raya

لقد اتبع أبو بكر سياسات لكي يكسب الجولة، و يبقي على كرسي الخلافة التي غصبها من صاحبها الشرعي، وسأتعرّض لبعض لهذه السياسات التي سار عليها أبو بكر ورفيقه الناصح له عمر بن الخطاب ويتبعهما حزبهما الرافض لعلي بن أبي طالب (ع).

ومن أولويات هذه السياسة الوقوف بوجه علي (ع) وفاطمة، وسلب ما في أيديهما، كما سيأتينا ذلك مفصلاً، وسأعرض الآن بإيجاز بعض تلك السياسات.

أولاً: القضاء على الجماعات المؤمنة ببيعة علي (ع).

حارب أبو بكر هذه الجماعات باسم الردّة، وقد قسا عليهم ونكل بهم أشد تنكيل، لكي يكونوا عبرة لغيرهم ممن يحاول نصرة علي (ع)، فأرسل خالد بن الوليد إلى مالك بن نويرة وعشيرته الذي امتنع من دفع الزكاة للخلافة الغاصبة، لكونه يعلم أنّ وصي رسول الله هو علي بن أبي طالب (ع)، فقد شهد ابن نويرة حجة الوداع وكان من المبايعين لعلي بن أبي طالب (ع) في يوم الغدير، وسمع خطبة النبي الأعظم (ص) ووصايته لعلي بن أبي طالب (ع)، وكونه أولى الناس بأنفسهم كما كان النبي (ص) كذلك.

فأرسل الخليفة خالد بن الوليد باسم الدين وكونه خليفة رسول الله (ص) لتصفية الرموز المؤيدة لعلي بن أبي طالب الرافضة للحكومة الغاصبة التي تسلطت على رقاب المسلمين بالشورى والسقيفة.

وحكمت السلطة بارتداد مالك بن نويرة، إلا أنّ الباحث يقف هنا متحيراً، أليس من المفروض أن يرسل أبو بكر لمالك بن نويرة، ويستعلم منه الحال ويلقي الحجّة عليه، قبل إرسال الجيش لقتاله ؟! ثم إن كان مالك مرتداً فما ذنب عشيرته التي فيها الشيوخ والشباب والنساء والأطفال أفهل كل هؤلاء مرتدون ؟!

فكيف ينفذ فيهم القتل ؟

ثم إذا أُبيح لخالد قتل مالك بن نويرة وجماعة من عشيرته، هل يُباح له أن يرتكب جريمة بشعة وفاحشة لا يرضاها خائن فاسد فضلاً عن مسلم له أدنى غيرة وشرف، فعمد خالد لزوجة مالك بن نويرة بعد أن قتل زوجها فدخل بها وهي في العدّة ؟! وهذه فضيحة للخليفة ولرسوله الذي أرسله.

وهكذا جاءت تصفية مالك بن نويرة وعشيرته لكونه مرتداً لا يطيع أوامر الخليفة أبي بكر، فجاء خالد ماكراً ونزل ضيفاً عند مالك بن نويرة ثم غدر به.

ومن الطبيعي أن يتعامل أبو بكر مع خالد، بكل لين ولم يسمعه توبيخاً؛ إذ هو من يعينه على ثبوت الخلافة له والانتقام من المناوئين كما أمره فيما بعد بأن يقتل علياً في التشهد، إلاّ أنّه أدرك خطورة الأمر وعدم صلاحه فصاح وهو في صلاته قبل التشهد: (لا يفعلن خالد ما أمرته به) ([1]).

ثانياً: تجريد وعزل بني هاشم.

عمد لتجريد بني هاشم ومن كان على نهجهم، ومن يحتمل من إعانتهم من الإمارة والسلطة، في الوقت الذي قرّب الخليفة ألدّ أعداء بني هاشم وخصومهم، أمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومروان بن الحكم وبني أمية على العموم. وجعل بني هاشم ومن والاهم تحت الرقابة التامة.

ثالثاً: سياسة الترغيب.

لقد حاول الخلفاء خداع العباس بن عبد المطلب، وذلك بإشراكه في الخلافة، وجعلهم له نصيباً منها، وكان الهدف من وراء ذلك أن يجبروا غيره بعد مبايعته لهم، وليفردوا علياً (ع)، إلاّ أنّهم بائوا بالفشل الذريع، في الوقت نفسه نجد أن هذه السياسة نجحت مع البعض الآخر.

قال اليعقوبي: فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة، فقال: ما الرأي ؟ قالوا: الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب، فتجعل له في هذا الأمر نصيباً يكون له ولعقبه من بعده، فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب حجة لكم على علي، إذا مال معكم، فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة حتى دخلوا على العباس ليلاً، فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الله بعث محمداً نبياً وللمؤمنين ولياً، فمن عليهم بكونه بين أظهرهم، حتى اختار له ما عنده، فخلى على الناس أمورا ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم مشفقين، فاختاروني عليهم والياً ولأمورهم راعياً، فوليت ذلك، وما أخاف بعون الله وتشديده وهنا، ولا حيرة، ولا جبناً، وما توفيقي إلاّ بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب، وما انفك يبلغني عن طاعن يقول الخلاف على عامة المسلمين، يتخذكم لجأ، فتكون حصنه المنيع وخطبه البديع. فإمّا دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، وإمّا صرفتموهم عّما مالوا إليه، ولقد جئناك ونحن نريد أن لك في هذا الأمر نصيباً يكون لك، ويكون لمن بعدك من عقبك إذ كنت عم رسول الله، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك .... عنكم، وعلى رسلكم بني هاشم، فإنّ رسول الله منا ومنكم.

فقال عمر بن الخطاب: إي والله وأخرى، إنا لم نأتكم لحاجة إليكم، ولكن كرهاً أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم.

فحمد العباس الله وأثنى عليه وقال: إنّ الله بعث محمداً كما وصفت نبياً وللمؤمنين ولياً، فمن على أمته به، حتى قبضه الله إليه، واختار له ما عنده، فخلى على المسلمين أمورهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين الحق، لا مائلين بزيغ الهوى، فإن كنت برسول الله فحقاً أخذت، وإن كنت بالمؤمنين فنحن منهم، فما تقدمنا في أمرك فرضاً، ولا حللنا وسطاً، ولا برحنا سخطاً، وإن كان هذا الأمر إنما وجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنا كارهين. ما أبعد قولك من أنهم طعنوا عليك من قولك إنهم اختاروك ومالوا إليك، وما أبعد تسميتك بخليفة رسول الله من قولك خلى على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك، فأمّا ما قلت إنك تجعله لي، فإن كان حقاً للمؤمنين، فليس لك أن تحكم فيه، وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض، وعلى رسلك، فإنّ رسول الله من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها. فخرجوا من عنده ([2]).

أقول: إنّ المتتبع لسير الأحداث التاريخية يجد أنّ لهذا النوع من السياسة كبير الأثر في حرف الحق عن أهله، فقد روى السيوطي عن مجاهد: أنّ أبا بكر قال في خطبته: إني لأرجو أن تشبعوا من الجبن والزيت ([3]).

وخاطب الأنصار - بعد خطبة الزهراء (عليها السلام) - بقوله: (..... فاغدوا على أعطياتكم) ([4]).

وروي: (فلما اجتمع الناس على أبي بكر قسم بين الناس قسماً، فبعث إلى عجوز من بني عدي بن النجار [قسمها] مع زيد بن ثابت، فقالت: ما هذا؟ قال: قسم قسمه أبو بكر للنساء؟ فقالت: أتراشونني عن ديني ؟ فقالوا: لا، فقالت: أتخافون أن أدع ما أنا عليه ؟ فقالوا: لا، فقالت: والله لا آخذ منه شيئا أبداً) ([5]).

وإذا كانت هذه المرأة لم تقبل رشا أبي بكر، فإنّ هناك من كان يقبل الرشا. فقد جاء أبو سفيان - وفي يده بعض أموال السعاية - إلى المدينة، وسمع نبأ تولي أبي بكر للخلافة، فرفع عقيرته قائلاً: إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ الدم، فكلّم عمر أبا بكر، فقال: إنّ أبا سفيان قد قدم وإنّا لا نأمن شرّه، فدفع له ما في يده، فتركه ورضي!! ([6]).

رابعاً: مؤامرتهم لقتل أمير المؤمنين (ع).

قال ابن عباس: (ثم إنهم تآمروا وتذاكروا فقالوا: لا يستقيم لنا أمر ما دام هذا الرجل حياً فقال أبو بكر: من لنا بقتله ؟ فقال عمر: خالد بن الوليد فأرسلا إليه فقالا: يا خالد، ما رأيك في أمر نحملك عليه ؟ قال: احملاني على ما شئتما، فوالله إن حملتماني على قتل ابن أبي طالب لفعلت. فقالا: والله ما نريد غيره. قال: فإني له فقال أبو بكر: إذا قمنا في الصلاة صلاة الفجر فقم إلى جانبه ومعك السيف. فإذا سلمت فاضرب عنقه. قال: نعم. فافترقوا على ذلك. ندامة أبي بكر عند إجراء المؤامرة ثم إنّ أبا بكر تفكّر فيما أمر به من قتل علي (ع) وعرف أنه إن فعل ذلك وقعت حرب شديدة وبلاء طويل، فندم على ما أمره به. فلم ينم ليلته تلك حتى أصبح ثم أتى المسجد وقد أقيمت الصلاة. فتقدّم فصلى بالناس مفكراً لا يدري ما يقول. وأقبل خالد بن الوليد متقلداً بالسيف حتى قام إلى جانب علي (ع)، وقد فطن علي (ع) ببعض ذلك. فلما فرغ أبو بكر من تشهده صاح قبل أن يسلم: يا خالد لا تفعل ما أمرتك، فإن فعلت قتلتك، ثم سلم عن يمينه وشماله.... فوثب علي (ع) فأخذ بتلابيب خالد وانتزع السيف من يده، ثم صرعه وجلس على صدره وأخذ سيفه ليقتله، واجتمع عليه أهل المسجد ليخلصوا خالداً فما قدروا عليه. فقال العباس: حلفوه بحق القبر "لما كففت". فحلفوه بالقبر فتركه، وقام فانطلق إلى منزله. وجاء الزبير والعباس وأبو ذر والمقداد وبنو هاشم، واخترطوا السيوف وقالوا: "والله لا تنتهون حتى يتكلم ويفعل" واختلف الناس وماجوا واضطربوا، وخرجت نسوة بني هاشم فصرخن وقلن: يا أعداء الله، ما أسرع ما أبديتم العداوة لرسول الله وأهل بيته لطالما أردتم هذا من رسول الله (ص)، فلم تقدروا عليه، فقتلتم ابنته بالأمس، ثم أنتم تريدون اليوم أن تقتلوا أخاه وابن عمه ووصيه وأبا ولده ؟ كذبتم ورب الكعبة. ما كنتم تصلون إلى قتله) ([7]).

خامساً: الإدلاء بالخلافة لرفيق الدرب عمر بن الخطاب.

وفي ختام هذه السياسات أدلى بالخلافة لعمر بن الخطاب وأقعده على كرسي الخلافة، كما اقعده عليه عمر بن الخطاب وجاهد وناضل من أجل أبي بكر.

عمر الذي كان الحافظ لأسرار أبي بكر والذي سيتمم ما بدأ به أبو بكر فيشيد اسمه من بعده ويقوي أعوانه، والذي يسير بسيرة الخليفة الأول ويُبعد علياً وآل علي عن السلطة وكرسي الخلافة وغيرها من المسؤليات الأخرى.

وقد أشار أمير المؤمنين (ع) إلى هذه الحقيقة عندما قال لعمر: (احلب حلباً لك شطره، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلاّ ليؤمرك غداً،..) ([8]).



[1]- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج17 ص222.

[2]- تاريخ اليعقوبي: ج2 ص124.

[3]- كنز العمال: ج5 ص640.

[4]- دلائل الإمامة: ص124.

[5]- السقيفة وفدك: ص51، شرح ابن أبي الحديد: ج2 ص53.

[6]- السقيفة وفدك: ص39.

[7]- كتاب سليم بن قيس بتحقيق محمد باقر الأنصاري: ص394.

[8]- تاريخ البلاذري: ج1 ص587.

  • رجائي أن شيعة آل محمد (ع) يصطفون تحت هذه الراية فهي راية الحق الوحيدة البارزة، والمنادية بالحق، الراية الوحيدة التي لم تداهن ولم تدخل فيما دخل فيه أهل الباطل، ومُخطأ من شيعة آل محمد (ص) من يُعوِل على هؤلاء الذين أيديهم صفرات من الدليل سواء الشرعي أم العقلي على مايدعون من وجوب تقليد ونيابة، مُخطأ من يُعوِل على هؤلاء الذين لايثقون ببعضهم بعضا وكل واحد منهم اخذ مجموعة من شيعة آل محمد (ص) وحزَّبَهم لنفسه دون أن ينصبه الله، حتى فرقوا شيعة آل محمد (ع) شيعا وجعلوهم لايكادون يلتقون حتى في تحديد يومي العيدين...
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • علي صلوات الله عليه نصر رسول الله محمد (ص) في أول بعثته فكان أول المؤمنين ثم وهو شاب صغير في العمر قدم حياته قربانا بين يدي الله سبحانه وفي كل مرة يخرج بجرح أو جروح مميتة ولكنها لا تثنيه أن يتقدم للموت مرة أخرى، قدم عبادة وإخلاصا، تصدق بكل ما يملك، بخاتمه، وبطعامه وهو صائم، وما كان ليعلم به احد لولا أن الله أنزل قرآنا يذكر فعله، كان علي صلوات الله عليه يخفي بكائه بين يدي الله سبحانه حتى على فاطمة صلوات الله عليها، علي سحق أناه ولم يطلب أن يذكر فوهبه الله حكما وعلما وفضله على العالمين.
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • اسأل نفسك وليسأل كل منصف نفسه السؤال الحتمي بعد معرفة ما روي في كتب المسلمين أن رسول الله محمداً (ص) عندما مرض بمرض الموت طلب ورقة وقلم ليكتب كتاباً وصفه رسول الله محمد (ص) بأنه كتاب يعصم الأمة التي تتمسك به من الضلال إلى يوم القيامة، فمنعه عمر وجماعة معه من كتابة هذا الكتاب في حادثة رزية الخميس المعروفة، فالسؤال هو: هل يقبل أحد أن يتهم رسول الله محمداً (ص) أنه قصَّر في كتابة هذا الكتاب المهم والذي يعصم الأمة من الضلال بعد أن كانت عنده فرصة لأيام قبل وفاته يوم الاثنين ليكتبه ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني الوصية المقدسة الكتاب العاصم من الضلال
  • 1
  • 2