raya

جلس أمير المؤمنين (ع) في بيته بعد انقلاب الأمة على وصية نبيها، واشتغل بجمع القرآن، كما أوصاه النبي (ص)، وكان الزبير والمقداد يختلفان في جماعة من الناس إلى علي (ع) فيتشاورون ويتراجعون أمورهم، وذلك تأييداً منهم لخليفة النبي الشرعي علي بن أبي طالب (ع) الذي سلبت السقيفة حقّه، وتحصّنوا في بيته ولم يجلسوا في بيوتهم بسبب انتساب هذا البيت إلى النبي وعلو مقام أهله عنده (ص) ، فهم أقرب وأحب الناس إليه، كما أنهم كانوا يعتقدون بالحصانة التي أعطاها النبي (ص) لبيت علي وفاطمة (عليهما السلام).

وهذا يدل على أنهم لم يكونوا في صدد الوقوف المسلح ضد الخليفة الغاصب؛ لأسباب تعود إلى ضرورة حفظ الإسلام؛ حيث التخاذل الذي خيّم على الأمة ونكوصها عن نصرتها وبيعتها التي أعطتها بكل رغبة إلى علي بن أبي طالب(ع) في يوم الغدير، مما جعل علياً (ع) يده جذّاء مقطوعة.

ومن هنا قرّر أمير المؤمنين (ع) ترك الثورة المسلحة إلا مع وجود القدرة على ذلك، ومن هنا التجأ أمير المؤمنين (ع) على تجنيد الرأي العام ضد أبي بكر وبيان أحقيته بالخلافة وكونه خليفة النبي الشرعي.

ولقد لخص أمير المؤمنين (ع) موقفه من الخلافة الجديدة في خطبته الشقشقية، حيث قال: (أما والله لقد تقمصها فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً، وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا أرى تراثي نهباً) ([1]).

فكانت بيعة الناس لا قيمة لها عند عمر بن الخطاب إلا أن يبايع علي بن أبي طالب (ع)، وما ذلك إلاّ لمعرفته بأحقية علي (ع)؛ إذ لو بقي علي (ع) لم يبايع لكانت بيعة الناس لا قيمة لها، ولم يتصور الذين تحصنوا في بيت علي وفاطمة عليهما السلام شدّة الجرأة من الخلافة على أهل هذا البيت وعدم احترامه بل وهتكه، وعرفوا ذلك بعد أن رأوا جموعاً من الرعاع يتقدّمهم عمر بن الخطاب يحيطون ببيت علي وفاطمة (عليهما السلام)، ويريدون اقتحام الدار بالقوة وبأيدي البعض منهم قبس من نار.

وإلى القارئ الكريم نصوص بعض من نقل الواقعة، وليس كما يتوهّم البعض من المغرضين بأنّ قضية حرق باب فاطمة (عليها السلام) أسطورة أتى بها الشيعة لا نصيب لها من الحقيقة، فهذا يدل على جهل صاحب هذا التوهم بكتب التاريخ التي روت الواقعة، وانكشاف أغراضه التي تكمن في نفسه؛ إذ كيف يمكن إنكار حدث كبير حدث في التاريخ بعد وفاة النبي (ص) ورواه الكثير من المؤرخين، فقد روي في مصادر السنة والشيعة، نعم بعض المؤرخين أعرضوا عن ذكر هذا الحدث الهام خوفاً ورهبة أو تزلّفاً وطمعاً.

والذين نقلوا الواقعة ينقسمون إلى قسمين:

منهم من اقتصر على ما دار بين علي وبين الخلافة الغاصبة من احتجاجات وتهديدات. ومنهم من أزاح الستار عمّا قام به عمر بن الخطاب من أخذ البيعة بالعنف حتى انتهى الأمر إلى إحراق الباب وكسره وما تلاه من حوادث صبتها الخلافة الغاصبة على بيت الوحي.

وإليكم بعضاً من تلك النصوص:

الواقعة برواية ابن قتيبة:

قال ابن قتيبة: (وإنّ أبا بكر رضي الله عنه تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي كرّم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده. لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها، فقيل له يا أبا حفص. إنّ فيها فاطمة ؟ فقال وإن، فخرجوا فبايعوا إلاّ علياً فإنه زعم أنه قال: "حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن"، فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها، فقالت: "لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا، ولم تردّوا لنا حقاً". فأتى عمر أبا بكر، فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة ؟ فقال أبو بكر لقنفذ وهو مولى له: اذهب فادع لي علياً، قال فذهب إلى علي فقال له: ما حاجتك ؟ فقال يدعوك خليفة رسول الله، فقال علي: "لسريع ما كذبتم على رسول الله". فرجع فأبلغ الرسالة، قال: فبكى أبو بكر طويلاً. فقال عمر الثانية: لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة ، فقال أبو بكر رضي الله عنه لقنفذ: عد إليه، فقل له: خليفة رسول الله يدعوك لتبايع، فجاءه قنفذ، فأدى ما أمر به، فرفع علي صوته فقال: "سبحان الله ؟ لقد ادعى ما لبس له"، فرجع قنفذ، فأبلغ الرسالة، فبكى أبو بكر طويلاً، ثم قام عمر، فمشى معه جماعة، حتى أتوا باب فاطمة، فدقوا الباب، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: "يا أبت يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة" !!، فلما سمع القوم صوتها وبكاءها، انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدع، وأكبادهم تنفطر، وبقي عمر ومعه قوم، فأخرجوا علياً، فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع، فقال: "إن أنا لم أفعل فمه ؟" قالوا: إذاً والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك، فقال: "إذاً تقتلون عبد الله وأخا رسوله"، قال عمر: أمّا عبد الله فنعم ، وأمّا أخو رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك ؟ فقال: لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه، فلحق علي بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيح ويبكي، وينادي: "يا بن أم إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني") ([2]).

الواقعة برواية اليعقوبي:

(وبلغ أبا بكر وعمر أنّ جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله، فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار، وخرج علي ومعه السيف([3])، فلقيه عمر، فصارعه عمر فصرعه، وكسر سيفه، ودخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت: "والله لتخرجن أو لأكشفن شعري ولاعجن إلى الله" ! فخرجوا وخرج من كان في الدار وأقام القوم أياماً. ثم جعل الواحد بعد الواحد يبايع، ولم يبايع علي إلاّ بعد ستة أشهر وقيل أربعين يوماً) ([4]).

الواقعة برواية البلاذري:

قال: حدثني بكر بن الهيثم، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: (بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي (ع) حين قعد عن بيعته وقال إئتني به بأعنف العنف، فلما أتاه جرى بينهما كلام فقال له علي (ع): احلب حلباً لك شطره، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلاّ ليؤمرك غداً، وما تنفس [ننفس] على أبي بكر هذا الأمر لكنا أنكرنا ترككم مشاورتنا، وقلنا: إنّ لنا حقاً لا تجهلونه، ثم أتى فبايعه)([5]).

وقد روى البلاذري عن المدائني، عن مسلمة بن محارب، عن سليمان التيمي، عن أبي عون أنّ أبا بكر أرسل إلى علي (ع) يريده على البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومعه قبس فلقيته فاطمة (عليها السلام) على الباب فقالت: (يا ابن الخطاب، أتراك محرقاً عليّ بأبي) ؟! قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك ([6]).

 

 

الواقعة برواية الطبري:

قال: (أتى عمر بن الخطاب، منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: واللّه لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة فخرج عليه الزبير، مصلتاً بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه) ([7]).

الواقعة برواية ابن عبد ربه في العقد الفريد:

قال تحت عنوان (الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر): (علي والعباس، والزبير، وسعد بن عبادة، فأمّا علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حيث بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليُخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة، فقالت: يا ابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا ؟ قال: نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأُمّة) ([8]).

الواقعة برواية ابن عبد البر في الاستيعاب:

قال: حدّثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن أيّوب، حدّثنا أحمد بن عمرو البزاز، حدّثنا أحمد بن يحيى، حدّثنا محمد بن نسير، حدّثنا عبد اللّه بن عمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، إنّ عليّاً والزبير كانا حين بُويع لأبي بكر يدخلان على فاطمة فيشاورانها ويتراجعان في أمرهم، فبلغ ذلك عمر، فدخل عليها عمر، فقال: يا بنت رسول اللّه، ما كان من الخلق أحد أحبّ إلينا من أبيك، وما أحد أحبّ إلينا بعده منك، ولقد بلغني أنّ هؤلاء النفر يدخلون عليك، ولئن بلغني لأفعلنّ ولأفعلنّ. ثمّ خرج وجاءوها. فقالت لهم: (إنّ عمر قد جاءني وحلف لئن عدتم ليفعلنّ، وأيم اللّه ليفينّ بها) ([9]).

 

 

أضواء على النصوص المتقدّمة:

الإضاءة الأولى: إصرار عمر على أخذ البيعة من علي (ع)

(كان عمر يصرّ على أخذ البيعة من علي بن أبي طالب (ع)، ولا يرى بيعة غيره من المسلمين ومن بني هاشم تسدّ بيعته، فلقد جاء في الإمامة والسياسة كما تقدّم: "فأتى عمر أبا بكر، فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة ؟ .... فقال عمر الثانية: لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة ، ... ثم قام عمر، فمشى معه جماعة، حتى أتوا باب فاطمة، ....".

فكان عمر يعتبر الجميع رعاع كما يسميهم هو، لذا قال لأبي بكر - كما يروي سلمان رضوان الله عليه -: أرسل إلى علي فليبايع، فإنا لسنا في شيء حتى يبايع، ولو قد بايع أمنّاه)([10]).

وفي رواية أخرى ذكرها المفيد: (قال له عمر: يا هذا لم تصنع شيئاً ما لم يبايعك علي فابعث إليه حتى يأتيك فيبايعك، قال: فبعث قنفذاً، فقال له: أجب خليفة رسول الله (ص)، قال علي (ع): لأسرع ما كذبتم على رسول الله (ص) ما خلف رسول الله (ص) أحداً غيري، فرجع قنفذ وأخبر أبا بكر بمقالة علي (ع) فقال أبو بكر: انطلق إليه فقل له: يدعوك أبو بكر ويقول: تعال حتى تبايع فإنما أنت رجل من المسلمين، فقال علي (ع): أمرني رسول الله (ص) أن لا أخرج بعده من بيتي حتى أؤلف الكتاب فإنه في جرائد النخل وأكتاف الإبل، فأتاه قنفذ وأخبره بمقالة علي (ع) ، فقال عمر: قم إلى الرجل، فقام أبو بكر وعمر وعثمان وخالد ابن الوليد والمغيرة بن شعبة وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة وقمت معهم و ظنت فاطمة (عليها السلام) أنه لا تُدخَل بيتها إلا بإذنها، فأجافت الباب وأغلقته، فلما انتهوا إلى الباب ضرب عمر الباب برجله فكسره - وكان من سعف - فدخلوا على علي (ع) وأخرجوه ملبباً) ([11]).

فكان عمر يعرف منزلة علي بن أبي طالب (ع) وإن بيعة كل الناس لا تسد بيعته، فمن هنا أصر على أخذ البيعة منه بشتى السبل.

والسبب في ذلك يعود لمعرفة عمر بأنّ علي (ع) هو الخليفة الشرعي للنبي (ص)، وكيف لا يعرف ذلك كيف لا وهو من هنأه يوم الغدير بذلك، قائلاً: (بخ بخ لك يا علي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة) ([12]).

وروى أبو الحسن ابن المغازلي عن أبي بكر أحمد بن محمد بن طاوان. قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن الحسين بن السماك، قال: حدثني أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، حدثني علي بن سعيد بن قتيبة الرملي، قال: حدثني ضمرة بن ربيعة القرشي، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن شهر ابن حوشب، عن أبي هريرة، قال: (من صام يوم ثماني عشرة خلت من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً، وهو يوم غدير خم، لما أخذ النبي (ص) بيد علي ابن أبي طالب فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا علي ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن. فأنزل الله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم") ([13]).

وروي: (أنه لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه. قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: أمسيت يا بن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة) ([14]).

روى الدارقطني عن سعد، قال: (لما سمع أبو بكر وعمر ذلك قالا: أمسيت يا بن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة) ([15]).

وقد روى تهنئة عمر لعلي في يوم الغدير جماعة كبيرة من كبار علماء أهل السنة ([16]).

ولذا نجد عمر بن الخطاب لما أدرك بأنّ النبي (ص) حينما طلب دواة وكتف ليكتب وصيته التي وصفها بأنها كتاب عاصم من الضلال، فراح يتهم النبي (ص) بغلبة الوجع، وقائلاً حسبنا كتاب الله، والحال أنه لا يفقه من كتاب الله شيء، ودون القارئ سيرة الرجل التي تدل على ذلك، ولكي لا أحيل القارئ دون ذكر شاهد على ما أقول، أنقل شاهداً واحداً.

قال ابن حجر: (وذكر الحميدي أنه جاء في رواية أخرى عن ثابت عن أنس أنّ عمر قرأ "فاكهة وأبا" ([17])، فقال: ما الأب ؟ ثم قال: ما كلفنا، أو قال ما أمرنا بهذا. "قلت" هو عند الإسماعيلي من رواية هشام عن ثابت، وأخرجه من طريق يونس بن عبيد عن ثابت بلفظ إنّ رجلاً سأل عمر بن الخطاب عن قوله "وفاكهة وأبا"، ما الأب ؟ فقال عمر: نهينا عن التعمق والتكلف) ([18]). وغير ذلك كثير.

الإضاءة الثانية: إنّ في الدار فاطمة

جاء في النص الذي ذكره ابن قتيبة قول عمر: (لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها، فقيل له يا أبا حفص. إنّ فيها فاطمة ؟ فقال وإن، ...).

وفي هذا المجال نريد تحديد بعض دلالات قول البعض لعمر: إنّ في الدار فاطمة (عليها السلام)، وما الذي دعاهم لهذا القول، وما هي دلالات ردّ عمر عليهم.

فما هو الداعي الذي دعاهم لهذا القول ؟ فهل أنّهم قالوا لينبهوا عمر بأنّ في الدار يوجد شخص ما ؟ بطبيعة الحال ليس هذا الهدف من قولهم هذا، فهو يعلم بمن في الدار، بل جاء ليحرقها على من فيها، كما قال: (والذي نفس عمر بيده. لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها) !!

إذن، فكان قولهم لعمر: إنّ في الدار فاطمة يستهدف تذكيره وبيان عظمة الجرم الذي أقدم عليه حتى دفع هؤلاء إلى التعجب، فقالوا له: (إنّ في الدار فاطمة)! متعجبين من جهة، ومن ثانية أرادوا تذكيره بفاطمة التي قال في فضلها النبي (ص): (فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني) ([19]).

وقوله (ص): (وأما ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي بضعة مني، وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبيّ، وهي الحوراء الإنسية)([20]).

وقوله (ص): (إنّ الله يغضب لغضبك و يرضى لرضاك) ([21]).

وقوله (ص): (فاطمة بضعة منى فمن أغضبها فقد أغضبني) ([22]).

وقوله (ص): (فإنما هي فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها و يؤذيني ما آذاها) ([23]).

وقوله (ص): (إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها و ينصبني ما أنصبها) ([24]).

وهكذا أرادوا تذكير عمر بأقوال وأفعال رسول الله (ص) حينما يقف على بيت فاطمة (عليها السلام)، ويكرر قوله: (السلام عليكم أهل البيت، ثم يقرأ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).

عن أبي سعيد الخدري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى باب علي رضي الله عنه أربعين صباحاً بعد ما دخل على فاطمة، فقال: (السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) ([25]).

وقوله (ص) لعلي وفاطمة والحسن والحسين: (أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم) ([26]).

فأرادوا تذكيره ببيت فاطمة (عليها السلام) الذي هو أخر بيت يودّعه الرسول(ص) في خروجه من المدينة، وأول بيت يقصده في عودته إليها.

فأرادوا بقولهم: (إنّ في الدار فاطمة) تذكير الخليفة بكل ذلك ولكي تتداعى له كل هذه المعاني المذكورة.

إلا أنه كان كافراً بكل ذلك ولم يعي شيئاً منه؛ لذا فكان بطبيعة الحال أن يقول: وإن !!

وبقوله هذا يريد القول أنّ كل القدسية التي ذكرتموها لفاطمة (عليها السلام) ليس لها وجود عندي، ولا تشكل لدي مانعاً من حرق دارها بمن فيها !!

الإضاءة الثالثة: المراسلات بين علي (ع) وبين الخلافة الغاصبة

لقد حصلت مراسلات بين الخلافة وبين علي (ع)، والشخص الذي جعلوه ينقل عن لسان الخلافة هو قنفذ، وهو أعرابي جافي لا يعرف القيم الإنسانية، كل ذلك لشدة إيذاء علي (ع).

قال ابن قتيبة: (فقال أبو بكر لقنفذ وهو مولى له: اذهب فادع لي علياً، قال فذهب إلى علي فقال له: ما حاجتك ؟ فقال يدعوك خليفة رسول الله، فقال علي: لسريع ما كذبتم على رسول الله. فرجع فأبلغ الرسالة، قال: فبكى أبو بكر طويلاً. فقال عمر الثانية: لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة، فقال أبو بكر رضي الله عنه لقنفذ: عد إليه، فقل له: خليفة رسول الله يدعوك لتبايع، فجاءه قنفذ، فأدى ما أمر به، فرفع علي صوته فقال سبحان الله ؟! لقد ادعى ما لبس له، فرجع قنفد، فأبلغ الرسالة، فبكى أبو بكر طويلاً، ثم قام عمر، فمشى معه جماعة، حتى أتوا باب فاطمة، ...).

وفي رواية: (وقال عمر لأبي بكر: أرسل إلى علي فليبايع ، فإنا لسنا في شئ حتى يبايع، ولو قد بايع أمناه فأرسل إليه أبو بكر: أجب خليفة رسول الله، فأتاه الرسول فقال له ذلك. فقال له علي (ع): سبحان الله، ما أسرع ما كذبتم على رسول الله، إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أن الله ورسوله لم يستخلفا غيري، وذهب الرسول فأخبره بما قال له قال: اذهب فقل له: أجب أمير المؤمنين أبا بكر، فأتاه فأخبره بما قال فقال له علي (ع): سبحان الله، ما والله طال العهد فينسى . فوالله إنه ليعلم أنّ هذا الاسم لا يصلح إلا لي، ولقد أمره رسول الله وهو سابع سبعة فسلموا علي بإمرة المؤمنين. فاستفهم هو وصاحبه عمر من بين السبعة فقالا: أحق من الله ورسوله ؟ فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله: نعم، حقاً حقاً من الله ورسوله إنه أمير المؤمنين وسيد المسلمين وصاحب لواء الغر المحجلين، يقعده الله عز وجل يوم القيامة على الصراط ، فيدخل أوليائه الجنة وأعداءه النار، فانطلق الرسول فأخبره بما قال. قال: فسكتوا عنه يومهم ذلك) ([27]).

فجميع المراسلات باءت بالفشل، ومن هنا - وكما هو ديدن الظالمين الطواغيت - استخدمت الخلافة العنف والقوة كي يحصلوا على بيعة علي بن أبي طالب (ع)، ومن هنا أقدموا على الهجوم الشرس الذي كان ضحيته سقوط المحسن وضرب فاطمة بضعة المصطفى (ص) بشتّى أنواع الضرب، وهتك بيت الوحي والرسالة.

الإضاءة الرابعة: ابن قتيبة يحاول تخفيف شدّة الواقعة

ولقد حاول ابن قتيبة أن يخفف من شدّة الواقعة، فأجمل من جهة، ومن جهة أخرى حاول استعمال ألفاظ لا توحي للقارئ أنّهم أقدموا بشدّة وجلافة بدوية قروية على انتهاك حرمة بيت فاطمة (عليها السلام)، فيقول: (فدقوا الباب) !! والحال أنّهم قرعوا الباب قرعاً شديداً.

فنفس ابن قتيبة ينص ويقول: (وإنّ أبا بكر رضي الله عنه تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي كرّم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها).

بل تصرّح الروايات الأخرى التي ذكرت الواقعة أنهم ورفعوا أصواتهم وخاطبوا علياً وفاطمة عليهما السلام بخطابات شتىّ، ودعوهم إلى بيعة أبي بكر، وصاح عمر: يا بن أبي طالب! افتح الباب ([28]) ! وقال عمر لفاطمة (عليها السلام) حينما كلمته من خلف الباب: افتحي الباب وإلا أحرقنا عليكم! وفي رواية أخرى: والله لئن لم تفتحوا لنحرقنه بالنار ([29]) !

وفي رواية أخرى أنّ عمر قال: (والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم) ([30]) !

وفي أخرى أيضاً قال: (أخرج يا علي إلى ما أجمع عليه المسلمون وإلا قتلناك) ([31]) !

وقال البلاذري كما تقدّم: (فقالت - أي فاطمة (عليها السلام)-: يا ابن الخطاب، أتراك محرقاً عليّ بابي، قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك).

وفي رواية ابن عبد ربه المتقدمة في العقد الفريد: (فأقبل - أي عمر - بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة، فقالت: يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ قال: نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأُمّة).

وفي رواية البلاذري المتقدمة أنّ أبا بكر قال لعمر: (إئتني به بأعنف العنف).

وقد أراح نفسه ابن عبد البر في الاستيعاب واكتفى بنقل قول عمر: (ولقد بلغني أنّ هؤلاء النفر يدخلون عليك، ولئن بلغني لأفعلنّ ولأفعلنّ)، وترك التفصيل في الواقعة حفاظاً على وجه ماء الخليفة.

وغيرها من الألفاظ المختلفة التي نقلها المؤرخون التي يجد القارئ فيها العنف والبداوة الظاهرة على ألفاظ عمر بن الخطاب ومدى كرهه لأهل هذا البيت (ص).

فابن قتيبة لم يوفق في محاولته لتخفيف تلك البداوة ويحسن ألفاظ عمر بن الخطاب فقال: (فدقوا الباب) ! والحال أنّ لغة العنف بادية من كلمات عمر بن الخطاب والأعراب الذين جاؤا معه، حتى أنهم ضربوا الباب ضرباً.

روى المجلسي: (فوثب عمر غضبان ، فنادى خالد بن الوليد وقنفذا فأمرهما أن يحملا حطباً وناراً، ثم أقبل حتى انتهى إلى باب علي وفاطمة (عليها السلام) قاعدة خلف الباب قد عصبت رأسها ونحل جسمها في وفاة رسول الله (ص) ، فأقبل عمر حتى ضرب الباب ثم نادى يا ابن أبي طالب افتح الباب، فقالت فاطمة (عليها السلام): يا عمر، مالنا ولك ؟ لا تدعنا وما نحن فيه؟ قال: افتحي الباب وإلا أحرقنا عليكم، فقالت: يا عمر، أما تتقى الله عز وجل تدخل عليّ بيتي، وتهجم على داري ؟ فأبى أن ينصرف، ثم عاد عمر بالنار فأضرمها في الباب فأحرق الباب ثم دفعه عمر فاستقبلته فاطمة (عليها السلام) وصاحت: يا أبتاه يا رسول الله، فرفع السيف وهو في غمده فوجئ به جنبها فصرخت، فرفع السوط فضرب به ذراعها فصاحت: يا أبتاه. فوثب علي بن أبي طالب (ع) فأخذ بتلابيب عمر ثم هزّه فصرعه ووجأ أنفه ورقبته، وهم بقتله، فذكر قول رسول الله (ص) وما أوصى به من الصبر و الطاعة، فقال: والذي كرّم محمداً (ص)بالنبوة يا ابن صهاك، لولا كتاب من الله سبق لعلمت أنك لا تدخل بيتي، فأرسل عمر يستغيث فأقبل الناس حتى دخلوا الدار وسل خالد بن الوليد السيف ليضرب به علياً (ع) فحمل علي (ع) بسيفه، فأقسم على علي فكف، وأقبل المقداد وسلمان وأبو ذر وعمار وبريدة الأسلمي حتى دخلوا الدار أعواناً لعلي (ع) حتى كادت تقع فتنة. فاُخرج علي (ع) وتبعه الناس وأتبعه سلمان وأبو ذر والمقداد وعمار وبريدة وهم يقولون: ما أسرع ما خنتم رسول الله (ص) وأخرجتم الضغاين التي في صدوركم ، وقال بريدة بن الحصيب الأسلمي يا عمر أتيت على أخي رسول الله (ص) ووصيه وعلى ابنته فتضربها وأنت الذي تعرفك قريش بما تعرفك به، فرفع خالد بن الوليد السيف ليضرب بريده وهو في غمده، فتعلّق به عمر ومنعه من ذلك) ([32]).

وكذلك ينبغي النظر فيما قاله اليعقوبي: (وخرج علي ومعه السيف، فلقيه عمر، فصارعه عمر فصرعه، وكسر سيفه...)، فهذا لم يروه أحد، بل المعروف أنّ الذي كُسر سيفه هو الزبير كما يروي ذلك الطبري في النص المتقدّم، حيث قال: أتى عمر بن الخطاب، منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: واللّه لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة فخرج عليه الزبير، مصلتاً بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه.

بل المروي - كما في الرواية المتقدمة عن البحار - أنّ علي بن أبي طالب (ع) مسك عمر من تلابيبه (فوثب علي بن أبي طالب (ع) فأخذ بتلابيب عمر ثم هزّه فصرعه ووجأ أنفه ورقبته، وهم بقتله، فذكر قول رسول الله (ص) وما أوصى به من الصبر والطاعة، فقال: والذي كرم محمداً (ص) بالنبوة يا ابن صهاك، لولا كتاب من الله سبق لعلمت أنك لا تدخل بيتي، فأرسل عمر يستغيث فأقبل الناس حتى دخلوا الدار وسل خالد بن الوليد السيف ليضرب به علياً (ص) فحمل علي (ص) بسيفه، فأقسم على علي فكف،...).

وهذا هو المعروف عند الجميع من شجاعة وبسالة علي بن أبي طالب (ع)، فكيف يجرؤ عمر أن يكسر سيف ذو الفقار الذي طهر الأرض من براثن الكفر وجندل الأبطال ونكس الفرسان ؟ هذا ما لا يستسغه من له أدنى معرفة بشخصية علي بن أبي طالب الصامدة في الحروب، وشخصية عمر بن الخطاب التي لم تثبت في معركة من معارك رسول الله (ص).

والذي يبدو لي أنّ عمر عندما رأى الزبير مصلتاً ولّى هارباً كعادته.

خروج فاطمة (عليها السلام) خلف علي (ع):

لما أخرج بعلي (ع) خرجت فاطمة (عليها السلام) خلفه آخذة بيدي ابنيها.

يقول الإمام الصادق (ع): (فما بقيت امرأة هاشمية إلا خرجت معها، حتى انتهت قريباً من القبر فقالت لهم: خلوا عن ابن عمي فوالذي بعث محمداً أبي بالحق إن لم تخلوا عنه لأنشرن شعري ولأضعن قميص رسول الله (ص) على رأسي، ولأصرخن إلى الله تبارك وتعالى، فما صالح بأكرم على الله من أبي، ولا الناقة بأكرم مني، ولا الفصيل بأكرم على الله من ولدي ! قال سلمان رضي الله عنه: كنت قريباً منها، فرأيت والله أساس حيطان مسجد رسول الله تقلعت من أسفلها، حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها لنفذ، فدنوت منها فقلت: يا سيدتي ومولاتي إنّ الله تبارك وتعالى بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة، فرجعت ورجعت الحيطان حتى سطعت الغبرة من أسفلها ، فدخلت في خياشيمنا) ([33]).

فقالت: (مالي ومالك يا أبا بكر تريد أن تؤتم ابني وترملني من زوجي والله لولا أن تكون سيئة لنشرت شعري ولصرخت إلى ربيفقال رجل من القوم: ما تريد إلى هذا ثم أخذت بيده فانطلقت به ([34]).

عن أبي جعفر (ع)، قال: (والله لو نشرت شعرها ماتوا طرّاً) ([35]).

قال الشيخ المفيد: (فخرجت وأخذ بيد الحسن والحسين عليهما السلام متوجهة إلى القبر فقال علي (ع) لسلمان: يا سلمان، أدرك ابنة محمد (ص) فإني أرى جنبتي المدينة تكفئان، فوالله لئن فعلت لا يناظر بالمدينة أن يخسف بها وبمن فيها، قال: فلحقها سلمان فقال: يا بنت محمد (ص) إنّ الله تبارك وتعالى إنما بعث أباك رحمة فانصرفي، فقالت: يا سلمان، ما علي صبر فدعني حتى آتي قبر أبي، فأصيح إلى ربي، قال سلمان: فإن علياً بعثني إليك وأمرك بالرجوع فقالت: أسمع له وأطيع، فرجعت،..) ([36]).

وفي رواية: (فلحقته - أي لحقت علي (ع)- فاطمة إلى المسجد لتخلصة فلم تتمكن، فعدلت إلى قبر أبيها، فأشارت إليه بحرقة ونحيب وهي تقول:

نفسي على زفراتها محبوسة         يا ليتها خرجت مع الزفرات

لا خير بعدك في الحياة ، وإنما     أبكي ، مخافة أن تطول حياتي

ثم قالت: وا أسفاه عليك يا أبتاه وا ثكل حبيبك أبو الحسن المؤتمن وأبو سبطيك الحسن والحسين، ومن ربيته صغيراً وواخيته كبيراً، وأجل أحبائك لديك، وأحب أصحابك إليك أولهم سبقا إلى الإسلام، ومهاجرة إليك يا خير الأنام، فها هو يساق في الأسر كما يقاد البعير. ثم أنها أنت أنة، وقالت: وا محمداه، وا حبيباه، وا أباه، وا أبا القاسماه، وا أحمداه، وا قلة ناصراه، وا غوثاه، وا طول كربتاه، وا حزناه، وا مصيبتاه، وا سوء صباحاه، وخرت مغشية عليها، فضج الناس بالبكاء والنحيب، وصار المسجد مأتماً) ([37]).

فالزهراء (عليها السلام) هبّت للدفاع عن الوصي، ووقفت خلف الباب بصلابة متناهية، وخاطبت القوم بالحجّة البالغة عسى أن يرتدع الظالمون، ولم تلتزم الصمت؛ لأنّها صاحبة حقّ والمهاجمون غاصبون لحقّ الخلافة الشرعية.

وحينما أخرجوا علياً (ع) لحقت به لعلّها تمنعهم عنه رغم كلّ الآلام التي تعرّضت لها عند هجومهم على الدار.

وحين أعيتها الحِيَل انصرفت للدعاء عليهم صارخة مستغيثة بالله ورسوله (ص) على رؤوس الأشهاد، فأدركها سلمان الفارسي بأمر علي (ع).

إنّ موقف الزهراء (عليها السلام) سجّل اعتراضاً صارخاً واضحاً لكلّ متبّع للحقّ بينت فيه أنّ الخلافة انحرفت عن مسارها الصحيح وعن أصحابها الشرعيين، وقد أدّت دورها العظيم في محاولة إعادة حقّ الخلافة إلى صاحبها الشرعي من خلال بثّ الوعي في الأمة الضائعة وفضح المغتصبين للخلافة مع تأكيدها على عدم أهليّتهم لتحمّل أعباء مسؤولية زعامة؛ لكونهم لم يكونوا معينين ومنصبين من الله سبحانه.

عن محمود بن لبيد قال: لما قبض رسول الله (ص)كانت فاطمة (عليها السلام) تأتي قبور الشهداء و تأتي قبر حمزة وتبكي هناك، فلما كان في بعض الأيام أتيت قبر حمزة فوجدتها (عليها السلام) تبكي هناك فأمهلتها حتى سكنت، فأتيتها وسلمت عليها وقلت: يا سيدة النسوان قد والله قطعت نياط قلبي من بكائك ، فقالت: (يا با عمرو لحق لي البكاء ، فلقد أصبت بخير الآباء رسول الله (ص) وا شوقاه إلى رسول الله)، ثم أنشأت (عليها السلام) تقول:

إذا مات يوماً ميت قل ذكره         وذكر أبي مذ مات والله أكثر

قلت: يا سيدتي إني سائلك عن مسألة تتلجلج في صدري، قالت: (سل)، قلت: هل نص رسول الله قبل وفاته على علي بالإمامة ؟ قالت: (واعجبا أنسيتم يوم غدير خم) ؟ قلت: قد كان ذلك ولكن أخبريني بما أشير إليك، قالت: (أشهد الله تعالى لقد سمعته يقول: علي خير من أخلفه فيكم، وهو الإمام والخليفة بعدي، وسبطاي وتسعة من صلب الحسين أئمة أبرار، لئن اتبعتموهم وجدتموهم هادين مهديين، ولئن خالفتموهم ليكون الاختلاف فيكم إلى يوم القيامة) ؟ قلت: يا سيدتي فما باله قعد عن حقّه ؟ قالت: (يا با عمر، لقد قال رسول الله (ص): مثل الإمام مثل الكعبة إذ تؤتى ولا تأتي - أو قالت: مثل علي - ثم قالت: أما والله لو تركوا الحق على أهله واتبعوا عترة نبيه لما اختلف في الله اثنان، ولورثها سلف عن سلف وخلف بعد خلف حتى يقوم قائمنا التاسع من ولد الحسين، ولكن قدّموا من أخرّه الله وأخرّوا من قدّمه الله: حتى إذا ألحدوا المبعوث وأودعوه الجدث المجدوث اختاروا بشهوتهم وعملوا بآرائهم، تبا لهم أولم يسمعوا الله يقول: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ؟ بل سمعوا ولكنهم كما قال الله سبحانه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ هيهات بسطوا في الدنيا آمالهم ونسوا آجالهم، فتعساً لهم وأضل أعمالهم ، أعوذ بك يا رب من الحور بعد الكور) ([38]).

إجبار أمير المؤمنين (ع) على البيعة:

(واجتمع الناس ينظرون، وامتلأت شوارع المدينة من الرجال فأخرج علي بن أبي طالب (ع) ملبباً يمضي به ركضاً ([39])، وهو يقول: معاشر المسلمين، علام تضرب عنق رجل من المسلمين، لم يتخلف لخلاف وإنما تخلف لحاجة؟! فما مر بمجلس من المجالس إلا يقال له: انطلق فبايع) ([40]).

واتبعه الناس واتبعه سلمان وأبو ذر والمقداد وعمار وبريدة الأسلمي رحمهم الله وهم يقولون: ما أسرع ما خنتم رسول الله (ص) وأخرجتم الضغائن التي في صدوركم. وقال بريدة بن الخصيب الأسلمي: يا عمر، أتثب على أخي رسول الله ووصيه وعلى ابنته فتضربها، وأنت الذي يعرفك قريش بما يعرفك به. فرفع خالد بن الوليد السيف ليضرب به بريدة وهو في غمده، فتعلق به عمر ومنعه من ذلك ([41]).

يقول عدي بن حاتم واصفاً حال أمير المؤمنين (ع): ما رحمت أحداً رحمتي علياً حين أتي به ملبباً ([42]).

وقال سلمان حينما رأى ذلك: أيصنع ذا بهذا ؟ والله لو أقسم على الله لانطبقت ذه على ذه([43])! وقال المقداد: والله هكذا أراد الله أن يكون ([44]).

وعن أبي جعفر (ع) يقول: (لما مرّوا بأمير المؤمنين (ع) في رقبته حبل إلى زريق ضرب أبو ذر بيده على الأخرى ثم قال: ليت السيوف عادت بأيدينا ثانية، وقال مقداد: لو شاء لدعا عليه ربه عز وجل، وقال سلمان: مولاي أعلم بما هو فيه) ([45]).

وكان أمير المؤمنين (ع) يتألم ويتظلم ويستنجد ويستصرخ، وهو يقول: (أما والله لو وقع سيفي في يدي لعلمتم أنكم لن تصلوا إلى هذا أبداً. أما والله ما ألوم نفسي في جهادكم، ولو كنت استمكنت من الأربعين رجلاً لفرقت جماعتكم، ولكن لعن الله أقواماً بايعوني ثم خذلوني) ([46]).

ويقول ابن قتيبة: (... فمضوا به - أي بعلي بن أبي طالب (ع) - إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع، فقال: إن أنا لم أفعل فمه ؟ قالوا: إذاً والله الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك، فقال: إذاً تقتلون عبد الله وأخا رسوله، قال عمر: أمّا عبد الله فنعم، وأمّا أخو رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلّم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك ؟ فقال: لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه، فلحق علي بقبر رسول الله (ص) يصيح ويبكي، وينادي: يا بن أم إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ...) ([47]).

وفي رواية: (ولما انتهى بعلي (ع) إلى أبي بكر انتهره عمر وقال له: بايع ودع عنك هذه الأباطيل فقال (ع) له: فإن لم أفعل فما أنتم صانعون ؟ قالوا: نقتلك ذلاً وصغاراً، فقال (ع): إذاً تقتلون عبد الله وأخا رسوله. فقال أبو بكر: أما عبد الله فنعم، وأمّا أخو رسول الله فما نقر بهذا، قال: أتجحدون أن رسول الله (ص) آخى بيني وبينه ؟ قال: نعم. فأعاد ذلك عليهم ثلاث مرّات. ثم أقبل عليهم علي (ع) فقال: يا معشر المسلمين والمهاجرين والأنصار، أنشدكم الله، أسمعتم رسول الله (ص)يقول يوم غدير خم كذا وكذا وفي غزوة تبوك كذا وكذا ؟ فلم يدع (ع) شيئاً قاله فيه رسول الله (ص) علانية للعامة إلا ذكرهم إياه. قالوا: اللهم نعم. فلما تخوف أبو بكر أن ينصره الناس وأن يمنعوه بادرهم فقال له: كل ما قلت حق قد سمعناه بآذاننا وعرفناه ووعته قلوبنا، ولكن قد سمعت رسول الله (ص) يقول بعد هذا: إنا أهل بيت اصطفانا الله وأكرمنا واختار لنا الآخرة على الدنيا، وإن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة، فقال علي (ع): هل أحد من أصحاب رسول الله (ص) شهد هذا معك ؟ فقال عمر: صدق خليفة رسول الله، قد سمعته منه كما قال. وقال أبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل: صدق ، قد سمعنا ذلك من رسول الله (ص)) ([48]).

ولقد بيّن أمير المؤمنين (ع) حقيقة التخطيط المسبق لتقمص الخلافة وسلبها منه كما أخبره ابن عمّه النبي (ص)، فقال: (لقد وفيتم بصحيفتكم الملعونة التي تعاقدتم عليها في الكعبة: إن قتل الله محمداً أو مات لتزون هذا الأمر عنا أهل البيت). فقال أبو بكر: فما علمك بذلك ؟ ما أطلعناك عليها ؟ فقال (ع): (أنت يا زبير وأنت يا سلمان وأنت يا أبا ذر وأنت يا مقداد، أسألكم بالله وبالإسلام، أما سمعتم رسول الله (ص)يقول ذلك وأنتم تسمعون: إنّ فلاناً وفلاناً - حتى عد هؤلاء الخمسة - قد كتبوا بينهم كتاباً وتعاهدوا فيه وتعاقدوا أيماناً على ما صنعوا إن قتلت أو مت) ؟ فقالوا: اللهم نعم، قد سمعنا رسول الله (ص) يقول ذلك لك: (إنهم قد تعاهدوا وتعاقدوا على ما صنعوا، وكتبوا بينهم كتاباً إن قتلت أو مت أن يتظاهروا عليك وأن يزووا عنك هذا يا علي. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، فما تأمرني إذا كان ذلك أن أفعل) ؟ فقال لك: (إن وجدت عليهم أعواناً فجاهدهم ونابذهم، وإن أنت لم تجد أعواناً فبايع واحقن دمك). فقال علي (ع): (أما والله، لو أنّ أولئك الأربعين رجلاً الذين بايعوني وفوا لي لجاهدتكم في الله، ولكن أما والله لا ينالها أحد من عقبكما إلى يوم القيامة) ([49]).

وروى الجوهري: عن حبيب بن ثعلبة بن زيد، قال: سمعت علياً يقول: (أما ورب السماء والأرض، - ثلاثاً - إنّه لعهد النبي الأمي إليّ: لتغدرن بك الأمة من بعدي) ([50]).

تفصيل ما جرى على فاطمة (عليها السلام):

لقد أختلف المؤرخون في نقل الواقعة، فكل واحد ينقل مفردة أو مفردتين من الوقائع التي وقعت على بنت محمد فاطمة (عليها السلام) فنجد بعضهم ينقل التهديد بالإحراق، وآخر ينقل: جمع الحطب، وثالث ينقل: الإتيان بقبس من نار، ورابع ينقل: إحراق الباب واشتعال النيران، وخامس ينقل: كسر الباب، ودخول البيت، وسادس ينقل: عصر الزهراء، بين الباب والحائط، وإسقاط الجنين، وسابع ينقل: لطمها على خدّها، أو ضربها على يديها، أو جنبها، أو متنها، أو عضدها، حتى صار كالدملج، وثامن ينقل: كسر ضلعها، وتاسع ينقل: أنّ عمر قد ضربها، وعاشر ينقل: ضرب المغيرة أيضاً لها، وحادي عشر ينقل: ضرب قنفذ لها بأمر من عمر، وثاني عشر ينقل: ضرب خالد بن الوليد لها.

ولا يتوهم التعارض ولا التهافت بين جميع ذلك، بل إنّ كل واحد ينقل شيئاً مما جرى على فاطمة (عليها السلام)؛ وذلك لأنّ ما نقله هو الذي ثبت عنده، وهذا لا ينافي ثبوت غيره عند شخص آخر. وإمّا لأنّه تعلق غرضه بشيء فنقله دون النظر إلى غيره، وهذا لا ينافي ثبوت غيره أيضاً.

كمن ينقل: أنّ عمر قد ضربها (عليها السلام)، وآخر ينقل ضرب المغيرة بن شعبة لها، وثالث ينقل ضرب قنفذ لها، ورابع ينقل ضرب خالد لها. فلا تهافت بينها.

وقد علل الشيخ محمد حسن المظفر هذه الظاهرة، فقال: (لأنّ كثير الاطلاع منهم الذي يريد رواية جميع الوقايع لم يسعه أن يهمل هذه الواقعة بالكلية، فيروي بعض مقدماتها لئلا يخل بها من جميع الوجوه، وليحصل منه تهوين القضية كما فعلوا في قصة بيعة الغدير وغيرها) ([51]).

ثم هل يتوقع من البخاري ومسلم وغيرهما أن ينقلوا تفاصيل وجزئيات الواقعة ؟ بطبيعة الحال لا يكون ذلك، ولذا نجد البخاري في رزية يوم الخميس يحرّف الأحاديث ويحاول أن لا يذكر اسم الذي اتهم النبي (ص)بالهجر، ويحاول تهذيب العبارة - إنْ ذكر الاسم - فيقول: فقيل إنّ النبي غلبه الوجع !! أو يقول: فقال عمر كلمه معناها أنّ الوجع قد غلب رسول الله !!

ومما يزيد القارئ تعجباً ما قاله النووي، واليكم نص عبارته، قال: كلام عمر رضي الله عنه، هذا مع علمه وفضله لأنه خشي أن يكتب أموراً فيعجزوا عنها، فيستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها.

ولاحظ ما قاله البيهقي أيضاً، قال: قصد عمر، رضي الله عنه، التخفيف على النبي عليه الصلاة والسلام، حين غلبه الوجع. ولو كان مراده عليه الصلاة والسلام، أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركهم لاختلافهم ([52]).

ويقول أيضاً: وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم، قيل: إنّ النبي عليه الصلاة والسلام، أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر رضي الله عنه، ثم ترك ذلك اعتماداً على ما علمه من تقدير الله تعالى([53]).

فكيف يتوقع من هؤلاء أن ينقلوا تفاصيل الواقعة، وها نحن نجدهم يحاولون جاهدين لتبرير ما قاله عمر مع صراحته ووضوحه!!

فحاول القوم منع نقل القضايا والحوادث، وجزئيات الأمور، وتفاصيل الوقائع، ونكتفي بنقل بعض هذه المفردات، لكي يقف القارئ الكريم على حقيقة الأمر بالتفصيل:

أولاً: الإحراق وما يرتبط به

لقد نقل البعض عبارات مختلفة فيما يتعلق بهذا الأمر، ونقف عند هذه العبائر المنقولة:

التهديد بالإحراق:

إنّ إحراق بيت الزهراء (عليها السلام) من الأمور القطعية في أحاديثنا وفي كتبنا، وعلى ذلك علماء الشيعة. أما ما جاء في كتب أهل السنة، فجاء بأشكال مختلفة، وعناوين متعددة، وإليكم بعض هذه العناوين:

بعض الأخبار والروايات تقول بأنّ عمر بن الخطاب قد هدّد بالإحراق، وهذا ما نجده في كتاب المصنف لابن أبي شيبة، الذي هو من مشايخ البخاري، حيث روى بسنده عن زيد بن أسلم، وزيد عن أبيه أسلم وهو مولى عمر، يقول: حين بويع لأبي بكر بعد رسول الله، كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله، فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب، خرج حتى دخل على فاطمة فقال: يا بنت رسول الله، والله ما أحد أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك، وأيم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت ([54]).

وجاء في تاريخ الطبري بسند آخر: (أتى عمر بن الخطاب منزل علي، وفيه طلحة ورجال من المهاجرين فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مصلتاً سيفه، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه) ([55]).

والغريب أننا نلاحظ ابن عبد البر في الاستيعاب يروي هذا الخبر عن طريق أبي بكر البزار بنفس السند الذي عند ابن أبي شيبة، وفيه: إنّ عمر قال لها: ما أحد أحب إلينا بعده منك، ثم قال: ولقد بلغني أنّ هؤلاء النفر يدخلون عليك، ولأن يبلغني لأفعلن ولأفعلن كما تقدّم.

ويحذف مؤخر الحديث !! فأي عاقل يتوقع من هؤلاء أن ينقلوا القضية كما وقعت ؟

الإتيان بقبس من نار أو فتيلة:

قال أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي في كتابه العقد الفريد: الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر: علي والعباس، والزبير وسعد بن عبادة، فأمّا علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة، وقال له: إن أبو فقاتلهم. فاقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة: فقالت: (يا بن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا) ؟ قال: نعم ! أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة ! فخرج علي حتى دخل [على] أبي بكر فبايعه، فقال له أبو بكر: أكرهت إمارتي ؟ فقال: (لا، ولكني آليت أن لا أرتدي بعد موت رسول الله (ص) حتى أحفظ القرآن، فعليه حبست نفسي) ([56]).

روى البلاذري في أنساب الأشراف: إنّ أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة، فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: (يا بن الخطاب، أتراك محرقاً عليّ بابي ؟) ([57]).

وروى الخبر أبو الفداء في المختصر في أخبار البشر: وإن أبوا فقاتلهم، ثم قال: فأقبل عمر بشيء من نار على أن يضرم الدار ([58]).

إرادته إحراق الباب:

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: (قال المسعودي في مروج الذهب: وكان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبد الله في حصر بني هاشم في الشعب وجمعه الحطب ليحرقهم، ويقول: انما أراد بذلك أن لا تنتشر الكلمة ولا يختلف المسلمون، وأن يدخلوا في الطاعة فتكون الكلمة واحدة. كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم لما تأخروا عن بيعة أبي بكر فإنه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار) ([59]).

ويبدو أنّ النص المتقدّم الذي نقله أبن أبي الحديد عن المسعودي غير موجود في النسخ الموجودة لكتاب مروج الذهب، فقد حذف اسم عمر من الطبعات المتأخرة، ولقد رأيت الكثير ممن نقلوا عن المسعودي نص العبارة المتقدّمة إلاّ أنه لم يرد فيها اسم عمر ؟! ([60]).

وقال ابن شحنة الحنفي في روض المناظر في ذكر السقيفة: ثم إنّ عمر جاء إلى بيت علي ليحرقه على من فيه فلقيته فاطمة فقال ادخلوا فيما دخلت فيه الأمة... الخ ([61]).

وقال الطبري: (عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة) ([62]).

روى البلاذري في تاريخه عن المدائني عن مسلمة بن محارب، عن سليمان التيمي وعن ابن عون أنّ أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة فلم يبايع فجاء عمر، ومعه فتيلة فتلقته فاطمة على الباب فقالت فاطمة: (يا ابن الخطاب، أتراك محرقاً عليّ بابي) ؟ قال: نعم ، وذلك أقوى فيما جاء أبوك ([63]) ؟

وروى ابن قتيبة: (أنّ أبا بكر بعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار على فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها)([64]).

وقال في الملل والنحل عن إبراهيم النظام: (إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح أحرقوا دارها بمن فيها وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسنين) ([65]).

وقال ابن عبد البر الأندلسي: الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر: علي والعباس والزبير وسعد بن عبادة، فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: (يا ابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا) ؟ فقال: نعم ([66]).

وقال أبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة: عن سلمة بن عبد الرحمن، قال: (لما جلس أبو بكر على المنبر كان علي والزبير وناس من بني هاشم في بيت فاطمة فجاء عمر إليهم فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم) ([67])!

وتوجد غير هذه العناوين، كجمع الحطب، والمجيء للإحراق، أعرضنا عن ذكرها واكتفينا بما تقدّم ففيه كفاية.

ثانياً: كسر ضلعها (عليها السلام)

لقد تحملت فاطمة (عليها السلام) من السلطة الغاصبة أشد الظلم، حيث تعرّضت لظلم لا يُتحمل إلاّ من الذين مثلوا الصبر وجسدوه في شخصياتهم، فكانت نموذجاً للصبر والتضحية من أجل الدين الإسلامي، الذي أعطت وتحمّلت من أجله الكثير.

حيث كسر الظالمون من أجل دنياهم العفنة ضلعاً من أضلاعها، وذلك بسبب العصرة التي تعرضت لها بين الحائط والباب، وبقيت آثاره على جسدها الشريف إلى حين شهادتها.

وجاءت روايات تبيّن هذه الحقيقة، فقد جاء في زيارتها: (اللهم صلّ على محمد وأهل بيته، وصل على البتول الطاهرة، الصديقة المعصومة، التقية النقية، الرضية [المرضية]، الزكية الرشيدة، المظلومة المقهورة، المغصوبة حقها، الممنوعة إرثها، المكسور ضلعها، المظلوم بعلها، المقتول ولدها، فاطمة بنت رسول الله، وبضعة لحمه وصميم قلبه، وفلذة كبده، والنخبة منك له، والتحفة خصصت بها وصيه وحبيبه المصطفى وقرينه المرتضى، وسيدة النساء ومبشرة الأولياء، حليفة الورع والزهد، وتفاحة الفردوس والخلد، التي شرفت مولدها بنساء الجنة، وسللت منها أنوار الأئمة، وأرخيت دونها حجاب النبوة) ([68]).

روى سليم بن قيس عن سلمان: (.... فألجأها قنفذ إلى عضادة بيتها ودفعها فكسر ضلعاً من جنبها فألقت جنيناً من بطنها، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت من ذلك شهيدة) ([69]).

وروى سليم بن قيس، عن عبد الله بن العباس، أنّه حدثه - وكان جابر بن عبد الله إلى جانبه -: أنّ النبي (ص) قال لعلي، بعد خطبة طويلة: (إنّ قريشاً ستظاهر عليكم، وتجتمع كلمتهم على ظلمك وقهرك، فإن وجدت أعواناً فجاهدهم، وإن لم تجد أعواناً فكف يدك، واحقن دمك، أما إنّ الشهادة من ورائك، لعن الله قاتلك. ثم أقبل (ص) على ابنته (عليها السلام)، فقال: إنّك أول من يلحقني من أهل بيتي، وأنت سيدة نساء أهل الجنة، وسترين بعدي ظلماً وغيظاً، حتى تضربي، ويكسر ضلع من أضلاعك، لعن الله قاتلك ...الخ) ([70]).

وروى الصدوق عن ابن عباس، قال: إن النبي (ص) يقول: (....، وأمّا ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، .... كأني بها وقد دخل الذل بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصب حقها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها ...) ([71]).

ثالثاً: الضرب القاسي الذي تعرّضت له فاطمة (عليها السلام)

لقد تعرضت الزهراء (عليها السلام) للضرب القاسي النابع من الحقد الذي يكمن في نفوس أولئك القوم على أهل البيت (ص)، وترك ذلك الضرب أثاراً في بدنها الشريف حتى الشهادة، فكان متنها قد اسود من أثر ذلك الضرب، وقد أخبر بذلك رسول الله (ص):

قال (ص): (لما أسري بالنبي (ص) إلى السماء قيل له: إنّ الله تبارك وتعالى يختبرك في ثلاث لينظر كيف صبرك، ....، وأمّا ابنتك فتظلم وتحرم ويؤخذ حقها غصباً الذي تجعله لها، وتضرب وهي حامل، ويدخل عليها وعلى حريمها ومنزلها بغير إذن، ثم يمسها هوان وذل ثم لا تجد مانعاً، وتطرح ما في بطنها من الضرب وتموت من ذلك الضرب) ([72]).

فقد اسند موتها في الرواية إلى ذلك الضرب من الأيدي الحاقدة.

وعن علي بن أبي طالب (ع)، قال: (بينا أنا، وفاطمة، والحسن، والحسين عند رسول الله (ص) إذ التفت إلينا فبكى، فقلت: وما ذاك يا رسول الله؟! قال: أبكي من ضربتك على القرن، ولطم فاطمة خدّها) ([73]).

وروى سليم بن قيس، عن عبد الله بن العباس، أنّه حدثه - وكان جابر بن عبد الله إلى جانبه -: أنّ النبي (ص): أقبل (ص) على ابنته (عليها السلام)، فقال: (إنّك أول من يلحقني من أهل بيتي، وأنت سيدة نساء أهل الجنة، وسترين بعدي ظلماً وغيظاً، حتى تضربي، ويكسر ضلع من أضلاعك، لعن الله قاتلك ...الخ) ([74]).

وهذه الرواية تبين أنها (عليها السلام) مقتولة، فمن هنا يتبادر للقارئ سؤال يجب أن يعرفه، وهو من الذي قتل فاطمة (عليها السلام) ؟

وأعتقد أنّ جواب هذا السؤال أيضاً يستفاد من نفس الرواية؛ حيث إنها بينت المصائب التي ستجري على فاطمة (عليها السلام) من الضرب وكسر الضلع، وبعد ذلك ذكرت أنها مقتولة، فيفهم أنّ القاتل هو الذي ضربها وكسر ضلعها.

والتاريخ ينص على من انتهك حرمة بيت فاطمة (عليها السلام)، فقد تقدّم ذكر بعض النصوص التي ذكرها بعض المؤرخين فراجع.

والآن لنسمع فاطمة (عليها السلام) وهي تقص لنا بعضاً مما جرى عليها والذي أدى لشهادتها (عليها السلام)، تقول: (فجمعوا الحطب الجزل على بابنا وأتوا بالنار، ليحرقوه ويحرقونا، فوقفت بعضادة الباب وناشدتهم بالله وبأبي أن يكفوا عنا وينصرونا، فأخذ عمر السوط من يد قنفذ مولى أبي بكر، فضرب به عضدي فالتوى السوط على عضدي حتى صار كالدملج وركل الباب برجله، فردّه علي وأنا حامل فسقطت لوجهي، والنار تسعر وتسفع وجهي، فضربني بيده حتى انتثر قرطي من أذني، وجائني المخاض، فأسقطت محسناً قتيلاً بغير جرم) ([75]).

سلامٌ عليك أيتها الصابرة وسلام على بعلك الصابر المحتسب، أول مظلوم في الإسلام الممتثل لكلمات ابن عمه (ص) المحافظ على الإسلام.

تعجز الكلمات عن وصف صبركم أيها الطاهرون المطهرون !!

وروى الطبرسي في الاحتجاج، قال: (وحالت فاطمة "عليها السلام" بين زوجها وبينهم عند باب البيت فضربها قنقذ بالسوط على عضدها، فبقي أثره في عضدها من ذلك مثل الدملوج ([76]) من ضرب قنفذ إياها) ([77]).

وروى الطبري في دلائل الإمامة عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (ع): (....، وكان سبب وفاتها أن قنفذاً مولى عمر لكزها بنعل السيف) ([78]).

وفي رواية أخرى: (ضربها قنفذ على وجهها وأصاب عينها) ([79]).

وجاء في رواية أنّ الإمام الصادق (ع): (..... وإدخال قنفذ يده يروم فتح الباب وضرب عمر لها بالسوط على عضدها حتى كان كالدملج الأسود، وركل الباب برجله حتى أصاب بطنها وهي حاملة بالمحسن لستة أشهر وإسقاطها إياه، وهجوم عمر وقنفذ وخالد بن الوليد وصفقه خدّها حتى بدا قرطاها تحت خمارها وهي تجهر بالبكاء وتقول وا أبتاه وا رسول الله! ابنتك فاطمة تُكذَّب ويقتل جنين في بطنها ...) ([80]).

وكذلك ضربها المغيرة بن شعبة كما صرّح بذلك الإمام الحسن المجتبى (ع) وهو يخاطب المغيرة: (وأنت الذي ضربت فاطمة بنت رسول الله (ص) حتى أدميتها، وألقت ما في بطنها، استذلالاً منك لرسول الله ومخالفة منك لأمره ..) ([81]).

روي أنّ ابن أبي العلاء الهمداني، ويحيى بن محمد بن حويج تنازعا في أمر ابن الخطاب، فتحاكما إلى أحمد بن إسحاق القمي، صاحب الإمام الحسن العسكري، فروى لهم عن الإمام العسكري، عن أبيه (ع): أنّ حذيفة روى عن النبي (ص) حديثاً مطولاً يخبر النبي (ص) فيه حذيفة بن اليمان عن أمور ستجري بعده، ثم قال حذيفة وهو يذكر أنّه رأى تصديق ما سمعه: (... وحرف القرآن، وأحرق بيت الوحي ... إلى أن قال: ولطم وجه الزكية ...) ([82]).

ولقد حاول البعض نفي الضرب الذي تعرّضت له فاطمة (عليها السلام) مع وجود هذه الشواهد، بدعوى أنّ المهاجمين لم يدخلوا بيتها، ثم أنّها لو تعرّضت للضرب - وهو ليست أمراً عادياً - لما سكت المسلمون وهم قد سمعوا أحاديث الرسول (ص) في فضلها مما يجعلهم يقفون في وجه الذي ضربها وآذاها، ثم إنّ ضربها وإيذائها لم يكن بصالح المهاجمين الذين يريدون طلب البيعة من علي (ع)، لأنّ ذلك سينقل ويرجع عليهم بمردود سلبي.

والحقيقة أنّ هذا الكلام مع وفرة الشواهد التي تدل على صدور ضرب فاطمة (عليها السلام) منهم، وبيان الذي صدر منه الضرب، فمع كل ذلك لا يمكن لأي إنسان له أدنى معرفة واطلاع أن ينكر ذلك، اللهم إلا من كان لديه في الإنكار مصلحة يريد تحقيقها، فيكون بذلك خارجاً عن الإنصاف الذي لابد أن يتحلّى به البحث العلمي الذي يدور مدار الحقائق الثابتة تاريخياً.

ثم لماذا لم يفعل المسلمون شيئاً عندما طلب النبي (ص) دواة وكتفاً ليكتب كتاباً عاصماً للأمة من الضلال ... فقال عمر: يهجر !! فلماذا لم يعترض عليه أحد ويوبخه ؟! أوليس النبي (ص) أقدس وأعظم شخص على هذه البسيطة ؟! أوليس هو أفضل الأنبياء ؟

ثم لماذا لم يقف المسلمون ليحولوا بين السلطة الحاكمة التي جمعت الحطب لحرق بيت الزهراء (عليها السلام)، وقد كان ذلك بمرأى ومسمع الكثير من المسلمين ؟!

فكانت السلطة الحاكمة تعلم علماً قطعياً بتخاذل الناس وانزوائهم مما جعلهم يسرحون ويمرحون بلا رادع.

وما يقال: من أنّ العرب لا يضربون المرأة؛ لأنّ ذلك يعد عاراً على الضارب، فكيف لعمر أن يضرب فاطمة أو يأمر بضربها ؟

فهو مردود بشواهد كثيرة يجدها المتصفح للتاريخ، فمن المعروف والمشهور أنّ سمية والدة عمار بن ياسر ماتت تحت وطأة التعذيب في مكة، وكانت أول شهيدة في الإسلام، وكان من تولّى ضربها وتعذيبها أبو جهل. وكذلك زينب بنت رسول الله (ص) التي تعرضت للضرب من قبل هبار بن الأسود الذي أهدر النبي (ص) دمه بسبب ذلك.

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي: (إنّه قرأ على شيخه أبي جعفر النقيب قصة زينب حين روعها هبار بن الأسود، فقال له أبو جعفر: إنّ كان رسول الله (ص) أباح دم هبار، لأنّه روع زينب، فألقت ذا بطنها، فظاهر الحال أنّه لو كان حيا لأباح دم من روع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها. فقلت: أروي عنك ما يقوله قوم: إنّ فاطمة روعت، فألقت المحسن ؟! فقال: لا تروه عني، ولا ترو عني بطلانه، فإني متوقف في هذا الموضع، لتعارض الأخبار عندي فيه) ([83]).

بل نجد في التأريخ شواهد كثيرة تؤكد أنّ عمر ضرب النساء، فكان عمر نفسه يعذّب جارية بني مؤمل ويضربها حتى إذا مل، قال: إني أعتذر إليك إني لم أتركك إلا ملالة.

يروي الجاحظ: (ومرّ - أي أبو بكر - بجارية بني مؤمل - حي من بني عدي بن كعب - وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام، وهو يضربها فإذا مل قال: أعتذر إليك إني لم أتركك إلاّ ملالة ! فابتاعها فأعتقها) ([84]).

ويروي أحمد في مسنده: (حتى ماتت رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون قال وبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر دعهن يبكين وإياكن ونعيق الشيطان ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مهما يكون من القلب والعين فمن الله والرحمة ومهما كان من اليد واللسان فمن الشيطان"، وقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكى فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها) ([85]).

يقول أبن أبي الحديد المعتزلي: وأول من ضرب عمر بالدّرة أم فروة بنت أبي قحافة، مات أبو بكر فناح النساء عليه، وفيهن أخته أم فروة، فنهاهن عمر مراراً، وهن يعاودن، فأخرج أم فروة من بينهن، وعلاها بالدرة فهربن وتفرقن.

كان يقال: درّة عمر أهيب من سيف الحجاج . وفي الصحيح أنّ نسوة كن عند رسول الله صلى الله عليه وآله قد كثر لغطهن، فجاء عمر فهربن هيبة له، فقال لهن: يا عديات أنفسهن ! أتهبنني ولا تهبن رسول الله ! قلن: نعم، أنت أغلظ وأفظ ([86]).

وروى سليم بن قيس: (أنّ عمر بن الخطاب أغرم جميع عماله أنصاف أموالهم، ولم يغرم قنفذ العدوي شيئاً - وكان من عماله - ورد عليه ما أخذ منه، وهو عشرون ألف درهم، ولم يأخذ منه عشره، ولا نصف عشره. قال أبان: قال سليم: فلقيت علياً، صلوات الله عليه وآله، فسألته عما صنع عمر!! فقال: هل تدري لم كف عن قنفذ، ولم يغرمه شيئاً ؟! قلت: لا. قال: لأنّه هو الذي ضرب فاطمة صلوات الله عليها بالسوط حين جاءت لتحول بيني وبينهم، فماتت صلوات الله عليها، وإن أثر السوط لفي عضدها مثل الدملج) ([87]).

فلم يغرم عمر أملاك قنفذ كما غرم أموال غيره، وذلك شكراً منه لسعيه بين يديه والائتمار بأمره حينما أمره بأنّ يرجع إلى حبيبة محمد فاطمة (عليها السلام) ويروّعها بسوطه.

رابعاً: إسقاط المحسن وما يتعلق به

لقد أنكر البعض وجود المحسن (ع) بين أولاد الزهراء (عليها السلام)؛ وذلك بسبب الإحراج الذي واجهه، حيث إنّه عجز عن حل المسألة وتبرير فعل الخليفة، فعمد إلى الإنكار!!

وظاهرة الإنكار يجدها القارئ عند الكثير؛ فحينما يعجز عن تفسير ظاهرة معينة، أو تبرير فعل معين، أو غير ذلك، فالحل الوحيد الذي يلتجئ إليه إنكار تلك المسألة التي تحيّر في تفسيرها من الأساس، مما يجعله يسد باب البحث عنها بالمرّة !!

فهكذا حاول بعضهم وأراد أن ينكر وجود وَلَد لفاطمة (عليها السلام) اسمه المحسن (ع)، وتجاهل كل النصوص التي وردت عن طريق السنة والشيعة، والتي تثبت وجوده وأنّه ابن علي وفاطمة (عليهما السلام)، ومن هنا قال عمر أبو النصر (اختلف المؤرخون في وجوده كما قدّمنا - وإن كان اليعقوبي والمسعودي وغيرهما يؤكدون وجوده) ([88])، وقال أيضاً: (ينكر بعض المؤرخين وجود المحسن ولكن غيرهم يثبته، كالمسعودي وأبو الفداء) ([89]).

كما أنّ هناك من أهمل هذا الموضوع ولم يوليه أي أهمية؛ حرصاً منه على إبعاد الشبهة عن الذين تورطوا في إسقاطه وقتله (ع).

وهناك من عجز عن الإنكار لوجود الأدلة التي لا يمكن تجاهلها فالتجأ لحل آخر، وهو القول بأنّ المحسن ولد في زمن النبي (ص) وتوفي صغيراً، كل ذلك حرصاً منهم على ماء وجه الخليفة !!

إلا أنّ ابن شهر آشوب ردّ دعوى ولادة المحسن في زمان النبي (ص)، وكونه ولد سقطاً نسبها إلى أهل السفساف الذين دعاهم عنادهم لإنكار الكثير، فقال: (وجماعة: من السفساف([90])، حملهم العناد على أن قالوا: كان أبو بكر أشجع من علي. وإن مرحباً قتله محمد بن مسلمة. وإن ذا الثدية قتل بمصر. وأن في أداء سورة براءة كان أبو بكر أميراً على علي، وربما قالوا : قرأها أنس بن مالك. وأنّ محسناً ولدته فاطمة في زمن النبي سقطاً .... إلى أن قال: ومن ركب الباطل زلت قدمه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) ([91]).

فالحقيقة أنّ وجود المحسن (ع)، وكونه ثالث الذكور من أبناء فاطمة (عليها السلام)، وكونه سقط بسبب هجوم القوم على دار فاطمة (عليها السلام) كالشمس في رابعة النهار، ولا ينكر ذلك إلا مريض قد امتلأ قلبه زيغاً، وهؤلاء نجدهم عبر التاريخ هم أهل لجاج وعناد ويجانبون الحقيقة الجلية دائماً. فهؤلاء لا تنفعهم الأدلة مهما كانت واضحة وجلية، إلا أننا نقدّم الأدلة على وجود المحسن بين أولاد فاطمة (عليها السلام)، كما نذكر كل ما يتعلق بهذا الموضوع في عناوين متعددة مستدلين على كل عنوان؛ لكي تكون الصورة واضحة للقارئ الكريم.

أولاً: المحسن ولد في حياة النبي (صلى الله عليه وآله)

روى أحمد وغيره: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي رضي الله عنه، قال: (لما ولد الحسن سميته حرباً فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أروني ابني ما سميتموه، قال: قلت حرباً، قال بل هو حسن ، فلما ولد الحسين سميته حرباً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أروني ابني ما سميتموه قال قلت حرباً، قال بل هو حسين فلما ولد الثالث سميته حرباً فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال أروني ابني ما سميتموه قلت حرباً قال بل هو محسن ثم قال سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبر) ([92]).

فهم يريدون إثبات كون المحسن ولد في زمن رسول الله (ص) لكي ينكروا أنّه سقط يوم هجوم الخليفة على دار فاطمة (عليها السلام)، كما ويلاحظ القارئ لهذه الرواية أنها تصوّر علياً (ع) معارضاً للنبي (ص)!! والحال أنّه (ع) لا يسبق النبي (ص) في كل شيء حتى في تسمية أولاده، وهذا ما جاءت به الروايات، وهذا ما روي من طرق العامة.

روى عمر بن محمد بن خضر، المعروف بالملا، صاحب السيرة ، المتوفى سنة 570 في سيرته: وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (لما ولدت فاطمة الحسن رضي الله عنه قالت لعلي - كرم الله وجهه - : سمه ؟ فقال: ما كنت أسبق باسمه رسول الله. ثم أخبر النبي (ع) فقال: وما كنت لأسبق باسمه ربي عز وجل، فأوحى الله (سبحانه وتعالى) إلى جبريل (ع): أنّه قد ولد لمحمد ولد، فأهبط إليه وهنّه وقل له: إنّ علياً منك بمنزلة هارون من موسى، فسمه باسم ابن هارون. فهبط جبريل (ع) فهنّاه من الله (سبحانه وتعالى)، ثم قال: إنّ الله تعالى ذكره أمرك أن تسميه باسم ابن هارون، قال: وما كان اسم ابن هارون ؟ قال: شبير. فقال صلى الله عليه وسلم: لساني عربي، فقال: سمّه الحسن) ([93]).

وقال الحافظ محب الدين الطبري: (وعن أسماء بنت عميس قالت قبلت فاطمة بالحسن فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أسماء هلمي ابني فدفعته إليه في خرقة صفراء فألقاها عنه قائلاً: ألم أعهد إليكن أن لا تلفوا مولوداً بخرقة صفراء، فلفيته بخرقة بيضاء فأخذه وأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى ثم قال لعلي: أي شيء سميت ابني ؟ قال ما كنت لأسبقك بذلك فقال ولا أنا أسابق ربي فهبط جبريل (ع) فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك علي منك بمنزلة هارون من موسى لكن لا نبي بعدك فسم ابنك هذا باسم ولد هارون، فقال: وما كان اسم ابن هارون يا جبريل قال شبر، فقال صلى الله عليه وسلم: إنّ لساني عربي، فقال: سمه الحسن ففعل صلى الله عليه وسلم، فلما كان بعد حول ولد الحسين فجاء نبي الله صلى الله عليه وسلم، وذكرت مثل الأول وساقت قصة التسمية مثل الأول من أنّ جبريل (ع) أمره أن يسميه باسم ولد هارون شبير فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل الأول فقال سمّه حسيناً) ([94]).

فلماذا لم تذكر هاتين الروايتين المحسن ؟! كما أنّ دعوى كونه مولوداً في زمن الرسول يتعارض مع الكثير من الروايات التي ستأتي من أنّ المحسن سقط بسبب هجوم القوم على دار فاطمة (عليها السلام).

ثم لا يخفى أنّه (ص) أراد تأكيد المشابهة بين وصيه ووصي موسى (ع) حتى في أسماء الأبناء؛ فلذا جاء في الحديث عنه: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبي بعدي) ([95])، فجاء تعميم الشبه بينهما في جميع المنازل سوى النبوة؛ لذا قال أمير المؤمنين (ع) عندما أرادوا القوم قتله: (إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) ([96])كما قالها هارون (ع)، وهذا ما أشار إليه النبي (ص) وحذّر الأمة منه في حديث اقتفاء الأمة سنن من كان قبلها، فقال (ص): (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ...) ([97]).

ثانياً: المحسن مات صغيراً

لقد صرّح الكثير من علماء العامة ومؤرخيهم بأنّ المحسن (ع) مات صغيراً، ولم يتعرّضوا لذكر سبب الوفاة، بل نجدهم يتحاشون الخوض في السبب، ويعطون المسألة عنواناً يبعدون به القارئ عن السبب الذي يكمن وراء وفاته(ع) ؛ لما تقدّم من أنّهم يريدون التغطية على ما فعلته خلافة السقيفة.

فقد صرّح بعض علماء العامّة بأنّ المحسن (ع) توفي صغيراً تاركين ذكر السبب، وإليك بعض تصريحاتهم بذلك:

قال ابن الأثير: (وقد ذكر أنه كان له منها ابن آخر، يقال له "محسن" وأنه توفي صغيراً) ([98]).

وذكره أيضاً في كتابه أسد الغابة وعدّه في جملة الصحابة، فقال: (محسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي. أمه فاطمة بنت رسول الله (ص) .. ثم ذكر تسمية رسول الله (ص)، له ثم قال: وتوفي المحسن صغيراً. أخرجه أبو موسى) ([99]).

وقال القسطلاني: (وولدت حسناً، وحسيناً، ومحسناً. مات محسن صغيراً .. الخ) ([100]).

وقال ابن حزم الأندلسي: (تزوج فاطمة علي بن أبي طالب، فولدت له الحسن، والحسين، والمحسن. مات المحسن صغيراً) ([101]).

 

وقال المحب الطبري: عن الليث بن سعد: (قال تزوج علي فاطمة فولدت له حسناً وحسيناً ومحسناً وزينب وأم كلثوم ورقية فماتت رقية ولم تبلغ، وقال غيره ولدت حسناً وحسيناً ومحسناً فهلك محسن صغيراً وأم كلثوم وزينب ولم يتزوج عليها حتى ماتت "عليها السلام")([102]).

وقال المناوي: (.. قال الليث: فولدت له حسناً، وحسيناً، ومحسناً - مات صغيراً - وأم كلثوم ..) ([103]). والظاهر أنّ عبارة (مات صغيراً) من إضافات المناوي؛ لأنّ المحب الطبري نقل العبارة عن الليث ولم يذكر فيها العبارة المتقدمة.

وقال ابن كثير: قال ابن إسحاق: (فولدت فاطمة لعلي حسناً وحسيناً ومحسناً - مات صغيراً - وأم كلثوم وزينب) ([104]).

وقال ابن قدامة المقدسي: محسن بن علي بن أبي طالب، لا نعرفه إلا في الحديث الذي يرويه هاني بن هاني عن علي (ثم ذكر قصة تسمية المحسن بحرب التي تقدّمت قبل قليل، ثم تسمية النبي (ص) له، ثم قال): والظاهر أنه مات طفلاً.

وقال: (ولدت لعلي (رضي الله عنه): الحسن، والحسين، وأم كلثوم، وزينب. وروي أنها ولدت ابناً ثالثاً، سمّاه رسول الله (ص) محسناً، وقال: سميتهم بأسماء ولد هارون: شبر، وشبير، ومشبر) ([105]).

وقال ابن قتيبة: (ولدت لعلي: الحسن، والحسين، ومحسناً، وأم كلثوم الخ) ([106]). وقال أيضاً: (وأمّا محسن بن علي فهلك وهو صغير) ([107]).

وقال اليعقوبي: (كان له من الولد الذكور أربعة عشر ذكراً، الحسن، والحسين، ومحسن، مات صغيراً) ([108]).

وقال الشبلنجي: (وأمّا أولادها رضي الله عنها فالحسن، والحسين، ومحسن، وهذا مات صغيراً) ([109]).

فهذه العبارات التي نقلتها هي بعض مما صرّحوا به، وتركت بعض عباراتهم في هذا الموضوع خشية الإطالة.

ثالثاً: إسقاط المحسن (ع)

لقد ذكر بعض علماء العامة ومؤرخيهم بأنّ المحسن (ع) كان سقطاً، بمعنى أنّه توفي بسبب كونه سقطاً، ولم يبينوا السبب الذي أدّى لإسقاطه. وإليك أيها القارئ الكريم بعضاً من هذه النصوص:

قال كمال الدين بن طلحة الشافعي: (الفصل الحادي عشر، في ذكر أولاده (ع) - أي أولاد علي بن أبي طالب(ع) -: اعلم أيدك الله بروح منه: أنّ أقوال الناس اختلفت في عدد أولاده (ص) ذكوراً وإناثاً، فمنهم من أكثر، فعدّ منهم السقط، ولم يسقط ذكر نسبه. ومنهم من أسقطه ولم ير أن يحتسب في العدّة به، فجاء قول كل واحد بمقتضى ما اعتمده في ذلك، وبحسبه) ([110]).

وقال الحافظ جمال الدين المزّي: (محسن درج سقطاً) ([111]).

وكذلك قال الحمزاوي المالكي: (وأمّا المحسن، فأدرج سقطاً) ([112]).

وقال الصبان: (ولدت فاطمة من علي ستة: ثلاثة ذكور، وثلاثة إناث. فالذكور الحسن، والحسين والمحسن، - بضم الميم وفتح الحاء، وتشديد السين، مكسورة - والإناث: زينب . . إلى أن قال: فأمّا الحسن، والحسين فأعقبا الكثير الطيب، وسيأتي الكلام عليهما. وأمّا المحسن فأدرج سقطاً) ([113]). وأدرج سقطاً معناه؛ مات سقطاً. ودرج يعني: مات.

وقال الصفوري الشافعي: (أولاد فاطمة الخمسة: الحسن والحسين، والمحسن كان سقطاً، وزينب الكبرى وزينب الصغرى) ([114]).

وقال إبراهيم الطرابلسي الحنفي في الشجرة التي صنعها للناصر، واستنسخت لخزانة صلاح الدين الأيوبي: (محسن بن فاطمة "عليها السلام"، أسقط. وقيل: درج صغيراً. والصحيح أنّ فاطمة أسقطت جنيناً) ([115]).

رابعاً: سبب إسقاط المحسن (ع)

إنّ هذا الموضوع كثيراً ما يزعج أتباع خلافة السقيفة، باعتباره أحد المواضيع التي تبيّن باطلهم وانحرافهم وتفتح ملف اغتصابهم للخلافة الإلهية من أهلها الشرعيين، فنراهم يحاولون جاهدين لإنكار المحسن (ع) من الأصل، أو القول بأنّه توفي في زمن النبي (ص)، أو أنّه مات طفلاً بدون أن يذكروا سبب موته (ع)، وهكذا.

ومن الطبيعي أنّهم لا يذكرون السبب في إسقاطه ووفاته صغيراً، ولا يرتجى منهم ذلك، بل نجدهم قد حرفوا الروايات التي تبين هذه الحقيقة وغيرها، كما سنشير لذلك.

ومن هنا يقول المقدسي: (وولدت محسناً. وهو الذي تزعم الشيعة أنها أسقطته من ضربة عمر. وكثير من أهل الآثار لا يعرفون محسناً) ([116]).

في الوقت الذي يقول أيضاً: (حفدة رسول الله (ص): عبد الله بن عثمان، علي بن أبي العاص وأمامة بنت أبي العاص، والحسن، والحسين، ومحسن، وأم كلثوم، وزينب، ثمانية نفر) ([117]).

ويقول: (أيضاً: كان له من الولد ثمانية وعشرون ولداً، أحد عشر ذكراً، وسبعة عشر أنثى، منهم من فاطمة "عليها السلام" خمسة: الحسن، والحسين، ومحسن، وأم كلثوم الكبرى، وزينب الكبرى) ([118]).

وقد تقدّم قوله أيضاً: (وأمّا محسن بن علي فهلك وهو صغير) ([119]).

فكيف أهل الآثار لا يعرفون محسناً إذن، نعم لو قال كثير من أهل الآثار لم يذكروا المحسن (ع) لكان هذا صحيحاً إذ كثير منهم لا يروق له ذكر المحسن (ع)، لما تقدّم من أنّهم أهملوا ذكره (ع) وكانوا قاصدين ذلك خشية الكشف عن الحقيقة التي تفضح خلافة السقيفة.

ونجد ابن أبي الحديد المعتزلي بعد نقله قصة زينب بنت رسول الله وإسقاط جنينها يقول: قلت وهذا الخبر أيضاً قرأته على النقيب أبى جعفر رحمه الله، فقال إذا كان رسول الله أباح دم هبار بن الأسود؛ لأنه روع زينب فألقت ذا بطنها، فظهر الحال إنه لو كان حياً لأباح دم من روع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها. فقلت: أروي عنك ما يقوله قوم إنّ فاطمة رُوعت فألقت المحسن، فقال: لا تروه عني ولا ترو عني بطلانه، فإني متوقف في هذا الموضع لتعارض الأخبار عندي فيه ([120]).

فابن أبي الحديد ينسب سقوط المحسن (ع) إلى قوم، ويقصد بهم الشيعة.

وقد علق الشيخ المجلسي (رحمه الله) بعد نقله الكلام المتقدّم بقوله: (أقول: ظاهر أنّ النقيب رحمه الله عمل التقية في إظهار الشك في ذلك من ابن أبي الحديد أو من غيره، وإلاّ فالأمر أوضح من ذلك كما سيأتي في كتاب الفتن) ([121]).

ومن هنا يأتي السؤال: من الذي تسبب في موت المحسن (ع) وإسقاطه ؟

ويجيبنا المسعودي في إثبات الوصية بقوله: (فأقام أمير المؤمنين (ع) ومن معه من شيعته في منزله بما عهد إليه رسول الله (ص) فوجهوا إلى منزله فهجموا عليه وأحرقوا بابه، واستخرجوه منه كرها وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسناً) ([122]).

ثم لنسمع فاطمة (عليها السلام) وهي تقص لنا بعضاً مما جرى عليها والذي أدّى لشهادتها (عليها السلام)، بقولها: (فجمعوا الحطب الجزل على بابنا وأتوا بالنار، ليحرقوه ويحرقونا، فوقفت بعضادة الباب وناشدتهم بالله وبأبي أن يكفّوا عنّا وينصرونا، فأخذ عمر السوط من يد قنفذ مولى أبي بكر، فضرب به عضدي فالتوى السوط على عضدي حتى صار كالدملج وركل الباب برجله، فردّه علي وأنا حامل فسقطت لوجهي، والنار تسعر وتسفع وجهي، فضربني بيده حتى انتثر قرطي من أذني، وجائني المخاض، فأسقطت محسناً قتيلاً بغير جرم)([123]).

وعن الإمام الحسن، وهو يخاطب المغيرة: (وأنت الذي ضربت فاطمة بنت رسول الله (ص) حتى أدميتها، وألقت ما في بطنها، استذلالاً منك لرسول الله ومخالفة منك لأمره) ([124]).

وروى المفيد (رحمه الله) في الاختصاص، عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن عبد الله بن بكر الأرجاني، قال: (صحبت أبا عبد الله (ع) في طريق مكة من المدينة ... ثم ذكر حديثاً طويلاً ذكر له فيه أبو عبد الله (ع): قاتل أمير المؤمنين (ع)، وقاتل فاطمة "عليها السلام"، وقاتل المحسن، وقاتل الحسن والحسين ..) ([125]).

وفي حديث آخر: إنّ الإمام الصادق (ع)، قال للمفضل: (ولا كيوم محنتنا بكربلاء، وإن كان يوم السقيفة، وإحراق النار على باب أمير المؤمنين، والحسن، والحسين، وفاطمة، وزينب، وأم كلثوم، وفضة، وقتل محسن بالرفسة أعظم وأدهى وأمر، لأنه أصل يوم العذاب) ([126]).

عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) في رواية إلى أن يقول: (وكان سبب وفاتها أن قنفذاً مولى الرجل لكزها بنعل السيف بأمره، فأسقطت محسناً) ([127]).

وروي عن محمد بن عمار بن ياسر قال: (سمعت أبي يقول - في حديث - : قال: وحملت بالحسن (ع) فلما رزقته، حملت بعد أربعين يوماً بالحسين (ع)، ثم رزقت زينب، وأم كلثوم، وحملت بمحسن. فلما قبض رسول الله (ص) وسلم وجرى ما جرى في يوم دخول القوم عليها دارها، وإخراج ابن عمها أمير المؤمنين (ع) وما لحقها من الرجل: أسقطت ابن ولداً تماماً، وكان ذلك أصل مرضها ووفاتها (عليها السلام) ([128]).

قال المحقق الأصفهاني ([129]):

وفي جنين المجد ما يدمي الحشا         وهل لهم إخفاء أمر قد فشا

والبــاب والجدار والدمـاء        شهود صدق ما بها خفـاء

لقد جنى الجاني على جنينها           فاندكت الجبال من حنينها

تحريف روايات إسقاط المحسن (ع):

ذكرنا فيما سبق أنّ المحسن (ع)هو الولد الثالث لفاطمة (عليها السلام)، وهذا ما عليه الشيعة، وصرّح به الكثير من علماء العامة كما تقدّم.

إلا أننا نجد الروايات التي تذكر إسقاط المحسن بالتصريح ليس لها ذكر في الطبعات الجديدة، فلقد تعرّضت الروايات التي تصرّح بالحقائق لحملة من التحريف، لإخفاء تفاصيل الوقائع والحوادث، بل نجد البخاري ومسلماً وغيرهما يحرّفون الأحاديث التي ليس لها من الأهمية بقدر ما لمسألة إحراق باب دار الزهراء (عليها السلام) وضربها وسقوط جنينها. فكيف نرجوا منهم أن يصرحوا وينقلوا الوقائع وجزئيات الأمور بأمانة !! بل يتهمون بالرفض كل من يروي شيئاً في ذلك لمجرّد روايته؛ وهذا ما نجده في تصريحاتهم عند ذكر أبا بكر بن أبي دارم وغيره من الذين انصفوا في نقل الرواية؛ ولذا قال الحاكم عند ذكره لهذا الرجل؛ هو رافضي، غير ثقة.

وقال عنه محمد بن حماد الحافظ كما ذكر الذهبي: كان مستقيم الأمر عامة دهره، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه أنّ عمر رفس فاطمة حتى أسقطت محسناً ([130]).

فكل ذلك لأنّ الرجل ذكر رواية فيها مظلومية لآل النبي (ص)، وهكذا نشاهد من خلال تتبع أقوال المخالفين، أنهم إذا رأوا رجلاً يقول الحق بلا تحريف يتهم تارة بالرفض وأخرى بالكذب كما حرفوا كتاب المعارف لابن قتيبة.

قال ابن شهرآشوب المتوفى سنة 588 هجرية: وفي معارف القتيبي: أنّ محسناً فسد من زخم قنفذ العدوي ([131]).

وقال الكنجي الشافعي، المتوفى سنة 685 هجرية‍: وزاد على الجمهور، وقال: (إنّ فاطمة (عليها السلام) أسقطت بعد النبي ذكراً، كان سمّاه رسول الله (ص) محسناً، وهذا شيء لم يوجد عند أحد من أهل النقل، إلاّ عند ابن قتيبة) ([132]).

ولكن الموجود في كتاب المعارف لابن قتيبة، المطبوع سنة 1353 هجرية‍ ص92 هكذا: (وأمّا محسن بن علي، فهلك وهو صغير) ([133]). وهكذا في سائر الطبعات المتداولة الآن، فلماذا هذا التحريف، وهذه الخيانة للحقيقة وللتاريخ يا ترى ؟!

كما نسب المقدسي: إسقاط فاطمة لمحسن بسبب ضرب عمر لها إلى الشيعة ([134]). وهو الذي يظهر من الذهبي والعسقلاني أيضاً ([135]).

ولكن النظّام قد أعلن رأيه في هذه الظلامة ونطق بالحق، فقال: إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة، حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها ([136]). وذكر البغدادي قول النظّام بضرب عمر لفاطمة (عليها السلام)، وترك التصريح بأنها أسقطت جنينها([137]).

فيد الخيانة والتزوير امتدت لتحريف بعض المصادر وغيرت بعض الأحداث الحساسة في التاريخ كما نجد ذلك في كثير من الموارد، وسيعلم الذين ظلموا آل بيت محمد أي منقلب ينقلبون.

* * *



[1]- نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج1 ص30. وإليك شرحه لما قاله أمير المؤمنين (ع)، قال: الضمير يرجع إلى الخلافة. وفلان كناية عن الخليفة الأول أبي بكر رضي الله عنه تمثيل لسمو قدره كرم الله وجهه وقربه من مهبط الوحي وأن ما يصل إلى غيره من فيض الفضل فإنما يتدفق من حوضه ثم ينحدر عن مقامه العالي فيصيب منه من شاء الله وعلى ذلك قوله ولا يرقى الخ غير أن الثانية أبلغ من الأولى في الدلالة على الرفعة فسدلت الخ كناية عن غض نظره عنها. وسدل الثوب أرخاه. وطوى عنها كشحا مال عنها. وهو مثل لأن من جاع فقد طوى كشحه ومن شبع فقد ملأه فهو قد جاع عن الخلافة أي ما لم يلتقمها. وطفقت الخ بيان لعلة الاغضاء. والجذاء بالجيم والذال المعجمة والدال المهملة، وبالحاء المهملة مع الذال المعجمة بمعنى المقطوعة ويقولون رحم جذاء أي لم توصل وسن جذاء أي متهتمة، والمراد هنا ليس ما يؤيدها كأنه قال تفكرت في الأمر فوجدت الصبر أولى فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا. طخية بطاء فخاء بعدها ياء ويثلث أولها أي ظلمة. ونسبة العمى إليها مجاز عقلي. وإنما يعمى القائمون فيها إذ لا يهتدون إلى الحق وهو تأكيد لظلام الحال واسودادها. يكدح يسعى سعى المجهود. أحجى ألزم من حجي به كرضي أولع به ولزمه ومنه هو حجى بكذا أي جدير وما أحجاه، وأحج به أي أخلق به. وأصله من الحجا بمعنى العقل فهو أحجى أي أقرب إلى العقل . وهاتا بمعنى هذه أي رأى الصبر على هذه الحالة التي وصفها أولى بالعقل من الصولة بلا نصير. الشجا ما اعترض في الحق من عظم ونحوه. والتراث الميراث.

[2]- الإمامة والسياسة بتحقيق الزيني: ج1 ص 19.

[3]- سيأتي التعليق على هذه العبارة في الإضاءة الرابعة بعد عرض روايات الواقعة فانتظر.

[4]- تاريخ اليعقوبي: ج2 ص126.

[5]- تاريخ البلاذري: ج1 ص587.

[6]- تاريخ البلاذري: ج1 ص586.

[7]- تاريخ الطبري: ج2 ص443.

[8]- العقد الفريد: ج4 ص259.

[9]- الاستيعاب: ج3 ص975.

[10]- كتاب سليم بتحقيق محمد باقر الأنصاري: ص147.

[11]- الاختصاص للشيخ المفيد: ص185.

[12]- ينابيع المودة لذوي القربى: ج2 ص 249.

[13]- المناقب لابن المغازلي: ص19 .

[14]- الفتوحات الاسلامية لأحمد زيني دحلان: ج2 ص 306. نقلاً عن كتاب الغدير للشيخ الأميني: ج1 ص282.

[15]- نقلاً عن كتاب الغدير: ج1 ص282.

[16]- راجع كتاب خلاصة عبقات الأنوار: ج9 ص151.

[17]- قال تعالى: ﴿وفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ بس:31.

[18]- فتح الباري: ج13 ص229.

[19]- المجموع لمحيي الدين النووي: ج20 ص244.

[20]- فرائد السمطين: ج1 ص159.

[21]- المستدرك على الصحيحين: ج3 ص154، مجمع الزوائد: ج9 ص203.

[22]- عمدة القاري: ج16 ص249.

[23]- مسند أحمد: ج4 ص328، صحيح البخاري: ج6 ص158، ذخائر العقبى: ص37.

[24]- مسند أحمد: ج4 ص5، سنن الترمذي: ج5 ص360.

[25]- مجمع الزوائد: ج9 ص169.

[26]- سنن الترمذي: ج5 ص360.

[27]- كتاب سليم بن قيس بتحقيق محمد باقر الأنصاري: ص147.

[28]- روى المجلسي: (فوثب عمر غضبان، فنادى خالد بن الوليد وقنفذا فأمرهما أن يحملا حطباً و نارا، ثم أقبل حتى انتهى إلى باب علي وفاطمة (عليها السلام) قاعدة خلف الباب قد عصبت رأسها ونحل جسمها في وفاة رسول الله(ص)، فأقبل عمر حتى ضرب الباب ثم نادى يا ابن أبي طالب افتح الباب،...) بحار الأنوار: ج28 ص299.

[29]- قال السيد تاج الدين بن علي بن أحمد الحسيني العاملي: (فلما نظر (ع) إلى قلة العدد وخذلة الناصر جلس في منزله، فجمع عمر بن الخطاب جماعة وأتى بهم إلى منزل علي (ع)، فوجدوا الباب مغلقا، فلم يجبهم أحد، فاستدعى عمر بحطب وقال: والله لئن لم تفتحوا لنحرقنه بالنار. فلما سمعت فاطمة (عليها السلام) ذلك خرجت وفتحت الباب، فدفعه عمر فاختفت هي من وراء الباب، فعصرها بالباب فكان ذلك سبب إسقاطها، ونقل أنه سبب موتها. ودخلوا فوثبوا على أمير المؤمنين (ع) فأخرجوه عنفا، فحالت فاطمة (عليها السلام) بينهم وبينه وقالت: والله لا أدعكم تخرجون بابن عمي ظلما، ويلكم ما أسرع ما خنتم الله ورسوله فينا، فأمر عمر بن الخطاب قنفذا فضربها بسوط حتى أثر في جسمها) التتمة في تواريخ الأئمة: ص35.

[30]- روى الجوهري: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: (لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم) السقيفة وفدك: ص52، شرح نهج البلاغة: ج2 ص56.

[31]- روى الصفار في حديث الإمام الصادق (ع) للمفضل، قول عمر: (اخرج يا علي إلى ما اجمع عليه المسلمون من البيعة ؟ فمالك إن تخرج عما اجمع عليه المسلمون وإلا قتلناك) مختصر بصائر الدرجات: ص192، بحار الأنوار: ج53 ص18.

[32]- بحار الأنوار: ج28 ص299.

[33]- الاحتجاج: ج1 ص113.

[34]- الكافي: ج8 ص237، بحار الأنوار: ج28 ص252.

[35]- الكافي: ج8 ص238، بحار الأنوار: ج28 ص252.

[36]- الاختصاص للمفيد: ص186.

[37]- بيت الأحزان: ص118.

[38]- بحار الأنوار: ج36 ص352.

[39]- وهذا المعنى ذكره معاوية في كتابه لعلي (ع) بعد مقتل عثمان، فقال مبيناً حال أمير المؤمنين (ع): تقاد إلى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش حتى تبايع وأنت كاره !! (بحار الأنوار: ج33 ص108).

فأجابه أمير المؤمنين (ع) بقوله: (وقلت: أني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه ولا مرتابا بيقينه، وهذه حجتي إلى غيرك قصدها، ولكني أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها) نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج3 ص33، الاحتجاج: ج1 ص262، بحار الأنوار: ج28 ص368.

[40]- السقيفة وفدك: ص71، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج6 ص45.

[41]- كتاب سليم بن قيس بتحقيق محمد باقر الأنصاري: ص387، بحار الأنوار: ج28 ص299.

[42]- كتاب الأربعين لمحمد طاهر القمي: ص162، بحار الأنوار: ج28 ص393.

[43]- بحار الأنوار: ج28 ص261، نفس الرحمن في فضائل سلمان: ص582.

[44]- بحار الأنوار: ج28 ص261، نفس الرحمن في فضائل سلمان: ص582.

[45]- بحار الأنوار: ج22 ص352.

[46]- كتاب سليم بن قيس بتحقيق محمد باقر الأنصاري: ص152.

[47]- راجع تفصيل الواقعة برواية ابن قتيبة المتقدمة.

[48]- كتاب سليم بن قيس بتحقيق محمد باقر الأنصاري: ص153.

[49]- كتاب سليم بن قيس بتحقيق محمد باقر الأنصاري: ص154.

[50]- السقيفة وفدك: ص71، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج6 ص45.

[51]- دلائل الصدق: ج3 ق1 ص53.

[52]- وهنا يجب الالتفات إلى كلام النبي (ص)حينما طلب الدواة والكتف، فهو وصف ما أراد كتابته بكونه عاصم من الضلال، فكيف يقال بأنّه أراد أن يكتب شيء يمكنهم أن يستغنون عنه كما يستفاد من عبارة البيهقي ! نعم هو كتاب لا يمكن للأمة أن تستغني عنه، ولكونه كذلك نجد النبي (ص) لم يتركه لمجرّد اختلافهم كلام السفهاء منهم، بل كتبه وأودعه عند خليفته علي بن أبي طالب (ع)، وقد تقدّم نص الوصية التي أوصى بها النبي ليلة وفاته فراجع.

[53]- عمدة القاري - العيني: ج2 ص171.

أقول: لم يذكر من هم أهل العلم الذين قالوا أن النبي (ص) أراد أن يوصي لأبي بكر فلو عرّفنا عليهم لفعل جميلاً، ولنظرنا فيهم فهل أنهم من أهل العلم حقاً أم من وعاظ السلاطين ؟!

ثم إنّ النبي (ص) وصف ما أراد كتابته بكونه عصم للأمة من الضلال فهل أنّ استخلاف أبي بكر عاصم للأمة من الضلال ؟

وكذلك ما معنى أنّ النبي (ص) ترك ذلك اعتماداً على تقدير الله سبحانه ؟ فلماذا موسى (ع) عندما ذهب لميقات ربّه نصب هاروناً (ع) وأوصى به، فلماذا لم يترك الوصية به اعتماداً على تقدير الله تعالى القاضي بكون بني اسرائيل سيتركون وصي موسى (ع) ويتبعون السامري ؟!

ومع الأسف نجد أنّ هذه الكلمات تصدر ممن يدعون العلم مما جعل الناس تسقط في خلل عقائدي كبير، وهو: أنّ خلافة أبي بكر لو كانت غير مرادة لله لما وقعت، وإلا يلزم غلبة أرادة المخلوق ـ أبا بكر ـ على الخالق سبحانه وتعالى علواً كبيراً.

وبالتالي فهي إنما حصلت بإرادة الله سبحانه.

وهذه المغالطة قد انطلت على الكثير؛ لكونهم لم يفرّقوا بين الإرادة وبين الرضا، فالله سبحانه لا يرضى سرقة أموال الناس، لكنه لا يعني عدم وقوعها في الخارج؛ إذ لو لم يردها لم تقع في الأرض البتة، فكل شيء واقع بمشيئته سبحانه بعد أن بيّن طريقي الخير والشر للإنسان، فخلافة أبي بكر وقعت بمشيئة الله سبحانه لكن السؤال هل هي مرضية له أم لا ؟؟

ولا يصح القول بأنها لو لم تكن مرضية لما وقعت، فهذا مبني على التلازم بين الإرادة والرضا والحال لا تلازم بينهما، وإلاّ لكان تسلط فرعون ونمرود وغيرهما مرضياً له سبحانه، وهو واضح الفساد فانتبه ولا تغفل.

[54]- المصنف لابن أبي شيبة: ج8 ص572.

[55]- تاريخ الطبري: ج2 ص443.

[56]- العقد الفريد: ط بيروت ج5 ص13.

أقول: هل يمكن قبول هذا مع كل ما تقدّم من الروايات التي نقلوها والتي تبين أنّ علي بن أبي طالب (ع) بايع مكرهاً خوفاً على شريعة الإسلام ؟! ولمعرفة المزيد راجع روايات الواقعة التي تقدّمت، فستجد كيف أنهم أكرهوه على البيعة وإلاّ قتلوه، وكيف قال علي بن أبي طالب (ع) لرسول الخليفة قنفذ حينما قال: خليفة رسول الله يدعوك؟! فقال (ع): سرعان ما كذبتم على رسول الله، وغير ذلك من النصوص القاضية ببطلان ما نقله صاحب العقد الفريد. كما ولا يفوتك أن تراجع الواقعة برواية صاحب كتاب العقد الفريد نفسه ـ وقد تقدّمت ـ التي يثبت فيها رفض علي للبيعة مما جعلهم يهددونه بحرق الدار، كما في نفس النص أعلاه. ثم كيف ينسجم ما قاله في نفس هذه العبارة ؟ فمن جهة يصرّح بأنّ علي (ع) تخلف عن البيعة، فلو كانت بيعة مرضية تصب في صالح الإسلام كيف يتخلف عنها علي (ع) وهو السبّاق في كل أمر يرجع للدين وأهله بالخير، ومن ثانية يثبت أن علي (ع) لم يكن كارهاً لبيعة أبي بكر !!

وها هو البلاذري وغيره يصرّح بكون علي (ع) لم يبايع فلاحظ عبارته في المتن بعد عبارة العقد الفريد.

[57]- أنساب الأشراف: ج1 ص586.

[58]- تاريخ أبي الفداء: ج1 ص197.

[59]- شرح ابن أبي الحديد: ج20 ص147، نقلاً عن المسعودي في مروج الذهب: ج3 ص86.

[60]- راجع: الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي: ج1 ص386، بيت الأحزان: ص85، مستدرك سفينة البحار للشيخ علي النمازي الشاهرودي: ج8 ص405. حيث جاء في هذه المصادر هذه العبارة: قال المسعودي في مروج الذهب في أخبار عبد الله بن الزبير، وحصره بني هاشم في الشعب، وجمعه لهم الحطب ما هذا لفظه: وحدث النوفلي في كتابه في الأخبار عن ابن عائشة، عن أبيه، عن حماد بن سلمة، قال: كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وجمعه الحطب لتحريقهم، ويقول: إنما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته كما أرهب بنو هاشم، وجمع لهم الحطب لإحراقهم إذ هم أبوا البيعة فيما سلف،...).

[61]- روضة المناظر: ج7 ص164، مطبوع بهامش الكامل في التاريخ.

[62]- تاريخ الطبري: ج2 ص443.

[63]- أنساب الأشراف: ج1 ص586.

[64]- الإمامة والسياسة: ج1 ص19، من حياة الخليفة عمر بن الخطاب: ص181.

[65]- الملل والنحل للشهرستاني: ج1 ص75.

[66]- العقد الفريد: ط بيروت ج5 ص13.

[67]- السقيفة وفدك: ص53.

[68]- إقبال الأعمال: ج3 ص165.

[69]- كتاب سليم بن قيس بتحقيق محمد باقر الأنصاري: ص153، بحار الأنوار: ج43 ص198.

[70]- كتاب سليم بن قيس بتحقيق محمد باقر الأنصاري: ص427.

[71]- أمالي الصدوق: ص176، المحتضر: ص197، بحار الأنوار: ج31 ص62.

[72]- كامل الزيارات: ص 548.

[73]- مناقب آل أبي طالب: ج2 ص51، أمالي الصدوق: ص197، بحار الأنوار: ج27 ص209.

[74]- كتاب سليم بن قيس بتحقيق محمد باقر الأنصاري: ص427.

[75]- بحار الأنوار: ج30 ص348، بيت الأحزان: ص121.

[76]- الدملوج: حلي يلبس في المعصم.

[77]- الاحتجاج: ج1 ص109، بحار الأنوار: ج28 ص283.

[78]- دلائل الإمامة: ص134، بحار الأنوار: ج43 ص170، مستدرك سفينة البحار: ج8 ص620. ونعل السيف: ما يكون في أسفل غمد السيف من حديد أو فضة ونحوهما. الصحاح: مادة نعل ج5 ص1832.

[79]- سيرة الأئمة الإثني عشر: ج1 ص145.

[80]- إلزام الناصب: ج2 ص233.

[81]- الاحتجاج: ج1 ص414.

[82]- العقد النضيد والدر الفريد: ص63.

[83]- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج14 ص192.

[84]- العثمانية للجاحظ: ص34.

أقول: ليتعجب القارئ؛ فهو يضرب الجارية لكي تترك الإسلام وإذا به بعد وفاة النبي (ص) يكون أولى بالإسلام، أولى من السابقين إليه ويدبر شؤؤن الخلافة، بل سيزداد الإنسان عجباً لا ينقضي عندما يراجع نسبه وسيرته في الجاهلية !!

[85]- مسند أحمد: ج1 ص 335.

[86]- شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد: ج1 ص181.

[87]- كتاب سليم بن قيس بتحقيق محمد باقر الأنصاري: ص223.

[88]- نقلاً عن كتاب مأساة الزهراء: ج2 ص111.

[89]- نقلاً عن كتاب مأساة الزهراء: ج2 ص111.

[90]- جمع سفساف، وهو الردئ.

[91]- مناقب آل أبي طالب: ج1 ص5.

[92]- مسند أحمد: ج1 ص98، المستدرك: ج3 ص 168، السنن الكبرى: ج6 ص166، مجمع الزوائد: ج8 ص52، المعجم الكبير: ج3 ص96.

[93]- نقلاً عن نفحات الأزهار للسيد علي الميلاني: ج18 ص374.

[94]- ذخائر العقبى: ص120، ينابيع المودة: ج2 ص200.

[95]- مسند أحمد: ج3 ص32، صحيح مسلم: ج7 ص120.

[96]- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج11 ص111.

[97]- سنن الترمذي: ج4 ص135.

[98]- الكامل في التاريخ: ج3 ص397.

[99]- أسد الغابة: ج4 ص308.

[100]- المواهب اللدنية: ج2 ص117.

[101]- جمهرة أنساب العرب: ص16.

[102]- ذخائر العقبى: ص55.

[103]- اتحاف السائل: ص33.

[104]- البداية والنهاية: ج3 ص 418، السيرة النبوية لابن كثير: ج2 ص544.

[105]- التبيين في أنساب القرشيين: ص133.

[106]- المعارف: ص143.

[107]- المعارف: ص211.

[108]- تاريخ اليعقوبي: ج2 ص213.

[109]- نور الأبصار: ص147.

[110]- مظالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص313.

[111]- تهذيب الكمال: ج20 ص479.

[112]- مشارق الأنوار: ص133.

[113]- إسعاف الراغبين المطبوع بهامش نور الأبصار: ص93.

[114]- نزهة المجالس: ج2 ص194.

[115]- نزهة المجالس: ج2 ص184.

[116]- البدء والتاريخ: ج5 ص20.

[117]- البدء والتاريخ: ج5 ص20.

[118]- البدء والتاريخ: ج5/ص73.

[119]- المعارف: ص211.

[120]- شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد: ج14 ص193.

[121]- بحار الأنوار:ج19 ص351.

[122]- إثبات الوصية: ص124.

[123]- بحار الأنوار: ج30 ص348، بيت الأحزان: ص121.

[124]- الاحتجاج: ج1 ص414، بحار الأنوار: ج31 ص645.

[125]- الاختصاص: ص344.

[126]- نوائب الدهور: ج3 ص194، الهداية الكبرى: ص417.

[127]- دلائل الامامة: ص134، بحار الأنوار: ج43 ص170.

[128]- دلائل الإمامة: ص104، مدينة المعاجز: ج1 ص369.

[129]- الأنوار القدسية: ص42.

[130]- سير أعلام النبلاء: ج15 ص578، ميزان الاعتدال: ج1 ص139.

[131]- مناقب آل أبي طالب: ج3 ص133.

[132]- كفاية الطالب: ص413، عنه الصحيح من سيرة النبي الأعظم: ج5 ص240.

[133]- المعارف: ص93.

[134]- البدء والتاريخ: ج5 ص20.

[135]- ميزان الاعتدال: ج1 ص139، لسان الميزان: ج1 ص268.

[136]- الملل والنحل للشهرستاني: ج1 ص57.

[137]- الفرق بين الفرق: ص147.

  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • 1

البحث في الموقع