raya

اجتمعت الأنصار في سقيفة ([1]) بني ساعدة، وتبعهم جماعة من المهاجرين، ولم يبق حول رسول الله (ص) إلا أقاربه، وهم من تولى غسله وتكفينه وهم: علي والعباس، وابناه الفضل وقثم، وأسامة بن زيد، وصالح مولى رسول الله، وأوس بن خولي الأنصاري.

ويروي عمر تلك الأحداث - كما يروي البخاري - بقوله: (وإنه قد كان من خبرنا حين توفي الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنّ الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنّا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم فلما دنونا منهم لقينا رجلان منهم صالحان فذكرا ما تمالى عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم فقلت: من هذا ؟ قالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ماله قالوا ؟ يوعك. فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم فأثنى على الله لما هو أهله، ثم قال: أمّا بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم معشر المهاجرين رهط وقد دفت دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدّمها بين يدي أبي بكر، وكنت إداري منه بعض الحد فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ولم يعرف هذا الأمر إلاّ لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسباً وداراً وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر اللهم إلا أنّ تسول إلي نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن، فقال قائل الأنصار: أنا جُذَيْلُها المُحَكَك ([2]) وعُذَيْقُها الُمَرجّب ([3])، منّا أمير ومنكم أمير، يا معشر قريش فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف فقلت أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر: وإنّا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا فأمّا بايعناهم على ما لا نرضى وأما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا) ([4]).

وذكر الطبري الاجتماع الأول في السقيفة بقوله: (اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وتركوا جنازة الرسول يغسله أهله، فقالوا: نولي هذا الأمر بعد محمد، سعد بن عبادة، وأخرجوا سعداً إليهم وهو مريض .... فحمد الله وأثنى عليه، وذكر سابقة الأنصار في الدين وفضيلتهم في الإسلام، وإعزازهم للنبي وأصحابه وجهادهم لأعدائه، حتى استقامت العرب، وتوفي الرسول وهو عنهم راضٍ، وقال: استبدُّوا بهذا الأمر دون الناس فأجابوه بأجمعهم: أن قد وفّقت في الرأي، وأصبت في القول ولن نعدوا ما رأيت، نوليك هذا الأمر، ثم إنهم ترادّوا الكلام بينهم، فقالوا: فإن أبَت مهاجرة قريش ؟ فقالوا نحن المهاجرون، وصحابة رسول الله الأولون، ونحن عشيرته، وأولياؤه، فعلامَ تنازعوننا هذا الأمر بعده ؟ فقالت طائفة منهم: فإنا نقول إذاً: منّا أمير ومنكم أمير، فقال سعد بن عبادة: هذا أول الوهن) ([5]).

ويروي ابن أبي الحديد في شرح النهج: فقام الحباب بن المنذر بن الجموح، فقال: يا معشر الأنصار، أملكوا عليكم أمركم، فإنّ الناس في ظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولا يصدر أحد إلا عن رأيكم. أنتم أهل العزّة والمنعة، وأولو العدد والكثرة، وذوو البأس والنجدة، وإنما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا فتفسد عليكم أموركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنّا أمير ومنهم أمير. فقال عمر: هيهات ! لا يجتمع سيفان في غمد، والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة منهم، من ينازعنا سلطان محمد، ونحن أولياؤه وعشيرته ([6]) ! فقال الحباب بن المنذر: يا معشر الأنصار، أملكوا أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم فأجلوهم من هذه البلاد، فأنتم أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين، أنا جُذَيْلُها المُحَكَك وعُذَيْقُها الُمَرجّب ([7]) أنا أبو شبل في عريسة الأسد، والله لو شئتم لنعيدنّها جَذَعَة ([8]). فقال عمر: إذن يقتلك الله، قال: بل إياك يقتل. فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار، إنّكم أول من نصر، فلا تكونوا أول من بدل وغير. فقام بشير بن سعد، والد النعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار، ألا إنّ محمداً من قريش، وقومه أولى به، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر. فقال أبو بكر: هذا عمر وأبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم، فقالا: والله لا نتولى هذا الأمر عليك وأنت أفضل المهاجرين، وخليفة رسول الله صلى الله عليه في الصلاة، وهي أفضل الدين، أبسط يدك، فلما بسط يده ليبايعاه، سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير، عققت عقاق أنفست على ابن عمك الإمارة ! فقال أسيد بن حضير رئيس الأوس لأصحابه: والله لئن لم تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيلة أبداً، فقاموا فبايعوا أبا بكر. فانكسر على سعد بن عبادة والخزرج ما اجتمعوا عليه، وأقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب، ثم حمل سعد بن عبادة إلى داره، فبقي أياماً، وأرسل إليه أبو بكر ليبايع، فقال: لا والله حتى أرميكم بما في كنانتي، وأخضب سنان رمحي، وأضرب بسيفي ما أطاعني وأقاتلكم بأهل بيتي ومن تبعني، ولو اجتمع معكم الجن والإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربى. فقال عمر: لا تدعه حتى يبايع، فقال بشير بن سعد: إنه قد لج، وليس بمبايع لكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه أهله وطائفة من عشيرته، ولا يضركم تركه، إنما هو رجل واحد، فتركوه. وجاءت أسلم فبايعت، فقوى بهم جانب أبي بكر، وبايعه الناس ([9]).

وقام عبد الرحمن بن عوف، وتكلم فقال: يا معشر الأنصار إنّكم وإن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي ([10]).

وقام المنذر بن الأرقم فقال: ما ندفع فضل من ذكرت، وإنّ فيهم لرجلاً لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد، يعني علي بن أبي طالب ([11]).

فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلا علياً ([12]).

قال عمر: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف فقلت ابسط يدك لأبايعك ([13]) فلما ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير بن سعد عققت عقاق ([14])! أنفست على ابن عمك الإمارة؟ فقال: لا والله ولكني كرهت أن أنازع قوماً حقاً جعله الله لهم.

ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض - وفيهم أسيد ابن حضير وكان أحد النقباء -: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً فقوموا فبايعوا أبا بكر ([15]).

فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم ... فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطأون سعد بن عبادة. فقال أناس من أصحاب سعد: اتقوا سعداً لا تطأوه.

فقال عمر: اقتلوه؛ قتله الله.

ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك. فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر فقال: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة. فقال أبو بكر: مهلاً ! يا عمر الرفق ها هنا أبلغ. فأعرض عنه عمر ([16]).

وقال سعد: أما والله لو أنّ بي قوّة ما أقوى على النهوض لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيراً يُجْحِرُك وأصحابك: أما والله إذاً لألحقنك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع. احملوني من هذا المكان. فحملوه فأدخلوه داره ([17]).

وروى أبو بكر الجوهري: أنّ عمر كان يومئذٍ - يعني يوم بويع أبو بكر - محتجزاً يهرول بين يدي أبي بكر ويقول: ألا إنّ الناس قد بايعوا أبا بكر ... ([18]).

فبايع الناس أبا بكر وأتوا به المسجد يبايعونه فسمع العباس وعلي التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول الله (ص).

فقال علي: ما هذا ؟ قال العباس: ما رئي مثل هذا قط !! ما قلت لك ؟ ([19]).

وجاء البراء بن عازب فضرب الباب على بني هاشم وقال: يا معشر بني هاشم! بويع أبو بكر. فقال بعضهم لبعض: ما كان المسلمون يحدثون حدثاً نغيب عنه ونحن أولى بمحمد!! فقال العباس: فعلوها ورب الكعبة! وكان عامة المهاجرين وجل الأنصار لا يشكّون أنّ علياً (ع) هو صاحب الأمر بعد رسول الله (ص) ([20]).

روى الطبري: أنّ قبيلة أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السكك فبايعوا أبا بكر فكان عمر يقول: ما هو إلاّ أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر ([21]).

فلما بويع أبو بكر أقبلت الجماعة التي بايعته تزفّه زفاً إلى مسجد رسول الله (ص) فصعد على المنبر - منبر رسول الله (ص)- فبايعه الناس حتى أمسى، وشغلوا عن دفن رسول الله حتى كانت ليلة الثلاثاء ([22]).

البيعة العامة:

ولما بويع أبو بكر في السقيفة وكان في الغد جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر.

يروي البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أنّه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس عن [على] المنبر وذلك الغد من يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا يريد بذلك أن يكون آخرهم فأنّ يك محمد صلى الله عليه وسلم قد مات فإنّ الله تعالى قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به هدى الله محمداً صلى الله عليه وسلم، وأنّ أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثاني اثنين فإنه أولى المسلمين بأموركم فقوموا فبايعوه. وكان طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكانت بيعة العامة على المنبر. قال الزهري عن أنس بن مالك سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذٍ اصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة ([23]).

كلام أبي بكر بعد البيعة:

روى الطبري عن أنس بن مالك: لما بويع أبو بكر في السقيفة، وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر .... فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: أمّا بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم؛ فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني .... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله! ([24]).

وروى اليعقوبي: صعد أبو بكر المنبر عند ولايته الأمر، فجلس دون مجلس رسول الله بمرقاة، ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني! لا أقول إني أفضلكم فضلاً، ولكني أفضلكم حملاً، وأثنى على الأنصار خيراً، وقال: أنا وإياكم معشر الأنصار كما قال القائل:

جزى الله عنّا جعفراً حين أزلقت     بنا نعلنا في الواطئين فزلت

أبوا أن يملونا ولو أن أمنـا     تلاقي الذي يلقـون منـا لملت

فاعتزلت الأنصار عن أبي بكر، فغضبت قريش ([25]).

روى ابن سعد في الطبقات الكبرى: قال لما ولي أبو بكر خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد أيّها الناس قد وليت أمركم ولست بخيركم، ولكن نزل القرآن وسن النبي صلى الله عليه وسلم السنن فعلمنا، إعملوا أن أكيس الكيس التقوى، وأنّ أحمق الحمق الفجور، وأن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقّه، وأنّ أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق ([26]). أيها الناس إنما أنا متّبع ولست بمبتدع فإنّ أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني ([27]).

ظهور حسكة النفاق:

مما تقدّم يتضح للقارئ الكريم بداية الانحراف الذي تحقق برحيل النبي (ص) ، وبروز ما كان موجوداً في نفوس القوم الذي أشارت له الزهراء (عليها السلام) في خطبتها في مسجد أبيها الرسول المصطفى (ص)، فقالت: (فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسكة النفاق، وسمل جلباب الدين ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلين وهدر فنيق المبطلين فخطر في عرصاتكم واطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللعزة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحشمكم فألفاكم غضاباً فوسمتم غير إبلكم ووردتم غير مشربكم هذا والعهد قريب والكلم رحيب، والجرح لما يندمل والرسول لما يقبر، ابتداراً، زعمتم خوف الفتنة ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنم لمحيطة بالكافرين) ([28]).

فحدثت مشاجرات بين الأمة الإسلامية وانشقاقات واختلاف كبير. وأعظم خلاف جرى بين الأمة هو الخلاف في الإمامة والخلافة عن الرسول (ص)، حتى عبّر الشهرستاني في الملل والنحل عن عظم الخسارة التي خسرتها الأمة نتيجة ذلك الخلاف بقوله: (ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان) ([29]). فافترق المسلمون إلى فرقتين بعد رحيل الرسول (ص):

الأولى: تقول بأنّ منصب خلافة الرسول (ص) وإمامة الأمة منصب إلهي لابد فيه من النص، ولخليفة الرسول ما للرسول (ص) من صلاحيات في بيان الشريعة وتفصيل أحكامها، بل إنّ الله تعالى قد خص خليفة الرسول الشرعي بالنص عليه من جهة، ومن جهة ثانية أعطاه الصلاحيات التي كانت ثابتة للرسول (ص). وهؤلاء أتباع مدرسة أهل البيت (ص)، وهم الشيعة الحقيقيون الذين يقرّون بحاكمية الله وتنصيبه سبحانه.

الثانية: تقول بأنّ منصب الخلافة منصب عادي قد تركه الله تعالى بعد الرسول للإمة الإسلامية فهي التي تختار من يمثل الرسول في قيادة المجتمع البشري بعد وفاته (ص). وهؤلاء هم أهل السنة.

فلذا نرى علياً (ع) ورجال معه من البيت الهاشمي وغيرهم يقرّون النص، علماً منهم بمنزلة الإمامة وخلافة النبي (ص) التي بيّنها النبي (ص) ونص على الإمامة من بعده في مواطن شتّى.

كما ونرى أيضاً تجمّع الأنصار تاركين النبي (ص) بلا تجهيز ويذهبون للسقيفة ويتداولون مسألة الإمامة وخلافة النبي (ص)، معرضين عن نصوص النبي (ص) على خليفته الشرعي، قد انقادوا لهوى نفوسهم الذي طمّعهم وصوّر لهم خلافة النبي (ص) بالملك المادي الدنيوي، فيقدّم نفسه سعد بن عبادة سيد الخزرج من الأنصار ويرفع عقيرته منادياً بالأنصار بأنهم لهم سابقة في الدين وهم الذين نصروا محمداً (ص) بعد أن خذله قومه في مكة.

وهنا يصل خبر اجتماع الأنصار في السقيفة لبعض المهاجرين فيقصدون السقيفة بهدف تداول أمور الملك والمغالبة للوصول إلى السلطة والخلافة، مع عظم المصيبة التي حلّت بالأمة الإسلامية لفقدها نبيها الكريم وأبوها الذي رأت منه العطف والحنان والرحمة.

وترى المهاجرين يطالبون بالخلافة عن النبي (ص) بزعمهم أنهم أولياؤه وعشيرته.

وهنا يقول أمير المؤمنين (ع) - كما جاء في شرح نهج البلاغة للمعتزلي -: (واعجباً أن تكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة).

ثم ينقل شعر الشريف الرضي ويعلق عليه، قال: قال الرضي رحمه الله تعالى وقد روي له شعر قريب من هذا المعنى وهو:

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم     فكيف بهذا والمشيرون غيب

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم     فغيرك أولى بالنبي وأقرب

ثم يعلّق ويقول: حديثه (ع) في النثر والنظم المذكورين مع أبي بكر وعمر، أمّا النثر فإلى عمر توجيهه لأنّ أبا بكر لما قال لعمر: أمدد يدك، قال له عمر: أنت صاحب رسول الله في المواطن كلّها، شدّتها([30]) ورخائها، فامدد أنت يدك، فقال علي (ع): إذا احتججت لاستحقاقه الأمر بصحبته إياه في المواطن كلها، فهلاّ سلمت الأمر إلى من قد شركه في ذلك وزاد عليه بالقرابة ! وأمّا النظم فموجه إلى أبي بكر، لأن أبا بكر حاج الأنصار في السقيفة. فقال: نحن عترة رسول الله، وبيضته التي تفقأت عنه، فلما بويع احتج على الناس بالبيعة، وأنها صدرت عن أهل الحل والعقد، فقال علي (ع): أمّا احتجاجك على الأنصار بأنّك من بيضة ومن قومه، فغيرك أقرب نسباً منك إليه، وأمّا احتجاجك بالاختيار ورضا الجماعة بك، فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد فكيف يثبت ([31]).

وموقف المهاجرين والأنصار مجانباً للحق والصواب بعد بيان النبي (ص) لخليفته الشرعي في نصوص كثيرة، شهدها الكثير ممن حضر السقيفة.

وبتلك الموازين الباطلة تمت بيعة أبي بكر التي كانت فلتة كما يقرّ بذلك عمر بن الخطاب الذي هو أول من بايع أبا بكر، بل هو الذي حسم الموقف لصالح أبي بكر، فقال - كما يروي أحمد في المسند -: (كانت فلتة ألا وإنها كانت كذلك ألا وأنّ الله عز وجل وقى شرّها) ([32]).

وجاء في صحيح البخاري: ثم إنه بلغني أنّ قائلاً منكم يقول والله لو مات عمر بايعت فلاناً فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ألا وإنّها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرّها ([33]).

فجاء أبو بكر للخلافة لا بمنطق النص ولا بمنطق الشورى ولا بإجماع أهل الحل والعقد على بيعته، وهذا واضح من خلال النصوص السابقة، فقد خالف الكثير هذه البيعة، إلاّ أنها تمت بالمغالبة وبالبطش والإرهاب كما يأتي ذلك في الصفحات القادمة.

ولنرى ما يذكره اليعقوبي في ذلك: واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، يوم توفي رسول الله ...، فأجلست سعد بن عبادة الخزرجي، وعصبته بعصابة، وثنت له وسادة. وبلغ أبا بكر وعمر والمهاجرين، فأتوا مسرعين، فنحوا الناس عن سعد، وأقبل أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فقالوا: يا معاشر الأنصار! منّا رسول الله، فنحن أحق بمقامه. وقالت الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير! فقال أبو بكر: منّا الأمراء وأنتم الوزراء. فقام ثابت بن قيس ابن شماس، وهو خطيب الأنصار، فتكلّم وذكر فضلهم. فقال أبو بكر: ما ندفعهم عن الفضل، وما ذكرتم من الفضل فأنتم له أهل، ولكن قريش أولى بمحمد منكم، وهذا عمر بن الخطاب الذي قال رسول الله: اللهم أعزّ الدين به ([34]) ! وهذا أبو عبيدة بن الجرّاح الذي قال رسول الله: أمير [أمين] هذه الأمة، فبايعوا أيهما شئتم! فأبيا عليه وقالا: والله ما كنّا لنتقدّمك، وأنت صاحب رسول الله وثاني اثنين، فضرب أبو عبيدة على يد أبي بكر، وثنى عمر، ثم بايع من كان معه من قريش. ثم نادى أبو عبيدة: يا معشر الأنصار! إنّكم كنتم أول من نصر، فلا تكونوا أول من غير وبدل. وقام عبد الرحمن بن عوف فتكلم فقال: يا معشر الأنصار، إنّكم، وإن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي، وقام المنذر بن أرقم فقال: ما ندفع فضل من ذكرت، وإن فيهم لرجلاً لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد، يعني علي بن أبي طالب، فوثب بشير بن سعد من الخزرج، فكان أول من بايعه من الأنصار، وأسيد بن حضير الخزرجي، وبايع الناس حتى جعل الرجل يطفر وسادة سعد بن عبادة، وحتى وطئوا سعداً. وقال عمر: اقتلوا سعداً، قتل الله سعداً ([35]).

فهذا شاهد واضح على أنّ البيعة إنما دبرّت بليل وبإرهاب، ونتيجة صراعات وأحقاد بين الأوس والخزرج بقيت في نفوس الأنصار، وها هو عمر ينادي اقتلوا سعداً !



[1]- السقيفة: الصفة، والظلة، وهي شبه البهو الواسع الطويل السقف. وكان لبني ساعدة بن كعب بن الخزرج - وهم حي من الأنصار ومنهم سعد بن عبادة نقيبهم ورئيس خزرج - ظلة يجلسون تحتها هي دار ندوتهم لفصل القضايا اشتهرت " بسقيفة بني ساعدة ". اجتمع فيها الأنصار أوسهم وخزرجهم ليبايعوا سعد بن عبادة خليفة بعد وفاة النبي (ص).

[2]- جذيلها، تصغير الجذل: أصل الشجرة والمحكك عود ينصب في مبارك الإبل لتتمرس به الإبل الجربى .

[3]- عذيق تصغير العذق وهي النخلة، والمرجب ما جعل له رجبة وهي دعامة تبتنى من الحجارة حول النخلة الكريمة إذا طالت وتخوفوا عليها أن تنعقر في الرياح العواصف.

[4]- صحيح البخاري: ج8 ص26، السنن الكبرى للبيهقي: ج8 ص142، فتح الباري - لابن حجر: ج12 ص33، عمدة القاري للعيني: ج24 ص7، وغيرها.

[5]- تاريخ الطبري في ذكره لحوادث سنة 11 هـ، ج2 ص456 ط. أوربا ج1 ص1838، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، وابن الأثير ج2 ص125 وتاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج1 ص5 قريب منه وأبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة ج2 من ابن أبي الحديد في خطبة (ومن كلام له في معنى الأنصار).

[6]- لما انتهت إلى أمير المؤمنين (ع) أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله (ص) قال (ع): (ما قالت الأنصار ؟ قالوا: قالت منا أمير ومنكم أمير، قال (ع): فهلا احتجتم عليهم بأن رسول الله (ص) وصى بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم: "قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم" فقال (ع): لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم. ثم قال (ع). فما ذا قالت قريش ؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول (ص). فقال (ع): احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة) نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ج1 ص116.

[7]- تقدّم المراد من هذه الكلمات قبل قليل.

[8]- أعدت الأمر جذعاً أي جديداً كما بدأ، وإذا طفئت حرب بين قوم فقال بعضهم إن شئتم أعدناها جذعة أي: أول ما يبتدأ فيها.

[9]- شرح نهج البلاغة: ج2 ص38 .

[10]- تاريخ اليعقوبي: ج2 ص123.

[11]- رواه اليعقوبي بعد ذكر ماتقدم في تاريخه: ج2 ص103، والموفقيات: ص579.

[12]- في رواية الطبري: ج3 ص208، وفي ابن الأثير: ج2 ص123(إن الأنصار قالت ذلك بعد أن بايع عمر أبا بكر).

[13]- سيرة ابن هشام: ج4 ص336 وجميع من روى حديث بيعة أبي بكر فلته الذي قاله عمر.

[14]- الطبري: ج1 ص1842، وفي رواية ابن أبي الحديد: عقك عقاق.

[15]- وفي رواية ذكرها ابن أبي الحديد: لمّا رأت الأوس أن رئيساً من رؤساء الخزرج قد بايع قام أسيد بن خضير وهو رئيس الأوس فبايع حسداً لسعد ومنافسة له أن يلي الأمر. شرح النهج لابن أبي الحديد: ج2 ص2، في شرحه لكلام الأمير في معنى الأنصار.

[16]- أن هذا الموقف يوضح بكل جلاء سياسة الخليفتين من الشدّة واللين.

[17]- في الطبري: ج3 ص455 (وتندر عضوك) أي: تسقط أعضاؤك.

[18]- في كتابه السقيفة: راجع شرح ابن أبي الحديد: ج1 ص133، وفي ص74 منه بلفظ آخر.

[19]- ابن عبد ربه في العقد الفريد: ج4 ص258، وأبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة برواية ابن أبي الحديد عنه في: ج1 ص132. ويروي تفصيله في ص74 منه، والزبير بن بكار في الموفقيات: ص277 – 580 و 583 و562، كما يروي عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج2 ص2 – 16 في شرحه (ومن كلام له في معنى الأنصار).

[20]- الموفقيات للزبير بن بكار: ص580.

أقول: إنما جاء عدم شكّهم بكون علي بن أبي طالب (ع) هو صاحب الأمر بعد الرسول (ص) للنصوص التي تثبت ولايته عليهم وأنّه خليفة رسول الله (ص)، ولما عرفوا من لياقات علي بن أبي طالب (ع) التي لا توجد في غيره بعد الرسول (ص)، فمن الطبيعي جدّاً أن لا يشك أحد بكونه هو صاحب الحق بعد النبي (ص)، لكن الذي يحزّ في النفس هو: كيف يقدّموا عليه غيره مع ما عرفوا عنه كما وعرفوا غيره أيضاً، حتى لو فرض عدم وجود النص عليه من قبل الرسول (ص)، فهل لعاقل منصف أن يقدّم على علي (ع) الذي شهدت له ساحات القتال بالبطولة والشجاعة، وساحات العلم بالحكمة وكونه باب مدينة علم النبي (ص)، والمساجد بالعبادة التي يعجز عن وصفها اللسان، إلى غير ذلك مما لا يحصى ذكره ؟! إنها لخسارة للإسلام لا يسدّها شيء !!

[21]- الطبري: ج2 ص458، وفي رواية ابن الأثير ج2 ص224: "وجاءت أسلم فبايعت"، وقال الزبير بن بكار في الموفقيات برواية النهج ج6 ص287: "فقوي بهم أبو بكر" ولم يعينا متى جاءت أسلم ويقوى الظن أن يكون ذلك يوم الثلاثاء. وقال المفيد في كتابه الجمل: إن القبيلة كانت قد جاءت لتمتار من المدينة. الجمل: ص43.

[22]- الموفقيات: ص578، والرياض النضرة: ج1 ص164، وتاريخ الخميس: ج1 ص188. راجع معالم المدرستين: ج1 ص151 – 158.

[23]- صحيح البخاري: ج8 ص126.

[24]- تاريخ الطبري: ج2 ص449، الكامل في التاريخ: ج2 ص332.

[25]- تاريخ اليعقوبي: ج2 ص127.

[26]- لسائل أن يسأل هل يجد هذا المعني في سلوك أبي بكر من خلال مطالعة التاريخ ؟ ولا أظن المنصف يقول: إنّ أبا بكر كان كذلك والذي يشهد لذلك راجع سياسات الخليفة أبي بكر من هذا الكتاب وغيره من الكتب التي تبين ما فعله أبو بكر. لكن هكذا هي سياسة الملك والسلطان تصور نفسها، إلاّ أنّ ذلك لا يخفى على المنصف الذي يتطلع لآخرته.

[27]- الطبقات الكبرى: ج3 ص182.

[28]- الاحتجاج: ج1 ص136.

[29]- الملل والنحل للشهرستاني: ج1 ص24.

[30]- أين تلك المواقف الشديدة التي وقف فيها أبو بكر مع النبي (ص)، ثم كيف شهادة عمر هنا تكون مقبولة بينما شهادة علي بن أبي طالب (ع) لا تقبل عندما شهد لفاطمة ع في كون فدك لها ؟! لا يعلم الإنسان كيف يستسيغ الكلام المتقدّم، لكن الدنيا التي قدمت على علي بن أبي طالب (ع) غيره لا يُستغرب منها فقد يحصل فيها كل شيء، فالحمد لله على بلائه وهوان الدنيا عنده.

[31]- شرح نهج البلاغة: ج18 ص416.

[32]- مسند أحمد: ج1 ص55.

أقول: ليطلع القارئ الكريم إلى التبريرات التي برروا بها قول عمر بن الخطاب، بعد عجزهم عن تكذيب رواية الفلتة، وهكذا نجدهم في كل شيء، فبعد عدم إمكان الإنكار يلتجأؤن إلى التبريرات الجوفاء، كما برروا قول عمر للنبي (ص) واتهامه له بكونه ـ وحاشاه ـ يهجر أو غلبه الوجع، وقد تقدّمت تلك التبريرات في الهامش فراجع.

أما بخصوص تبريرهم لرواية الفلتة فإليك بعضاً مما ذكروه تاركاً التعليق للقارئ الكريم بعد أن يتأمل فيما قيل.

قال ابن حجر في فتح الباري: ج12 ص131: (قوله ألا وإنها) أي بيعة أبي بكر (قوله قد كانت كذلك) أي فلتة وصرح بذلك في رواية إسحاق بن عيسى عن مالك حكى ثعلب عن ابن الأعرابي وأخرجه سيف في الفتوح بسنده عن سالم بن عبد الله بن عمر نحوه قال الفلتة الليلة التي يشك فيها هل هي من رجب أو شعبان وهل من المحرم أو صفر كان العرب لا يشهرون السلاح في الأشهر الحرم فكان من له ثأر تربص فإذا جاءت تلك الليلة انتهز الفرصة من قبل أن يتحقق انسلاخ الشهر فيتمكن ممن يريد إيقاع الشر به وهو آمن فيترتب على ذلك الشر الكثير فشبه عمر الحياة النبوية بالشهر الحرام والفلتة بما وقع من أهل الردة ووقى الله شر ذلك ببيعة أبي بكر لما وقع منه من النهوض في قتالهم وإخماد شوكتهم كذا قال، والأولى أن يقال الجامع بينهما انتهاز الفرصة لكن كان ينشأ عن أخذ الثأر الشر الكثير فوقى الله المسلمين شر ذلك فلم ينشأ عن بيعة أبي بكر شر بل أطاعه الناس كلهم من حضر البيعة ومن غاب عنها وفي قوله وقى الله شرها إيماء إلى التحذير من الوقوع في مثل ذلك حيث لا يؤمن من وقوع الشر والاختلاف (قوله ولكن الله وقى شرّها) أي وقاهم ما في العجلة غالباً من الشر لأنّ من العادة أن من لم يطلع على الحكمة في الشيء الذي يفعل بغتة لا يرضاه وقد بين عمر سبب إسراعهم ببيعة أبي بكر لما خشوا أن يبايع الأنصار سعد ابن عبادة قال أبو عبيدة عاجلوا ببيعة أبي بكر خيفة انتشار الأمر وأن يتعلق به من لا يستحقه فيقع الشر. وقال الداودي معنى قوله: (كانت فلتة) أنها وقعت من غير مشورة مع جميع من كان ينبغي أن يشاور وأنكر هذه الكرابيسي صاحب الشافعي وقال بل المراد أن أبا بكر ومن معه تفلتوا في ذهابهم إلى الأنصار فبايعوا أبا بكر بحضرتهم وفيهم من لا يعرف ما يجب عليه من بيعته فقال منا أمير ومنكم أمير فالمراد بالفلتة ما وقع من مخالفة الأنصار وما أرادوه من مبايعة سعد بن عبادة. وقال ابن حبان معنى قوله كانت فلتة أن ابتدائها كان عن غير ملا كثير والشيء إذا كان كذلك يقال له الفلتة فيتوقع فيه ما لعله يحدث من الشر بمخالفة من يخالف في ذلك عادة فكفى الله المسلمين الشر المتوقع في ذلك عادة لا أن بيعة أبي بكر كان فيها شر.

وقال الباقلاني في تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل ص495: فإن قالوا كيف يكون أبو بكر مستحقاً لهذا الأمر وعمر يقول قولاً ظاهراً على المنبر ألا إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها وأمر بقتل من عاد إلى مثلها بقوله في هذا الخبر فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه. قيل: لهم ما شككنا في شيء فإنا لا نشك وإياكم في أن عمر لم يكن مجنوناً ولا مخلطاً وهذا الكلام إن حمل على ما قلتم صار في حكم الجنون من قائله لأن عمر كان يحتج على الناس في إثبات إمامته والدعاء إلى طاعته والانقياد له في الإمامة بعقد أبي بكر له الأمر وعهده إليه فيه وإذا كانت بيعة أبي بكر باطلة يجب قتل صاحبها ومن عاد إلى مثلها وجب أن يكون عهده إلى عمر باطلا كعهد أبي بكر وموجبا لقتل عمر وقتل من نظر في أمور المسلمين بعدهم من إمام فكان يجب أن تقول له الصحابة فأنت أيضا ممن يجب قتلك ولا يجب العمل على عهدك في الشورى. وإنما قال هذا الكلام لما عهد إليهم في الشورى على المنبر وكان يجب أن يقال له أيضا قد قلت فيمن هذا وصفه وددت أن أكون شعره في صدره وما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه وكان والله من خيرنا يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمثال هذه الأقاويل. وهذا الاختلال لا يتهم عمر به إلا مخلط جاهل. فإن قالوا فما معنى الخبر قيل لهم إن عمر كان يعتقد أن أبا بكر كان أفضل الأمة ومبرزا فيهم بالفضل وغير مشتكل الأمر وأنه كان يستحق أخذها بالمناظرة عليها وأن من بعدها متقاربون في الرتبة والفضل لا يستحقونها على ذلك الوجه ولذلك جعلها شورى في ستة. وقوله كانت فلته أي تمت على غير إعمال فكر ولا روية بل استوثقت فجاءة وقوله وقى الله شرها يعني شر الخلاف عليها وشق العصا عند تمامها فإنه بعيد عنده أن يتم ذلك مع ما رأى من تواثب الأنصار عليها واطلاع الفتنة رأسها وقوله فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه إنما أراد إلى مثل قول الأنصار وما حكي عن الأنصار من إرادتهم نصب إمامين في وقت واحد بقولهم منا أمير ومنكم أمير ولإخراجهم الأمر من قريش إلى غيرهم وهذان الأمران حرام فعلهما في الدين وجالبان الفتنة وإنما عظم غلط الأنصار فيهما فقال لأهل الشورى وغيرهم لما عهد إليهم فيها إن من عاد إلى مثل قول الأنصار فاقتلوه ويمكن أن يكون أراد من حاول أخذها بالمناظرة عليها وإظهار التقدم والتبريز بالفضل على وجه ما فعله أبو بكر وعرف ذلك من أمره فاقتلوه لأنه لم يبق في هذه الأمة من هذه منزلته.

[33]- صحيح البخاري: ج8 ص26.

[34]- روي هذا الحديث بأشكال مختلفة؛ فتارة رووا بأنّ النبي (ص) قال: (اللهم أعز الدين بأحب الرجلين إليك عمر بن الخطاب وأبى جهل بن هشام،....) مجمع الزوائد للهيثمي: ج9 ص63.

وتارة ثانية بهذا الشكل: (اللهم أعز الدين بأحب هذين الرجلين إليك: أبي جهل بن هشام، أو عمر بن الخطاب). فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. موارد الظمآن للهيثمي: ج7 ص88.

وثالثة: عن عائشة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أعزّ الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة. صحيح ابن حبان: ج15 ص306.

ولا ينبغي التردد في كذب هذا الحديث؛ ولذا لما عُرض هذا الحديث على حذيفة ابن اليمان قال: إنّ الله تعالى أعزّ الدين بمحمد (ص) ولم يعزّه بغيره.

ولا أعلم كيف أعزّ الله هذا الدين بعمر بن الخطاب، وهل دين الله بحاجة عمر وأمثاله أم العكس صحيح، فإنّ الإسلام هو من أعزّ المسلم ؟!

فعمر كان في الجاهلية خامل الذكر ولا يلتفت إليه، فلم تعرف عنه نباهه ولا نجدة، وقد ذكروا في رواياتهم أنه كان في الجاهلية نخاساً للحمير وكان في غاية الدناءة، وكان يسمى في الجاهلية (عميراً) تصغيراً وسخرية به، وأنّ أباه كان حطاباً وقطعت يده بسبب سرقة سرقها في سوق عكاظ، فمن كان هذا جزء يسير من بيان حاله فكيف الله أعز به الإسلام ؟!

يقول عمرو بن العاص ـ وهو ممن لا يتهم بنقله في حق عمر ـ،: قبح الله زمانا عمل فيه عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب: والله إني لأعرف الخطاب يحمل على رأسه حزمة من حطب وعلى ابنه مثلها وما ثمنها إلا في تمرة لا تبلغ رضيعة (راجع الغدير: ج6 ص273).

وخرج عمر بن الخطاب ويده على المعلى بن جارود، فلقيته امرأة من قريش فقالت: يا عمر ! فوقف لها فقالت: كنا نعرفك مرة عميراً ثم صرت من بعد عمير عمر، ثم صرت من بعد عمر أمير المؤمنين، فاتق الله يا بن الخطاب وانظر في أمورك وأمور الناس، فإنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ومن خاف الموت خشي الفوت. (الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف: ص467).

وقال الماحوزي: وذكر الفاضل الجليل الحسن بن علي الطبرسي في تحفة الأبرار: أنّ اقتران عمر بأبي جهل في هذا الخبر يشهد بضد ما ادعاه الخصم، وينادي باشتراكهما في الضلال، وهو كما قال: ولو دل هذا الخبر على فضيلة عمر لدل على فضيلة أبي جهل، لانتظامهما في سلك. والذي يظهر لي أن الخبر المذكور على تقدير صحته ودونها خرط القتاد، لا يدل على جلالة عمر ولا فضيلته، بل الوجه في دعائه (ص) أن هذين الملعونين لما اشتركا في البذاءة وخبث اللسان، وإهانة أهل الاسلام والسفاهة عليهم، وتساويا في قبح الأخلاق وايذاء الرسول الله (ص) وأصحابه والاستهزاء بهم، كما يعلم من مطالعة السير، أحب رسول الله (ص) أن يدخل واحد منهما في ظاهر الاسلام، ليكون في مقابلة الآخر، فقد دل من لا سبقة له، ويسلم المسلمون من تعاونهما واستظهارهما بالوقاحة والسفاهة، ويسلم من شره وفتنته، مع أنهم قد رووا أنّ الله سبحانه أعز الإسلام بعلي(ع) دون غيره من الصحابة،..... ثم قال: وعن الكسائي في قصص الأنبياء: مكتوب على ساق العرش: لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله أيدته، ونصرته بعلي.

وفي كتاب المناقب لأبي بكر بن مردويه، ومجتبى الصالحاني، ومنتهى المآرب للقطان الأصفهاني، والتفسير المستخرج من التفاسير الاثني عشر للشيخ الحافظ محمد بن مؤمن الشيرازي: إن هذه الآية (فان حسبك الله هو الذي أيدك بنصره والمؤمنين) نزلت في علي (ع)، وأنه هو المراد بالمؤمنين. (كتاب الأربعين: ص334).

ويقول الشيخ النمازي: وروى من طريقهم عن النبي (ص): اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب، فأسلم. ولا يدل على مدحه لما نقل من صحيح البخاري كتاب الجهاد قول النبي (ص): (إنّ الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر). مستدرك سفينة البحار: ج7 ص426.

[35]- تاريخ اليعقوبي: ج2 ص123.

  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • علي صلوات الله عليه نصر رسول الله محمد (ص) في أول بعثته فكان أول المؤمنين ثم وهو شاب صغير في العمر قدم حياته قربانا بين يدي الله سبحانه وفي كل مرة يخرج بجرح أو جروح مميتة ولكنها لا تثنيه أن يتقدم للموت مرة أخرى، قدم عبادة وإخلاصا، تصدق بكل ما يملك، بخاتمه، وبطعامه وهو صائم، وما كان ليعلم به احد لولا أن الله أنزل قرآنا يذكر فعله، كان علي صلوات الله عليه يخفي بكائه بين يدي الله سبحانه حتى على فاطمة صلوات الله عليها، علي سحق أناه ولم يطلب أن يذكر فوهبه الله حكما وعلما وفضله على العالمين.
    الإمام أحمد الحسن اليماني رسالة بمناسبة عيد الغدير
  • 1
  • 2