فاطمة البينة، كما صرّحت به أخبارنا وشهدت به أخبارهم... ( ثم قال (رحمه الله) بعد ذكر أخبار الباب) وحينئذٍ فتكون مطالبة أبي بكر للزهراء بالبينة خلاف الحق وظلماً محضاً، لأنها صاحبة اليد، وهو المدعي. ويدل على أنّ اليد لها لفظ الإيتاء في الآية، والإقطاع والإعطاء في الأخبار المذكورة، فإنها ظاهرة في التسليم والمناولة كما يشهد لكون اليد لها دعواها النحلة، وهي سيدة النساء وأكملهن، وشهادة أقضى الأمة بها، لأنّ الهبة لا تتم بلا إقباض، فلو لم تكن صاحبة اليد لما ادعت النحلة،، ولرد القوم دعواها بلا كلفة ولم يحتاجوا إلى طلب البينة. ولو سلم عدم معلومية أنّ اليد لها فطلب أبي بكر منها البينة جور أيضاً، لأن أدلة الإرث تقتضي بملكيتها لفدك، ودعواها النحلة لا تجعلها مدعية لما تملك بل من زعم الصدقة هو المدعي وعليه البينة... على أنّ البينة طريق ظني مجهول لإثبات ما يحتمل ثبوته وعدمه، فلا مورد لها مع القطع واليقين المستفاد في المقام من قول سيدة النساء التي طهرها الله تعالى وجعلها بضعة من سيد أنبيائه، لأنّ القطع طريق ذاتي إلى الواقع لا بجعل جاعل، فلا يمكن رفع طريقيته أو جعل طريق ظاهري على خلافه، ولذا كان الأمر في قصة شهادة خزيمة للنبي (ص) هو ثبوت ما ادعاه النبي (ص) بلا بينة مع مخاصمة الأعرابي له، فإنّ شهادة خزيمة فرع عن قول النبي (ص) وتصديق له، فلا تفيد أكثر من دعوى النبي (ص)، بل كان اللازم على أبي بكر والمسلمين أن يشهدوا للزهراء (عليها السلام) تصديقاً لها، كما فعل خزيمة مع النبي (ص) وأمضى النبي فعله، ولكن يا للأسف من اطلع على أن النبي (ص) نحلها فدك أخفى شهادته رعاية لأبي بكر، كما في الأكثر، أو خوفاً منه ومن أعوانه لما رأوه من شدتهم على أهل البيت (ص)، أو علماً بأن شهادتهم ترد لما رأوه من رد شهادة أمير المؤمنين (ع) واجتهاد الشيخين في غضب الزهراء سلام الله عليها، ولذا لم يشهد أبو سعيد وابن عباس مع أنهم علموا ورووا أن النبي (ص) أعطى فاطمة فدك.

ولا يبعد أنّ سيدة النساء لم تطلب شهادة ابن عباس وأبي سعيد وأمثالهما لأنها لم ترد واقعاً بمنازعة أبي بكر إلاّ إظهار حاله وحال أصحابه للناس إلى آخر الدهر، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، وإلاّ فبضعة رسول الله (ص) أجل قدراً وأعلى شأناً من أن تحرص على الدنيا ولا سيما أن النبي (ص) أخبرها بقرب موتها وسرعة لحاقها.

ولو سلم أنّ قول الزهراء وحده لا يفيد القطع فهل يبقى مجال للشك بعد شهادة أمير المؤمنين (ع) ؟ ولو سلم حصول الشك فقد كان اللازم على أبي بكر أن يعرض عليها اليمين حينئذٍ، ولا يتصرّف بفدك قبله، لوجوب الحكم بالشاهد واليمين، كما رواه مسلم في أول كتاب الأقضية عن ابن عباس قال: قضى رسول الله (ص) بيمين وشاهد. ونقل في (الكنز) عن ابن راهويه، عن علي (ع) قال: نزل جبرائيل على النبي (ص) باليمين مع الشاهد. ونقل في (الكنز) أيضاً عن الدار قطني، عن ابن عمر قال: قضى الله في الحق بشاهدين، فإن جاء بشاهدين أخذ حقه، وإن جاء بشاهد واحد حلف مع شاهد...

ولو تنزلنا عن ذلك كله، فقد زعم أبو بكر أن له الأمر على فدك وغيرها من متروكات النبي (ص)، حيث روى أنّ أمرها إلى من ولي الأمر، حتى زعموا أنه أعطى أمير المؤمنين (ع) عمامة رسول الله (ص) وسيفه وبغلته، وأنّ عمر أعطاه والعباس سهم بني النضير أو صدقته بالمدينة، فقد كان من شرع الإحسان أن يترك فدك لبضعة نبيه (ص) التي لم يخلف بينهم غيرها، تطييباً لخاطرها، وحفظاً لرسول الله (ص) فيها. أتراه يعتقد أن أبا سفيان ومعاذاً - وقد أعطاهما ما أعطاهما - أولى بالرعاية من سيدة النساء وبضعة المصطفى ؟ أو أنه يحل له إعطاؤهما من مال الفيئ دون الزهراء من مال أبيها ؟ ... والمنصف يعرف حقيقة الحال ويبني على ما الله تعالى سائله يوم نشر الأعمال ([59]).

4- قال ابن الحديد نقلاً عن قاضي القضاة عبد الجبار: قد كان الأجمل أن يمنعهم التكرّم مما ارتكبا منها فضلاً عن الدين. وهذا الكلام لا جواب عنه، ولقد كان التكرّم ورعاية حق رسول الله (ص) وحفظ عهده يقتضي أن تعوض ابنته بشيء يرضيها إن لم يستنزل المسلمون عن فدك، وتسلم إليها تطييباً لقلبها وقد يسوق للإمام أن يفعل ذلك من غير مشاورة المسلمين إذا رأى المصلحة فيه ([60]).

وقال ابن أبي الحديد في موضع آخر: قلت: قرأت على النقيب أبي جعفر يحيى بن أبي زيد البصري العلوي رحمه الله هذا الخبر، فقال: أترى أبا بكر وعمر لم يشهدا هذا المشهد؟ أما كان يقتضي التكريم والإحسان أن يطيب قلب فاطمة بفدك، ويستوهب لها من المسلمين؟ أتقصر منزلتها عند رسول الله (ص) عن منزلة زينب أختها، وهي سيدة نساء العالمين، هذا إذا لم يثبت لها حق لا بالنحلة ولا بالإرث. فقلت له: فدك بموجب الخبر الذي رواه أبو بكر قد صار حقاً من حقوق المسلمين، فلم يجز له أن يأخذه منهم. فقال: وفداء أبي العاص بن الربيع قد صار حقاً من حقوق المسلمين وقد أخذه رسول الله (ص) منهم.

فقلت: رسول الله (ص) صاحب الشريعة والحكم حكمه، وليس أبو بكر كذلك. فقال: ما قلت: هلا أخذه أبو بكر من المسلمين قهراً فدفعه إلى فاطمة، وإنما قلت: هلا استنزل المسلمين عنه واستوهبه منهم لها كما استوهب رسول الله (ص) المسلمين فداء أبي العاص ؟ أتراه لو قال: هذه بنت نبيكم قد حضرت تطلب هذه النخلات، أفتطيبون عنها نفساً ؟ أكانوا منعوها ذلك؟ فقلت له: قد قال قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد نحو هذا، قال: إنهما لم يأتيا بحسن في شرع التكرم ([61]).

5- قال السيد ابن طاووس (رحمه الله): ذكر صاحب التاريخ المعروف بالعباسي؛ إنّ جماعة من ولد الحسن والحسين عليهما السلام رفعوا قصة إلى المأمون الخليفة العباسي من بني العباس يذكرون أن فدك والعوالي كانت لأمهم فاطمة بنت محمد (ص) نبيهم، وإن أبا بكر أخرج يدها عنها بغير حق، وسألوا المأمون إنصافهم وكشف ظلامتهم. فأحضر المأمون مائتي رجل من علماء الحجاز والعراق وغيرهم وهو يؤكد عليهم في أداء الأمانة واتباع الصدق، وعرفهم ما ذكره ورثة فاطمة في قضيتهم، وسألهم عما عندهم من الحديث الصحيح في ذلك.

فروى غير واحد منهم عن بشير بن الوليد والواقدي وبشر بن عتاب في أحاديث يرفعونها إلى محمد (ص) نبيهم: لما فتح خيبر اصطفى لنفسه قرى من قرى اليهود، فنزل عليه جبرائيل (ع) بهذه الآية. ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، فقال محمد (ص): ومن ذو القربى ؟ وما حقه ؟ قال: فاطمة (عليها السلام)، تدفع إليها فدك، فدفع إليها فدك ثم أعطاها العوالي بعد ذلك، فاستغلتها حتى توفي أبوها محمد (ص). فلما بويع أبو بكر منعها أبو بكر منها، فكلمته فاطمة (عليها السلام) في رد فدك والعوالي عليها وقالت له: إنها لي وإن أبي دفعها إلي. فقال أبو بكر: ولا أمنعك ما دفع إليك أبوك.

فأراد أن يكتب لها كتاباً فاستوقفه عمر بن الخطاب وقال: إنها امرأة فادعها بالبينة على ما ادعت. فأمر أبو بكر أن تفعل، فجاءت بأم أيمن وأسماء بنت عميس مع علي بن أبي طالب (ع)، فشهدوا لها جميعاً بذلك. فكتب لها أبو بكر، فبلغ ذلك عمر فأتاه فأخبره أبو بكر الخبر، فأخذ الصحيفة فمحاها فقال: إنّ فاطمة امرأة وعلي بن أبي طالب زوجها وهو جار إلى نفسه، ولا يكون بشهادة امرأتين دون رجل.

فأرسل أبو بكر إلى فاطمة (عليها السلام) فأعلمها بذلك، فحلفت بالله الذي لا إله إلاّ هو أنهم ما شهدوا إلاّ بالحق. فقال أبو بكر: فلعل أن تكوني صادقة، ولكن أحضري شاهداً لا يجر إلى نفسه. فقالت فاطمة: (ألم تسمعا من أبي رسول الله (ص) يقول: أسماء بنت عميس وأم أيمن من أهل الجنة) ؟ فقالا: بلى. فقالت: (امرأتان من الجنة تشهدان بباطل) ! فانصرفت صارخة تنادي أباها وتقول: (قد أخبرني أبي بأني أول من يلحق به، فو الله لأشكونهما). فلم تلبث أن مرضت فأوصت علياً أن لا يصليا عليها، وهجرتهما فلم تكلمهما حتى ماتت، فدفنها علي (ع) والعباس ليلاً.

فدفع المأمون الجماعة عن مجلسه ذلك اليوم، ثم أحضر في اليوم الآخر ألف رجل من أهل الفقه والعلم، وشرح لهم الحال وأمرهم بتقوى الله ومراقبته، فتناظروا واستظهروا ثم افترقوا فرقتين، فقالت طائفة منهم: الزوج عندنا جار إلى نفسه فلا شهادة له، ولكنا نرى يمين فاطمة قد أوجبت لها ما ادعت مع شهادة الامرأتين. وقالت طائفة: نرى اليمين مع الشهادة لا توجب حكماً ولكن شهادة الزوج عندنا جائزة ولا نراه جاراً إلى نفسه، فقد وجب بشهادته مع شهادة الامرأتين لفاطمة (عليها السلام) ما ادعت. فكان اختلاف الطائفتين إجماعاً منهما على استحقاق فاطمة (عليها السلام) فدك والعوالي.

فسألهم المأمون بعد ذلك عن فضائل لعلي بن أبي طالب (ع)، فذكروا منها طرفاً جليلة قد تضمنه رسالة المأمون، وسألهم عن فاطمة (عليها السلام)، فرووا لها عن أبيها فضائل جميلة، وسألهم عن أم أيمن وأسماء بنت عميس، فرووا عن نبيهم محمد (ص) أنهما من أهل الجنة، فقال المأمون: أيجوز أن يقال أو يعتقد أن علي بن أبي طالب مع ورعه وزهده يشهد لفاطمة بغير حق وقد شهد الله تعالى ورسوله بهذه الفضائل له ؟ أو يجوز مع علمه وفضله أن يقال: إنه يمشي في شهادة وهو يجهل الحكم فيها ؟ وهل يجوز أن يقال: إن فاطمة مع طهارتها وعصمتها وأنها سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة - كما رويتم - تطلب شيئاً ليس لها تظلم فيه جميع المسلمين، وتقسم عليه بالله لا إله إلا هو ؟ أو يجوز أن يقال عن أم أيمن وأسماء بنت عميس أنهما شهدتا بالزور، وهما من أهل الجنة ؟ إن الطعن على فاطمة وشهودها طعن على كتاب الله وإلحاد في دين الله، حاشا الله أن يكون ذلك كذلك.

ثم عارضهم المأمون بحديث رووه أن علي بن أبي طالب (ع) أقام منادياً بعد وفاة محمد (ص) نبيهم ينادي: من كان له على رسول الله (ص) دين أو عدة فليحضر، فحضر جماعة، فأعطاهم علي بن أبي طالب (ع) ما ذكروه بغير بينة، وإن أبا بكر أمر منادياً ينادي بمثل ذلك، فحضر جرير بن عبد الله وادعى على نبيهم عدة فأعطاها أبو بكر بغير بينة، وحضر جابر بن عبد الله وذكر أن نبيهم وعده أن يحثو له ثلاث حثوات من مال البحرين، فلما قدم مال البحرين بعد وفاة نبيهم أعطاه أبو بكر الثلاث حثوات بدعواه بغير بينة.

(قال عبد المحمود): وقد ذكر الحميدي هذا الحديث في (الجمع بين الصحيحين) في الحديث التاسع من أفراد مسلم من مسند جابر وأن جابراً قال: فعددتها فإذا هي خمسمائة، فقال أبو بكر: خذ مثليها.

قال رواة رسالة المأمون: فتعجب المأمون من ذلك وقال: أما كانت فاطمة وشهودها يجرون مجرى جرير بن عبد الله وجابر بن عبد الله ؟ ثم تقدم بسطر الرسالة المشار إليها وأمر أن تقرأ بالموسم على رؤوس الأشهاد، وجعل فدك والعوالي في يد محمد بن يحيى بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) يعمرها ويستغلها ويقسم دخلها بين ورثة فاطمة بنت محمد (ص) نبيهم ([62]).

6- قال شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (رحمه الله): ونحن نعلم أنها ما ادعت ذلك إلا ما كانت مصيبة فيه، وأن مانعها ومطالبها بالبينة متعنت عادل عن الصواب، لأنها لا تحتاج إلى شهادة ولا بينة، لقيام الدلالة على عصمتها من الغلط، والأمن من فعل القبيح، ومن هذه صفته لا يحتاج إلى بينة فيما يدعيه.

فإن قيل: دلوا أولاً على عصمتها، وبعد ذلك دلوا على أن من كان كذلك لا يحتاج إلى بينة.

قيل: الذي يدل على عصمتها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، وقد بينا أن هذه الآية تتناول جماعة منهم فاطمة، وأنها تدل على عصمة من تناولته وطهارته، فإن الإرادة هاهنا دلالة على فعل الوقوع المراد، ولا طائل في إعادته.

ويدل أيضاً على عصمتها قول النبي (ص): (فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما يؤذيها، فمن آذى فاطمة فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله (عز وجل))، وهذا يدل على عصمتها، لأنها لو كانت ممن تقارف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذياً له (ص) على كل حال، بل كان متى فعل المستحق من ذمها أو إقامة الحد - إن كان الفعل يقتضيه - ساراً له ومطيعاً.

على أنا لا نحتاج - فيما يريده - إلى أن ننبهه على القطع على عصمتها، بل يكفي في هذا الموضع العلم بصدقها فيما ادعته، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، لأنّ أحداً لا يشك في أنها (عليها السلام) لم تدع ما ادعته كاذبة، وليس بعد أن لا تكون كاذبة إلاّ أن تكون صادقة، وإنما اختلفوا في أنّه هل يجب مع العلم بصدقها تسليم ما ادعته بغير بينة أو لا يجب ذلك ؟ والذي يدل على الفصل الثاني أنّ البينة إنما تزاد ليغلب في الظن صدق المدعي، ألا ترى أنّ العدالة معتبرة في الشهادات لما كانت مؤثرة في غلبة الظن بما ذكرناه؟ ولذا جاز أن يحكم الحاكم بعلمه من غير شهادة، لأنّ علمه أقوى من الشهادة، ولهذا كان الإقرار أقوى من البينة من حيث كان أبلغ في تأثير غلبة الظن. وإذا قدم الإقرار على الشهادة لقوة الظن عنده، فأولى أن يقدّم العلم على الجميع، وإذا لم يحتج مع الإقرار إلى شهادة لسقوط حكم الضعيف مع القوي، فلا يحتاج أيضاً مع العلم إلى ما يؤثر الظن من البينات والشهادات. والذي يدل على صحة ما ذكرناه أيضاً أنه لا خلاف بين أهل النقل في أن أعرابياً نازع النبي (ص) في ناقة، فقال (ص): هذه لي وقد خرجت إليك من ثمنها، فقال الأعرابي: ومن يشهد لك بذلك ؟ فقام خزيمة بن ثابت فقال: أنا أشهد بذلك، فقال له النبي (ص): (من أين علمت) ؟ أحضرت ابتياعي لها ؟ فقال: لا، ولكني علمت ذلك من حيث علمت أنك رسول الله، فقال (ص): (قد أجزت شهادتك وجعلتها شهادتين)، فسمي خزيمة (ذا الشهادتين) بذلك. وهذه قصة مشهورة، وهي مشبهة لقضية فاطمة (عليها السلام) يشهد بذلك من حيث علم أنّه رسول الله (ص)، ولا يقول إلاّ حقاً، وأمضى النبي (ص) ذلك على هذا الوجه، ولم يدفعه عن الشهادة من حيث لم يحضر ابتياعه، فقد كان يجب على من علم أنّ فاطمة (عليها السلام) لا تقول إلا حقاً ألا يستظهر عليها بطلب شهادة أو بينة...

وقال أيضاً: وليس لأحد أن يقول: لو كان الأمر على ما قلتموه لكان أمير المؤمنين لما أفضى الأمر إليه يرد فدك إلى مستحقه، وذلك: إن الوجه في تركه (ع) ردّه (فدك) هو الوجه في إقراره أحكام القوم، وكفه عن نقضها وتغييرها، وقد بينا ذلك فيما مضى مجملاً ومفصلاً، وذكرنا أنه مع إفضاء الأمر إليه كان في تقية قوية.

ومن طرائف الأمور: أنّ فاطمة (عليها السلام) تُدفع من دعواها، وتمنع فدك بقولها وقيام البينة لها بذلك، وتُترك حجر الأزواج في أيديهن من غير بينة ولا شهادة. وليس لهم أن يقولوا: إن الحجر كانت لهن، لأن الله تعالى نسبها إليهن بقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ([63])، وذلك أن هذه الإضافة لا تقتضي الملك، بل العادة جارية فيها بأنها تستعمل من جهة السكنى. ولهذا يقال: هذا بيت فلان ومسكنه، ولا يراد بذلك الملك. وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ([64])، ولا شبهة في أنّه تعالى أراد منازل الأزواج التي يسكنون فيها زوجاتهم، ولم يرد به إضافة الملك.

فأمّا ما روي من قسمة النبي (ص) الحجر بين نسائه وبناته، فمن أين هذه القسمة تقتضي التمليك دون الإسكان والإنزال ؟ ولو كان قد ملكهن ذلك لوجب أن يكون ظاهراً مشهوداً، وإنما ترك أمير المؤمنين (ع) الحجر في يد الأزواج لمثل ما ترك المطالبة بفدك، وقد تقدّم.

والذي يدل على صحّة دعواها وأنها كانت مظلومة بالدفع عن حقها ما تواتر الخبر به بأنها بعد مفارقتها لذلك المجلس لم تكلمهم حتى ماتت، وأوصت أن تدفن ليلاً، ففعل ذلك أمير المؤمنين، ولم يصليا عليها، وروي أنه رش أربعين قبراً حتى لا يبيّن قبرها من غيره من القبور فيصلون عليه. ومثل هذا لا يفعل بمن ترضى بأفعاله، ولا كانت (عليها السلام) تفعل مثل هذا بمن هو مصيب في فعله، وليس لأحد أن ينكر ما قلناه، لأنّ الروايات بذلك أكثر من أن تحصى، والقصة أشهر من أن تخفى...

فإن قالوا: دفنها ليلاً - إن صح - ليس بطعن، لأنه قد دفن رسول الله (ص) ليلاً، ودفن عمر ليلاً ابنه، وقد كان أصحاب رسول الله (ص) يدفنون بالليل كما يدفنون بالنهار، فليس في هذا طعن، بل الأقرب في النساء أن دفنهن ليلاً أستر لهن.

قيل لهم: لم يجعل الدفن ليلاً بمجرّده طعناً، بل وصيتها بذلك وغضبها عليهم وأنهما استأذنا عليها ليعوداها فلم تأذن لهما حتى سألا علياً (ع) فشفع إليها، فأذنت، فلما دخلا أعرضت بوجهها إلى الحائط ولم تكلمهما حتى خرجا، ولو لم يكن غير الدفن لما جعلناه طعناً، وليس لأحد أن ينكر ورود خبره بما ذكرناه، لأنه أشهر من أن يخفى.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: إنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله (ص)، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله (ص) يقول: (لا نورث، ما تركناه صدقة). قال: فغضبت فاطمة وهجرته، فلم تكلمه حتى ماتت، فدفنها علي (ع) ليلاً، ولم يؤذن بها أبو بكر. قالت عائشة: وكان لعلي من الناس وجه في حياة فاطمة، فلما توفيت انصرفت عنه وجوه الناس.

وروى عيسى بن مهران (بإسناده) عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أوصت فاطمة (عليها السلام) أن لا يُعلم إذا ماتت أبو بكر وعمر، ولا يصليا عليها. قال: فدفنها علي ليلاً ولم يعلمهما بذلك ([65]).

أقول: التأمل في قوله (رحمه الله): (إنّ الوجه في تركه (ع) ردّه (فدك) هو الوجه في إقراره أحكام القوم... كان في تقية قوية) يعطي شدة مظلوميته (ع)، كما قال (ع): ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها (يعني الأعمال التي غيرت بعد رسول الله (ص)) وإلى ما كانت في عهد رسول الله (ص) لتفرّق عني جندي، حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله (عز وجل) وسنة رسول الله (ص). أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم (ع) فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله (ص) ورددت فدك إلى ورثة فاطمة (عليها السلام)... إذاً لتفرقوا عني.

والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة، وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام غيرت سنّة عمر، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً. ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري([66]).

7- قال المحقق هاشم معروف الحسني: والسؤال الذي يفرض نفسه في المقام هو أنه: إذا كان النبي (ص) قد أعطاها فدكاً كما ادعت، وهي الصادقة في دعواها بلا شك في ذلك، وكانت تستغل منها ما يكفيها وتترك الباقي يتصرف به النبي (ص)، فمن غير المتصور أن يخفى ذلك على المسلمين، وبخاصة أولئك الذين كانوا على اتصال دائم به، فلماذا - والحال هذه - لم يتقدم للشهادة غير علي وأم أيمن والحسنين كما في بعض الروايات ؟ والجواب عن ذلك: إنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) لم تستعص عليها الشهود، ولم تكن مضطرة إلى إشهاد أم أيمن أو ولديها الحسن والحسين وهما طفلان صغيران يوم ذلك، بل كان لديها من الشهود ما لا يستطيع أحد أن يطعن بشهادتهم في مثل هذه المواضع كأبي ذر وعمار والمقداد والعباس وأولاده وسلمان وأبي سعيد الخدري وغيرهم ممن يشهدون بصدقها فيما تدعيه، ولو تعرضوا لأشد أنواع العقاب والعذاب، ولكن إذا صح أنها وقفت هذا الموقف فيبدو أنّ موضوع فدك لم يكن يهمها ولا هو من أهدافها، وإذا صح أنها قد أحضرت علياً والحسنين للشهادة فذاك، لكي تسجل على القوم رداً صريحاً لنصوص الرسول فيه وفي ولديه، على أنها لو أحضرت عشرين شاهداً من خيرة الصحابة لم يكن مستعداً للقضاء لها بما تطلب بل كان على ما يبدو من سير الأحداث مستعداً لأن يعارض شهادتهم بعشرات الشهود، كما عارض شهادة علي وأم أيمن بشهادة عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف، كما نصت على ذلك رواية شرح النهج السابقة وعارض إرثها من أبيها بحديث: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث)... ([67]).



[1]- العوالي: بالفتح، وهو جمع العالي ضد السافل: وهو ضيعة بينها ويبن المدينة أربعة أميال، وقيل ثلاثة، وذلك أدناها وأبعدها ثمانية. (معجم البلدان: ج4 ص166.

[2]- لسان العرب: ج10 ص473.

[3]- معجم البلدا ن: ج4 ص238.

[4]- مجمع البحرين: ج3 ص371.

[5]- وتعد من الأنفال؛ والأنفال كل أرض فتحت من غير أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب، والأرضون الموات وتركات من لا وارث له من الأهل والقرابات، والآجام، والبحار، والمفاوز، والمعادن، وقطايع الملوك. وهي خالصة للنبي (ص)، بنص القرآن الكريم، قال الله (عز وجل): ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾.

روي عن الصادق (ع) أنه قال: نحن قوم فرض الله تعالى طاعتنا في القرآن، لنا الأنفال، ولنا صفو الأموال) المقنعة: ص278.

[6]- تاريخ الطبري: ج2 ص302، البداية والنهاية لابن كثير: ج4 ص244، السيرة النبوية لابن كثير: ج3 ص374، السيرة النبوية لابن هشام: ج3 ص799، السيرة الحلبية: ج2 ص746.

[7]- الكامل في التاريخ: ج2 ص221، الدرر لابن عبد البر : ص201، تفسير الثعلبي: ج9 ص52.

[8]- معجم البلدان: ج4 ص238.

[9]- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج16 ص210.

[10]- السقيفة وفدك: ص99.

[11]- شواهد التنزيل: ج1 ص439. وذكر غيرها من الروايات في نفس المفاد فراجع. مسند ابن أبي يعلى الموصلي: ج2 ص334، تفسير ابن كثير: ج3 ص39.

[12]- شواهد التنزيل: ج1 ص570.

[13]- فتح القدير: ج3 ص224.

[14]- الدر المنثور: ج4 ص177، لباب النقول: ص136.

[15]- كنز العمال: ج3 ص767.

[16]- تفسير العياشي: ج2 ص287.

[17]- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج16 ص269.

[18]- نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج3 ص71.

[19]- أمالي الطوسي: ص204، بحار الأنوار: ج29 ص182.

[20]- شرح ابن أبي الحديد: ج16 ص278، الشافي في الإمامة: ج4 ص103، بحار الأنوار: ج29 ص213.

[21]- السقيفة وفدك: ص148.

[22]- فتوح البلدان: ج1 ص37.

[23]- الملل والنحل: ج1 ص25.

[24]- معجم البلدان: ج4 ص238.

[25]- السيرة الحلبية: ج3 ص487.

[26]- المواقف: ج3 ص598.

[27]- سعد السعود: ص101.

[28]- كشف الغمة: ج2 ص105.

[29]- الأحزاب: 33.

[30]- الاحتجاج: ج1 ص121.

 

[31]- الاختصاص: ص183.

[32]- الاحتجاج: ج1 ص142، خطبة الزهراء (عليها السلام) في مسجد رسول الله (ص).

[33]- الصواعق المحرقة: ص31.

[34]- الغدير: ج7 ص194، نقلاً عن السيرة الحلبية: ج3 ص391.

[35]- أقول: إنّ حال عمر كحال كفار قريش الذين نزل في ذمهم القرآن الكريم، قال تعالى: (لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله) المنافقون:7.

فكانت الخلافة الظالمة تريد سلب الموارد الاقتصادية من يد علي بن أبي طالب (ع) كل ذلك لكي لا يصبح عنده نفوذ وينازعهم الخلافة.

يقول ابن أبي الحديد: قال لي علوي من أهل الحلة يعرف بعلي بن مهنا، ذكي ذو فضائل: ما تظن قصد أبي بكر وعمر بمنع فاطمة فدك؟ قلت: ما قصدا ؟! قال: أرادا أن لا يظهرا لعلي وقد اغتصبا الخلافة رقة ولينا وخذلانا، ولا يرى عندهما خورا، فاتبعا القرح بالقرح.

وقال أيضاً: وقلت لمتكلم من متكلمي الإمامية، يعرف بعلي بن تقي من بلدة النيل: وهل كانت فدك إلا نخلا يسيرا، وعقارا ليس بذلك الخطير ؟ فقال لي: ليس الأمر كذلك، بل كانت جليلة جداً، وكان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل، وما قصد أبو بكر وعمر بمنع فاطمة عنها إلاّ أن لا يتقوى علي بحاصلها وغلتها على المنازعة في الخلافة، ولهذا اتبعا بمنع فاطمة وعلي وسائر بني هاشم وبني المطلب حقهم في الخمس، فإن الفقير الذي لا مال له يضعف همته، ويتصاغر عند نفسه، ويكون مشغولاً بالاحتراف والاكتساب عن طلب الملك والرئاسة (شرح نهج البلاغة: ج16 ص236.

ويقول الشهيد محمد باقر الصدر (رحمه الله) في كتابة فدك في التاريخ: إنّ فدك لم تكن أرضاً صغيرة أو مزرعاً متواضعاً كما يظن البعض، بل الأمر الذي أطمئن إليه أنها كانت تدر على صاحبها أموالاً طائلة تشكل ثروة مهمة وليس علي بعد هذا أن احدد الحاصل السنوي منها وإن ورد في بعض طرقنا الارتفاع به إلى أعداد عالية جداً. ويدل على مقدار القيمة المادية لفدك أمور:

الأول: ما سيأتي من أن عمر منع أبا بكر من ترك فدك للزهراء لضعف المالية العامة مع احتياجها إلى التقوية لما يتهدد الموقف من حروب الردة ثورات العصاة. ومن الجلي أن أرضاً يستعان بحاصلاتها على تعديل ميزانية الدولة، وتقوية مالياتها في ظروف حرجة كظرف الثورات والحروب الداخلية لا بد أنها ذات نتاج عظيم.

الثاني: قول الخليفة لفاطمة في محاورة له معها حول فدك: (إن هذا المال لم يكن للنبي (ص) وإنما كان مالاً من أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال وينفقه في سبيل الله)، فإن تحميل الرجال لا يكون إلا بمال مهم تتقوم به نفقات الجيش.

الثالث: ما سبق من تقسيم معاوية فدك أثلاثاً، وإعطائه لكل من يزيد ومروان وعمرو بن عثمان ثلثا، فإن هذا يدل بوضوح على مدى الثروة المجتناة من تلك الأرض، فإنها بلا شك ثروة عظيمة تصلح لأن توزع على أمراء ثلاثة من أصحاب الثراء العريض والأموال الطائلة.

الرابع: التعبير عنها بقرية كما في معجم البلدان، وتقدير بعض نخليها بنخيل الكوفة في القرن السادس الهجري كما في شرح النهج لابن أبي الحديد (فدك في التاريخ: ص41).

[36]- الإنسان: 9.

[37]- نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج3 ص71.

[38]- المناقب لابن شهر أشوب: ج2 ص49.

[39]- شرح نهج البلاغة: ج16 ص284.

[40]- مناقب آل أبي طالب: ج3 ص435.

[41]- السقيفة وفدك: ص 103.

[42]- السقيفة وفدك: ص103، شرح النهج لابن أبي الحديد: ج16 ص216.

[43]- أقول: قال تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ﴾ السجدة:18، وقال عز وجل: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ القلم: 35.

فكيف يساوى بين علي (ع) وبين غيره ممن لم يعرف التاريخ عنهم سوى حب الأنا والدنيا وشهواتها ؟! فقد سودت سيرتهم وأعمالهم صفحات التاريخ ؟! أفهل يجوز هذا بمنطق القرآن؟! فلاحظ الآيتين الكريمتين!!

إن دل هذا فيدل على خساسة الدنيا وضعتها عنده (عز وجل). ويا لها من مرارة تختلج في صدر علي (ع)؛ حيث لم ينصفه أحد حتى ساووه بعمر وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية وأشباههم ممن بين علي (ع) وبينهم البون الشاسع؛ ولقد عبر أمير المؤمنين علي(ع) عن هذه المرارة بقوله: (أنزلني الدهر حتى قيل علي ومعاوية) فرحة الغري: ص7.

ولله در السيد رضا الهندي في قصيدة الكوثرية إذ يقول:

قاسوك أبا حسن بسواك           وهل بالطود يقاس الذر

أنى ساووك بمـن ناووك           وهل ساووا نعلي قنبر

[44]- راجع مصادرة السلطة الحاكمة لفدك فستجد الرواية كاملة.

[45]- روى سبط ابن الجوزي أن عمر قال لأبي بكر حينما كتب بإعادة فدك لفاطمة (عليها السلام)، قال: ممّاذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى (الغدير: ج7 ص194، نقلاً عن السيرة الحلبية: ج3 ص391).

[46]- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج16 ص235.

[47]- بحار الأنوار: ج29 ص157.

[48]- الاحتجاج: ج1 ص122.

[49]- صحيح البخاري: ج3 ص163، السنن الكبرى: ج4 ص109.

[50]- الطبقات الكبرى: ج2 ص318، كنز العمال: ج5 ص626.

[51]- ذخائر العقبى: ص44، المستدرك: ج3 ص161.

[52]- مجمع الزوائد: ج7 ص235، تاريخ بغداد: ج14 ص322، تاريخ دمشق: ج24 ص449.

[53]- ذخائر العقبى: ص260، شرح صحيح مسلم للنووي: ج16 ص9، الاستيعاب: ج4 ص1794.

[54]- الاحتجاج: ج1 ص122.

[55]- آل عمران: 61.

[56]- الأحزاب: 33.

[57]- النص والاجتهاد: ص67.

[58]- التعجب للكراجكي: ص136.

[59]- فاطمة بهجة قلب المصطفى: ص34.

[60]- شرح نهج البلاغة: ج16 ص286.

[61]- شرح نهج البلاغة: ج14 ص190.

[62]- الطرائف: ص248، مواقف الشيعة للميانجي: ج2 ص405، قاموس الرجال: ج12 ص147.

[63]- الأحزاب: 33.

[64]- الطلاق: 1.

[65]- مناقب آل أبي طالب: ج3 ص137.

[66]- نقلاً عن كتاب فاطمة بهجة قلب المصطفى: ص35.

[67]- نقلاً عن كتاب فاطمة بهجة قلب المصطفى: ص36.

  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • 1

البحث في الموقع