raya

قال المفضل للإمام الصادق (ع): (يا مولاي، ما في الدموع من ثواب ؟ قال: ما لا يحصى إذا كان من محق. فبكى المفضل (بكاءً) طويلاً ويقول: يا ابن رسول الله، إنّ يومكم في القصاص لأعظم من يوم محنتكم، فقال له الصادق (ع): ولا كيوم محنتنا بكربلاء وإن كان يوم السقيفة وإحراق النار على باب أمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة وزينب وأم كلثوم وفضة وقتل محسن بالرفسة أعظم وأدهى وأمر؛ لأنّه أصل يوم العذاب) ([1]).

ونريد في هذا الفصل أن نستنطق هذا المقطع، وهو من رواية طويلة، والملفت في هذه الراواية هي قوله (ع): (وإن كان يوم السقيفة وإحراق النار على باب أمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة وزينب وأم كلثوم وفضة وقتل محسن بالرفسة أعظم وأدهى وأمر؛ لأنّه أصل يوم العذاب).

فالمفضل يسأل الإمام الصادق (ع) عن ثواب الدموع، ومن الطبيعي أنّ المفضل كان يسأل عن ثواب البكاء لمصائبهم (ص)، وحينما عرف المفضل بأنّ في البكاء على مصائبهم ثواب لا يحصى، رق قلبه وبكى بكاءً مرّاً طويلاً. فنفس المهموم لظلمهم تسبيح.

روى الشيخ الكليني: عن عيسى بن أبي منصور، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (نفس المهموم لنا المغتم لظلمنا تسبيح، وهمه لأمرنا عبادة، وكتمانه لسرّنا جهاد في سبيل الله) ([2]).

ثم يقول المفضل للإمام أنّ يومكم في القصاص لأعظم من يوم محنتكم. وهنا يأتي جواب إمامنا الصادق (ع) قائلاً: (ولا كيوم محنتنا بكربلاء).

نعم، هي الجرح الذي لا يندمل والذي بقي خالداً في قلوب أئمة أهل البيت (ص).

ولا أريد الآن أن أعرج بالقارئ الكريم على كربلاء وما جرى فيها من محن والآم على بيت الوحي، فهذا متروك لبحث آخر، فما أريد بيانه هو العبارة المتقدمة، وبالتحديد قوله(ع) : (أصل يوم العذاب).

حيث عبر الإمام عن يوم السقيفة وما تلته من أحداث مريرة على الزهراء (عليها السلام) بأنه أعظم وأدهى وأمر، ثم يعلل ذلك بقوله؛ لأنه أصل يوم العذاب.

فهذا التعبير من صادق أهل البيت (ص) يجعل الإنسان متفكراً يتطلع لمعرفة الحقيقة التي يشير إليها الإمام الصادق (ع) بقوله: (أصل يوم العذاب).

فما هو المقصود من أصل يوم العذاب ؟

الأصل في اللغة هو الأساس لكل شيء ([3])، وهذا يعني أنّ ما جرى في السقيفة والذي تلته ظلامة أم أبيها فاطمة (عليها السلام)، الأساس ليوم العذاب، باعتبار أنّ فاطمة (عليها السلام) المحور لما لها من المقام السامي؛ حيث عبر عنها الإمام العسكري (ع) بقوله: (نحن حجج الله على خلقه وجدتنا فاطمة حجة علينا) ([4]).

ولقد كشف بعض أسرار هذا الحديث يماني آل محمد السيد أحمد الحسن (ع) في المتشابهات، فراجع.

ويبقى أن نعرف المراد من يوم العذاب.

يوجد وجهان:

الأول: أنّ المراد من يوم العذاب، أي: إنّ سبب العذاب الدنيوي الذي مرّ على أهل البيت (ص) هو يوم السقيفة وسلب الخلافة من صاحبها الشرعي وإضرام دار فاطمة بالنار ورفسها صلوات الله عليها، حيث إنّ ذلك اليوم هو الذي أسست فيه الظلامة على أهل البيت (ص)، ومن هنا قالت الزهراء في كلامها لنساء المهاجرين والأنصار لما جئن لعيادتها، فقالت: (أما لعمري لقد لقحت، فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا ملاء القعب دماً عبيطاً وزعافاً مبيداً، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب ما أسس الأولون،...) ([5]).

فتبين العاقبة الوخيمة التي ستنتهي لها الأمة نتيجة ما أسسه الأولون الذي اغتصبوا الخلافة وتقمصوها من خليفة رسول الله (ص).

ومن هنا لعن أهل البيت (ص) كل من أسس تلك الظلامة، كما روي عن أبي جعفر (ع)، حيث قال في زيارة جدّه الحسين (ع): (فلعن الله أمة أسست أساس الظلم والجور عليكم أهل البيت، ولعن الله أمة دفعتكم عن مقامكم، وأزالتكم عن مراتبكم التي رتبكم الله فيها، ولعن الله أمة قتلتكم، ولعن الله الممهدين لهم بالتمكين من قتالكم..) ([6]).

ولقد سجّل هذا المعنى القاضي أبي بكر بن قريعة وهو من علماء العامة؛ حيث ذكر قصيدة جاء فيها ([7]):

يـا من يسـائل دائبـاً
لا تكشفـن مغـطى
ولرب مستـور بـدا
إن الجـواب لحاضـر
لـولا اعتـداء رعيـة
وسيـوف أعـداء بها
لنشـرت من أسـرار
تغنيـكـم عمـا رواه
وأريتـكم أن الحسـين
ولأي حـال لحـدت
ولما حمـت شيخيـكم
أوه لبنـت محمـد

 

عن كـل معضلة سخيفة
فـلربمـا كشفت جيفـة
كالطبل من تحت القطيفة
لكنني أخفيـه خيفـة
ألقى سياستـها الخليفـة
هامـاتنا أبـدا نقيفـة
آل محمـد جملا طريفـة
مـالك وأبـو حنيفـة
أصيـب في يـوم السقيفة
بالليـل فـاطمة الشريفة
عن وطئ حجرتها المنيفة
مـاتت بغصتها أسيفـة

الثاني: أنّ المراد من يوم العذاب، هو يوم العذاب الأخروي؛ وذلك لأنّ يوم العذاب هو يوم القيامة، وليس المقصود من يوم العذاب المحن والآلام الدنيوية التي مرّت على أهل البيت (ص) في هذه الحياة الدنيا، بل المقصود أنّ أساس يوم العذاب الأخروي سيكون بسبب الظلامة التي مرّت على أم أبيها فاطمة (عليها السلام) واغتصاب الخلافة من صاحبها الشرعي علي بن أبي طالب (ع) التي جرت على أهل البيت (ص).

والذي يؤيد هذا المعنى هو أنّ المفضل كان يسأل الإمام الصادق (ع) عن يوم القصاص حيث قال للإمام الصادق (ع): (إنّ يومكم في القصاص لأعظم من يوم محنتكم..)، فالظاهر من يوم القصاص هو يوم القيامة وهو يوم العذاب، بينما عبر عمّّا جرى عليهم في الدنيا بالمحنة، وهذا معناه أن يوم المحنة غير يوم القصاص، فيوم المحنة يشير إلى ما جرى عليهم في الدنيا، بينما يوم القصاص يشير إلى يوم القيامة وهو يوم العذاب الأليم الذي يصب على الظالمين الذين اغتصبوا خلافة رسول الله (ص) وهتكوا بيت فاطمة (عليها السلام) وضربوها ورفسوها صلوات ربي عليها.

هذا مضافاً إلى أنّ الرواية لها صلة جاء فيها: (ويأتي محسن تحمله خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (ع) وهن صارخات وأمه فاطمة تقول: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ([8])، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ([9])) ([10]).

ومن الواضح أنّ ذلك يكون في يوم القيامة فيكون المراد من يوم العذاب هو يوم القصاص أو يوم القيامة. والله أعلم وأحكم.

قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً([11]).



[1]- فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى: ج2 ص532، نوائب الدهور: ص194، الهداية الكبرى: ص417.

[2]- الكافي: ج2 ص226.

[3]- القاموس المحيط: ج2 ص197.

[4]- تفسير أطيب البيان: ج13 ص226.

[5]- الاحتجاج: ج1 ص148.

[6]- كامل الزيارات: ص328.

[7]- بحار الأنوار: ج43 ص190.

[8]- الأنبياء: 103.

[9]- آل عمران: 30.

[10]- إلزام الناصب: ج2 ص236.

[11]- طه:114.

  • وأوصيكم أن توصلوا الحق لطلابه برفق ورحمة وعطف فأنتم تحملون لهم طعام السماء فلا تتبعوا صدقاتكم بالمن والأذى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾، فإن لم يكن لكم في هدايتهم حاجة فلتكن لكم في أن تكونوا عوناً لنا في عرصات القيامة حاجة كونوا ممن يفاخر بهم الجليل ملائكته. أعينونا بعلم وعمل وإخلاص وإصلاح ذات بينكم، كونوا خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن أصحاب الكهف فكونوا أنتم لمن قبلكم ومن يأتي بعدكم عجباً.
    الإمام أحمد الحسن اليماني كتاب الجواب المنير الجزء الثالث
  • ادعوكم ايها الناس ان تنقذوا انفسكم من فتنة هؤلاء العلماء غير العاملين الضالين المضلين تدبروا حال الأمم التي سبقتكم هل تجدون ان العلماء غير العاملين نصروا نبياً من الأنبياء أو وصياً من الأوصياء فلا تعيدوا الكرة وتتبعون هؤلاء العلماء غير العاملين، وتحاربون وصي الأمام المهدي ، كما اتبعت الأمم التي سبقتكم العلماء غير العاملين ، وحاربت الأوصياء والأنبياء المرسلين أنصفوا أنفسكم ولو مرة ، وجهوا لها هذا السؤال ، هل سألتم رسول الله(ص) والأئمة عن علماء اخر الزمان قبل أن تسألوا علماء اخر الزمان عن وصي الأمام المهدي هل سألتم القرآن عن العلماء اذا بعث نبي او وصي ماذا يكون موقفهم الذي لايتبدل ؟
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • ادعوكم الى اقرار حاكمية الله، و رفض حاكمية الناس، ادعوكم الى طاعة الله ونبذ طاعة الشيطان و من ينظر لطاعته من العلماء (غير العاملين ). ادعوكم الى مخافة الله و إقرار حاكميته والاعتراف بها ونبذ ما سواها بدون حساب للواقع السياسي الذي تفرضه امريكا. ادعوكم الى نبذ الباطل و ان وافق اهواءكم، ادعوكم الى اقرار الحق و اتباع الحق وان كان خاليا مما تواضع عليه اهل الدنيا. اقبلوا على مرارة الحق فأن في الدواء المر شفاء الداء العضال، اقبلوا على الحق الذي لايبقي لكم من صديق، اقبلوا على الحق و النور وانتم لاتريدون إلا الله سبحانه و الاخرة بعيدا عن زخرف الدنيا و ظلمتها .
    الإمام أحمد الحسن اليماني خطاب الحج
  • 1

البحث في الموقع