كيف نميز داعي الحق من دعاة الباطل؟

الرئيسية : انصار الامام المهدي (ع) الامام احمد الحسن (ع) اصدارات الامام احمد الحسن (ع) بعض بياناته المكتبة اليمانية كتب الامام احمد الحسن (ع) مــع العبد الصالح (ع)

مــع العبد الصالح (ع)

حجم الخط

تحميل كتاب بي دي اف

إصدارات أنصار الامـام المهـدي (ع) / العدد (91(


مــع
العبد الصالح (ع(


أجوبة نيّرة في معارف شتّى ونصائح ورؤى ملكوتية لا غنى لمؤمن بالله عنها عبر حوار مباشر مع قائم آل محمد السيد أحمد الحسن (ع) نضعها بين يدي السائرين الى الله
إعداد وقلم
أبو حسن
الطبعة الأولى
1431 هـ - 2010 م
لمعرفة المزيد حول دعوة السيد أحمد الحسن (ع(
يمكنكم الدخول إلى الموقع التالي:
www.almahdyoon.org
بسم الله الرحمن الرحيم

الاهــداء
عن كليمه موسى بن عمران (ع).. وفتاه يوشع بن نون (ع(
في رحلتهما الالهية للتعلّم ..
قال تعالى : ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾ الكهف : 65.
إنه إذن (العبد الصالح) و (العالم) كما أسماه الله سبحانه ..
إليك يابن البتول الطاهرة أمد يداً وهي على الرغم من سواد وجه صاحبها بذنوبه، لكن يقينه أنكم لا تردون يداً مدت إليكم.
أحمـد .. أيها المجمع الطاهر لبحري (علي وفاطمة) عليهما السلام ..
إليك يا معلم الانبياء ..
روحي فداك .. إليك أهدي ما جمعته من بحر كلامك العذب المعين .. وما أراني إلا كناقل التمر إلى هجر أنصارك الكرام.
مع اعتذاري لجرأتي وقلة حيائي ...
المقصر في حقكم


بسم الله الرحمن الرحيم

تقـديم :
الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على خير خلقه وسادة بريته محمد وآله الطاهرين الأئمة والمهديين وسلم تسليماً.
ربي اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ..
لم تتهرب مني الكلمات مثلما في التقديم الذي كان آخر محطات هذا السفر كتابةً، لا لشيء سوى أني أصبحت فريداً ولم يكن بين يديّ شيء من كلامه (ع) يخص التقديم لأكتبه بعد أن كانت كلماته أمامي في كل محطات هذا الكتاب في مسائله المعرفية المتنوعة.
أما قصة الكتاب .. (مع العبد الصالح).. فهو بكلمة واحدة: (منه وإليه).
- منه .. لأنه كان المجيب على عظائم الأمور التي سألته عنها، ونقلت السؤال والجواب هنا، والإجابة عن العظائم باب كبير يمكن أن يُعرف به القائم (ع) لو كان الناس يصدّقون كلام آبائه الطاهرين.
- وإليه .. لأنه كان الصدر الرحب والواسع الذي كان يتحمّلني رغم جهلي وعدم صحة حتى سؤالي أحياناً ، ورغم شدة الظروف وقساوة الدنيا وأهلها على بقية آل محمد (ع).
أما لماذا (العبد الصالح) دون غيره من بقية أسمائه المعروفة عند أهل السماء ؟
فلأنه الاسم الذي أسماه ربّه لمّا كان به معلماً للأنبياء ورائداً في طرق السموات فضلاً عن عالم الدنيا الذي لم ينظره خالقه مذ خلقه، ولو كان ذا اعتبار عنده ما اُوذي صلحاء عباده فيه.
وسيد مظلومي زماننا هذا هو العبد الصالح .. أحمد، ليس لأنه قد حورب من قبل قوم يدّعون ولاية آبائه فحسب، ولا لأنهم أفتوا بقتله وقتل من يؤمن به، ولا لكفرهم بكلمات الله وآياته وروايات الائمة الطاهرين، بل لأنّ بين جنبيه وقلبه علماً جماً ونوراً يضيء، لا تسعه سماوات سبع فضلاً عما دونها، هي صدور آل محمد، صدور عرفت الله فخضعت، وخشعت له فذلت، ورأت مجرد النظر لأنفسها ذنباً فاغرورقت العيون بالدموع في سواد الليل عند سكون أنفاس أهل الدنيا وضجيجها، بل تضيق بتلك الصدور الكلمات خجلاً من رب رحيم وتختنق عن التعبير وعن وصف حالها بين يدي ربها، فرفعها الله وطهرها، فكانت خزنة علمه، ومعادن حكمته، ونوره وبابه الذي منه يؤتى، ومناراً يضيء درب السالكين رغم وعورة الطريق وخطورته، بل التوحيد - غاية الخلق وهدفه - الذي هو بلا شك أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف كما ورد، بهم يكشف دقائقه، وتعرف مقاصده، فيحقق المرء بفضلهم هدف مجيئه، وغاية خلقته، وأغلى أمانيه وصبوته، لا بياناً منهم فقط بل يبقى الإمام منهم ممسكاً بأيدي المؤمنين حتى يوردهم رضوان الله، ولا تنقبض تلك اليد الكريمة - وحاشاها - الا حيث يقبض الانسان يده عنها والعياذ بالله، فكان بحق كرم الله في أرضه ، ولطفه وآيته في خلقه.
فلماذا إذن يحارب الإنسان من يفعل له كل ذلك، أ لأنه يريد نجاته ؟!! سبحانك يا رب.
وليس لأنّ أهل هذا العالم كان الأحرى بهم استقبال هذا الداعي الإلهي الذي به يحققون غايتهم وهدفهم ولكنهم فعلوا العكس فظلموه، ليس هذا فقط، بل لأنه الآتي بالـ (27) حرفاً من علوم المعرفة الإلهية التي أذن الله بها لعباده ليعرفوه بها مما ضيع الخلق حظه عن تعلّمها من آبائه الطاهرين، الذين لم يبثوها لقوم ما عرفوهم ولا قدروا الله حق قدره فيهم، وإذا كان الداعي هو قائم آل محمد، مجمع البحرين الذي قصده موسى (ع) في رحلته للتعلّم، ومن اعتبر أنّ إنفاق الحقب والدهور دون لقائه أمراً يستحق تنكّب عناء السفر والمسير (أو أمضي حقباً)، فكم ستكون الخسارة عندئذٍ، والناس مصرّة اليوم على حربه والتنكر له !!
العبد الصالح .. حقيقةٌ تتوضح بجلاء في هذا الحوار لمّا يرى الانسان طهارة هذا المخلوق، وعظم خلقه، وشدة تواضعه، ونور حكمته، وبعد غوره وهو يتحدث في أرفع الحقائق عبر اُسلوب يتنـزّل فيه حتى يستوعبه عبد مثلي، إنه ولي الأمر الرحيم والمربي الكريم، وفي هذا درس كبير لنا جميعاً ونحن ندعي الاقتداء به والسير على نهجه، وكم له في كل ما يصدر عنه دروس ودروس، ولكن ما أكثر عبره وأقلّ المعتبرين بها، نسأله سبحانه العفو عن التقصير في حقه.
إذن ، هي محاولة في استخراج الكنوز من ذلك الصدر الطاهر وما يحويه من كنوز المعرفة التي أحد مفتاحها السؤال، فكانت الاجوبة المنيرة منه على أسئلة وجهتها إليه، وآثرت بفضله سبحانه نقلها إلى الناس بعد فهرستها عبر محطات خمس فكانت كالآتي:
1- ما يتعلق بالقرآن الكريم.
2- ما يتعلق بالروايات.
3- ما يتعلق بالعقيدة.
4- ما يتعلق بالمناظرات والبحوث.
5- ما يتعلق بالنصائح العامة وكلامه.
كل ذلك كان بعد أن سألته (ع) ذات مرة، فقلت: (أحياناً ينقل إنسان شيئاً للآخرين كبعض المعارف الإلهية، ولكن هو مطمئن أنه لا يعيشها أو غير مطبق ما فيها، فهل هذا مقبول ؟
فقال (ع): رسول الله محمد (ص) قال: رحم الله امرءاً سمع مقالتي ووعاها ونقلها للناس فرب ناقل فقه لمن هو أفقه منه. ثم قال: هل يكفيك هذا ؟ قلت : نعم).
فإن لم أرحم حالي بدرايتي لكلامه وما دوّنته منه، فلعل الله يرحمني بفضله من خلال نقلي وروايتي لمن هو أفقه مني عنه، عسى من يصله الكلام ينتفع به ويكون من أهله وحملته، كيف وقد حرصت على تدوين الأجوبة بلا إضافة أو تصرّف، وإيصالها إلى الناس كما سمعتها منه مباشرة، وقد عرضتها عليه حينذاك فكانت كما يريد صلوات ربي عليه.
على أني أعتذر إليه مما علّقت قبل نقل كلامه عادة، وبعده أحياناً؛ لأجل التهيئة للجواب مرة، والتوضيح والإلفات أخرى.
والسلام على العبد الصالح أحمد الحسن ممن أحبه بقلبه وروحه ويرجو الله نصرته والسعي بين يديه بفضله وكرمه إنه ولي المؤمنين. والسلام على المؤمنين والمؤمنات ورحمة الله وبركاته.
والحمد لله وحده.
6 جمادي الثانية 1431
أبو حسن

قال العبد الصالح (ع(
" إذا أصبحتم تحصنوا بالله ، وإذا أمسيتم التجأوا إلى كهف الله "
" تمسك بالذي فطر كل شيء وأعطى كل شيء خلقه ، واقبل كل ما يخبرك به سبحانه تعرف كل شيء منه ولن تضيع ، ولن تضل ولو ضاع وضلّ أهل الأرض بأجمعهم "
* * *
أضع بين يدي " أنصار الله " هذه الدرة الثمينة عساها تكون منهاج عمل لنا جميعاً ..
عن عبد السلام بن صالح الهروي ، قال :
(سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (ع) يقول : رحم الله عبداً أحيا أمرنا .
فقلت له : وكيف يحيى أمركم ؟
قال : يتعلم علومنا ويعلمها الناس ، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا (..
المصدر / عيون أخبار الرضا (ع) : ج2 ص275.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، مالك الملك، مجري الفلك، مسخر الرياح، فالق الإصباح ديّان الدين، رب العالمين.
الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها، وترجف الأرض وعمّارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.
* * *
المحطة الأولى : ما يتعلق بالقرآن الكريم
· وقفة مع نصوص المسلمين ومقارنتها بما بين أيدهم من القرآن اليوم ..
قبل التعرض للسؤال والاجابة في هذا الموضوع لابد من وقفة مختصرة لقول كلمة ..
يعتقد البعض بأنّ أيّ قول يُشمّ منه رائحة المساس - فضلاً عن التلميح - بنسخة القرآن الموجودة بين أيدي المسلمين اليوم أعني طباعة فهد، فهو قول يؤدي إلى كفر صاحبه وبطلانه وخروجه عن ربقة التوحيد إلى مصاف الإلحاد والزندقة.
إلا أن وقفة سريعة على النصوص المتوفرة بين أيدي المسلمين بكل مذاهبهم وفرقهم يكشف عن حجم المجازفة والشطط الكبير لدى هذا القائل؛ إذ هو لا يعدو أن يكون مسلماً يدعي التسنن أو التشيع، أعني التسنن الشيخي والتشيع المرجعي، وكلاهما يرويان ويصرحان في نصوص يصعب استقصاؤها بوقوع النقصان والزيادة: التبديل بكلمات أو بحروف أو سقوطها وزيادتها، وهذا نموذج منها للتدليل فقط.
فمما روي عن طرق السنة أنّ رسول الله (ص) قال: (من سرّه أن يقرأ القران غضاً كما نزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) ([1]).
وعلى هذا يكون ابن مسعود من خير الصحابة الذين حفظوا القرآن، ثم إنهم يروون عن ابن مالك أنه قال: (أمر بالمصاحف أن تغير، قال: قال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغلّ مصحفه - أي يخفيه - فليغله فانّ من غلّ شيئاً جاء به يوم القيامة، قال: ثم قال - ابن مسعود - قرأت من فم رسول الله (ص) سبعين سورة، أفأترك ما أخذت من في رسول الله (ص)) ([2]).
ومعنى الحديث واضح وهو أنّ ابن مسعود يرى أن القرآن الذي كتبه عثمان ناقص، أو حدث فيه بعض التغير على الأقل ([3])، قال ابن حجر: (وكان ابن مسعود لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة لم يوافق على الرجوع عن قراءته ولا على إعدام مصحفه، فكان تأليف مصحفه مغايراً لتأليف مصحف عثمان) ([4]).
وفي الوقت الذي يروون فيه قول النبي (ص) في حق مصحف ابن مسعود ويصححونه، يروون أيضاً ما فعله عثمان بابن مسعود لما قرر إحراق المصاحف كلها عدا نسخته التي زودته بها حفصة كما سيتضح، وراح ابن مسعود ضحية القرار الجائر فقتل بعد أن لاقى ما لاقى ([5]).
وقد يكون السبب في أن يفعل به كل ذلك أنّ مصحفه قد أوضحه بقوله: (قرأت على رسول الله (ص) سبعين سورة، وختمت القرآن على خير الناس علي بن أبي طالب (ع)) ([6]).
وعلى أي حال، فعن نقص القرآن عندهم يحدثنا السيوطي، فيقول: (قال أبو عبيد: حدثنا ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن عائشة، قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي مائتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن) ([7]).
وروى أحمد بن حنبل، قال: (حدثنا عبد الله حدثني وهب بن بقية أنا خالد بن عبد الله الطحان عن يزيد ابن أبي زياد عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب، قال: كم تقرؤن سورة الأحزاب ؟ قال: بضعاً وسبعين آية، قال: لقد قرأتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البقرة أو أكثر منه وأن فيها آية الرجم) ([8]).
وتفاجئنا عائشة أيضاً بآية رضاع الكبير، فتقول: (لقد نزلت آية الرجم ورضاع الكبير، وكانتا في رقعة تحت سريري .. وشغلنا بشكاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت داجن فأكلته) ([9]). ومن الواضح أن لا وجود لآية الرجم أو الرضاع أو ما أتحفنا به الأشعري في الكتاب اليوم.
وفي هذا - أعني نقص ما كان عندهم في تلك الأيام عما نزل على رسول الله (ص) من قرآن فضلاً عن مصحف فهد اليوم - روايات كثيرة جداً لست بصدد استقصائها لأن الأمر يطول. ثم كيف لا يكون القرآن ناقصاً بنظرهم - حسب رواياتهم وأخبارهم - وآيات كثيرة يدعيها عمر وغيره ليس لها عين ولا أثر في مصحف فهد اليوم. وهذه بعضها نضمه إلى ما تقدم:
1- (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة) ([10]).
وهي آية عمر المفضلة كما هو معروف والتي طالما قال عنها: (لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها يعني آية الرجم ..)، وقال أيضاً: (لا تشكوا في الرجم فإنه حق) ([11]).
2- (إن ذات الدين عند الله الحنيفية السمحة لا المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيراً فلن يكفروه) ([12]).
3- (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب) ([13]). وغيرها الكثير مما ورد في أمهات كتبهم.
بل الأكثر من هذا لما نطالع في كتبهم أنّ بعض سور القرآن في المصحف الذي بين أيديهم اليوم هل ليست بسور عند كبارهم كما يروون، إذ روى الطبراني: (عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: رأيت عبد الله يحك المعوذتين ويقول: لمَ تزيدون ما ليس فيه ؟ (وأحاديث في هذا المعنى) وفيها: إنما أمر رسول الله (ص) أن يتعوذ بهما ولم يكن يقرأ بهما ...) ([14]).
ثم يقولون: إن القرآن الذي بين أيدي المسلمين اليوم متواتر بكل الذي فيه رسماً ومادة وترتيباً وغير ذلك مما يرتبط به، في ذات الوقت الذي يعترفون فيه أنهم أخذوه من حفصة لا غير، وكانوا يعتبرون ما عندها النسخة الأم، قال ابن ناصر الدين: (في خلافة عثمان بن عفان عهد إلى لجنة من الصحابة الكرام بنسخ خمسة مصاحف - وقيل: أربعة، وقيل سبعة - عن النسخة الأم التي كانت عند حفصة زوج النبي وأرسل إلى كل قطر بمصحف منها ..) ([15]).
يقولون ذلك رغم أنّ عائشة كانت ترى أنّ هناك أخطاء قد وقعت في المصحف بعد النسخ وتعتبره خطأً من النساخ، فما عساهم يقولون لو صدر هذا الكلام من غيرهم ؟! ولا أعرف كيف ينعقد تواتر مؤمنين على أمرٍ تخالفهم أمهم وكثير من أولادها فيه !!!
عن عروة، قال: (سألت عائشة عن لحن القرآن "أن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة" و "أن هذان لساحران"، فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكتّاب أخطوا في الكتاب) ([16]).
على أنّ الكتّاب لم يكونوا ليكتبوا شيئاً الا بعد مراجعة عثمان كما هم يقولون، قال ابن شهاب: (واختلفوا يومئذ في "التابوت"، فقال زيد: "التابوة"، وقال سعيد بن العاص وابن الزبير: "التابوت"، فرفعوا اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوها "التابوت" فإنها بلسانهم) ([17]).
واجتهاد عثمان لم يكن ليقف على الرسم فقط بل تعداه إلى الترتيب أيضاً، أخرج الزمخشري ( عن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه. فإن قلت: فلا صدرت بآية التسمية كما في سائر السور ؟ قلت: سأل عن ذلك ابن عباس عثمان، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت عليه السورة أو الآية، قال: اجعلوها في الموضع الذى يذكر فيه كذا وكذا، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أين نضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فلذلك قرنت بينهما، وكانتا تدعيان القرينتين) ([18]).
فأين التواتر المزعوم في المصحف على ضوء ما أنزله الوحي على مستوى أصل النسخة أو النسخ والرسم أو الترتيب ؟!
وأدعو كل منصف إلى تأمل هذا، ويعطينا قوله بإنصاف فيمن يكفّر غيره - كما تفعل الوهابية اليوم - على أمر يغط بنقله في مصادره الأساسية حتى النخاع، وسأعرض صفحاً عمّن يدعي التسنن لأدعو شيعة المرجعية إلى التأمل في نصين لا أكثر خوف الاطالة:
الأول: عن سالم بن أبي سلمة، قال: (قرأ رجل على أبي عبد الله (ع) وأنا أسمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأها الناس، فقال أبو عبد الله (ع) : مه مه ! كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام أقرأ كتاب الله على حدّه، وأخرج المصحف الذي كتبه علي. وقال (ع): أخرجه علي (ع) إلى الناس حيث فرغ منه وكتبه فقال لهم: هذا كتاب الله كما أنزله الله على محمد (ص) وقد جمعته بين اللوحين، فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة لنا فيه، قال: أما والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبداً، إنما كان عليَّ أن أخبركم به حين جمعته لتقرأوه) ([19]).
الثاني: وهو قول لأستاذ المدرسة الأصولية المعروفة اليوم، والذي لا زال كتابه " كفاية الاصول " مرجعاً عليه تدور رحى اجتهاداتهم في دين الله، وبه تقاس الأعلمية عندهم، اذ يقول: (ودعوى العلم الإجمالي بوقوع التحريف فيه - أي القرآن - بنحوٍ: إما بإسقاط، أو تصحيف وإن كانت غير بعيدة، كما يشهد به بعض الأخبار ويساعده الاعتبار، إلا أنه لا يمنع عن حجية ظواهره، لعدم العلم بوقوع خلل فيها بذلك أصلاً ... ثم إن التحقيق أن الاختلاف في القراءة بما يوجب الاختلاف في الظهور مثل (يطهرن) بالتشديد والتخفيف، يوجب الإخلال بجواز التمسك والاستدلال، لعدم إحراز ما هو القرآن، ولم يثبت تواتر القراءات، ولا جواز الاستدلال بها، وإن نسب إلى المشهور تواترها، لكنه مما لا أصل له، وإنما الثابث جواز القراءة بها، ولا ملازمة بينهما، كما لا يخفى) ([20]).
وأما المشكيني في حاشيته على هذا الكتاب والتي هي بمستوى من الأهمية في الحوزات العلمية التي جعلت منها كتاباً يدرس إلى اليوم في النجف الأشرف، فهو الآخر يؤكد ذلك ويصرح - كأستاذه الخراساني في الكفاية - بوقوع التحريف في الكتاب، بدليل الأخبار والروايات والاعتبار اللغوي الذي يقصد به البلاغة وعدم الاتصال بين بعض الآيات وما شابه من أمور النحو وغيرها.
هذا الحال بإيجاز، وأكيد أنّ كلاً من الفريقين - أعني الشيعة والسنة - فيهم من يقول بوقوع التحريف وفيهم من ينفيه ولكلٍّ دليله، ويماني آل محمد (ع) لما عرض إلى هذه المسألة في كتابه العجل ذكر كلا القولين وبيّن أدلة كل منهما، بدون أن يصرّح (ع) بشيء، هذا أولاً.
وثانياً: هو (ع) وجّه المسلمين إلى اعتبار ما روي عن أهل البيت (ع) وقراءتهم لبعض الآيات من ضمن القراءات التي يقرأ بها المسلمون، فليس من الإنصاف في شيء لمحمد (ص) أن يقبل المسلمون كلهم بشيعتهم وسنتهم قراءة القراء السبع ([21])، أو العشر أو حتى الأربعة عشر، بل حتى القراءة بمطلق ما يوافق العربية كما يفتي السيستاني ([22])، ولا تُقبل قراءة آل محمد (ع) بينها، بل يعاب علينا - كما حاوله أتباع المرجعية ممن يعترض على الدعوة اليمانية المباركة، إذا ما أردنا القراءة بما قرأ به الإمام الباقر (ع) أو الإمام الصادق (ع)، ويقول إنه شيعي مزود بصك وكالة المرجعية البائسة ؟!
إنّ المتتبع يجد وبكل وضوح أنّ أغلب فقهاء الشيعة والسنة - إن لم يكن كلهم - يجوزون القراءة بالقراءات المعروفة التي رووها أهل السنة وأخذها منهم فقهاء الشيعة، الذين تمادى بعضهم فأوجب القراءة بها بدعوى تواترها ([23])، في ذات الوقت الذي نلاحظ فيه أن روايات أهل البيت (ع) تنكر ذلك بشدة ([24]).
وفي قبال القـول بتواتر السـبع ووجوب القراءة بها، نجد قولاً للسيد الخوئي يقـول فيه: (والمعروف عند الشيعة أنها غير متواترة، بل القراءات بين ما هو اجتهاد من القارئ وبين ما هو منقول بخبر الواحد، واختار هذا القول جماعة من المحققين من علماء أهل السنة ... وبهذا يتضح أنه ليست بين تواتر القرآن، وبين عدم تواتر القراءات أية ملازمة) ([25]).
وعليه، فإذا كانت القراءات السبع أو الأكثر اجتهاداً من القراء بنص كبير مجتهدي الأصوليين في العصر المتأخر السيد الخوئي، فما بال شيعة المرجعـية إذن تتنكر لقراءة أهل البيت المروية عنهم، ويعترض أدعياء العلم على ولدهم السيد أحمد الحسن (ع) لما يذكّر الأمة بما قرأه أئمة الهدى (ع)، وهل فعلاً يقبل الشيعة اليوم اجتهاد قارئ في كتاب الله حتى ولو كان عثماني الهوى أو أموي المذهب أو في نسبه غمز كما رأينا ذلك في ترجمة القراء السبع، ولا تقبل قراءة سادة حجج الله عدل القرآن وترجمانه ؟!!
وثالثاً: إنّ لآل محمد (ع) في خصوص ما أشكل به المدعون روايات كثيرة أكتفي بنقل اثنتين منها:
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع)، في قوله عز وجل: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، قال: (من ملك بني أمية، قال: وقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾، أي من عند ربهم على محمد وآل محمد، بِكُلِّ أَمْرٍ سَلَام) ([26]).
وعن عبد الله بن عجلان السكوني، قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: (بيت علي وفاطمة حجرة رسول الله (ص)، وسقف بيتهم عرش رب العالمين، وفي قعر بيوتهم فرجة مكشوطة إلى العرش معراج الوحي والملائكة، تنزل عليهم بالوحي صباحاً ومساء وكل ساعة وطرفة عين، والملائكة لا ينقطع فوجهم، فوج ينزل وفوج يصعد، وإن الله تبارك وتعالى كشف لإبراهيم (ع) عن السماوات حتى أبصر العرش، وزاد الله في قوة ناظره، وإن الله زاد في قوة ناظر محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين (صلوات الله عليهم) وكانوا يبصرون العرش، ولا يجدون لبيوتهم سقفاً غير العرش، فبيوتهم مسقفة بعرش الرحمن ومعارج الملائكة والروح فوج بعد فوج لا انقطاع لهم، وما من بيت من بيوت الأئمة منا إلا وفيه معراج الملائكة لقول الله عز وجل: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ([27]) أَمْرٍ سَلامٌ﴾. قال: قلت: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ ؟ قال: بِكُلِّ أَمْرٍ، فقلت: هذا التنـزيل ؟ قال: نعم) ([28]).
ماذا بقي إذن، ويماني آل محمد (ع) يقرأ الآية كما قرأها آباؤه الطاهرون (ع)، وماذا نفعل لكم إن كنتم تشمئزون من قول آل محمد (ع) وقراءتهم، وتستحسنون قراءة حتى النواصب ؟!
كانت هذه كلمة مختصرة لابد منها قبل نقل كلام السيد أحمد الحسن (ع)، في هذا الموضوع، وطرح السؤال عليه.
* * *
قراءة (بكل أمر) في سورة القدر ..
كما بينت فيما سبق، حاول بعض المعاندين التشنيع على الدعوة الإلهية رغم وضوح بيناتها بحجج واهية تكشف عن خباثة الطينة وعظم جرأة صاحبها على آل محمد (ع)، منها: أنّ السيد أحمد الحسن (ع) يقرأ الآية في سورة القدر هكذا: (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم بكل أمر) وعليه فهو - وحاشاه - باطل؛ لأنه يقرأ بما يخالف المصحف بطباعة فهد الموجودة بين الناس اليوم ؟! بهكذا استدلالات يريد شيعة المراجع وأدعياء العلم إطفاء نور الله.
وعندما سألته حول هذه المسألة، قال (ع): (هم يقولون إن أحمد الحسن يقول بقراءة " بكل أمر "، وهذا يخالف النسخة الموجودة المكتوبة الآن، وكل من يخالف النسخة المكتوبة اليوم باطل، أليس كذلك ؟
إذن، بحسب هذا الاستدلال منهم يكون فقهاء الشيعة الأصوليون كلهم باطل؛ لأنهم يقولون بأعظم من هذا، فقط اذهب إلى كتبهم الفقهية ولن أقول البحث؛ لأنه مليء بالقول بالقراءات وهذا يرجح هذه القراءة وذاك يرجح تلك القراءة، بل اذهب إلى كتب الفتوى ([29]) في القراءة من كتاب الصلاة عندهم ستجد أنهم يقولون بأنّ سور القرآن (112) وليس (114)، ويقولون بزيادة بسملتين ([30])، إذن فهم يبطلون أنفسهم؛ لأنهم خالفوا النسخة المكتوبة، هذا أولاً.
ثانياً: عندك كتاب كفاية الأصول وتعليق المشكيني عليه؛ لأن هذه النسخة يدرسونها في حوزة النجف ويعملون بتعليقتها. يوجد كلام في الكفاية عن حجية ظاهر القرآن، هل مر عليك سابقاً ؟ هل قرأت كلام صاحب الكتاب وتعليق المشكيني عن مسألة تحريف القرآن ؟ اقرأه ستجد أن صاحب الكتاب يرجح التحريف، والمشكيني يؤكد التحريف بالاعتبار والأخبار. والأخبار معروفة، والاعتبار يقصد به الخلل في البلاغة والانقطاع في الكلام والخلل في النحو .. الخ.
فهؤلاء علماؤهم وكبار فقهائهم الأصوليون يقولون بالتحريف ويصرحون به، أما نحن فقد قلنا لهم فقط اعتبروا قراءة أهل البيت (ع) كالقراءات السبعة الأخرى المقبولة عندكم، فما هي المشكلة ؟!
والله، قلت لوهابي يوماً: اعتبروا قراءة أهل البيت كالقراءات السبعة الأخرى التي تقرأونها، فسكت ولم يرد وقبل قولي، فما بال هؤلاء ؟! مع أنّ هذا الوهابي كان يقول إن أهل البيت يقولون بتحريف القرآن ويحتج، ولكن هؤلاء أعماهم الحسد فلا يكادون يفقهون قولاً).
وسألته حول القراءات السبعة والأحرف السبعة، وأن أحد الذين ناظروا الأنصار - وهو أحد شيوخ المرجعية وأبواقهم - احتجّ برد الأئمة على من قال بالأحرف السبعة من أبناء العامة، وبهذا فهو يقول بأن القول بالقراءات السبعة باطل.
فقال (ع): (هذا لا يفرق بين قول الناس بالقراءات السبعة، وقولهم الآخر إن القرآن نزل بسبعة أحرف. السنة يقولون بحسب روايات عندهم أن القرآن نزل بسبعة أحرف ([31])، يعني يقولون: يجوز أن تقرأ بدل العزيز الرحيم العزيز الحكيم وهكذا، وهذا رده أهل البيت (ع) وقالوا: إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد ، وهذا لا علاقة له بالقراءات السبعة.
فالقراءات السبعة متأخرة عن قولهم بالأحرف السبعة، وسببها أي القراءات السبعة: إنهم بعد جمع عثمان الناس على مصحف واحد - أي رسم واحد - وليس قراءة واحدة؛ لأنه لم يكن فيه تنقيط ولا حركات ولا همز، قرؤوا الرسم بصور متعددة بحسب ما يتصور كل قارئ فكثرت القراءات، وكان في العهد الأموي أن السلطة الأموية وحّدت الناس على قراءة القراء المعتبرين عند الناس وعند السلطة، ورفضوا أن ينسخ أو يقرأ المصحف - بالنقط والحركات والهمز - بالقراءات الأخرى، فقبلوا سبعاً ورفضوا الأخرى، ولديك تاريخ القرآن، فاحتجوا عليهم بالكتب وما موجود عندهم وما كتب في كتب تاريخ القرآن.
والقراءات السبعة كلها كانت شائعة في زمن الأئمة (ع) ويكتب بها جميعاً المصحف ويقرأ بها جميعاً، فقول الإمام (ع): اقرؤوا كما يقرأ الناس، يعني: بالقراءة التي يقرأ بها الناس وهي سبع قراءات أو اكثر وليس واحدة، وإلى اليوم من لديه معرفة بالقراءات السبعة يقرأ بها جميعاً مثل عبد الباسط، فهو يقرأ بالقراءات السبعة وإذا وصل إلى كلمة فيها قراءتين أو ثلاث يقرأها أكثر من مرة وكل مرة بقراءة).
ثم طلب (ع) من أحد الأنصار إلقاء محاضرة في هذا الشأن، يتم فيها الرد على هذا الجاهل وتفنيد شبهته القائمة على أنّ كل من قال بشيء يخالف النسخة المطبوعة اليوم - أعني طبعة فهد - فهو باطل؛ لأنه قائل بالتحريف.
وقال (ع) له: (في المحاضرة بيّن ان فقهاء الشيعة كلهم يقولون إن الضحى والشرح سورة واحدة، ولا يجوز قراءة واحدة منها في الصلاة ولا تجزي ([32])، وائتي بآرائهم.
وائتي بروايات أهل البيت (ع) في ذلك أيضاً ([33]).
وأيضاً الرابط بين الضحى والشرح، فهي واضحة أنها ليست سورة بل مكملة للضحى، يعني أن الله في نهاية الضحى يقول: وأما بنعمة ربك فحدث ، ما هي هذه النعمة ولماذا يحدث بها ؟ ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك ..... ، وأيضاً سورتي الفيل وقريش سورة واحدة.
وإذا أردت أن تكتفي فقط بقول فقهائهم لكي لا يتشتت المستمع؛ فالناس لا يكادون يسمعون، لعلهم يسمعون القليل. ثقفوهم، عرفوهم، على الأقل فلتكن عند الناس معلومات ومعرفة لعلهم يلتفتون إلى خداع هؤلاء في يوم من الأيام فينجون بأنفسهم).
* * *
المحطة الثانية :
ما يتعلـق بالروايـات
كانت هناك وقفة مع السيد أحمد الحسن (ع) بخصوص بعض الروايات الطاهرة في بعض زاوياها ومداليلها، وكانت الأسئلة تدور مرة عن روايات خاصة بعينها، وأخرى عن بعض ما يتعلق بها جميعاً من دون النظر إلى رواية معينة، فكان الآتي بفضله سبحانه.

(هل يحق لغير المعصوم بيان معنى رواية متشابهة)..
إنه فضل من الله كبير أن يوفق المرء الى الاقتداء بحجج الله الطاهرين والاستنان بسنتهم في دعوة الخلق التائه الى ربهم الكريم الذي لم يغفلهم آن رغم أنهم يغطون في سبات النسيان العميق، وأكيد أنّ من أراد شيئاً أعدّ له عدته، وهل هي إلا المعرفة الإلهية بشروطها وأدواتها التي تمكن العامل الإلهي من خوض غمار المواجهة مع الباطل وأهله لإنقاذ ما يستطيع من الخلق، وحاجته بعد هذا إلى بيان الحق للناس والإجابة على تساؤلاتهم لا تكاد تنكر أبداً.
ولكن كثيراً ما تسبب له قلة البضاعة المعرفية التي لست الآن بصدد بيان أسبابها - وهي لا تعدو الإنسان نفسه جزماً - إرباكاً في المسعى. ومن ثم قد يتراءى له حينذاك بعض الأجوبة من خلال ما يطالعه من روايات شريفة، لكن ليس بيده قول قطعي من المعصوم في المراد والمعنى الحقيقي لها، فهل بالإمكان بيان فهمه للناس والحال هذه ، ويكتفي بقول: (والله أعلم) بعد ذلك، أم يتأسى بالمأثور: (إن نصف العلم قول لا أعلم) من البداية، ورحم الله من عرف قدر نفسه ويختار ذلك سبيلاً ؟
الحقيقة لا أعرف إجابة عندما خطر ذلك التساؤل في بالي ، ولم اُحر له جواباً ؟
فقررت سؤال العبد الصالح (ع)، وتبين لي بعد إجابته أني لست فقط غير عارف بالجواب، بل لم أكن لاُحسن حتى صياغة السؤال، والحمد لله على كل حال، وساعد الله قلبه الشريف.
وعلى أيّ حـال، سألته (ع)، فقلت: إذا سئل الإنسان عن معنى يتعلق برواية أو شيء من ذلك ولم يكن لديه جواب قطعي من المعصوم، فهل له أن يجيب بما يعرف من بعض كلماتهم (ع) أو يمتنع عن الإجابة ؟
فأجابني (ع): (هذا يعتمد على تلك الرواية وبماذا تتعلق، وهل لها مساس بالاعتقاد أم بالتشريع، فالسؤال غير دقيق لتتم الإجابة عنه، فهناك روايات بينة وروايات متشابهة وروايات متعارضة، فما لم يتبين لكم معناه لا تجيبوا به بالقطع، ولكن يمكنكم إعطاء فهمكم لمن يطلبه، وأيضا يمكنكم السؤال ومعرفة الإجابة ومن ثم بيانها لمن يطلبها).
طبعاً، هذا بالنسبة إلى ما عدا الروايات الشريفة التي تتحدث عن حركة الظهور المقدس وما يرتبط به، وأما بالنسبة إلى روايات الظهور فقد أجاب عنها (ع)، فقال: (أما إذا كنت تقصد روايات الظهور فهذه نحن لا نبيّن منها إلا موضع الحاجة والضرورة، أما ما تركنا بيانه فمن أراد الله إفهامه يفهمه المراد منها، وكلٌ بحسب إخلاصه، ويبقى بيانها على اليقين لكل الناس في حينها).
* * *
(السؤال عن الجزئيات في الروايات)..
السؤال عن الجزئيات أمر يتعرض له الأنصار بكثرة من قبل السائلين، اذ تضمنت روايات أهل البيت (ع) الإشارة إلى ما يرتبط بأحداث وشخصيات في زمن الظهور، بل حتى أدق التفاصيل المرتبطة بدعوة الإمام المهدي (ع) ورسالته الإلهية، ويصرّ البعض على ربط إيمانه بدعوة الإمام المهدي (ع) ووصيه ورسوله إلى الناس على تشخيص تلك الجزئيات وضرورة استيضاحها كباب أحادي للإيمان دون ما سواه.
وهذا الفهم في الحقيقة فيه من المجازفة ما فيه، لأن أئمة الهدى (ع) أشاروا إلى أن البداء أمر ممكن في الجزئيات، ومن غير الصحيح أن يربط المنتظر إيمانه بدعوة إمامه (ع) ويعلّقه على أمر ممكن حصول البداء فيه.
على هذا،كنت قد سألت العبد الصالح (ع) ذات مرة عن السفياني وبعض التفاصيل المرتبطة بشخصيات وأحداث الظهور.
فأجابني (ع): (بالنسبة للتفاصيل كلها يحتمل فيها البداء، بل هو الراجح بالنسبة لخطة عسكرية يراد بها الانتصار على العدو وهو الشيطان وجنده ، فحتى الخروج الذي نص عليه أنه في يوم واحد ([34]) فيه البداء).
ثم بعد أن ذكر بعض الروايات الشريفة لخّص مضامينها، وقال (ع): (ماذا تفهم من الروايات؟ القائم من المحتوم، القائم من الميعاد، السفياني من المحتوم، المحتوم ليس فيه بداء، المحتوم فيه بداء، الميعاد ليس فيه بداء ([35]).
- فالمحتوم فيه بداء بمعنى في تفاصيله، وإلا فهذه روايات تبين أن لا بداء فيه، أما أصل وجود سفياني فلابد منه ولكن ممكن يكون فلان أو فلان، ويمكن أن يكون مبدأه من هنا أو من هناك.
- القائم من الميعاد ولا بداء فيه؛ لأنه إمام فلا يكون في المعصوم بداء.
إذن، فأصل قيام اليماني والسفياني والخرساني في يوم واحد واقع ضمن مساحة البداء، فكيف يمكن أن يجعله عاقل دليلاً قطعياً لابد من تحققه وهو مما يبدو لله فيه).
* * *
وسألته (ع) أيضاً، فقلت: أحياناً يتم سؤالنا عن جزئيات ويطلب منا أن نجيب عليها، أقصد جزئيات في الروايات، مثلاً: هل ما يجري في العراق الآن من أمور تؤدي إلى استلام السفياني الحكم بعد أن قلتم أن الحكم القائم اليوم هو لبني العباس، وأيضاً عن الدجال وربطه بالشخص المعروف، فكيف يتم التعامل مع هكذا أسئلة ؟
فأجابني (ع): (حاولوا أن تكون إجاباتكم محدودة جداً؛ لأن التشخيص يسبّب لكم مشاكل كثيرة في هذا الوقت، والنتيجة أنهم سيعلمون الأشخاص بعينهم إن أرادوا استقراء الحقيقة، وهم لم يكلفوا الإيمان بالسفياني وغيره، بل كلفوا الإيمان بالحجج، فمن عرف الحجة لا يضره شيء وكفي مؤنة البحث ([36])).
* * *
(إمام ينسب الفعل لنفسه والمقصود هو إمام آخر )..
أمر آخر واضح لمن طالع روايات آل محمد (ع) وهو أنّ إماماً منهم - روحي فداهم - ينسب الفعل لنفسه ولكنه يقصد (ع) بذلك إماماً من ولده ويعتبر فعلَه فعلُه، والأمر يطول لو أردت نقل جميع الشواهد على هذه الحقيقة، لكني أكتفي بنقل نصين للتدليل فقط:
الأول: قال أمير المؤمنين (ع) عن نفسه في إحدى خطبه: (أنا من كلّم موسى)، وفي ذات الوقت قال (ع) وهو يتحدث عن آخر الزمان: (.. يا جابر إذا صاح الناقوس، وكبس الكابوس، وتكلم الجاموس - الذي كثر صمته ولما نطق نطق كفراً - فعند ذلك عجائب وأي عجائب .. وبعد أن ذكرها، قال: فتوقعوا ظهور مكلّم موسى من الشجرة على الطور، فيظهر هذا ظاهر مكشوف، ومعاين موصوف .. ثم بكى صلوات الله عليه، وقال: واهاً للأمم ..) ([37]).
الثاني: عن عباية الأسدي، قال: (سمعت أمير المؤمنين (ص) وهو مشنكى - هكذا في المصدر، وقيل: ربما متكئ - وأنا قائم عليه يقول: لأبنين بمصر منبراً، ولأنقضن دمشق حجراً حجراً، ولأخرجن اليهود والنصارى من كل كور العرب ولأسوقن العرب بعصاي هذه، قال : قلت له : يا أمير المؤمنين كأنك تخبر أنك تحيى بعد ما تموت ؟ فقال : هيهات يا عباية ذهبت في غير مذهب يفعله رجل مني) ([38]).
فالامام أمير المؤمنين (ع) ينسب الفعل لنفسه مع أنّ فاعله المباشر هو رجل من ولده، فما وجه ذلك ؟ في هذا كنت قد سألته (ع)، فقلت: ما ورد في كثير من الروايات من أنّ إماماً ما ينسب الفعل لنفسه مع أنه يقصد إماماً آخر من ولده كما ورد في "مكلّم موسى" ، و "يفعله رجل مني"، فهل صحة النسبة لأنه منه فقط، أم أن هناك أمراً آخر ؟ وهل له ربط باتحاد أنوارهم في السماء السابعة ؟
فأجابني (ع) : (وفقك الله ، في هذا العالم الجسماني نعم هو منه؛ لأنه من ذريته، وفي السماء السابعة هو منه؛ لأنه دونه وبعض حقيقته).
عندها، يكون ذلك باباً يمككنا من خلاله معرفة بعض ما ورد من روايات في صيحة الحق وكونها باسم أمير المؤمنين (ع)، فإنها - أي الصيحة - ليس بالضرورة أن تكون باسمه (ع)، بل باسم ذلك الرجل الطاهر من ذريته الذي ينسب الإمام الفعل إليه مع أنه يقول: أنا أفعله، بل هذا هو الحق ولذا يرتاب المبطلون ممن يدعي التشيع عندما يسمعون صيحة إبليس لعنه الله، وليس فقط يرتابون بل يتبرؤون ويقولون إنه سحر من سحر أهل هذا البيت ([39]) !!!
* * *

(رواية السمري)..
تعتبر رواية السمري ([40]) مما تشبث به المعترضون على خليفة الله واليماني الموعود السيد أحمد الحسن (ع) ورفض دعوته اليمانية المباركة، بالرغم من علمهم هم قبل غيرهم بفساد الاستدلال بها، وللوقوف على هذه الحقيقة بالتفصيل أدعو جميع من يريد الاطلاع على ذلك مراجعة ما كتبه الشيخ الناصح ناظم العقيلي في كتابه (الرد القاصم على منكري رؤية القائم)، والأستاذ الفاضل ضـياء الزيدي في كتابه (قراءة جديد في رواية السمـري)، أحد إصدارات أنصـار الإمام المهدي (ع).
ولكن ولما لم أكن مطلعاً على ما خطه الأخَوَان وفقهما الله بالتفصيل، وهذا بالتأكيد قصور مني، وكثرة ما يتردد على ألسنة المعترضين من ذكر هذه الرواية، سألته (ع) عنها.
فأجابني (ع): (توجد كثير من المناقشات لهذه الرواية وهي كافية ، ولذا فهم تركوها وأعرضوا منذ زمن بعيد، لأنهم يعلمون أنّ الاحتجاج بها لا قيمة له.
فهي مطعون في سندها ([41])، وعندهم لو كانت صحيحة السند لا تفيد الاعتقاد دون أن يعضدها ما يوصل إلى اليقين بصدورها ([42]).
إضافة إلى أن متنها متشابه، وفهمه عدة منهم بأكثر من فهم مختلف ([43])، إضافة إلى أنها غير مسوّرة وهذا يطعن في كليتها عندهم ([44])، أم أن قواعدهم لعبة عندهم إذا شاءوا عملوا بها وإذا لم يشاءوا أوقفوا العمل بها ؟!
إضافة إلى أنها منقوضة بعدة روايات وأحداث:
منها: رواية اليماني ([45])، وما حدث مع الشيخ المفيد من رسائل ([46]).
فمسألة التعلل بهذه الرواية أمر غير مقبول على كل حال.
ثم إن السمري قال عند موته - عندما سئل عمن بعده - : (لله أمر هو بالغه)، وهذا واضح في أنّ السمري لا يوصي ولا ينكر، بل يؤكد أن الأمر سيعود.
ثم ما هي علة وجود الرسل والحجج بين الناس واتصالهم بهم ؟ إذا كانت الهداية إلى الحق، فهل الآن هم مستغنون عن الهادي، وبمن ؟
ثم الذي أتى اليوم ألم يبين أنهم في ضلال وانحراف، فلينظروا بما أتى به ؟ بل هم قبله مختلفون في المنهج الحق، فمنهم الأخباريون والأصوليون والشيخية أو الاحسائية وغيرهم ربما، بل الأصوليون مختلفون فيما بينهم، فأين الحق ؟
إذن، هناك حاجة للهادي ، فما هو المانع من إرساله بنظرهم مع أنّ الحكمة تقول بإرساله، خصوصاً مع وجود المستقبل ؟! ومع قول الكل بالانتخابات اليوم ، هل يبقى داعٍ لدين الله ؟ هل يبقى سائر على منهج الحسين (ع) ؟ طبعاً لا يبقى، أي لا يبقى من يقول " الملك لله "، ولا يبقى من يعبد الله ويطيع الله، بل لا يبقى من يقول " الله "، فالكل يقولون بالانتخابات وهي بالاتجاه المعاكس لما يريده الله سبحانه، فإذا كان سبحانه يريد أن يعبد في أرضه فالحكمة تقول أن يرسل هادياً ليحفظ الدين، أليس كذلك ؟
هذه الأخيرة لمن يعقلها لا سبيل لردها، فلا معنى للاعتراض برواية السمري، بل لا معنى للقول بعدم وجود الهادي أبداً، كل ما هنالك البحث عنه وتشخيصه من بين الرايات المرفوعة، والحمد لله لم يقل أحد بحاكمية الله غيره، فهل هذا امتحان صعب تراه ؟!
إنّ المسألة حتى لا تحتاج إلى بحث وتحقيق ولا روايات ولا شيء، فقط تحتاج أن يعرف الناس أن دين الله هو حاكمية الله، وهذا ثابت في مذهب أهل البيت (ع).
وبما أن الأمر في هذا الزمان محصور بشخص واحد فلا يحتاج الإنسان إلى شيء لمعرفة الحق، ولهذا قالوا (ع): (أمرنا أبين من الشمس) ([47])؛ لأنه محصور بشخص واحد ولا يوجد غيره، فالكل دعاة لحاكمية الناس.
في القرن الماضي اعتبر علماء الشيعة أنّ المشاركة في الانتخابات ضلال وانحراف، فما عدا مما بدا، هل الآن أصبحت هدى ؟ لا، ولكنها رحمة الله بالناس أن جعل الأمر محصوراً وبيّناً.
والله، إني لأعجب من هؤلاء الناس كيف يضلون، وهل يجدون الهدى في مكان آخر ليشتبه عليهم الأمر، وهل يجدون الآخرين - الكل ولا يوجد منهم شاذ - غير مصرحين بالباطل وهم يصرخون وينادون بحاكمية الناس، بل حتى هؤلاء الذين يدّعون أنهم يدعون للإمام المهدي (ع) نجدهم جميعاً بين مشارك ومؤيد للانتخابات.
الحمد لله على كل حال، الحمد لله الذي جعل الدنيا أياماً تنقضي ونفارق هؤلاء الذين لا يفقهون قولاً).
إذن، ما يزيد على العشرة نقاط منه (ع) بين علة هداية وحكمة وإيضاح وتذكير بدين الله وجواب على استدلالهم برواية السمري رحمه الله، بل أوضح روحي فداه لهم بكلمات موجزة وبيان واضح أنهم يؤسسون قواعد ويؤمنون بها ثم يسارعون إلى نقضها بأيديهم:
- وضعوا قواعد للأخذ بالحديث، وأفتوا بتكذيب الحق بحديث لا يعترفون به حسب قواعدهم ؟!
- قالوا: لا يجوز التقليد في العقائد، وأفتوا لأتباعهم بتكذيب الحق وانحنى لهم المستحمرون؟!
- وقالوا: إن خبر الواحد لا يفيد العلم ولابد من العلم في العقائد ، واكتفوا بتكذيب الحق بخبر هم يقولون إنه ظني ؟!
- وآمنوا بقواعد منطقية يونانية الأصل وبينوا فيها أنّ القضايا غير المسورة هي في قوة الجزئية ثم أفتوا بتكذيب الحق على أساس كلية القضية مع أنها مهملة وفق قواعدهم ؟!
والله ، إنهم المصداق الأمثل لقوله تعالى : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَـارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَـوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾([48])، بل هم ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً﴾([49])، يغزلون وينسجون ثم ينقضون ويقطعون، فتباً لهم وسحقاً ومن ورائهم حساب قريب في القيامة الصغرى قبل القيامة الكبرى، فانتظروا إنا منتظرون.
فأين إجابتهم وردهم ولو عن واحد مما بينه لهم (ع) ومنذ سنين ؟ لا شيء أبداً، فقط استهزاء واتهام وكذب وتهريج لا يكاد ينقضي وصفه، ولا ينتهي ألم المؤمن إلا بقول حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا غرو فما هم إلا (نتج الهرج) وحصاده الجائف، كما أوضحه النبي الأعظم (ص(
* * *
رواية: (لا تنقضي الدنيا حتى يجتمع رسول الله (ص) وعلي (ع) في الثوية ..)..
لا شك في وجود عالم الرجعة، كما لا شك في وجود عالم الذر أيضاً، بنص الآيات الكريمة وعشرات الأحاديث الشريفة، وبضمهما إلى عالم الدنيا تكون عوالم قوس النزول ثلاثة ([50])، ولست بصدد البحث فيها الآن بقدر ما وددت الإشارة إلى أنّ عالم الرجعة غير عالم الدنيا.
ولما يستحضر المرء هذه الحقيقة يخطر في باله الكثير من روايات آل محمد (ع) وهم يؤكدون على اجتماع رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) في هذا العالم بالكوفة في آخر الزمان لبناء مسجد يخص دولة العدل الإلهي العالمية. ولا يخفى أنّ تأويل مثل هذه الأحاديث بعالم الرجعة فاشل جداً ومجانب للحقيقة بعد اتضاح اختلاف عالم الرجعة عن عالم الدنيا كما قدمنا، والروايات تصرح بأنّ الاجتماع يكون في هذا العالم الذي نحن فيه، أي الدنيا. فماذا تعني تلك الروايات إذن ؟
سألت العبد الصالح (ع) عن بعض تلك الروايات، وقلت: حين مطالعة بعض الروايات الشريفة يخطر في البال معنى، بل يؤيده بعض الذي عرفناه في دعوة الحق، ولكن يبقى الخوف من التحدث به قبل الرجوع إليك، مثلاً: رواية اجتماع رسول الله (ص) وعلي (ع) في الكوفة وبناؤهما لمسجد فيه ألف باب، والقوم عند عرض هذه الروايات وأمثالها مباشرة يقولون أنّ ذلك يكون في الرجعة.
فقال (ع): (تقصد مثلاً: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾([51])).
فقلت: نعم، والرواية هي هذه: عن أبي مروان قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عز وجل ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، قال: فقال لي: لا والله لا تنقضي الدنيا ولا تذهب حتى يجتمع رسول الله (ص) وعلي بالثوية ، فيلتقيان ويبنيان بالثوية مسجداً له اثنا عشر ألف باب، يعني موضعاً بالكوفة ([52]).
فقال (ع): (لديك رواية أخرى عن نفس هذا المسجد، هل تعرفها ؟ هل تعرف الرواية الأخرى عن المسجد الذي ذكرته هذه الرواية ؟ ).
فقلت: قرأت روايات أن المسجد يصلي فيها اثنا عشر إماماً عدلاً ([53]).
فقال (ع): (لا ليس هذه، بل إن الناس يطلبون من القائم أن يبني مسجداً يسعهم؛ لأن الصلاة خلفه تعدل الصلاة خلف رسول الله، فيبني لهم مسجداً له ألف باب ([54])).
ثم قال (ع): (تمسك بالذي فطر كل شيء وأعطى كل شيء خلقه، واقبل كل ما يخبرك به سبحانه تعرف كل شيء منه ولن تضيع، ولن تضل ولو ضاع وضلّ أهل الأرض بأجمعهم).
فقلت: إذن هل أستطيع القول بأنّ الرواية تشير إلى مَثَل الرسول (ص) ومَثَل أمير المؤمنين (ع) اليوم.
فقال (ع): (كثير من الروايات هي كذلك ([55])، وروايات الرجعـة أيضاً، والرجعة رجعتان: رجعة في قيام القائم بمَثَلهم، ورجعة في عالم الرجعة " الأولى " بأنفسهم وبأجساد تناسب ذلك العالم بعد أن ينسيهم الله حالهم والامتحان الأول والثاني).
* * *
(مقطع من الزيارة الجامعة ..)..
كل مؤمن وفقه الله تعالى لقراءة الزيارة الجامعة الكبيرة الواردة عن الامام علي الهادي (ع)، فأكيد أنّ وقْعَ تلك الكلمات النورانية تترك انطباعاً حسناً على قلبه لو تأملها، كيف وهو يرى بعين بصيرته قبل بصره بعض مقام آل محمد (ع) وإنهم: أبواب الله، معادن كلمات الله، خزان علم الله، تراجمة وحي الله، ........... الخ.
وكان منها هذا المقطع الذي سألت العبد الصالح (ع) عنه، فقلت: في بعض مقاطع الزيارة الجامعة ورد: "أسماؤكم في الأسماء، وأنفسكم في النفوس، وقبوركم في القبور"، منذ زمن تستوقفني هذه العبارات ولا أعرف معناها كغيرها الكثير ؟
فأجابني (ع): ( نعم، " ذِكْرُكُمْ فِي الذّاكِرينَ، وَاَسْماؤُكُمْ فِي الاْسْماءِ، وَاَجْسادُكُمْ فِي الاْجْسادِ، وَاَرْواحُكُمْ فِي اْلاَرْواحِ، وَاَنْفُسُكُمْ فِي النُّفُوسِ، وَآثارُكُمْ فِي الاْثارِ، وَقُبُورُكُمْ فِي الْقُبُورِ ".
الموت من حياة آل محمد، الموت من حياة محمد وآل محمد، محمد وآل محمد هم فرعون وموسى، هل تفهم هذه الكلمات ؟
ليس كل الناس تفهم هذا وفقك الله، محمد وآل محمد متقوّم بهم كل شيء في عوالم الخلق، الخير متقوّم بهم، وكذا نقيضه.
الموت لا يكون إلا بقدرة، والقدرة من الحـياة، وكل حياة متقومة بحياتهم. فرعون متقوم بهم، وموسى متقوم بهم، وعزرائيل متقوم بهم، هل وضح الأمر الآن ؟ ).
فقلت: بعضه نعم بفضل الله، هم وسائط الفيض الإلهي وكل شيء متقوم بهم صلوات الله عليهم هذا واضح إن شاء الله، ولكن تطبـيق هذا على عبارات الزيارة هو الأمر غير الواضح عندي.
فقال (ع): (هذه العبارات تعني: أنّ كل شيء متقوّم بكم، أنتم في كل شيء، وأنتم كل شيء، هذا هو معناها).
* * *
(هل النور هنا هو نفسه النور في العوالم العلوية..)..
كنت قد قرأت رواية تتعلق ببيان النور، والرواية هي هذه: عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله (ع)، قال: (ذاكرت أبا عبد الله (ع) فيما يروون من الرؤية، فقال: الشمس جزء من سبعين جزءاً من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزءاً من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزءاً من نور الحجاب، والحجاب جزء من سبعين جزءاً من نور الستر، فإن كانوا صادقين فليملؤا أعينهم من الشمس ليس دونها سحاب) ([56]).
سألت العبد الصالح (ع) عنها، وقلت: هل هذا للتعجيز، أم أنّ هناك علاقة بين ما نطلق عليه نور هنا وبين النور هناك.
فأجابني (ع): (النور هنا تجلي للنور هناك).

(دعوا الأمر حتى يأتي وقته..)
أختم هذه المحطة مع العبد الصالح (ع) بنصيحة له، كانت قد جاءت بعد أن سألته عن روايتين، وهما وإن كانتا لم يحن وقتهما زمن السؤال إلا أني أذكر ذلك لأجل ما جاء في كلامه روحي فداه.
سألته فقلت: هناك روايتان؛ الأولى: عن محمد بن مسلم، قال سألت أبا جعفر (ع).. ﴿والنهار إذا تجلى﴾، قال (ع): (النهار هو القائم منا أهل البيت (ع)، إذا قام غلب دولة الباطل، والقرآن ضرب فيه الأمثال للناس، وخاطب نبيه (ص) به ونحن فليس يعلمه غيرنا) ([57]).
والأخرى: عن أبي عبد الله (ع)، قال: (قوله تعالى: ﴿والفجر﴾ هو القائم و(الليالي العشر) الأئمة (ع) من الحسن إلى الحسن، و﴿الشفع﴾ أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام و﴿الوتر﴾ هو الله وحده لا شريك له، ﴿والليل إذا يسر﴾ هي دولة حبتر، فهي تسري إلى قيام القائم (ع)) ([58]).
هل الأولى في المهدي الأول (ع)، والثانية في الإمام المهدي (ع) ؟
فأجابني (ع): (دع هذه يرحمك الله، أنتم تقسّمون الآن فدعوا الأمر حتى يأتي وقته، اقترب الطوفان ولم يبقَ الكثير، أنت إذا كنت تريد شيئاً فلديك الروايات، وأيضاً لديك المتشابهات).
فقلت: اقترب الطوفان ولا ضمان أن لا نهلك معهم والعياذ بالله، فسلام لك ممن أحبك بروحه وقصّر في جنب الله كثيرا .
فقال (ع): (أسأل الله أن ينجيكم. للأسف أنهم يتبعون هؤلاء الفقهاء الضالين وسيوردونهم نار جهنم، فهم لأجل هؤلاء الفقهاء ولأجل الدنيا التي ستحترق عليهم يسبوني ويحاربوني ويخسرون الدنيا والآخرة.
لو كانت نجاتهم وهدايتهم بإراقة دمي لما تأخرت اليوم قبل غد، والله إني حزين ومتألم لأجل عامة الناس المخدوعين، فأنا أرى أنّ الهلاك قد أظلهم وهم يحسبون أنهم باقون في هذه الدنيا وهي باقية لهم).
* * * * * *
المحطة الثالثة:
ما يتعلق بالعقـيدة
(من كان الحجة الناطق على الناس قبل مجيء اليماني)..
ولأنّ سنة الله تعـالى لا تتبدّل في خلقه منذ يوم الخليقة الأول إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾([59])، نلاحظ وحدة منهج المعترضين على خلفاء الله في أرضه في القول والفعل ، حذو النعل بالنعل، لذا ما إن يسمع أحدهم اليوم بدعوة اليماني السيد أحمد الحسن (ع) إلا وكان قوله شبيهاً بقول فرعون: (ما بال القرون الأولى).
فهو بدل أن يتأمل الآيات والبينات التي اُرسل بها داعي الله يكون همّه وباله فيمن سبقه، وكأنّ الله سبحانه قد أوكل إليه أمر خلقه ومصائرهم وعواقبهم، هذا والحال أنه يجهل مصيره هو قبل غيره، بل إذا أخرج يده لم يكد يراها لظلمته وانشداده إلى حطام دنيا فانية.
يقول قائلهم: هب أننا آمنا باليماني الآن مرسلاً من أبيه المهدي، لكن من سبقونا من الآباء والأجداد ما هو حالهم ومن كان مرسلاً لهم ؟ ثم كيف لهم ولنا أن نأخذ الأحكام الفقهية إذا أبطلتم التقليد المقدس ؟ وعليه، فأيها اليمانيون أنتم حركة (صهيونية، أمريكية، وهابية، بعثية فارسية، هندية .. الخ) تريدون محو عقيدتنا بالتقليد، وغرضكم الطعن بفقهائنا، فقهاء آخر الزمان الذين حفظوا عرى الإسلام وذبوا وذادوا عن حريمه، وحفظوا لنا الشريعة، و .. و .. من تقولات إذا فتحت لها الباب الآن فلا تنتهي بمئة صفحة ؟! مع أن هذه الابواق لمرجعية السوء تعلم قبل غيرها بالذم الذي ورد عن رسول الله (ص) وآله الطاهرين (ع) في فقهاء آخر الزمان بشكل لا يسع أحد التنكر له ([60]).
وهم بعد ذلك بالخيار بين أن يرفعوا عنهم صفة كونهم فقهاء ويقولوا إنهم ليسوا كذلك، إذن فمن أين أفتوا الناس مع أنّ من أفتى بغير علم أكبّه الله على منخريه في نار جهنم ؟! أو يقولون أنهم فقهاء بل سادتهم، إذن فهم مصداق ما ورد عن حجج الله من ذم وتقريع، حتى وصل الأمر إلى وصفهم بالضلال والخيانة، بل بكونهم شرّ فقهاء تحت ظل السماء منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود، أليس كذلك ([61]) ؟
ثم لسنا نحن أيضاً من أبطلنا الاجتهاد والتقليد في الدين، بل هو أمر باطل من الأساس، ولذا بدل أن نجد رواية تذكر التقليد بخير نجد أنّ باباً في الكافي ([62]) يذمه بروايات الطاهرين (ع)، وقبل ذلك نجد الآيات الشريفة الناهية عن العمل بالظن ([63]) واتباع الرأي والهوى الذي لا يخلو منه اجتهاد مجتهد لم يكلفه الله في استنباط شريعته بعد أن كان المقصود بقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ([64]) هم آل محمد (ع) ([65]) دون من سواهم.
حتى إنّ كبار الاصوليين ([66]) يصرح بعدم وجود دليل شرعي - آية أو رواية - على بدعة التقليد ، بل إنّ ما ادعوه - كذباً - دليلاً من الآيات هو في الحقيقة حقٌ اختص الله به حججه الطاهرين ([67])، ولكنهم لم يستحوا من سرقة مقاماتهم وما اختصهم الله به فادعوه لأنفسهم ، فحق عليهم أن يوصفوا بأنهم سراق الكعبة الذين يقطع القائم (ع) أيديهم عند قيامه ([68]).
ولما لم يكن الكلام معقوداً لذلك فلا أبحثه تفصيلاً هنا، لكني أنقل بعض كلام السيد أحمد الحسن (ع) لما استمع لبعض المخالفين وهو يشكل بما مفاده: من أين تأخذ الشيعة أحكامها الفقهية قبل مجيء اليماني ؟ وبهذا يريدون تصوير أن التقليد ضرورة تقتضيها غيبة الامام (ع).
فقال (ع) وقد بيّن سؤالاً جوابه فيه: (هل كان الشيخ المفيد فقيهاً، هل كان الشيخ الطوسي فقيهاً، هل كان الكليني فقيهاً، هل كان الصدوق فقيهاً ؟ والجواب أنهم فقهاء، فهل كانت لديهم كتب فيها الأحكام الشرعية، وكان الشيعة في زمنهم يعملون وفق ما نقلوا فيها أم لا ؟ ثم هل تجدون في كتبهم باباً اسمه التقليد كما في كتب الأصوليين كتاب التقليد ؟؟
إذن، ماذا تقولون: هل علماء الشيعة الأوائل الذين حفظوا المذهب هم الحق، أم هؤلاء اليوم هم الحق ؟ ومن ثم هل تعتبرون كبار علماء الشيعة الذين يقولون ببطلان التقليد وضلال من يقول به باطل، وحاشاهم ؟!
ثم: الفيض الكاشاني، والميرزا النوري، ونعمة الله الجزائري، والحر العاملي، وغيرهم ... هل هؤلاء باطل وكلهم يقولون ببطلان التقليد ؟! ).
وواضح أنه (ع) يشكل عليهم بالقول بضرورة تقليد المجتهدين باعتباره باباً يتم به حفظ الشريعة في زمن الغيبة وإلا ضاع الدين وأهله كما يصورونه هم، والحال أنّ الشيعة كانت تاخذ دينها ولم يكن للتقليد المزعوم عيناً ولا أثراً، ولم تكن تشعر بما شعر به فقهاء آخر الزمان وأتباعهم اليوم ؟!!
ثم سألته (ع) بعد ذلك، وقلت: لما طرحتُ الإجابة بأمثلة العلماء العاملين الذين لا باب عندهم في كتبهم للتقليد، سُئلنا عن الحجة الناطق على الناس قبل مجيء الوصي اليماني، خصوصاً وأنّ الإمام (ع) مرفوع من حين الولادة.
فأجابني (ع): (الأمر أني لم أجب، إنما أشكلت عليهم بما أشكلوا به، هم يجب فضحهم؛ لأنهم يتكلمون عن الحكم الشرعي بالخصوص.
وأما أنّ الإمام المهدي (ع) مرفوع من حين الولادة فإني لم أقل ذلك، بل قلت رفع بعد ولادته ([69])، ولكنه بعد هذا عاش سنيناً طويلة على الأرض بشكل طبيعي حتى الغيبة الكبرى.
أما لماذا لم يبعث (ع) من يحتج به على الناس ؟ فقد بينته في بعض الكتب منذ زمن تجده في كتاب "العجل". أما حجة ناطق بمعنى (وصي) و (حجة على الناس) فهذا لا، لا يوجد غير اثني عشر إماماً ثم اثنا عشر مهدياً.
ثم إذا كان الناس لا تقبل أن ترسل لهم، فهل ترسل لهم ؟! من لا يرى هل ينفع أن تعرض أمامه صورة ليراها ؟!
سأقص لك رؤيا: في يوم كنت في أرض الله الواسعة، رأيت بعض الخلق ممن يشملهم اسم ناس ظاهراً، فسألت الله إن كان هؤلاء ينفع معهم شيء أو يمكن أن يؤمنوا، وفي الليل رأيت رؤيا بهؤلاء، كان ملخصها: إن هؤلاء عبارة عن حشرات كبيرة بدون عيون وشكلهم كاليرقات، فعرفت معنى الرؤيا أنهم بلا بصيرة ، يعني لا فائدة منهم.
هل فهمت لماذا ذكرت لك الرؤيا ؟ الحكمة أن تضع الشيء بموضعه، فترسل لمن يقبل رسولك، أما من لا يقبل فالحجة قائمة عليه بخليفة الله في أرضه، وهذا يكفي وقد أرسل في فترات لكن الهمج الرعاع وعلماء الشيعة استقبلوهم بالرماح، (لا لأمره تعقلون، ولا من أوليائه تقبلون)، هذا هو قول الإمام، أليس كذلك ؟ ).
* * *
(الحجة الناطق على الناس الآن)..
الآن، وقد عرفنا حال الناس قبل مجيء اليماني (ع)، وحال الإمام (ع) مع الأمة التي تدعي الإيمان به، يسأل البعض عن أنكم - يا يمانيون - تقولون بأنّ السيد أحمد الحسن حجة، ولما يضاف إلى أبيه الامام المهدي (ع) يكون عندنا حجتان في وقت واحد، وهذا غير صحيح في دين الله.
سألت العبد الصالح (ع) عند ذلك، فأجابني روحي فداه: (أنتم مقدار حاجتكم هو عندما تُسألون من الحجة على الناس الآن، الإمام المهدي (ع) أم وصيه، أليس كذلك ؟
أسألك سؤالاً: هل لعيسى وصي ؟ إذا قلتم " لا " أبطلتم أصلاً من أصول مذهبكم ودين الله وهو (أنّ لكل نبي وصي)، وهل يمكن لأحد رد أنّ لعيسى وصياً ؟! ثم أنتم يا شيعة تقولون إنّ أمّ الإمام المهدي (ع) من ذرية وصي عيسى (ع)، فأنتم إذن تثبتون أنّ لعيسى وصياً، ومن ثم لا يبقى عندكم إلا قول "نعم" ([70]).
الآن، بعد رفع عيسى (ع) هل مات عيسى، أم أنه بقي حياً وله أعمال في هذه الدنيا ؟ أنتم المسلمون مجمعون على نزوله في زمانٍ ما متأخر، وإنه سيكون له عمل، وأيضاً النصارى يقولون إنه كان ينزل في فترات بعد رفعه ويتصل بحوارييه، إذن عيسى ليس بميت ([71]) وهذا يثبته حتى القرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾([72])، إذن هو لم يقتل.
الآن السؤال: من الحجة ؟ ومن الناطق في زمن وصي عيسى ؟ إذا كان الوصي في ذلك الزمان فهو الوصي في هذا الزمن.
هم يشكلون عليكم بمغالطـة وهي: أنهم يقارنون الإمام المهدي (ع) بآبائه، وليس هو كآبائه، فالرواية التي تثبت تاريخ مولده فيها: أن الملائكة رفعته بعد ولادته مباشرة ([73])، فالإمام المهدي (ع) كعيسى وهو موضع المقارنة).
فقلت: هل تقصد أن الإمام المهدي (ع) يقارن بعيسى (ع) ، ووصيه (ع) يقارن بوصي عيسى (ع).
فقال (ع): (نعم مثله، في الأمم السالفة كان الخضر، وفي أمة موسى كان إيليا، وعيسى والمهدي، كلهم حالهم واحد، شهداء على أممهم، أحياء مرفوعون. دين الله واحد، سنة الله واحدة، لا تبديل ، ولا تحويل).
فقلت: بقي هناك أمران؛ أحدهما: إننا لا نوفق في بيان الرفع، أو لا أقل غير واضح جيداً عند بعضنا. وثانيهما: إن المخالفين يتصورون أن الحجة الناطق أفضل من الصامت دائماً.
فابتدئ بإجابة الأمر الثاني ، فقال (ع): (الإمام المهدي محمد بن الحسن (ع) أفضل من آبائه جميعهم سوى أصحاب الكساء، وكان الناطق هو الحسن بن علي العسكري والإمام المهدي صامت، هل أفضلية الإمام المهدي ثابتة عندك ؟ توجد روايات في هذا ([74]).
أيضاً، هناك أمر آخر أنتقل له وهو يختلف عن هذا ويثبت كون الوصي هو الحجة الناطق على الناس الآن من جهة أخرى، كان الأمر الأول أثبتُّ لك فيه حجية الوصي إن اعتبر غياب الإمام غياب رفع.
الآن لديهم قول آخر، يقولون: ربما الإمام المهدي (ع) ليس مرفوعاً، ولكنه غائب مختفي في هذه الارض، أليس كذلك ؟
وعند ذلك يكون الجواب بلوط وإبراهيم عليهما السلام، لوط حجة ناطق مع وجود إبراهيم حياً وظاهراً على الأرض وليس مرفوعاً، فقط لأن إبراهيم غير موجود في قرية لوط، إذن إذا كان الإمام متخفياً فالأمر كهذا).
فقلت: إذن، أفهم أن الأحاديث التي تقول: "لا يكون هناك حجتان إلا وكان أحدهما ناطقاً"([75]) فيما إذا اجتمعا في مكان واحد ؟
فقال (ع): (نعم أكيد، وهل يقول غير هذا عاقل ؟ يعني هل كان علي (ع) حجة ناطقاً على أهل المدينة عندما غاب رسول الله (ص) في ذهابه إلى تبوك، أم لا ؟ هل أن أهل المدينة محجوجون به، أم لا ؟ هل يجب عليهم متابعته في كل قول وفعل، أم لا ؟ إذن فالحجة ثابتة له مع وجود رسول الله. بقي شيء: أن علياً (ع) ليس حجة الله بل حجة محمد (ص)، وليس ناطقاً عن الله بل ناطق عن محمد سواء في حياة محمد أم بعد شهادته، نحن نقول عنه حجة الله؛ لأنه بحسب الأصل حجة لله، لأنه حجة محمد ومحمد خليفة الله) ([76]).
اتضح الآن أنّ الحجة الناطق على الناس هو الوصي أحمد (ع) كما هو الحال في وصي عيسى عند رفعه وغيبته، وهذا لا يعني أنه أفضل من الامام المهدي (ع)، اذ ليس ضرورياً أن يكون الحجة الناطق هو أفضل من الصامت دائماً كما توضح ذلك.
وتبين جواب المخالف للدعوة اليمانية الحقة والذي لا يستطيع تعقل وجود حجتين في وقت واحد، وملخصه: أنه إن اعتبر أنّ غيبة الامام المهدي (ع) هي كغيبة عيسى (ع)، وإنه مرفوع مثله، فنقول: كما أنّ وصي عيسى حينذاك كان هو الحجة الناطق على الناس والمباشر لهم فكذلك الوصي اليوم.
وإن اعتبر أنّ غيبة الامام (ع) تعني اختفائه في هذه الارض، فالجواب يكون بلوط وابراهيم وبمحمد وعلي في حياتهم صلوات الله عليهم.
ثم يضيف العبد الصالح (ع) شاهداً ثالثاً لإثبات هذه الحقيقة فيقول: ( ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾([77]).
هذا سليمان في حياة أبيه داود حكم بقضية وسليمان حكم بنفس القضية، وأجرى الله حكم سليمان، مع أنّ سليمان كان محجوجاً بداود. إذن، سليمان كان ناطقاً، والذي فهمه الله. وهذه قضية واضحة جداً في إثبات المطلوب).
* * *
(معنى الحجة الصامت)..
لا زلنا مع العبد الصالح (ع) في بيان هذا الأمر العقائدي الهام، وتحديداً في بيان معنى الحجة الصامت في الرويات التي يساء فهمها من قبلهم، فهم بها يريدون نفي وجود حجتين في زمن واحد، والحال أنّ معنى روايات اجتماع حجتين قد توضح، وهو فيما لو كانا في مكان واحد ولم يكن الوصي مأذون له بالكلام ممن هو محجوج به، بل هم حتى معنى الحجة الصامت لا يفقهوه أصلاً.
يقول السيد أحمد الحسن (ع) في بيان معناه: (أما الحجة الصامت فتعني أنه محجوج، فليس له أمر مع الذي هو محجوج به، وهذا أمر بينهما لا دخل لكم به. فمع وجودهما في زمن واحد هل يُرد الصامت ؟ وهل كان يحل ردّ هارون أو لوط على تسميتهم بأنهم صامتون مع وجود موسى وابراهيم ؟ إنما تسمية الصامت يعنى بها أنهما إن اجتمعا في مكان فالناطق هو حجة الزمان والوصي لا يتكلم إلا بإذنه، وهذا هو المعنى الوحيد الذي يتفق مع القرآن ([78]).
فالمعنى الذي يريدونه إذا أصروا عليه، يعني أنّ روايات الصامت والناطق معارضة للقرآن، والروايات إذا عارضت القرآن إما أن تؤوّل أو يعرض عنها كما أمرنا أهل البيت، وهم يقولون بذلك أيضاً، فروايات الناطق والصامت بحسب فهمهم تكون معارضة للقرآن، وعليه فإما أن تؤول أو تترك.
ولا يبقى إلا تأويل روايات الناطق والصامت بأنّ المراد بالصامت أنه محجوج بالناطق، ولا ينطق بحضور الناطق إلا بإذنه، هذا كل ما في الأمر، وغير هذا يجعل الروايات مخالفة لمحكم القرآن، وهو ما ورد بوضوح من نطق سليمان في حياة أبيه داود وبأمر الله ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾.
هذا كلامهم فقط لتضييع الوقت، والله والله والله قد أحكمتها عليهم فلا منفذ لهم في القرآن ولا في الروايات، إلا أنهم يضيعون الوقت في الجدال وهم يعلمون. الآن، هم أعلم أم فقهاؤهم، ماذا يقولون ؟ إذا كان فقهاؤهم أعلم منهم فليبرزوا، ألست بارزاً لهم ودعوتهم وهم يقولون إني لست على الحق، إذن لماذا يذرون الناس الذين اتبعوني، أليس من واجبهم إنقاذهم ؟! ).
* * *
(مجيء الوصي قبل الحجة)..
واستكمالاً لما تقدم قال (ع): (أنتم يسألونكم: كيف يأتي الوصي قبل الحجة ؟ فهذا هارون بعث في مصر قبل موسى وبنص قرآني بيّن: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾([79]).
هذه الآيات تبين طلب موسى من الله أن يرسل إلى هارون، أي كما أخبره يخبر هارون، وقد بدأت الدعوة بهارون وهيأ الناس لاستقبال موسى ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾([80])، هذه الآية تبين أنّ الله أجاب طلب موسى (ع)، وليس هذا فحسب بل بقي المباشر للمواجهة هو هارون ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾([81])، قدم هارون؛ لأنه هو الذي واجههم ، وهارون وصي موسى بُعث في أرض الرسالة وهي مصر قبل موسى، بل واستمر ناطقاً مواجهاً مع وجود موسى؛ لأن موسى طلب هذا ، ولكنه كان محجوجاً بموسى فلا ينطق إلا بأمر موسى ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾.
موسى ماذا يطلب ؟ من كان المتكلم ؟ هو يطلب أن يكون المتكلم هارون، وقد أجابه الله حتى إن السحرة سموا إيمانهم بهارون قبل موسى، هل التفتّ إلى هذا ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ ؟
الآن، هل انتهى هذا، أي إنّ الوصي ممكن أن يبعث قبل الحجة الذي هو محجوج به بهذا الأمر (موسى وهارون) ؟ وقبلها أعطيتك ثلاثة أمثلة: لوط وإبراهيم، ومحمد وعلي، وسليمان وداود عليهم صلوات الله عليهم، وهذه أربعتها كافية، بل الأخير الذي أعطيتك كافٍ. يبقى إن قالوا لكم إن الإمام المهدي مرفوع، فمثاله عيسى وأوصياؤه.
هم ليس لديهم حتى رأي في مسألة كيفية حياة الإمام المهدي (ع)، فهم يأتون بعيسى والخضر للدلالة على طول حياته، وهذا معناه اعتقادهم بالرفع).
* * *
(فاذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه أول المهديين)..
وقبل أن يجيب (ع) عن الأمر الثاني المتبقي، وهو الرفع ومعناه، سألت العبد الصالح (ع) سؤالاً يتعلق بوصية رسول الله (ص) المقدسة، فقلت: نتعرض إلى سؤال بخصوص الوصية، إذ تقول: " فإذا حضرته الوفاة "، والوفاة لم تحن بعد، فبم نجيب ؟
فأجابني (ع): (الوفاة ليس معناها الموت دائماً، بل هي فقط إشارة للموت باعتباره استيفاء منه سبحانه، ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾([82])، هل عيسى ميت ؟!
إذن، الرفع يسمى وفاة كما أنّ الموت يسمى وفاة باعتبار أنّ كليهما استيفاء، والذين يجادلونكم يكفيكم الأمثلة السابقة ([83]) لبيان باطلهم).
فقلت: وهل الرفع الذي يكون به التسليم لوصي الإمام (ع) يختلف عن الرفع الذي كان الإمام (ع) به منذ الولادة ؟ هذا ما ألتمس توضيحه.
فقال (ع): (أنتم الآن تردون وتوضحون لهم بالكلام في نهايتها (وهو أول المؤمنين)، وهو كافٍ لإتمام الحجة عليهم، المراد أنّ التسليم يكون في الغيبة الكبرى، وفاته أي غيبته، ولكن هذا لا يفقهونه ويكفيكم ما عندكم للحجة ([84]).
هم لا يرون العلم إلا فيما يقولون هم، ولا يريدون قبول حتى نصوص القرآن البينة أو روايات الأئمة، فكيف تريدهم أن يقبلوا منك أنّ الوفاة في الرواية استعملت لأكثر من معنى أحدها الرفع؟! احتجوا عليهم بـ " أول المؤمنين" فهي كافية وتؤدي نفس الغرض. إن البعث والتسليم والرسالة تكون في الغيبة الكبرى قبل ظهور الإمام لكل الناس).
* * *
(معنى الرفع)..
وأما بخصوص الرفع وبيان معناه، وهو الأمر الثاني الذي تبقّى من السؤال الذي تقدم حيث سألت العبد الصالح (ع) فيه، وقلت: إننا لا نوفق في بيان الرفع، أو لا أقل غير واضح جيداً عند بعضنا.
فأجابني (ع): (بالنسبة للرفع أعطيك مثالاً، ولكن هل تعرف التفاضل والتكامل في الرياضيات ؟ لأن المثال يعتمد عليه نوعاً ما).
فقلت: ما أعرف ذلك.
فقال (ع): (الحمد لله، تعرف المستقيم، تعرف (غير متناهي) ماذا تعني في الرياضيات ؟
على كل حال، سأحاول أن أجعله في أبسط صورة ممكنة، افرض أنك لديك عصا ضعها عمودية، أعلى موضع فيها هو نفس إنسانٍ ما، أو أعلى مقام لذلك الإنسان، وأوطأ موضع فيها هو الجسد، ولكن أرجو أن تلتفت أنه مثال وليس الواقع كما هو.
الآن، قسّم هذه العصا إلى شرائح في ذهنك، ولكن لكي تكون الحالة أفضل ما يكون لابد أن تكون هذه الشرائح أصغر ما يمكن.
الآن انظر للشرائح كم عددها ؟ لكي تعرف ذلك لابد من أن تقسّم طول العصا على طول الشريحة، فإذا كان مثلاً طول العصا 1، وطول الشريحة أصغر ما يمكن ، هل تعرف أصغر رقم كم يساوي ؟ أصغر رقم يعبّر عن وجود، هو ليس صفراً ولكنه أقرب ما يكون إلى الصفر، وبما أنّ الأعداد غير متناهية، فهو لا يمكن حصره ولكن يمكن تصوره، فهو ليس واحداً بالعشرة؛ لأن واحداً بالمائة أصغر، وهكذا واحد بالألف أصغر، وهكذا يمكنك إضافـة أصفار إلى ما لا نهاية؛ لأن الأعداد غير متناهية، فيكون تصورنا للنتيجة من خلال نتيجة التقسيم على صفر.
فنتيجة تقسيم طول العصا على صفر يساوي ما لا نهاية، غير متناهي، وبما أنّ الرقم ليس صفراً بل قريب منه تكون النتيجة كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾([85]) يعني ممكن العد، من جهة الإمكان ممكن العد ولكن في الواقع هل يمكن عده ؟ لا، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾.
الآن، هذه الآية أيضاً تبيّن لك معناها، ربما سابقاً سألت نفسك: كيف لا تعد نعم الله عليّ كيف لا أحصيها، مع أنها بحسب الظاهر معدودة، أليس كذلك ؟ كم هو عدد النعم، فليكن أي رقم فإنه معدود، ولكن تبيّن لك لماذا هي غير قابلة للإحصاء، أو أنّ إحصاءها غير ممكن في الواقع؛ لأنها في الحقيقة مفاضة على كل وجود الإنسان، على كل تجلياته، وتجليات الإنسان إن أردت عدها هل يمكنك إحصاءها ؟ قد وضحت في المثال أنّ هذا غير ممكن، هل هذا واضح الآن؟).
فقلت: نعم.
فقال (ع): (لا تقل: "نعم" إن كان هناك شيء مبهم).
وفعلاً كان هناك أمر مبهم غير واضح، أوضحته في سؤالي فقلت: هل أنّ تجليات الإنسان تعني حالاته المختلفة التي يمرّ بها كالقيام والجلوس و .. و .. .
فقال (ع): (لا، الآن أضرب لك مثالاً آخر: لنفرض أنّ الإنسان عبارة عن ضوء اُريد له أن يصل إلى مكان، وفتحت أنت مصدر الضوء في مكانٍ ما، فانتقال الضوء من المصدر ومن مكانه إلى المكان الآخر كيف يحصل ؟ يحصل بتجليه خطوة خطوة باتجاه الهدف، هذه الخطوات - خطوات الحركة - هي تجليات الإنسان، وفي الحقيقة أنها باقية كخطوات دائماً ومتجددة دائماً؛ لأن المصدر دائم البث، ولو انقطع البث لفني الإنسان وعاد عدماً.
الآن، لو أرجعتك كم خطوة إلى الوراء لا يتغير فيك شيء، فقط تكون غير مرئي في العالم الجسماني، وسيكون لديك جسد أكثر نورانية وغير مثقل بالظلمة، هذا هو الرفع وهو مراتب. لو أردتك أن تعود أقدمك كم خطوة فتكون تُرى وتحتاج ما يحتاج أهل ذلك العالم الجسماني مما يبقيهم فيه، فالمرفوع هو في الناس وليس فيهم ([86]).
ولأنّ الإنسان عبارة عن وجود تجلياته التي عددها قريب من لا متناهي، فانّ النعم الإلهية عليه لا تعد، فالإنسان (فطرة الإنسان) قريب من اللامتناهي وهو الله سبحانه وتعالى، فهو صورة اللاهوت، ولذا قال علي (ع) في وصف حال الإنسان: "تحسب نفسك جرماً صغيراً وفيك انطوى العالم الأكبر" ([87]). قد أتعبتك ربما أو أزعجتك فاعذرني).
وحريٌ بالمؤمن الصمت وهو يقرأ هذا التوضيح الذي لو كان وحده لكفى يماني آل محمد السيد أحمد الحسن (ع) دليلاً على صدق دعوته الإلهية، فسنين مرت وأدعياء العلم يقرأون قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾([88]) ولا يعرفون معنى ذلك، وكيف يكون عيسى (ع) متوفى ومرفوعاً، وفي الوقت نفسه حياً لم يمت ويضرب به المثل للاستشهاد على طول حياة الإمام المهدي (ع)، فماذا يعني الرفع وكيف يجتمع مع الوفاة وعدم الموت ؟ أسئلة بقيت بلا إجابة عندهم، أو التخبط كحاطب ليل كما حصل عند المفسرين.
بل لو كان بيانه لمعنى قوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) لكفى العبد الصالح أيضاً، إذ المعروف أنّ المعدود قابل للاحصاء ولكن أن يكون أمراً ما معدوداً كنعم الله، ولكنه غير قابل للاحصاء في نفس الوقت كما في الآية، فهو ما يحتاج الى البيان، فلماذا لم يوضح معناها أدعياء العلم، وليس غريباً بعد أن كان للقرآن أهله، ولكن لماذا لم ينظروا إلى قول داعي الله بدل انتهاج نهج إبليس وجنده بالتكبر على حجج الله واتهامهم والاستهزاء بهم وتكذيبهم ومحاربتهم بلا دليل؟!!
* * *
(ما يترتب على الرفع)..
وبعد أن بين العبد الصالح (ع) معنى الرفع راح - روحي فداه - يوضح ما يترتب عليه، فقال: (قد بينت لك الرفع فيما سبق، والآن أبين لك ما يترتب على البيان الذي تقدم:
ومما تقدم تبين أنّ كل روح متصل بجسد هو متجلي في العوالم السفلية أي التي هي دونه وأكثر ظلمة، كما يتضح أنه لا يمكن لروح متعالٍ أن يصل للاتصال مباشرة بالعالم الجسماني دون تجليه في كل عوالم الخلق أسفل منه حتى يصل إلى عالم الأجسام ليتصل به، وبالتالي فلا يمكن أن يكون محرك الجسد غير نور وظلمة، بل وأقرب ما يكون للعالم الجسماني، وهو حتماً مخلوق فلا يمكن أن يكون نوراً محضاً (نوراً لا ظلمة فيه)؛ لأنه تجلى في الظلمة، فلا يمكن إذن اعتبار أنّ الله (وهو نور لا ظلمة فيه) يحرك جسداً في هذا العالم السفلي مباشراً له ماساً له، تعالى الله عما يشركون.
بل ويتضح أنّ وجوده سبحانه في عوالم الخلق هو وجود نوره الذي به ظهرت الموجودات في عوالم الظلمة، لا أنه هو سبحانه وتعالى - وهو نور لا ظلمة فيه - موجود في عوالم الخلق وهي نور مختلط بالظلمة، فإنّ هذا مستحيل وغير ممكن ؛ لأن معناه فناء عوالم الخلق وبقاءه هو سبحانه دون غيره من خلقه.
وفهم هذا المعنى وهذه الحقيقة مهم جداً في العقيدة والتوحيد؛ لأنه يوضح أن معنى قولك: "إن الله موجود في كل مكان" ليس معناه وجود اللاهوت المطلق في كل مكان، وإلا لأصبح معنى قولك هذا حلول اللاهوت المطلق في المخلوقات والموجودات وهو محال كما تبين مما سبق، بل الحقيقة أنّ وجوده في عوالم الخلق هو تجليه في الموجودات لما أظهرها بنوره.
ولما كانت عوالم الخلق متعددة وبعضها فوق بعض، وبعضها أقرب إلى اللاهوت من بعض وبعضها أكثر نوراً وإشراقاً من بعض، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾([89])، أي إنه في السماء والأرض هو هو وهو غيره، فأكيد أن السماء أكثر نوراً وإشراقاً بنور الله من الأرض التي هي عالم أسفل منها، فتجلي اللاهوت في السماء أكثر ظهوراً منه في الأرض، فمرادي بغيره أي إن قابل النور تبدل وأمسى اقل إمكانية لاستقبال نور الله سبحانه وتعالى، لا أنّ النور تبدل فالنور هو هو لم ولن ولا يتبدل؛ لأنه نوره سبحانه وتعالى، بل إن القابل هو الذي تغير ويتغير دائماً ، فيكون ظهور تجلي اللاهوت في السماء غيره في الأرض ولذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ).
فقلت: هل ظهور نور الله تعالى في عوالم الخلق بحجته على خلقه في كل العوالم ، وليس في هذا العالم فحسب.
فقال (ع): (ظهور أكمل بالحجة نعم، ولكن الأمر لا يقتصر عليه، الحجة ليس حجة على أهل الأرض فحسب، هو في العالم الجسماني حجة على العالم الجسماني والخلق فيه، وهكذا في بقية العوالم، والخلق في العالم الجسماني لستم أنتم فقط).
فقلت: ومن يزاحم الحجة في ظهور نور الله به للعوالم "ولكن الأمر لا يقتصر عليه".
فقال (ع): (كل الموجودات هي ظاهرة بنور الله وبها تجلى الله، الكل حتى إبليس لعنه الله وحتى أهل الشر).

(الرفع وجسد المرفوع)..
ما زلنا مع العبد الصالح (ع) ومسألة الرفع.
سألته فقلت: في كتاب (المتشابهات/ الجزء الأول)، وفي قضية بيان رفع آدم رفع تجلٍ بينت مولاي أنّ بدنه له وجود في الأرض وإلا لكان ميتاً، والإمـام المهدي (ع) أيضاً مرفوع رفع تجلٍ ، فهل أنّ بدنه المادي الجسماني موجود في الأرض كآدم (ع)، أو في المسألة شيء آخر ؟
فأجابني (ع): (نعم له وجود بصورةٍ ما، وليس موجوداً كغيره من الناس، آدم المرفوع له وجود وكذا غيره من المرفوعين. هناك شيء ربما يوضح لك شيئاً من الأمر، هل تعرف ما هو الحسد، وكيف يكون أثره، ولماذا الحسد من الكبائر ويحاسب صاحبه إن لم يكن فعلاً فعله بنفسه وبيديه ؟
الآن، فلننظر في الإنسان وفي وجوده في العالم الجسماني أولاً، فالعالم الجسماني في حقيقته هو تكثف قوة أو قدرة، ولهذا التكثف مدى يتراوح بين أعلى قيمة وأدنى قيمة، وهذا أظنك تراه بوضوح من خلال المواد الجسمانية المختلفة التي تعرفها، مع أنها تقع متقاربة في المستوى والاختلاف بينها ليس كبيراً، فأنت أكيد تصنف الغاز الذي يحيط بالأرض بتصنيف يختلف عن الماء وأيضاً الحجر وهكذا، وأنت لا ترى الهواء أو الغاز المحيط بالأرض، وعدم رؤيتك له لا تنفي وجوده في هذه الأرض.
الآن، الإنسان - أي إنسان - يمتد وجوده من السماء الأولى أو نهايتها السفلى وهذه هي نفسه حتى أكثف ما في هذا العالم الجسماني، ولذا تجد في تركيب جسم الإنسان المعادن، فهناك في الحقيقة نفس وجسم مادي مرئي وجسم مادي غير مرئي، ولكي أسهل عليك الأمر أقول جسم واحد غير مرئي، ولكن الحقيقة أنّ هناك تجليات كثيرة جداً وظهورات كثيرة جداً وبعددها توجد أجسام للإنسان، ولذا قال تعالى: ﴿إِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾([90])، فالعد ممكن ولكن الإحصاء غير ممكن، والسبب: أنّ عدد وجودات الإنسان المفاض عليها النعم يساوي امتداد وجوده تقسيم تجليه ([91])، وبما أنّ التجلي لابد أن يكون أقل ما يمكن لكي يتم الاتصال بين وجودات الإنسان، أي إنه يكون كشريحة تكامل، فيكون أقرب ما يكون للصفر.
فالآن، أي رقم تقسمه على صفر ما هو الناتج ؟ الناتج ما لا نهاية، والما لا نهاية لا تعد ولا تحصى، ولكن نحن ليس لدينا صفر، بل رقم هو أقرب ما يمكن للصفر، وناتج قسمة أي رقم على أقرب رقم للصفر ما هو ؟ الناتج يكون رقماً كبيراً جداً، هو ضمن دائرة الأعداد ولكنه غير قابل للإحصاء ، كبير فوق القدرة على الإحصاء.
لأقرب لك الصورة: تصور أنّ هذا الرقم عبارة عن واحد وأمامه عدد من الأصفار تحتاج أنت مليار سنة ضوئية لتحصيها، فلو كانت نعم الله عشر نعم أو مئة أو ألف فهي تعد وتحصى، وإن قلت لك: عدّد لي نعم الله عليك، فمهما عددت لن تصل لمليون بل أشك أنك تستطيع أن تعد ألف نعمة، فكيف إذن يقول تعالى أنها لا تحصى، وكيف يقول مع أنها ممتنعة على الإحصاء ولكنها واقعة ضمن المعدود ؟
هذه الأمور والتناقضات تحلها معرفتك أنّ الإنسان له تجليات ووجودات كثيرة كما بينت بحيث إنها تعد ولكن لا يمكن إحصاؤها، فكل نعمة من نعم الله مفاضة على كل هذه التجليات وبالتالي تكون نعمة واحدة كافية لأن تسمى لا تحصى. الآن جسم واحد من هذه الأجسام أو التجليات يكفي ليكون وجوداً ثالثاً ويؤثر كما يؤثر هذا الجسم في هذا العالم الجسماني.
فالآن نعود للحسد: شخص يتمنى مثلاً سيارة شخص آخر، ويتمنى أن تزول منه وتصير عنده، فهذه السيارة وهي تسير في الطريق تنقلب وتتحطم، أليس هذا هو نوع من الحسد ؟ لماذا هو حرام ولماذا يعاقب عليه الشخص الحاسد إذا لم يكن هو فعلاً قد قلب السيارة بيديه ؟
نعم قلبها بجسمه الثالث أو وجوده الجسماني غير المرئي، ولكنه مؤثر بهذا العالم الجسماني. فهناك مراتب من هذه التجليات التي ذكرتها سابقاً هي غير مرئية، ولكنها تمتلك من الكثافة ما يكفيها لتكون مؤثرة بهذا العالم الجسماني وما فيه، فالله سبحانه امتحن الإنسان بأن جعل له القدرة على التأثير على الغير بهذا التجلي أو الجسم الغير مرئي، وأمره أن لا يفعل الشر بهذه القدرة، فإن فعل الشر يحاسب؛ لأنه فعله بيده وليس الحسد فقط أمراً نفسياً كما يتوهم الناس.
الآن وجود المرفوع هو نوع من هذه التجليات والوجودات، فله جسم من هذا النوع.
فقلت: هل هذه المراتب كلها دون النقطة المرفوع إليها أم هي أيضاً مرتبة من مراتب الرفع.
فقال (ع): (الرفع هو أن لا يكون له جسم مادي كهذا الجسم، ولكنه يبقى له تجلٍ وجسم في مرتبة فوق وجود هذا الجسم المادي، يعني الآن إذا مسكت ورقة بيدك لها أعلى ولها أسفل، افرض أنّ أعلى نقطة في الورقة هي نفس الإنسان وأسفل نقطة في الورقة هي جسم الإنسان المرئي في هذا العالم الجسماني، وهذه الورقة هي وجود الإنسان، وتخيل أنّ هناك شرائح متوازية صغيرة جداً وعدداً هائلاً تتكون منها هذه الورقة، هذه الشرائح هي تجليات الإنسان الأخرى غير (المرئية) وغير (النفس) في نهاية السماء الأولى.
الآن، الرفع هو عبارة عن إلغاء وجود الإنسان في أسفل الصفحة يعني تجعله متجلياً إلى فوق الأسفل بسنتمتر مثلاً، ومن هذا السنتمتر إلى أسفل الصفحة لا وجود له، تلغي وجوده في هذه المرتبة، هذا مثال ضربته لك لتتوضح لك الصورة أكثر) ([92]).
فقلت: هل أنّ أقصى نقطة للمرفوع هو السماء الأولى، أي يرفع وهو ما زال في هذا العالم، أم يمكن أن يتعداه للأعلى.
فقال (ع): (أكيد أنه يتعدى بحسب مقامه، أنا تكلمت لك عن الإنسان بأدنى وجوده فتكون نفسه في أسفل السماء الأولى، ولكن من يرتقي يرتقي فيكون له حظه الذي ارتقى له بفضل الله، وعندها تكون أعلى صفحة وجوده هو أعلى مقام وصل له).
فقلت: وهل يرتقي بنفسه أيضاً فتكون النفس قد تجاوزت عالمها، أم يرتقي بشيء آخر، بمعنى أنّ عالم الأنفس هو دون السماء الأولى فبماذا يرتقي إلى ما فوق السماء الأولى.
فقال (ع): (عالم الأنفس ليس دون السماء الأولى، بل هو في أسفلها ، نهايتها، هذا هو ما للكل فيه حظ، أما فوق هذا فبحسب سعي الإنسان، والإنسان كلما يرتقي يتغير حاله، أنت تريد أن تفهم الفرق بين النفس والروح، هناك كتاب كتبته قبل فترة في مسألة الروح، إن شاء الله سأحاول نشره، فهذا الأمر يحتاج كلاماً كثيراً).
* * *
(الفرق بين العصمة والتسديد .. لقاء موسى (ع) بالعبد الصالح (ع)..)
خاض في العصمة، الموضوع الذي اختص الله به حججه وأولياءه، من لا عهد له به وأقحم نفسه فيما لا يخصه، فصار كمن يطلب الماء في صحراء قاحلة، ومن أين يرتوي عذب الفرات بعد أن صد عن معينه الصافي.
إذن، دعونا نقف مع المعين الصافي، قائم آل محمد (ع) ومجمع بحري علي وفاطمة عليهما السلام وهو يوضح ما يرتبط بالعصمة، في وقفة مع المثل القرآني العظيم رحلة موسى إلى مجمع البحرين.
فقد سألت العبد الصالح (ع)، وقلت: إذا سمحت بالتفريق بين العصمة والتسديد.
فأجابني (ع): (كل من يعتصم بالله عن محارم الله فهو معصوم بقدر اعتصامه بالله، فالعصمة لها جهة من العبد وجهة من الرب، فالعبد بمقدار إخلاصه يكون معتصماً بالله، والرب بمقدار توفيقه يكون عاصماً للعبد، والإخلاص والتوفيق مرتبطان، والتوفيق قرين الإخلاص وينزل من السماء بقدر الإخلاص، والتسديد من ضمن التوفيق النازل.
ولكن أنت في حقيقة الأمر تريد العصمة التي يعصم بها الأوصياء (ع)، وهذه كما شرحت لك فيما سبق من جهة حقيقتها ولكنها فقط منصوصة، أي إنّ حقيقة العصمة موجودة في كل إنسان وهي فطرة الإخلاص، وهي النور الذي أظهره للوجود، وكل إنسان قادر على الاعتصام بالله عن محارم الله، وهو مفطور على هذا ولكنه ربما ضيع حظه).
فقلت: وهل فرق عصمة الحجة عن غيره بدرجة تجليها عنده.
فقال (ع): (الفرق في عصمة الأوصياء فقط أنهم معتصمون بالله بدرجة لا يدخلون في الباطل ولا يخرجون من الحق، فمن يتبعهم يأمن من الضلال ويعرف الحق بقدر متابعته لهم . وأيضاً - وهو الأهم - أنّ من يعرف الحقائق سبحانه قد نصّ على عصمتهم.
والعصمة درجات وليس درجة واحدة، ولكن ما يهمّ الناس منها هذا القدر: أنّ المعصوم لا يدخلهم في باطل ولا يخرجهم من حق، ولكن لو اجتمع معصومان بدرجتين متفاوتتين في العصمة لكان الفرق بينهما جلياً كما لو أنك ترى الأدنى غير معصوم وهو يواجه الأعلى، أي مثل حال موسى (ع) في مواجهة العالم، هل ترى حاله كيف كان، إذا كان يحتاج إلى توضيح أكثر أوضح لك).
فقلت: نعم، إن سمح وقتك.
فقال (ع): (انظر إلى كلمات العبد الصالح مع موسى (ع): ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ..... قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ..... قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً ..... قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً ...... وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾([93]).
لا يكاد يكلمه إلا وبكّته بقلة الصبر، مع أنّ الصبر - كما تعلم - وصفه الرسول الكريم (ص) بالنسبة للإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ([94])، والله تعالى أيضاً يقول: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾([95]).
هل تلاحظ موسى (ع) نبياً ورسولاً من أولي العزم (ع) بماذا وصفه العبد الصالح ؟ وصفه بأنه لا يمكنه أن يصبر معه، أي لو أنك كنت بين الاثنين فمن ستتبع، تتبع موسى (ع) أم العبد الصالح ؟ من منهما كان محتاجاً للآخر عندما اجتمعا ؟ من منهما كان يرشد الآخر ؟ من منهما يعلم الآخر ؟
موسى بيّن سبب إتباعه للعبد الصالح وهو العلم والمعرفة ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾([96])، أي إنه محتاج له، فهذا يبيّن لك بجلاء تمايز المعصومين.
ربما يبقى هناك إشكال كتبه بعض من يجهلون الحقيقة وخاضوا فيما لا يعلمون، لما ذكروا أن العبد الصالح ليس أعلم من موسى ولكنه خص بعلم الباطن، وإنّ موسى (ع) خص بعلم الشريعة، وذكروا أنّ موسى حجة على العبد الصالح. ربما هذا هو رأيهم جميعاً، لأنهم لا يتصورون أن يكون العبد الصالح أفضل من موسى فعثروا به.
الحقيقة أنّ الأمر محسوم قرآنياً لصالح العبد الصالح، فهذا تصريح قرآني واضح بتسليط العبد الصالح على موسى (ع) وكونه حجة عليه: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾([97])، هل تلاحظ: لا أعصي لك أمراً.
وهذه أيضاً: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾([98])، هل تلاحظ اعتذار موسى (ع) وصيغته، فموسى (ع) يبيّن هنا بجلاء أنه متعلم وفاشل أيضاً في التعلم.
وأيضاً لاحظ العبد الصالح كيف يخاطب موسى (ع): ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾([99]).
لا تنسى أنّ هؤلاء حجج الله سبحانه، وموسى من أولي العزم من الرسل (ع) وهم فقط خمسة، والعبد الصالح يكلمه كما يكلم طفلاً يريد تعليمه : ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾، لا أدري هل كنت تقرأها هكذا، هل كنت تلاحظ هذا سابقاً ؟ ).
فقلت: الحمد لله، ومن أين، وهل كنا نعرف شيئاً، سبحان الله على حلمه.
فقال (ع): (الآن، إذن اقرأها وفق هذا وستجد فيها الكثير، فقط سأبين لك ما سبب لقاء موسى (ع) إجمالاً:
موسى تصور أنه عرف الحقيقة وحارب الأنا خصوصاً أنه من كان لا يرى نفسه خيراً من كلب أجرب ([100])، وأيضاً موسى (ع) تعرف طلبه أن يكون قائم آل محمد، أظنك قرأت هذه الروايات ([101])، كان لقاؤه لهذين السببين.
إذا كنت تقرأ بداية حركة موسى (ع) تجد أنه يبحث عن مجمع البحرين، ويصف حاله أنه لا مانع عنده أن يمضي الدهور في البحث عن مجمع البحرين، (أمضي حقباً)، هل تلاحظ شوق موسى (ع) ليصل إلى مجمع البحرين واهتمامه، ويعتبر أن الدهور أمر طبيعي أن يقضيه في البحث عن مجمع البحرين.
طيب، الآن هل بربك يمكن أن يضيع أحدٌ مكاناً يجتمع فيه نهران ؟! النتيجة ضيعه، أليس كذلك ؟ فهل يعقل أنه كان يقصد مكان اجتماع نهرين ومرّ به وضيعه، هل التفتّ إلى هذا ؟
إنما إذهب إلى سورة الرحمن وانظر البحرين الذين يلتقيان ومجمعهما هناك، وانظر ما ستجد هناك، ستجد روايات كثيرة رواها السنة والشيعة أنّ البحرين هما علي وفاطمة، ومجمعهما الحسن والحسين عليهما السلام والحجج من بعدهم (ع) ([102])، إذن مجمع البحرين رجل وليس مكاناً، ولهذا ضيعه.
وهذه كانت الأولى أي إنه ضيعه، فهل ترى شديد اهتمامه ومع هذا مرّ بقربه وجلس بقربه ولم يعرفه، ومن هو ؟ إنه موسى (ع) نبي من أولي العزم، مع هذا ضيع هدفه الذي كان يعتبر أن إنفاق الدهر في البحث عنه قليل، هل لاحظت هذا ؟
هذا مهم جداً، اليوم هم لا يلتفتون إلى هذا، لا ينتبهون ربما هم أيضاً ضيعوا الهدف، سبحان الله، وهل هم خير من موسى (ع)).
فقلت: وهل يمكننا أن نقول أن القائم مجمع بحر الأئمـة وبحر المهديـين، وهو ما طلبه موسى (ع).
فقال (ع): (لا، علي وفاطمة عليهما السلام، القائم هو حصيلة اجتماعهما، الحصيلة التي جاء الخلق لأجلها، وهي المعرفة "27" حرفاً من التوحيد والمعرفة ، مجمع البحرين).
ثم استمر العبد الصالح في بيان بعض ما في رحلة موسى إليه، فقال (ع): (موسى تعهد بالصبر ومع هذا وجد نفسه يخرج من فشل ليقع في آخر: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾([103])، هذه المرة الأولى.
أما الثانية فانظر إلى موسى (ع) كيف انكسر فيها: ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾([104]).
وفي الثالثة ربما أنك تلاحظ أنّ موسى (ع) قد اختار الصمت، أو أنّ الصمت هو الذي اختار موسى (ع)، ظل موسى يستمع فقط لم يتكلم بعدها. تعلّم موسى (ع) وتحقق الهدف من مجيئه.
العبد الصالح قال لموسى بهذه الأفعال البسيطة كل شيء، قال له: إن محاربة الأنا مراتب لا تنتهي، ونعمة الله لا تحصى، والمقامات التي يمكن للإنسان تحصيلها لا تحصى.
فتدرج العبد الصالح لموسى (ع) في مراتب التوحيد، فالأولى كانت "أنا" والثانية "نحن" والثالثة "هو"، ومع أنها كانت بأمر الله ولكنها على التوالي تشير إلى الكفر بمرتبة ما (أنا وليس هو)، والشرك بمرتبة ما (أنا وهو)، والتوحيد (هو فقط).
﴿..... أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ ..... وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا ..... وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ ..... وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي .....﴾([105])).
فقلت: (لن) تفيد التأبيد، وقالها العبد الصالح لموسى (ع) "إنك لن تستطيع معي صبراً"، الآن إذا ما كان الباب مفتوحاً إلى الله إلى ما لا نهاية وأراد غير موسى (ع) أن يكون من أهل بيت العبد الصالح، أي منهم أهل البيت كيف يصل، وموسى (ع) لن يستطيع صبراً معه، فكيف بغيره؟
فقال (ع): (يعني تقصد هل يستطيع غير موسى (ع) أن يصبر، وهل أنت عرفت على ما كان الصبر ؟ بينت لك فيما سبق وإن لم أحدد أنّ الصبر بالتحديد كان عن هذا الشيء، هل يمكن أن تخبرني على ما كان الصبر ؟ ).
فقلت: ما أعرف، وما يخطر في بالي استحي قوله.
فقال (ع): (قله).
فقلت: ما لم يطقه يونس - والله أعلم - أول الأمر، وأعتذر.
فقال (ع): (انظر لما جاء موسى (ع) للقاء العبد الصالح، جاء لأنه ظن أنه قد حارب نفسـه وقتل الأنا في داخله، الآن الامتحان كان في هذا، يعني العبد الصـالح كان يقول لموسـى (ع) أنت سترافقني وأنت تعرف أني حجة عليك والله أمرك بإطاعتي، ولكن لن تكون كما أمرك الله ولن تكون كما تعهدت، بل ستظهر الأنا من أعماقك وستعترض عليّ رغم كوني حجة عليك ورغم تعهدك بالصبر، أي إنه كان يقول له: الآن سأمتحنك وأظهر الأنا التي في داخلك، ولكن قالها بتلك الصورة " إنك لن تستطيع معي صبراً "، هل عرفت الآن ؟ ).
فقلت: نعم.
ثم قال (ع): (الآن أجيب سؤالك: فأعلم أنّ محاربة الأنا مراتب فمن حارب نفسه في مرتبةٍ ما أكيد أنه يفشل لو اختبر في مرتبة أعلى ممن هو أعلى منه ، فمن يطير بارتفاع ألف متر لو أنه اختبر من يطير بارتفاع مئة متر سيفشل معه، وأيضاً لو اختبر من يطير بارتفاع مائتي متر سيفشل معه وهكذا، فكل من هم دونه يفشلون معه لو أراد اختبارهم، هذا هو الجواب).
فقلت: معنى "منا" التي قالها رسول الله (ص) لسلمان كم كان سلمان قد سحق الأنا، أو حال موسى (ع) بعد الامتحان هل اقترب من العبد الصالح (ع) بسحقه الأنا بصورة أكبر ؟
فقال (ع): (موسى (ع) قد عُرِّفَ مقامه وحاله لكي لا يهلك، وسلمان (ع) مهما كان محاربته للأنا فهذا لا يعني أنه قاربهم).
فقلت: مولاي أعتذر فقد تخونني الكلمات والتعبير، يأخذ العبد الشوق أن يكون مع أسياده معهم في زمرتهم لا واحداً منهم والعياذ بالله، وهم قوم لا يقاس بهم أحد، فمن جهة يرجو الله لما يقرأ ما ورد عن حججه، ويحزن من أخرى لما ينظر لنفسه، فهل من سبيل ؟ لما تأملت في (لن) العبد الصالح التي قالها لموسى (ع) حزنت لا لما فضل الله به حججه - والعياذ بالله - بل لصعوبة الكون معهم، والله لا أعرف ماذا أقول، وأعتذر.
فقال (ع): (هم يرون أنّ بقاءهم في مقابل الله سبحانه ذنب وتقصير، تضيق الكلمات وأعتذر عن التعبير أكثر من هذا، ولكن فقط هم عندما يقفون بين يدي ربهم تفيض دموعهم ألماً وحزناً؛ لأنهم موجودون في مقابله سبحانه وتعالى).
فقلت: وهل كان اللقاء في هذا العالم أي المادي الجسماني، أو في عالم آخر.
فقال (ع): (في هذا العالم الجسماني، ولكن العبد الصالح لم يكن من هذا العالم جاء لهذه المهمة فقط).
فقلت: من الغلام الذي وفقه الله لحضور اللقاء، حكمة ذلك، وماذا استفاد مما جرى، ثم الحوت الذي نساه موسى (ع) وكان علامة المطلوب.
فقال (ع): (تقصد الذي رافق موسى (ع)، هو يوشع بن نون (ع)، هذه فيها كلام كثير، سأكتب تفسيراً للآيات وتقرأه أفضل).
* * *
(العمل في عالم الذر)..
لا شك في وجود عالم الذر ([106]) بدلالة آيات الكتاب وروايات الطاهرين (ع) ([107]).
وعن عالم الذر والامتحان فيه سألت العبد الصالح (ع)، فقلت: المعروف أنّ عالم الذر هو عالم الامتحان الأول لبني آدم، ولكن هل كانت تلبية العباد عند الاستشهاد "ألست بربكم" بعد عمل منهم، أم كان عالماً لبيان النتائج فقط والعمل هنا.
فأجابني (ع): ( تقصد بالعمل صلاة وصياماً و .. و ..، أم ذكراً فقط).
فقلت: كل ما يسهم في تقرير المصير وأخذ النتيجة التي اختارها العبد .
فقال (ع): (نعم، فإذن هل يشترط فيه طول المدة أو تعدده ؟ هل يكفي أن يكون عملاً عبادياً واحداً هو الصلاة وهو الصيام وهو الذكر وهو الزكاة وهو الدعاء وهو الحج وهو كل العبادات ؟ ألم يقل رسول الله (ص) لعلي (ع): يا علي تفكر ساعة خير من عبادة ألف عام ؟
فالعمل واضح في عالم الذر بينته الآية بكل وضوح: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾([108])، وأشهدهم على أنفسهم.
الآن في هذه الدنيا في هذا الامتحان، هل يوجد شاهد على الأعمال ؟ أليس الرسول شاهد، أليس حجة الله شاهد، أليس الملائكة الكاتبون شهوداً، أليس ﴿وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً﴾([109])، أليس ﴿اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾([110]). فالإنسان شاهد على نفسه ونفسه ستكون حسابه، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ ، ﴿اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾، أما كيف ستكون نفسه حسابه فهذا أمر آخر، ولكن نحن الآن في كونه شاهداً على نفسه ، يشهد على ماذا، أليس على ما شهد عليه رسول الله، وحجة الله، والملائكة، والله سبحانه ﴿وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً﴾ ؟
إذن، فهناك عمل في هذه الآية - ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ - أشهدهم الله عليه.
أنت في هذه الدنيا نفسك مشغولة بتدبير بدنك، لهذا كانت هذه العبادات لتُمنع النفس عن الانشغال بالبدن ولتُوجه إلى الانشغال بالله، انظر في عبادات الإسلام بحسب ظاهرها ستجدها في هذا، لا تأكل لا تشرب، اترك الشهوات، هذه عبادة الصيام وهي واضحة أنها منع للنفس عن الانشغال بالبدن ، وغيرها أيضاً. الحج انظر فيه ، الصلاة كذلك، كلها في أمرين: قطع صلة بهذا العالم وتوجيه إلى العالم الآخر، وذكر الله والانشغال بالله.
الآن، إذا خرجنا من هذا العالم هل يمكن أن تبقى العبادات نفسها ؟ أكيد أنّ من غير الصحيح أن نفرض صور عبادات في هذا العالم على عالم آخر لسببين؛ الأول: عدم الحاجة، والثاني: أن العالم الآخر غير مؤهل لنصبها فيه أو لنؤديها فيه، أي نكون كمن يقول أنا ذاهب إلى الصحراء لأمارس السباحة.
وفي عالم الذر مثلاً عدم الحاجة؛ لأن الجسد المادي الذي تنشغل به النفس غير موجود. أما عدم أهلية عالم الذر لعبادات هذا العالم الجسماني فهو أمر بيّن.
إذن، فالآن أصبح الجواب واضحاً وهو أنّ الامتحان نفسه، وهو واحد في هذا العالم وعالم الذر وعالم الرجعة، ولو قدّر الله أن يمتحن الناس ألف مرة سيمتحنهم نفس الامتحان؛ لأن علة الخلق واحدة وهي المعرفة ([111])، نعم تفاصيل الامتحان تختلف لعلة اختلاف العوالم، فالصلاة والصيام والحج والزكاة و.. و.. و .. جميعها كانت في الذر وامتحننا الله بها ولكن بحسب ذلك العالم، فالصلاة كانت شيئاً واحداً وهي أن أركز نظري على ما يصدر عنه سبحانه، والصيام كان ألغي نفسي، والحج كان أن أسير إليه وأطوف ببابه سبحانه منتظراً أمره، والزكاة أن أعطيه نفسي أن أنحر نفسي بين يديه بمحاربة الأنا ..... ، وهكذا.
كل هذا العمل هل تتصور يحتاج لمدة طويلة مع العلم أنّ عالم الذر ليس فيه زمن ولا حتى مكان، أم تتصور أنه يحتاج ليكون في أكثر من حدث ؟ وهل لو أنه جمع في حدث واحد لا يكون عملاً مثلاً ؟! أكيد أنه سيكون عملاً ولو جمع في حدث واحد).
فقلت: أسأل فقط عن الأمر الأخير ، أي " لو جمع في حدث واحد " ، ما هو ذلك العمل الواحد .
فقال (ع): (يعني " أنا أو هو "، أنظر لنفسي وأغفل عنه، أم أغفل عن نفسي وأنظر إلى ما يصدر عنه ؟ إن كنت الأول فلن أجيب وأقول "بلى" عندما يسأل "ألست بربكم"، وإن كنت الثاني فسأكون أول من يجيب، وبين الأول والثاني ترتب الخلق، وقد بينت لك كيف أن الصلاة والصيام والحج والزكاة تكون في " أنا أو هو " فقط).
* * *
(هل جعل الخلافة والإمامة تشريعياً أم تكوينياً)..
أن يجعل الله سبحانه خليفته على هذه الارض وينصبه عليهم أساس دين الله الذي لا يجادل فيه موحد ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾([112])، وقال: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾([113])، ولا دور يذكر للإنسان أو غيره من بقية الخلق في مشاركة ربه - والعياذ بالله - في ذلك التنصيب والاصطفاء والاجتباء الإلهي، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾([114]).
عن عمرو بن الأشعث، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (أترون الموصي منا يوصي إلى من يريد ؟! لا والله، ولكن عهد من الله ورسوله (ص) لرجل فرجل حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه) ([115]).
إنّ كون دين الله = حاكمية الله، أمر واضح بفضل الله على عباده، ولكن بعض من يتسمّى بالإسلام يحاول التشكيك في ذلك، في محاولة لتبرير تسلّط المنافقين على الخلافة حتى ولو أدى ذلك التبرير إلى التنازل عن أساس الدين.
ومن ضمن ما نُسأل عنه عادة في هذا الموضوع هو: هل جعل الامامة والخلافة لحجج الله أمراً تشريعياً أم تكوينياً ؟ فقمت بسؤال العبد الصالح (ع) فقلت: بعض إخوتنا لما يُسألون عن جعل الخلافة لحجج الله أو الإمامة لبعضهم يجيبوا بأنها جعل تشريعي، هل هذا صحيح.
فأجابني (ع): (وفقك الله، تعلم أنّ المصطلح عليك إبانة تعريفه، فماذا يراد بالجعل التشريعي، لابد أن تعرّفه أولاً، وماذا تريد به أنت لأقول لك نعم أو لا، وهذا لابد أن يكون أيضاً في المناظرات، يعني لابد من تحرير المصطلح قبل الخوض في تطبيقه على مصاديقه، وإلا سيكون كلامكم بلا معنى).
فقلت: يقال: إن الجعل التشريعي هو ما يتعلق به الأمر والنهي والعبد يكون طرفاً فيه كالعبادات، والجعل التكويني هو ما تتعلق به إرادة الله فقط بلا دخل للإنسان أبداً، وكنت أعرف أنّ الإمامة والخلافة الإلهية بصورة عامة هي مجعولة من قبله سبحانه بهذا الجعل.
فقال (ع): (وفقك الله، فإذا كان تعريف الجعل التشريعي هو ما كان أمراً ونهياً والعبد يكون طرفاً في القبول من عدمه، إذن فالخلافة بالنسبة لنفس الخليفة أليست أمراً ؟ والخلافة بالنسبة لمن عليهم طاعة الخليفة أليست أمراً ؟
ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ أوليس من ضمن ما آمن به هو الرسل، وهو صلوات الله عليه منهم، إذن فهو آمن أولاً أنه رسول الله وخليفته في أرضه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾([116])، هذا بالنسبة للخليفة. فالخلافة أمر وهو قبلها وآمن بها، إذن أليس يكون والحال هذه من مصاديق تعريفك السابق ؟
أما الخلافة بالنسبة لمن عليهم طاعة الخليفة، فهي واضحة أنها أمر ولهم قبوله من عدمه، فإن قبلوا أثيبوا وإن رفضوا عوقبوا).
فقلت: إذن ما معنى أنهم (ع) أئمة رضي الخلق أو لا، اتبعوهم أو لا كما جاء في مضمون روايات كثيرة.
فقال (ع): (نعم، هم أئمة (ع) سواء رضي الخلق أم لم يرضوا، هم خلفاء الله في أرضه رضي الناس أم أبوا، فما هو وجه معارضة هذا الأمر مع ذاك).
فقلت: أي إنهم (ع) مجعولون أئمة بإرادة الله القهرية وهو الجعل التكويني، وأعتذر عن استخدام بعض التعبيرات التي كنا نقرأها فيما يسمى بعلم الكلام.
فقال (ع): (كيف يعني قهرية ؟ وقهرية على من ؟ هل أنّ الله جعلهم أئمة وهم مقهورون على أن يكونوا أئمة وخلفاء الله في أرضه مثلاً ؟ هل أنّ الناس مقهورون على طاعتهم مثلاً ؟ لو كان الأمر قهرياً لكانوا أئمة وخلفاء الله في أرضه ولكن لا فضل لهم بذلك ولا يثابون على أمر هم مقهورون عليه. وأيضاً أين عدالة الله ؟ ولو كان الناس مقهورين على طاعتهم لما عصاهم أحد).
فقلت: إذن، فهي أمر تشريعي.
فقال (ع): (بالنسبة لي لا يهمني المصطلح وفقك الله، كما قلت لك عندما يتكلم معي أحد بالمصطلح أطلب منه التعريف لكي لا يهرب من عقيدته الباطلة إن لزمته الحجة الحق، فيتبين له ولغيره بطلان أمره بوضوح بعد أن يعرف مصطلحه).
* * *
(الخلافة الإلهية والحكم)..
وأيضاً يحاول ذلك البعض التشكيك في دين الله بالقول: إذا كان هناك خلفاء لله سبحانه في أرضه نصبهم الله وجعلهم، فلماذا لم يحكم منهم سوى قلة ؟
وفي هذا سألت العبد الصالح (ع) فقلت: يقولون: كيف يكون خليفة ولم يحكم ممن تقولون عنهم خلفاء سوى قلة، فكيف يكون خليفة من دون أن يحكم.
فأجابني (ع): (الخلافة لا تعني الحكم فقط، بل الحكم أهون شيء فيها، خليفة فلان الحقيقي ماذا يعني ؟ الخليفة هنا تعني أنه الخليفة الحقيقي. اقرأ رد الملائكة بتدبر؛ لأنهم كانوا يعرفون ماذا أراد الله بالخليفة).
فقلت: نعم مولاي، أتعلم منك بفضل الله.
فقال (ع): (المراد بالخليفة هنا هو من يقوم بمقام من استخلفه، ولذا فالملائكة تجدهم تكلّموا بالتسبيح والحمد والتقديس، (نسبحك، نحمدك، نقدسك)([117]) التسبيح أي التنزيه، الحمد هو الثناء، التقديس هو الطهارة. فمن يسبح الله يطلب هو أن يُسبَّح، ومن يحمد الله يطلب هو أن يكون محموداً، ومن يقدس الله يطلب هو أن يتقدس. فالملائكة قالوا لماذا لا تجعلنا نحن خلفاءك وخصوصاً أننا مثلك الآن مسبحون محمودون مقدسون؛ لأننا سبحناك وحمدناك وقدسناك.
إذن، فالخليفة ليس مجرد شخص تم اختياره عبثاً وحاشا الله، بل لابد من توفر صفة أساسية فيه وهي أن يكون صورة الله في الخلق ، بدون أن يكون صورة لا يكون خليفة، لابد أن يكون كحد أدنى مسبَّحاً محموداً مقدّساً، أو لنقل لابد أن يحمل الحد الأدنى من هذه الصفات. ولذا فالملائكة قالوا: هذا الذي تريد جعله خليفة ﴿يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾، إذن هو ليس مثلك، ليس مسبحاً ولا محموداً ولا مقدساً، كيف إذن تجعله خليفة ؟
هم استخدموا معرفتهم بالقانون الإلهي وعارضوه سبحانه وتعالى بقانونه، ولكن الذي وقعوا فيه هو خطأ في تشخيص المصداق، فهم حسبوا أنّ كل روح يركب بجسد من العالم الجسماني وتكون عنده الشهوات سيسقط فيها وترديه، ولكن الله نبههم أني أعلم ما لا تعلمون.
ما هو الذي يعلمه سبحانه وتجهله الملائكة وسيسبب خرق هذه المعرفة لدى الملائكة، وهي أنّ كل روح مخلوق يتصل بجسم مادي وتكون عنده شهوات ينشغل بها، ولا يكون مسبحاً ولا محموداً ولا مقدساً ؟ الذي يعرفه سبحانه وتعالى ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ بينه في الآيات الأخرى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ كلها، ليس بعضها فيقع من جهة جهله ببعضها، هذه المرة كلها ، هذا المخلوق مؤهل لمعرفة كل الأسماء، هذا المخلوق مؤهل أن يكون هو الله في الخلق.
إذن، فهذا المخلوق - وليس غيره - هو فقط الذي يمكن أن يقهر الشهوات وإن ركبت فيه لأنه روح الله ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾([118])، هذا المخلوق مؤهل أن يكون لاهوتاً في الخلق.
ولهذا تجده سبحانه يبين للملائكة ما اشتبه عليهم ويعرفهم بهوية هذا المخلوق لكي يعرفوا أنهم قد وقعوا في خطأ بالتشخيص، وسبب خطأهم أنهم لم يعلموا أو يعرفوا مخلوقاً يعرف كل الأسماء ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾([119]).
هنا انكسر الملائكة، وعلموا أنهم وقعوا في خطأ تشخيص المصداق في الخارج ، فهم كما قال أهل البيت (ع) نظروا إلى طينة آدم ([120]) ولم ينظروا إلى روحه، أي إنهم نظروا إلى تركيب روح في جسد مادي فظنوا أنّ هذه الروح حالها حال كل روح تركب في جسد مادي، فتشغلها الشهوات عن التسبيح والحمد والتقديس، إذن فكيف يكون خليفة وهو غير مسبح ولا محمود ولا مقدس ؟! ولهذا اعترضوا ، فلما عرفوا أنهم أخطأوا في تشخيص المصداق، وإنّ هذه الروح ليس كغيرها ندموا وانكسروا ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾([121]).
ولهذا أقول لكم: كم حريٌ بالإنسان أن يتأنى في اتخاذ موقف سلبي أو إيجابي تجاه أمرٍ ما، ما لم يتضح له بجلاء حقيقة هذا الأمر، فالمفروض أن يلجأ الإنسان إلى الله ليعرِّفه ما غاب عنه وبالتالي يكون موقفه فيما يرضي الله. كم مرة تحكمون على أمر ومن ثم بعد مدة ليست ببعيدة يتبين لكم خطؤكم في الحكم ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ).
* * *
(اختبار حجة الله بغير أدلته)..
قال يماني آل محمد، السيد أحمد الحسن (ع)، وهو يصف حاله في روايات آبائه الطاهرين: (والله، ما أبقى رسول الله (ص) وآبائي الأئمة (ع) شيئاً من أمري إلا بينوه، فوصفوني بدقة، وسمّوني، وبينوا مسكني، فلم يبق لبس في أمري، ولا شبهة في حالي، بعد هذا البيان. وأمري أبين من شمس في رابعة النهار ، وإني أول المهديين واليماني الموعود) ([122]).
وجاء - روحي فداه - كما هم صلوات الله عليهم أجمعين أوضحوا، وأمام الجميع آياته وبيناته التي جاء محتجاً بها، وليخبرنا من طالع أدلة هذه الدعوة المباركة مما كتبه العبد الصالح (ع) بيده الشريفة، أو ما خطته يمين أنصاره من عشرات الكتب والبحوث التي بينوا فيها الحق ، ليخبرنا ماذا وجد فيها سوى تفصيل ما ختم به بيانه الشريف المشار إليه.
وأكيد أنّ من يدعي الانتساب إليهم - صلوات ربي عليهم - يزيده ذلك يقيناً، فمن شايع أحداً أحبّه وإذا أحبه تابعه على قوله، وإلا لا يبقى من التشيع سوى المشايعة بالاسم، وهو لا يغني ولا يسمن من جوع كما هو واضح.
الآن ماذا يقول من يدعي التشيع لآل محمد (ع) بعد أن جاء أحمد الحسن كما هم قالوا ؟ أوليس المفروض أن يطيعوه ويؤمنوا به بعد أن صدّقه آل محمد (ع)، بل بينوا كل ما يتعلق بأمره قبل مجيئه بمئات السنين، وجاء تماماً كما بينوا ؟!
نعم هذا هو المفروض، ولكن الواقع اليوم هو عكس ذلك تماماً ، فلم يؤمن به سوى القلة التي هي كالملح في الزاد أو الكحل في العين أو الأندر فالأندر وأيضاً كما أوضح الطاهرون، وأبى الله إلا تصديق كلمات الطاهرين (ع)، في حين أصرّ أدعياء العلم من فقهاء آخر الزمان وأتباعهم على التكذيب بلا دليل والاتهام والاستهزاء بل الحرب والافتاء بقتله وأنصاره كما فعل أسلافهم المعترضون على خلفاء الله، بل صاروا يقترحون طريقة التعرف على داعي الحق، وهم بهذا يذكرونا أيضاً بسنة من سبقهم.
بعضهم يريد أن يعرف القائم بعلم الأصول، وثانٍ بتحويل لحيته البيضاء إلى سوداء، وثالث باضمار شيء في قلبه الاسود، ورابع وخامس وهكذا ... طبعاً، هذا قول فقهائهم وعلمائهم ولا أتكلم عن أتباعهم الحمقى. ولا أعرف إذا كانوا يريدون معرفة القائم بهذه الأمور فما قيمة عشرات بل مئات الروايات الواردة في القائم وكيفية معرفته وعلامات ظهوره و.. و.. و.. مما يرتبط به، ما قيمة كل ذلك بنظرهم إذا كانوا يريدون معرفته بما يقترحونه هم ؟!
وعلى أي حال، ولما لم يكن البحث مخصصاً لبيان حال فقهاء السوء وعظم جريمتهم مع آل محمد (ع) اليوم، ولكن لبيان كلام داعي الله الذي يرتبط بأدلة الحق، فسأذكر سؤالاً في ذلك وجوابه (ع) عليه، وأعتذر إلى الله وإلى محمد وآله وإليه روحي فداه مما فعلت، وأرجو من الأخوة الكرام أن يلاحظوا ويتفطنوا فالمؤمن لا يلدغ من جحرٍ واحد مرتين.
سألت العبد الصالح (ع) يوماً، فقلت: هناك أحد الأخباريين لديه جماعة في أحد الأماكن، التقى به أحد إخوتنا وطرح عليه الأمر، ولكنه أصرّ على أنّ صاحبكم لو أخبرني عن جواب سؤالين لا يعلم بهما إلا الله، وأعتذر مولاي على نقل ذلك.
فأجابني (ع): (الأدلة كثيرة تكفي، ليس عندي أي شيء آخر لهم، لا حباً ولا كرامة، من شاء أن يؤمن وهو مذنب ويستغفر وعسى الله أن يقبله.
أرجو منكم أن تكونوا على قدر المسؤولية عند التبليغ، يعني لا أفهم هذا، هل أنتم مؤمنون ؟ هل تفهمون الإيمان ؟ هل تعرفون عم تبلغون ؟ هل تعلمون بأي شيء تبلغون ؟ ألا ينتهي هذا على الأقل منكم أنتم ؟ هل يعقل إلى اليوم يطلب مني آية لكل فرد، ومنكم أنتم أو أنتم الذين تنقلون هذا ؟؟
يعني إذا كان الأمر كما يطلب هؤلاء الجهلاء وهو بأن آتيهم بمعجزة فردية لكل واحد منهم تقهره على الإيمان، إذن فعلى الأقل أذهب وأقهر رئيس الصين أو رئيس أمريكا، لماذا أقهر هذا الجاهل، هل لأنه يتبعه خمسة أو ستة أفراد كما يدعي ؟ لماذا حتى أقهر رؤساءهم وحكامهم وهم دول متخلفة مادياً ؟
أرجو منك منذ اليوم أن تكون حازماً معهم - أقصد الأنصار -، هم الأنصار الذين نقلوا لك هذا، إذا كانوا يعطون فرصة للمقابل أن يطلب هكذا طلب، فالمفروض منك أن تعرّفهم ما معنى هذا الطلب، وما هي فائدة كل ما قلت وكل ما كتبت إذا كنتم تأتون وتنقلون لي هذا.
سبحان الله، سأقص لك رؤيا رأيتها قبل يومين تتعلق بما نقلته لي قبل قليل، رأيت نفسي في مكان وأنا متألم جداً وأصيح "عمّـة"، وأكررها بصوت عالٍ، وكأني أنادي على السيدة زينب (ع) أم المصائب لأشكو لها، ثم بدأت أصيح عمة زينب وأكررها مرات، حتى وصلت إلى ضريح كبير جداً، ووضعت خدي على الضريح وكنت أشكو لها وأبكي، قلت لها: عمة أنتِ تشكين يا أم المصائب، ولكن الذي حصل معي جعلني أأتي لأشكو لكِ، وكنت أرى بعد هذا أنّ كل شيء انتهى، وحصل إذن بفرج من الله).
فقلت: اصفح عني بحق عمتك الطاهرة، نصرك الله وفرج عنك، فالموت عندي - وأنت أعلم - أهون عليّ من أن أكون سبباً في ألمك.
فقال (ع): (لا أبداً خادم لكم، يشهد الله أني أحبكم، فقط هي إرادة الله أن تجري الأمور بمجاريها، أعتذر منك إن تسببت لك بأذى أو ألم.
أسأل الله أن يوفقكم ويسددكم وينصركم، واعلم أنّ الانحراف عن الحق إنما يبدأ بخطوة ربما يجد من يتخذها عذراً يعتذر به أمام المبادئ والأخلاق والدين الإلهي، ولكنه في النهاية سيجد نفسه قد فارق الدين وفارق الحسين (ع)، ولم يعد منه شيء مع الحسين (ع) إلا الظاهر، هذه الخطوة قد أراكم الله قوماً قد اتخذوها ورأيتم إلى أين وصلوا اليوم، فالأنبياء والأوصياء لم يجدوا يوماً من الراحة في هذه الدنيا لأنهم طلاب آخرة. أما من يطلبون يوماً من الراحة أو أنهم يرجون يوماً من الراحة في ما يأتي من أيامهم فهم مخطئون؛ لأنهم بهذا يطلبون الدنيا ويرجون الدنيا، ألم تسمع قول أمير المؤمنين ومعلم المؤمنين (ع) كان يقول: "ما زلت مظلوماً مذ ولدت، فانّ عقيلاً كان يرمد فيقول : لا تذروني حتى تذروا علياً" ([123])، هذا حاله عندما كان صغيراً، وقد سمعتم بحاله كبيراً ).
* * *
(كيف عرّف الله حجته ابراهيم (ع)..)
شكوت للعبد الصالح (ع) مرة جرأة المخالفين على حجج الله، وعلى قائم آل محمد (ع) تحديداً، وقلت: (بالنسبة للمخالفين آذونا ويتعرضون لك كثيراً، جعلنا الله وقاء لك بحق فاطمة (ع).
فأجابني (ع): (هم يتجرؤون على الله دون خوف، وهم يعيشون على أرضه، وهو ممسكها في فضاء يحيطها لو أنه أرسلها لأهلكهم بطرفة عين.
الله سبحانه وتعالى لم يأمر إبراهيم (ع) حتى أن يعرّف نفسه لمن يدعوهم بأكثر من أنه داعي الحق ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾([124]).
فقط ادعوهم، أما معرفتك وأنك محق فهذا المفروض أنهم قادرون عليه ولا يحتاجون أي دليل يدلهم إليه؛ لأنك رسول ربهم الذي خلقهم، فهل يضيع الإنسان ربه الذي خلقه فلا يستطيع الاتصال به وسؤاله ؟!
مشكلتهم أنهم قد ضيعوا ربهم الذي خلقهم، ومن ثم يريدون من رسل الله أن يقهرونهم على الإيمان بقدرة خارقة يظهرونها تبيّن تفوّق الرسل وضعفهم هم وعدم قدرتهم على المواجهة.
فأين الإيمان من هذا ؟ وأين ربهم الذي نسب نفسه سبحانه وتعالى أنه أقرب من حبل الوريد؟ نعم هم ضيعوا صلتهم بربهم، ثم لم يعاقبهم بل أرسل لهم ما به يهتدون من الآيات، ما أجرأهم على الله !!
والله، إني لأستحي من ربي أن انتسب لمثل هؤلاء، وهم يواجهونه سبحانه بصلف وخبث منقطع النظير رغم كل ما فيهم من سوء وظلم.
متى يخجل الإنسان من مواجهة ربه الكريم بهذا اللؤم والخبث والتحايل ؟ وهو يتكلم متحسراً عليهم وكأنه بحاجتهم رغم كل خبثهم في مواجهته وهو خالقهم ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾ ([125])).
* * *
(جرأة المخالفين على والده ووالدته عليهما السلام)..
ولم تكن جرأة المخالفين لتقتصر على حجة الله السيد أحمد الحسن (ع) وحده، بل أمسى شرار خلق الخلق وأتباعهم يتسافلون في مستنقع الرذائل، لتطال كلماتهم بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.
وبخصوص جرأة المخالفين على والده ووالدته الطاهرين، يقول العبد الصالح (ع): (هؤلاء يؤلموني فقط عندما يتجاوزون بعض الأحيان على أبي وأمي، فو الله بالنسبة لوالدي منذ أن انتبهت في هذه الدنيا إلى أن توفي رحمه الله لم أجده قد رفع صوته مع أحد أبداً، وكان كريماً عابداً ذا خلقٍ كريم، يشهد له بذلك كل من عرفه، حتى والله إني لم أرَ إنساناً بمستوى أخلاقه اللهم إلا ما قرأته عن أخلاق محمد وآل محمد (ع) والأنبياء والأوصياء.
وقبل سنوات طويلة في زمن الطاغية أتذكر أني قمت بأعمال أم داود، وكنت قد نويتها لخروج السجناء الذين في سجون الطاغية صدام، وكنت في يوم 15 رجب في ضريح الإمـام علي (ع) أقرأ القرآن حتى المغرب، ورجعت إلى البيت متعباً من الصيام والطريق فنمت بعد الصلاة، وكنت قد أهديت ثواب العمل لوالدي وأنا في ضريح الإمام علي، وطلبت أن يعرفني الله إن كان في ذمة والدي شيء أقوم به لأبرئ ذمته، وعندما نمت في الليل رأيت رؤيا: رأيت في مكان طاهر يجلس الإمام المهـدي (ع) وكنت أجلس بقربه، وجاء ملك عظيم عرفته أنه جبرائيل (ع) فقال لي: إن والدك يسلم عليك وهو في طريقه إلى الجنة، وكنت أرى والدي يطير في مكان جميل وهو متجه إلى الجنة، انتهت الرؤيا.
وهؤلاء فاكهتهم سبّ والدي لا أعرف لماذا ؟ فهم على الأقل يتركونه بحاله ويعتبرونه أنه مات قبل هذه الدعوة، أليس قبل هذه الدعوة كانوا يعتبرونا على ملتهم ؟
ووالدتي التي يتلفظ هؤلاء الأراذل عليها ألفاظاً نابية وهم لا يعرفونها، والله منذ انتبهت في هذه الدنيا وأنا أراها تصوم ثلاثة أشهر هي رجب وشعبان ورمضان كل عام، وكنت أكثر الأحيان عندما أذهب لأوقظها لصلاة الليل أجدها مستيقظة وتصلي قبلي، وهي امرأة عاجزة وعمرها بلغ الثمانين، وهؤلاء الأراذل يتلفظون عليها بألفاظ نابية. أعتذر ربما آذيتك بهذا وفقك الله).
* * *
("أنا خير منه" .. مشكلة المنكرين دائماً)..
يقول العبد الصالح (ع) في هذا: (لماذا المنكرون دائماً هم الكثرة ؟ هل المشكلة في خلفاء الله أم في الناس، وما هي مشكلة الناس ؟ إذا عرفت سبب الفشل في الامتحان الأول تستطيع الإجابة على هذا السؤال.
إظهار "أنا" المخلوق بشكل جلي يعاقب عليه، أي إنه طالما استبطن مواجهة ربه بـ "أنا" فالآن تجلى له في خليفة ليقول أنا خير منه، ولم يكن ليجرأ على النطق بها أمام الله القهار، ولكنه كان ينطق بها في كل آن بنظره المنُصبّ على نفسه، أولئك الذين لا يكادون يرون أيديهم، أعمتهم الأنا، فهم كل همهم أنفسهم وما يلائمها وتجنب ما ينافيها ظاهراً. الآن، تجلى لهم الذي خلقهم في خليفته ليظهر على الملأ ما انطوت عليه أنفسهم الخبيثة من إنكار له سبحانه ولفضله.
ولو قربت لك الصورة أكثر في مثل مادي: فحالهم كمن ركّز نظره على نفسه وهو يواجه ربه دون أن ينطق أو يقول: أنا خير ممن خلقني، أو أن يقول نفسي أهم عندي ممن خلقني، ولكن حاله ونظره المنصبّ على نفسه ينطق بهذا. الآن، امتحنه الذي خلقه بمثله - ظاهراً - إنسان، فمباشرة نطق بما انطوت عليه نفسه فقالها جهاراً دون حياء: أنا خير منه).
* * *
(الصلاة على آل محمد الائمة والمهديين (ع) وموقع فاطمة (ع) منها)..
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾([126])، اللهم صلِّ على محمد وآل محمد الائمة والمهديين وسلم تسليماً، ربما هذه الصلوات لا تعجب البعض اليوم، كما لم تعجب من سبقهم الصلوات التي أوضحها رسول الله (ص) لأمته لما كانت ممتحنة بآل محمد (الائمة) في أول زمان الاسلام.
ورغم أنّ النبي الأعظم (ص) قد بيّن لهم حتى كيفية الصلاة عليه، ونهاهم عن الصلاة البتراء، إذ قال (ص): (لا تصلوا علي الصلاة البتراء، فقالوا: وما الصلاة البتراء ؟ قال: تقولون اللهم صل على محمد وتمسكون، بل قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) ([127])، نجدهم يتعمدون ترك ذكر الآل كما هو الشائع عند أهل السنة وخصوصاً الوهابية، أو إضافة من شاءوا من الازواج والصحابة بل حتى الصحابة أجمعين بما فيهم شارب الخمر والمنافق والزاني والقاتل والمقتول ، وكأنهم - سبحان الله - يصرّوا على مخالفة أمره وبيانه (ص).
وأما شيعة المراجع اليوم فهم أيضاً يريدون إضافة ما يحلو لهم إلى الصلوات، بل راحوا يثقفون أتباعهم في أنهم ينبغي عليهم الصلاة عند ذكر أسماء قادتهم وكبرائهم، وهو الآخر أمر معروف لا يكاد ينكر.
إنّ الصلاة على محمد وآله الكرام تبقى واعظاً حياً مستمراً، يشهد على جفاء هذه الأمة في أول زمان الإسلام وآخره الذي نعيشه، كيف والمسلمون جميعاً لا يفقهون حتى معنى هذه الصلاة فضلاً عن أن آل محمد (ع) مغيبون عن واقع من يدعي الإسلام مطلقاً، بل يترفع السني الشيخي عن الرواية عنهم بعد أن روى حتى عن قتلة أمير المؤمنين (ع)، ويترفع الشيعي المرجعي عن الأخذ برواياتهم أو الأخذ بما يعجبه منها ويخدمه فقط، وإلا من أين أتينا نحن بروايات المهديين وكل ما يرتبط بالمهدي الاول تحديداً من عشرات الروايات في أمهات كتب الشيعة، أليس من آل محمد (ع) ؟ إذن، ما بالهم يستهزئون بها إن كانوا فعلاً شيعة لهم ؟!
وعلى أي حال، يشكل البعض علينا ويقول: لماذا تخصصون الائمة والمهديين بالذكر في الصلاة ، وهذا التخصيص يمنع عن التعميم وشمول الصلاة لفاطمة (ع) مع أنها من الآل الأطهار.
وفي هذا كنت قد سألت العبد الصالح (ع)، فقلت: هل يمنع التخصيص في الصلاة على الأئمة والمهديين من أن يشمل فاطمة (ع).
فأجابني (ع): (التخصيص لا يمنع التعميم، ولم نقل لأحد هذه هي الصيغة وغيرها لا يجوز بل في المتشابهات كتبت الصلاة بصورة أخرى، وإنما هنا نحن نخصص لنثبت حقاً يريدون هؤلاء الشياطين تضييعه، وهو حق خلفاء الله في أرضه من الأئمة والمهديين، وفي الأدعية خصص الأئمـة (ع) ([128])، فهل أن الأئمة أخطأوا بالتخصيص، وحاشاهم ؟!! ).
* * *
(ماذا يقصد ابراهيم (ع) بقوله : لا أحب الآفلين)..
قال العبد الصالح (ع) وهو يتحدث عمن أعماهم الحسد - داء إبليس لعنه الله القديم - حتى أمسوا لا يعقلون: (وجدت أحدهم مثلاً يقول: إذا كانت الشمس محمداً ([129])، فكيف يقول إبراهيم: إنه لا يحب الآفلين، أي لا يحب محمداً (ص) ؟
وهذا أقبح ما سمعت، فهو يفسر الشمس بأنها هذه الشمس، فالسؤال نفسه لو وجهه إلى نفسه ومن خلال تفسيره هو كيف يقول إبراهيم (ع) إنه لا يحب الشمس، وما ذنبها، وما فيها من سوء لكي لا يحبها إبراهيم (ع) ؟ لو وجه السؤال لنفسه لأجاب نفسه أنه لا يحب اعتبارها رباً مطلقاً وإلهاً مطلقاً، لأنه (ع) قبل أن يتكلم بلا أحب قال: (هذا ربي)، فالذي لا يحبه إبراهيم (ع) ليس هذا المشار إليه، بل الاعتبار الذي اعتبره أي كونه رباً مطلقاً.
ولكن هم أعماهم الحسد حتى أمسوا لا يكادون يعقلون، فيشكلون بأمور جوابها بيّن لو ردوها على أنفسهم).
* * *
(بالطعام يموت ابن آدم وبكلمة الله يحيى)..
قال السيد أحمد الحسن (ع): (قال عيسى (ع): ليس بالطعام وحده يحيى ابن ادم بل بكلمة الله يحيى، وأنا عبد الله أقول لكم: بالطعام يموت ابن آدم وبكلمة الله يحيى).
ولست بصدد الوقوف على البعد المعرفي بين الكلمتين، كما أني لا أريد التطرق إلى أنّ كلام حجتين متفاوتي المنزلة والمقام الإلهي إذا جمع بينه، فإنه سيبدو فيه كلام الأقل مقاماً بمثابة المتعلم إذا ما أريد مقارنته بالحجة الأعلى مقاماً عند الله، بعد هذا ليس غريباً أن تبدو كلمة عيسى (ع) اذا ما ضمّ اليها كلمة مجمع البحرين (ع) ككلام متعلّم بين يدي أستاذه ومعلمه ، كيف وهو حال موسى أيضاً كما توضح من رحلته للتعلّم بين يدي العبد الصالح فيما سبق، لست بصدد كل هذا، ولكني أرغب بإذن الله بيان كلامه (ع) بخصوص الطعام الذي يميت ابن آدم.
سألت العبد الصالح (ع) عن ذلك، فقلت: بالطعام يموت ابن آدم، قد نُسأل ما هو المراد من الطعام الذي يميت ابن آدم.
فأجابني (ع): (نعم، الطعام هو ما يسدّ شهوة فروج الإنسان، فللفم طعام، وللعورة طعام، وللعين طعام ، وللأذن طعام. وهذا الطعام له حد وقانون، فالأكل الحلال للقوة يتقوى به الإنسان على طاعة الله هذا يحيي الإنسان؛ لأنه سبب لحياة روحه بالذكر الذي تقوّى عليه بهذا الطعام. وسد شهوة العورة بالحلال كذلك، وطعام العين النافع مثل النظر إلى القرآن وإلى حجة الله أو حتى النظر إلى مآل أعداء الله والاعتبار يحيي الإنسان، وأيضاً طعام الأذن النافع مثل سماع القرآن يحيي الإنسان.
أما إن كان الإنسان يأكل دون حساب لكم أو كيف أو نوع، أو يسد شهوة عورته بما يشاء دون حساب أيضاً لكيف وأين ومتى ومع من، وينظر لما يشاء ولمن يشاء دون حساب لما يريده الله ، وأيضاً يسمع ما يشاء، فهذا الإنسان يهلك نفسه بهذا الطعام الذي يطعم به فمه وعورته وعينه وأذنه. فالطعام دون أن يحسب الله سبحانه وتعالى يقتل الإنسان ويسبب هلاك الإنسان، فبالطعام يموت ابن آدم).
* * *
(معنى السماء الأولى)..
ولأن انشدادنا الى المادة لا يكاد يوصف، ولولا حجة الله ومجيئه اليوم بعد أن ملئت الدنيا ظلماً وجوراً لكنا من الهالكين بلا أدنى شك في ذلك، هذه هي الحقيقة قبلها من قبل وتكبر عليها من تكبر، ثم لكي يرينا الله سبحانه بلطفه قدرنا وحالنا كان من ضمن أسئلتنا ما يبين عظم جهل السائل وعظم رحمة ربه به أن قبله في صف أوليائه رغم كل ذلك، هاكم انظروا السؤال لتعرفوا الحقيقة.
سألت العبد الصالح (ع)، فقلت: لما نقول السماء الأولى، هل هي فعلاً هذه التي نراها فوقنا، أم شيء آخر.
فأجابني (ع): (السماء الأولى لا ترى بالعين وفقك الله، السماء الدنيا تنقسم إلى سماء أولى وسماء جسمانية ، في السماء الأولى أنفس الناس، وفي السماء الجسمانية يوجد جسم الإنسان المادي الذي يرى بالعين، هذا أمر بينته في الكتب سابقاً ([130])، وأيضاً بينته كثيراً للأنصار.
السماء الجسمانية هي هذه المجرات والكواكب والشموس التي ترى، وهي أيضاً تسمّى الأرض، أي إن السماء الجسمانية بأجمعها تسمى الأرض في بعض الأحيان).
فقلت: هل نستطيع أن نفهم أنّ كل ما فوق السماء الجسمانية ولا نراه بالعين من الخطأ أن نتعامل معه بما هو متعارف عليه في هذا العالم حتى الإشارة.
فقال (ع): ( كيف حتى الإشارة، تقصد الإشارة إليه بجهة مثلاً ؟ على نحو الحقيقـة أكيد لا، فهي لا علاقة لها أصلاً بالجهات، ليس فيها مكان أو زمان، ولا علاقـة لها بالمكان أو الزمان. نعم، فيها الأحداث والفرق كبير بين الزمن والحدث، وفيها التحيز والفرق كبير بين الحيز والمكان).
فقلت: هل الحدث يعني الخلق بالتعاقب والتحيز يعني الانتهاء، أو شيئاً آخر.
فقال (ع): (المشكلة أنها من عالم آخر فلا يمكن أن تعبر عنها بدقة تامة بهذه الألفاظ التي هي في حقيقتها من هذا العالم وتعبر عن هذا العالم، فقولي لك الحيز والحدث إنما سيجرّ إلى فهمك المعاني المقابلة لهذه الألفاظ في هذا العالم؛ حيث إنّ ذاك العالم لا تعبر الألفاظ عنه تماماً مهما كانت؛ لأنها غير معدة للتعبير عنه، فهي ليست منه بل غريبة عنه).
* * *
(بداية المؤمن ربما تكون بالدعاء ، ويكفيه الوقوف بباب الله راجياً)..
نقلت للعبد الصالح (ع) يوماً رؤيا قد أحزنتني ([131])، وقلت في خاتمتها: ... والله أعلم بألمي الآن.
فقال (ع): (ولمَ تحزن، سأخبرك بشيء الآن : الله سبحانه أليس يقول "ادعوني"، بداية الإنسان ربما تكون في الدعاء، أما من يعرف الحقيقة فلا يمكنه أن يقول: أعطني، شافني، افعل كذا لي، أريد هذا، لا أريد هذا ...... لا يمكنه إلا أن يقف في باب الله يرجو أن يتفضل عليه فيستعمله فيما يشاء سبحانه.
حتى متى نبقى ننظر إلى أنفسنا، والله لو أنه سبحانه وتعالى استعملني من أول الدهر حتى آخره ثم أدخلني النار لكان محسناً معي، وأيّ إحسان أعظم من أنه يستعملني ولو في آن. المفروض أننا لا نهتم إلا لشيء واحد هو أن نرفع من صفحتنا السوداء هذه الأنا التي لا تكاد تفارقنا).
ثم سألته (ع)، فقلت: تأملت كلامك السابق حول وقوف الإنسان بباب الله راجياً، فهلا عرفتني مولاي أدعية الطاهرين، وقوله سبحانه لموسى (ع): ادعني ولو لشسع نعلك ([132])، ماذا يقصد بها.
فأجابني (ع): (أنت إن طلبت بنفسك، فهنا أمران؛ الأول: أنك تقول في كل طلب أنا وتنظر إلى نفسك، والثاني: أنك في كل طلب تقول أنا أعرف، أنا أفهم، أنا أعلم المصلحة، أي أنت من يشخص، شخصت أنّ المصلحة في أن يحصل لك كذا ومن ثم طلبت من الله أن ينفذ لك ما شخصت، أي باختصار أنك تقول لله سبحانه: أنا أعرف منك في المصلحة ، وأنا أعلم منك؛ لأنك حددتها وطلبت منه فقط التنفيذ، أنت تقول له افعل لي كذا، أي إنك شخصت أن "كذا" هي الحق وفيها المصلحة الدنيوية والأخروية.
لكن في قوله تعالى لعبده "قل ربي زدني علماً "، هنا من شخص المصلحة ؟ الله، لماذا تطلب ؟ لأنه قال لك اطلب هذا. على كل حال، هي ليست أقوالاً بل أفعال، أي إننا نفهمها عندما نكون فيها، لا عندما نكون خارجها ونتكلم بها).
* * *
(ما هو القلب الذي يعي به الانسان)..
ذكر القلب كثيراً، قال تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾([133])، ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾([134])، ﴿إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾([135])، وغيرها من الآيات، وأما الرويات التي ذكرت القلب فكثيرة جداً أيضاً في بيان أن المؤمن يعي بقلبه، وإنه طاهر القلب، وإن قلبه عرش الله وغير ذلك، فما هو معنى القلب ؟
سألت العبد الصالح (ع)، فقلت: ما هو معروف أنّ الإنسان يعي بقلبه، وأكيد ليس هو القلب المتعارف بين الناس، فما هو ؟
فأجابني (ع): (نعم، يعي الإنسان بقلبه، والقلب هو الروح، وكل إنسان مؤمن يعي كلمات الله بحسب حاله، فمن كان له وجود في السماء الثانية فقط وعيه أقل ممن كان له وجود في السماء الثالثة، وهكذا).
* * *
(كيف تستقر المعرفة الحقيقية في القلب ويحقق الانسان هدف الانبياء)..
رجوت من العبد الصالح (ع) يوماً نصيحة، فذكّر بحال من سبق من الأنبياء والأوصياء الذين مهّدوا لأنصار الحق الطريق وخففوا عنهم الكثير من العناء ولكن بعنائهم وآلامهم ([136]).
ثم قال روحي فداه: (... المطلوب منكم أن تتخذوا القرار الصحيح والاختيار الصحيح بين "أنا ........ هو"، وعندما يكون الاختيار صحيحاً، وعندما ينجو الإنسان المؤمن من الأنا يحقق ما جاء لأجله الأنبياء والأوصياء (ع)).
فقلت: وكيف يستقر ذلك في القلب، فهل من طريق ؟
فقال (ع): (المعرفة).
فقلت: قد يعرف الانسان شيئاً ، لكن سرعان ما ينساه، فيزول أثره فيقع في الخطأ من جديد.
فقال (ع): (المعرفة الحقيقية تكون هي حقيقة المخلوق ولا تنسى ولا تزول، هي الإيمان المستقر).
فقلت: وما هو السبيل إلى أن يجعل الإنسان من معرفته وإيمانه حقيقياً ومستقراً لا يزول ؟
فقال (ع): (عندما يكون هو المعرفة، الذي يحترق بالنار ويصبح ناراً، أما إن كنت تقصد العمل الذي يؤدي لهذا:
أولاً: أن يطبق كل ما يأمره الله به، وكل ما يرشده له، ويتخلق بكل خلق يرضاه الله، ويجتنب كل خلق يسخطه الله، ومن ثم لا يطلب جنة ولا تجنب نار ولا ولا، بل فقط أن يكون واقفاً في باب الله ويعمل بما يشاء، ومن ثم يعرف الآتي: أنه إن قال اشفني، أعطني، ارزقني، افعل بي كذا، فهو في كل هذه الأدعية يقول " أنا ".
فالمفروض أن يقتنع قناعة كاملة أنه يكفيه أن يقف في باب الله ويستعمله الله متفضلاً عليه، فلو أنه سبحانه استعمله منذ أن خلق الدنيا إلى قيام الساعة ومن ثم أدخله النار لكان محسناً معه، وكيف لا يكون محسناً من أوجدني من العدم، ومن ثم شرفني أن استعملني لأكون حجراً يرميه كيفما يشاء، وأي فضل أعظم من هذا، بل لو أدخلني النار خالداً بعد هذا لكان محسناً معي؛ لأنه في كل ما مضى محسن، وفيما يأتي محسن، استحق أكثر من النار ؛ لأني ناظر إلى نفسي.
المفروض أن يبقى الإنسان دائماً واقفاً في باب الله يرجو أن يتفضل عليه ويستعمله، والمفروض أن لا يكون عمل الإنسان مع الله مقابل ثمن أو جزاء، أي المفروض أن لا يطلب ثمناً أو جزاء. وهل تعتبره إنساناً جيداً من يطلب ثمناً أو جزاء مقابل خدمة بسيطة يقدمها لإنسان كريم وفّر له فيما مضى بيتاً ومالاً وعملاً وكل ما يحتاج في حياته دون مقابل، فكيف بالله سبحانه الذي إن استعملك شرفك، وكان عملك معه شرفاً لك وخير يصيبك، فكيف تطلب مقابلاً على ذلك ؟!).
* * *
(كيف قهر الاولياء أنفسهم لما يرضي الله)..
سألت العبد الصالح (ع) يوماً، وقلت: كيف قهر الأولياء أنفسهم وطوعوها لما يرضي الله فقط.
فأجابني (ع): (بالله، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾([137]).
إن كنت تطلب فاطلب ما بينه الحسين (ع): "ماذا فقد من وجدك"، اطلب أن تتعلق به سبحانه في كل آن، فمن أحب شيئاً أعشى بصره. لو أنك تعلقت به وأحببته في كل آن فلن ترى غيره ، ولن تعرف غيره، بل ستراه في كل شيء، وسترى كل شيء به سبحانه. ماذا فقد من وجدك ، وماذا وجد من فقدك.
نعم، فمن وجد الله، ومن عرف الله لا ينقصه شيء، ولا يفقد شيئاً؛ لأنه عرف أنّ الله هو كل شيء. ومن فقد الله، ومن جهل الله تماماً لم يجد شيئاً، وهو فاقد لكل شيء، فلن تسد فقره كل الكرة الأرضية بما فيها؛ لأنه هو أمسى الفقر بعينه.
وكل إنسان بحسب جهله بالله تجده يحس بنفس القدر بالفقر والنقص الدائم الذي لا يجد له ما يسده - بسبب جهله بالله - سوى المادة التي هي في الحقيقة كالماء المالح الذي يزيد عطش الشاربين ولا يرويهم أبداً.
الغنى فقط بالله، من الله، ومن يعرض عن الله لن يجد الغنى الحقيقي، ويبقى يلهث خلف سراب حتى يهلك في قلب الصحراء.
المعرفة هي كل شيء، لذا قآل محمد (ع) لعلي (ع): "يا علي إن ساعة تفكر خير من عبادة ألف عام").
فقلت: أطلب ما يرفع نقصي رغم جهلي ، حفظك الله ونصرك وأعانك على من هم مثلي، كلامك لو رآه الصخر لحن وعقل، ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله.
فقال (ع): (أنتم إن شاء الله خير مني، بل أسال الله أن يرحمني بفضلكم عنده، فأنتم نصرتم الحق وسمعتم كلمات الله وأطعتم الله وعملتم بما أمركم به سبحانه، أما أنا فقد شاء الله أن يجعلني طريقاً ليوصل لكم رسالته، وإلا فلا أرى نفسي خيراً من الأطهار الذين أطاعوا الله وصدقوا بكلماته، وفقكم الله جميعاً وجزاكم الله خيراً).
(حجة الله وختم النبوة)..
وعن ختم النبوة وارتباطه بحجة الله، قال العبد الصالح (ع): (لا يوجد وصي من أوصياء الرسول محمد (ص) إلا وهو مختوم بهذا الختم، هو ليس ظاهراً في الخلقة دائماً، ولكن كثيرين ممن يكشف الله عنهم الحجب يرونه ويعرفون حجة الله به).
* * *
(إلهي أنت كما أحب ..)..
لا يخفى أنه سبحانه كما يحب هو، ولكن ورد في بعض مضامين أدعية الطاهرين (ع) هذا المقطع: (الهي أنت كما أحب)، فماذا يعني ذلك ؟
ولهذا سألته (ع)، فقلت: إن الله سبحانه كان كما يحب هو سبحانه ويطلب العبد منه أن يكون كما يحب هو سبحانه، فما معنى ما ورد عن الطاهرين (ع): الهي أنت كما أحب فاجعلني كما تحب.
فأجابني (ع): (قولهم: "أنت كما أحب" أي ما أعرفه عنك كما أحب، وما أعرفه عنك هو فيضك، وفيضك كله خير وملائم للإنسان).
* * *
(بداية السنة عند الله)..
وعن بداية السنة عند الله سألت العبد الصالح (ع) فقلت: هل وقت السنة عند الله تعالى يبدأ من ليلة القدر.
فأجابني (ع): (نعم، السنة بدايتها في رمضان، القدر النافذ من العام الماضي ينتهي في ليلة القدر، ويبدأ قدر جديد بليلة القدر).
فقلت: أ لأجل هذا يكون الخوف في هذا الشهر الكريم ؟
فقال (ع): (الخوف في كل آن، فمن عرف نفسه وظلمتها وتقصيرها الدائم كيف لا يخاف. قبل ليلة القدر رأيت رؤيا هي متعلقة بحدث وقد مضى، ولكن أقص لك الرؤيا: رأيت مجموعة من الملائكة وكنت أريد أن أقوم بعمل، فطلبت منهم أن يجلبوا لي بعض الأشياء المتعلقة بهذا العمل، جلبوها ولكنهم اعترضوا وقالوا لماذا تعرّض نفسك لهذا، فأنت لا يحاسبك الله وليس عليك وزر تكفر عنه. المهم أني أكملت العمل وكان فيه صعوبة أو أذى محتمل، وبعد أن انتهيت وأنا أغادر المكان خاطبت الملائكة الذين طلبوا مني تجنب هذا العمل فقلت لهم: لا خاف ولا صلى ولكن تنجس وتولى، هكذا يقول الله، فهل تريدون مني أن لا أكون خائفاً).
* * *
(العلم كله حجة على الانسان إلا ما عمل به)..
كنت قد قرأت في كتاب (الجواب المنير/ الجزء الثالث) جواباً للعبد الصالح (ع)، فسألته عنه فقلت: قرأت في إحدى الإجابات أنّ لمن أراد معرفة بعض الحقائق وهو يجدّ السير إلى الله أن يقرأ سورة النور "70 " مرة وبعض الآيات، ما يخيفني من فعل ذلك أقول أكيد أني لست بأهل، فما تقول.
فأجابني (ع): (لماذا لا تعملها، فالعلم كله حجة إلا ما عمل به، الدنيا كلها جهل إلا مواضع العلم، والعلم كله حجة إلا ما عمل به، والعمل كله رياء إلا ما كان مخلصاً، والإخلاص على خطر عظيم حتى ينظر المرء ما يختم له).
* * *
(الرؤيا بالمعصوم في غير مواصفاته المعروفة)..
وبخصوص رؤية المعصـوم في الرؤى الصادقة كنت قد سألت العبد الصـالح (ع)، فقلت: هل أنّ المعصوم يتمثل بصورة يكون فيها بغير مواصفاته المعروفة، يعني أرى - مثلاً - المهدي الأول ولكن بغير صفته المعروفة.
فأجابني (ع): (نعم، في بعض الرؤى يكون للشكل والهيئة دخل أي يكون الشكل والهيئة رمزاً أو إشارة إلى حقيقة ما. الاسم أيضاً له دخل بالرؤيا، يعني ترى مثلاً شخصاً ولا علاقة له بالرؤيا التي رأيتها، ففي الحقيقة أنّ هذا الشخص ليس هو المقصود، بل المقصود ربما اسمه فقط كأن يكون اسمه مرتبطاً بقضية ما، فمن لم يكن هو المراد في الرؤيا فالمراد اسمه).
* * * * * *
المحطة الرابعة:
ما يتعلق بالمناظرات والبحوث
أهتم أهل البيت (ع) بمسألة تربية بعض من شيعتهم لمناظرة ومحاججة المخالفين، وكان من بين هؤلاء هشام بن الحكم ومؤمن الطاق وغيرهم الكثير.
ومن يطالع هذه النصائح الواردة في كلام العبد الصالح (ع) لأنصاره يجدها منهجاً إلهياً واضحاً، تعين المؤمن من جوانب عدة، منها ما هو أخلاقي، ومنها ما هو مرتبط بالجانب المعرفي، ومنها ما له علاقة بجانب بيان الحجة للغير، وأمثال ذلك.
إذن، مع العبد الصالح في كلامه المتعلق بهذه النقطة بالتحديد.
* * *
(بعض وصاياه (ع) بخصوص المناظرات)..
قال السيد أحمد الحسن (ع): (أردت توصيتكم بالنسبة للمناظرات أو الحوارات مع المخالفين أرجو منكم أن لا تردوهم؛ لأن من خلالها نوصل الدعوة إلى أكبر عدد ممكن، وأرجو منكم أن تتعاملوا مع الناس ومع ضيوفكم بخلق خصوصاً من يأتيكم ويتكلم بأخلاق حتى وإن كان من الوهابيين ، فأنتم لا تعلمون لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، فما أدراكم من كتب الله له الهداية ممن كتب الله عليه الضلال.
وأيضا أرجو منكم أن تنظموا المناظرات وتتهيئوا لها، حددوا مواضيع النقاش ومن ثم تهيئوا لها بشكل كامل، وهيئوا مصادركم وأحاديثكم التي تحتاجونها مع مصادرها).
وسألته بخصوص أولى المناظرات التي كانت مقترحة بين أنصار الامام المهدي (ع) والوهابيين، قال (ع): (الأفضل أن تكون المناظرة الأولى حول خلافة الله في أرضه وتطرحون بها قانون معرفة الحجة، وهناك دليلان:
الأول عقلي: وهو أنه سبحانه حكيم مطلق ولا يخالف الحكمة، فلابد أن يعين الأعلم ويرشد إلى اتباعه، ويضرب مثال سفينة أو مصنع للتوضيح ([138]).
والآخر: الآيات حول الخليفة الأول.
وقبل بدأ المناظرة لابد أن يعطوكم وقتاً لشرح الدعوة ولو إجمالاً. ويجب التركيز على وصية الرسول (ص)، ودليل أنه لابد أن يكون قد وصى من القرآن .. الآية ([139])، لأنهم سنة وليسوا شيعة فلا يقبلون رواية في كتب الشيعة، ولكن إذا كانت الوصية هي الرواية الوحيدة التي تثبت أن رسول الله محمداً (ص) لم يخالف محكم القرآن فيجب قبولها؛ لأن إنكارها يعني القول بأنّ رسول الله (ص)خالف القرآن، وحاشاه.
سيقولون لكم الآتي: أنهم خرجوا عنه وقد أوصاهم بكذا، مثل: أخرجوا المشركين ([140])، فأخرجوا النص من كتب السنة ستجدونه أيضاً وصاهم قبل خروجهم بثلاث، وهم يعدون اثنتين والثالثة يقول الراوي عنها: نسيتها، وهي ولاية علي (ع) وخلافته لرسول الله (ص)، فهم لما رفضوا كتاباً يكون فيه هداهم إلى يوم القيامة أوصاهم مشافهة بما فيه هداهم من بعده مباشرة.
وعلى كل حال، فإنّ الوصية لازمة وكتابتها والإشهاد عليها لكي لا تضيع الحقوق، فلما رفضها بعضهم أكيد أن رسول الله (ص) كتبها لمن يقبلها غيرهم ، وقد نقلها أهل البيت (ع) من علي بن أبي طالب (ع) إلى الإمام الصادق (ع)، وقد أسندت في كتب الشيعة ([141]).
على كل حال، أرجو منكم أن تتعبوا أنفسكم كثيراً جداً، ولا تذهبوا إليهم وأنتم صفر اليدين من الأدلة، اطلعوا على كل شيء وحضروا الأحاديث ومصادرها. اطلعوا على روايات السنة، خصوصاً أنكم ضيعتم ما مضى من حياتكم ربما في مباحث لا تغني ولا تسمن، الآن كفّروا عن ذلك بمراجعة الروايات والأدلة من كتب السنة والشيعة.
أرجو أن يكون أي مشارك في مناظرة السنة مطلع ويطلع على كتبهم وما فيها، انتبهوا دائماً في المناظرات أن المناظر يحاول الهروب إن حصر في أمرٍ ما، فأنتم ركزوا في كل نقطة حتى يتم تحريرها، أو إن كان يريد الانتقال فقولوا له وصرحوا أمام الجميع إنّ هذه النقطة حررت لصالحنا وقد لزمته الحجة، وهروبه وانتقاله لا يحرره من الالتزام بما ألزمناه به وبما حججناه به.
أنتم لا يكون هدفكم فقط الانتصار في المناظرة، بل ليكن هدفكم بيان الحق للناس فضعوا خطة لبيان الحق للناس بأفضل السبل، وراعوا من تطرحون عليهم فإن كانوا سنة ليكن الطرح مختلف؛ لأنهم لا يلتزمون بما في كتب الشيعة مثلاً، وإن كان عندكم أي سؤال فأنا بخدمتكم.
أيضاً: في مناظراتهم دائماً ركزوا على المثال في نقض الإشكال على الدليل المطروح، يعني مثلاً: تقول لهم هذا هو الدليل من كتبكم أن عمر اقتحم بيت الزهراء (ع) وأحرق باب دارها، يقولون لك: كيف وأين شجاعة علي بن أبي طالب، وكيف رضي أن تضرب الزهراء (ع) ويكسر ضلعها ؟
أنت هنا ركز، هم ماذا فعلوا ؟
أولاً: لم يردوا الدليل بدليل ينقضه، إذن ثبت الدليل وقد أقرّوا الأمر ابتداءً؛ لأنهم ذهبوا إلى الإشكال عليه لا نقضه بدليل مخالف، يعني هم لو كان عندهم دليل نقض لطرحوه، وبما أنهم لم يطرحوا دليلاً للنقض فقد لزمهم الدليل وأقروا به، وهم في مرحلة رفع الشبهات عن الدليل بطرح الإشكالات عليه.
ركز هنا، فأنت بهذا تحرجهم أيما احراج؛ لأن معنى طرحهم الإشكال هو إقرارهم بالدليل، ومعنى طرحهم الإشكال هو أنهم فاقدون لدليل النقض، ومعنى طرحهم الإشكال أنهم في مرحلة تجلية الدليل ورفع الشبهات عنه.
ثانياً: ما أخبرتك به وهو نقض الإشكال بالمثال؛ لأن معظم الناس يفهمون المثال والمثال أقرب شيء لهم؛ لأن المقارنة تسهل عليهم، فهذا الإشكال ينقض بهذا المثال: وهو سمية أم عمار، فإذا كان الإشكال يصح على علي (ع) لصح على رسول الله (ص)، وسمية قتلت كما هو معلوم وهي من أهل الجنة كما هو معلوم أيضاً، وقد شهد لها رسول الله (ص) ([142])، وبالنسبة لرسول الله (ص) لا فرق عنده بين زوجته وابنته وأي مسلمة أخرى؛ لأنه أبو الأمة والكل عنده وبين يديه سواسية.
أما رد الإشكال عن رسول الله (ص) وعلي (ع) فهو أنهم عباد يعملون بأمر الله وليسوا كعامة الناس ينتصرون لأنفسهم.
مثال آخر: آسية زوجة فرعون، أليست من خيرة نساء الجنة ([143])، لماذا ترك موسى (ع) فرعون وجنده يعذبونها ... الخ.
المهم ان الصورة عموماً وصلت، دائماً من تلزمه الحجة يحاول أن يفرّ للإشكال على الدليل.
وجدت أحدهم مثلاً يقول: إذا كانت الشمس محمداً ([144])، فكيف يقول إبراهيم: إنه لا يحب الآفلين، أي لا يحب محمداً (ص) ؟
وهذا أقبح ما سمعت، فهو يفسر الشمس بأنها هذه الشمس، فالسؤال نفسه لو وجهه إلى نفسه ومن خلال تفسيره هو كيف يقول إبراهيم (ع) إنه لا يحب الشمس، وما ذنبها، وما فيها من سوء لكي لا يحبها إبراهيم (ع) ؟ لو وجه السؤال لنفسه لأجاب نفسه أنه لا يحب اعتبارها رباً مطلقاً وإلهاً مطلقاً، لأنه (ع) قبل أن يتكلم بلا أحب قال: (هذا ربي)، فالذي لا يحبه إبراهيم (ع) ليس هذا المشار إليه بل الاعتبار الذي اعتبره أي كونه رباً مطلقاً.
ولكن هم أعماهم الحسد حتى أمسوا لا يكادون يعقلون، فيشكلون بأمور جوابها بيّن لو ردوها على أنفسهم.
أنتم أيضاً ليكن هدفكم الشيعة وليس فقط السنة؛ لأن كثيراً من الشيعة سيسمعون المناظرة، فأرجو منكم أن تكونوا في المناظرة على أتم استعداد، أولاً ثبتوا القانون، قانون معرفة الحجة وألزموهم به. والوصية وهي لازمة بحكم القرآن، ولا يوجد غير هذه وقد نقلها أهل البيت (ع) عن أبيهم رسول الله (ص)).
* * *
(نصيحة منه بكتابة بعض البحوث)..
قال العبد الصالح (ع): (هل لديكم الوقت لكتابة بعض الكتب أو الأبحاث الضرورية لنصرة دين الله أنت وإخوتك ممن لديهم القدرة على ذلك.
أولاً: كتاب منكري خلفاء الله في أرضه منذ آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ليس ضرورياً أن يكون هذا هو العنوان، ولكن هذا هو مختصر لما يتضمنه الكتاب أو البحث، والذي يكتب هو يختار العنوان المناسب، ويمكن أن يتعرض الكتاب إلى:
- اليوم الأول آدم خليفة الله في أرضه.
- معترضون يتوبون ، منكر لا يتوب .. أي الملائكة وإبليس على التوالي.
- والمرور بأنبياء الله ورسله إلى يومنا هذا.
- المقارنة بين كل المنكرين.
- مقولاتهم التي قصها تعالى علينا في القرآن وما يجمعهم من وحدة المنهج في الإنكار والمحاربة والمحاججة بالباطل ووحدة الأهداف ووحدة المضمون.
- أيضا الكثرة ومناقشتها.
- لماذا المنكرون دائماً هم الكثرة ؟ هل المشكلة في خلفاء الله أم في الناس، وما هي مشكلة الناس ؟
إذا عرفت سبب الفشل في الامتحان الأول تستطيع الإجابة على هذا السؤال ، إظهار "أنا" المخلوق بشكل جلي يعاقب عليه، أي إنه طالما استبطن مواجهة ربه بـ " انا "، فالآن تجلى له في خليفة ليقول: أنا خير منه، ولم يكن ليجرأ على النطق بها أمام الله القهار، ولكنه كان ينطق بها في كل آن بنظره المنصبّ على نفسه، أولئك الذين لا يكادون يرون أيديهم، أعمتهم الأنا، فهم كل همهم أنفسهم وما يلائمها وتجنب ما ينافيها ظاهراً. الآن، تجلى لهم الذي خلقهم في خليفته ليظهر على الملأ ما انطوت عليه أنفسهم الخبيثة من إنكار له سبحانه ولفضله.
ولو قربت لك الصورة أكثر في مثل مادي: فحالهم كمن ركز نظره على نفسه وهو يواجه ربه دون أن ينطق أو يقول: أنا خير ممن خلقني، أو أن يقول نفسي أهم عندي ممن خلقني، ولكن حاله ونظره المنصبّ على نفسه ينطق بهذا. الآن، امتحنه الذي خلقه بمثله - ظاهراً - إنسان فمباشرة نطق بما انطوت عليه نفسه فقالها جهاراً دون حياء: أنا خير منه.
أيضاً: بحث آخر عن عمر، وآخر عن أبي بكر، وعن عثمان من كتب السنة، المهم هو طريقة مناقشة الروايات بالاستعانة بالله وبالتوكل على الله والإخلاص لوجهه الكريم سبحانه وتعالى.
أيضاً: لديكم شيء آخر هو أنكم تنظرون إلى الروايات نظرة جديدة ونظرة أخرى تختلف عمن سواكم، فالأنصار الآن إن شاء الله يختلفون عمن سبقوهم في نقد أهل الباطل، وسيكون عملكم مباركاً إن شاء الله).
فقلت: كيف مولاي علمنا.
فقال (ع): (اعملوا، وستجدون أنّ كل شيء جديد، هل تسألني عن شيء دون أن تبدأ به، ما أدراك ربما لا تحتاج للسؤال).
وفعلاً لما باشرت بكتابة البحث لم أسأله (ع) عن شيء كما أخبر.
ثم قال (ع): (أيضاً: كتاب وبحث مهم حول كسر ضلع الزهراء:
- تحقيق الروايات والدلالة على صحتها.
- البحث من خلال روايات السنة وروايات الشيعة.
- روايات اقتحام الدار.
- روايات التهديد الذي صدر من الظلمة.
- تحليل الروايات.
كمثال: يمكنكم الاستفادة من رواية غضب فاطمة (ع) على أبي بكر وعمر وطلبهم من أمير المؤمنين (ع) أن يدخلا على فاطمة ليطلبا منها أن تصفح عنهما وتغفر لهما ما عملاه، وإنهما دخلا على فاطمة وطلبا منها المغفرة ولم ترضَ عنهما ([145])، فلأي شيء طلبا المغفرة إن لم يكن اقتحام دارها وكسر الضلع ؟!!
- أيضاً تغييب فاطمة (ع) موضع قبرها، ما هو السبب ؟؟؟ لأنها غاضبة منهم.
- أيضاً حرص فاطمة (ع) أن لا يحضروا جنازتها، ما هو السبب ؟؟؟
- أيضاً بيان فضلها من كتب السنة، ولو لم يكن إلا رواية سيدة نساء العالمين لكفى، وهي يصححها حتى الوهابية ([146])).
* * *
(إعمال بحوث مقارنة)..
نقلت له في يوم رؤيا، فقلت: هناك رؤيا فيها أنّ التبيلغ الآن يكون بالنبوة الخاتمة.
فقال (ع): (هناك أمر، المفروض أن تفعلوه وفقكم الله وهو المقارنة، مثلاً: مسألة ختم النبوة، هناك كتب فيها، اختر أفضل ما عندهم ، مثلاً مطهري عنده كتاب في هذا، الطباطبائي وغيره ماذا قالوا في التفسير، وقارنها بما قلت. اعملوا بحوث مقارنة، هذا أمر مهم لتعريف الناس وفقكم الله).
* * * * * *
المحطة الخامسة:
ما يتعلق بالنصائح العامة وبعض كلامه (ع(
"كلامكم نور"، بهذا عرف الامام الهادي (ع) في الزيارة الجامعة الشريفة كلام آل محمد وسادة الخلق (ع) ووصفه لأتباعهم وشيعتهم، وفي هذا أيضاً يقول الامام الرضا (ع): (رحم الله عبدا أحيا أمرنا، فقلت له: وكيف يحيى أمركم ؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا) ([147]).
ولأنّ رجاءنا منه سبحانه دائماً أن يجعلنا ممن يحبّب آل محمد (ع) للناس أعرض بين أيدي الجميع بعض محاسن كلام العبد الصالح (ع) وكل كلامه حسن، وأعتذر إلى الله عز وجل من التقصير.
* * *
(كيف يكون الايمان مستقراً)..
طلبت من العبد الصالح (ع) يوماً نصيحة، فقلت: الإنسان على نفسه بصـيرة، قليل الصبر، ويضيق صدري سريعاً، وكثرة الهموم، بماذا تنصح وكلامك بلسمي في مسيري.
فقال (ع): (الحمد لله رب العالمين أنكم لستم قليلين، ويشد بعضكم بعضاً، ويعين بعضكم بعضاً، وإن كان هناك تقصير من إخوتك فأسأل الله لك ولهم الإخلاص والتوفيق في العمل في سبيل الله.
تذكّر ما كان حال من سبقوكم من الأنبياء والأوصياء والقلة الذين نصروهم، لقد مهدوا لكم الطريق، كم مرة ومرة يكون جوابكم على الذين ظلموا أنفسهم بالتمثل بالأنبياء والأوصياء وأحوالهم، لقد مهدوا لكم الطريق وخففوا الكثير من عنائكم ولكن بعنائهم وبآلامهم).
فقلت: سلام الله عليهم أجمعين، وفقنا الله للسير على هداهم وخدمة حججه على خلقه.
فقال (ع): (ومتى كان الحجج يبحثون عن خدم).
فقلت: أعتذر مولاي، فصرت لا أعرف ماذا أقول بالدعاء فاعذرني على كلامي معك والخطأ لا يفارقني.
فقال (ع): (المطلوب منكم أن تتخذوا القرار الصحيح والاختيار الصحيح بين "أنا ........ هو"، وعندما يكون الاختيار صحيحاً، وعندما ينجو الإنسان المؤمن من الأنا يحقق ما جاء لأجله الأنبياء والأوصياء (ع)).
فقلت: وكيف يستقر ذلك في القلب، فهل من طريق ؟
فقال (ع): (المعرفة).
فقلت: قد يعرف الانسان شيئاً، لكن سرعان ما ينساه، فيزول أثره فيقع في الخطأ من جديد.
فقال (ع): (المعرفة الحقيقية تكون هي حقيقة المخلوق، ولا تنسى ولا تزول، هي الإيمان المستقر).
فقلت: وما هو السبيل إلى أن يجعل الإنسان من معرفته وإيمانه حقيقياً ومستقراً لا يزول .
فقال (ع): (عندما يكون هو المعرفة، الذي يحترق بالنار ويصبح ناراً، أما إن كنت تقصد العمل الذي يؤدي لهذا:
أولاً: أن يطبق كل ما يأمره الله به، وكل ما يرشده له، ويتخلق بكل خلق يرضاه الله، ويجتنب كل خلق يسخطه الله، ومن ثم لا يطلب جنة ولا تجنب نار ولا ولا، بل فقط أن يكون واقفاً في باب الله ويعمل بما يشاء، ومن ثم يعرف الآتي: أنه إن قال اشفني أعطني ارزقني افعل بي كذا فهو في كل هذه الأدعية يقول أنا.
فالمفروض أن يقتنع قناعة كاملة أنه يكفيه أن يقف في باب الله ويستعمله الله متفضلاً عليه، فلو أنه سبحانه استعمله منذ أن خلق الدنيا إلى قيام الساعة ومن ثم أدخله النار لكان محسناً معه، وكيف لا يكون محسناً من أوجدني من العدم، ومن ثم شرفني أن استعملني لأكون حجراً يرميه كيفما يشاء ، وأي فضل أعظم من هذا، بل لو أدخلني النار خالداً بعد هذا لكان محسناً معي؛ لأنه في كل ما مضى محسن، وفيما يأتي محسن، استحق أكثر من النار؛ لأني ناظر إلى نفسي.
المفروض أن يبقى الإنسان دائماً واقفاً في باب الله يرجو أن يتفضل عليه ويستعمله، والمفروض أن لا يكون عمل الإنسان مع الله مقابل ثمن أو جزاء، أي المفروض أن لا يطلب ثمناً أو جزاء. وهل تعتبره إنساناً جيداً من يطلب ثمناً أو جزاء مقابل خدمة بسيطة يقدمها لإنسان كريم وفّر له فيما مضى بيتاً ومالاً وعملاً وكل ما يحتاج في حياته دون مقابل، فكيف بالله سبحانه الذي إن استعملك شرفك، وكان عملك معه شرف لك وخير يصيبك، فكيف تطلب مقابلاً على ذلك ؟!).
* * *
(علاج قساوة القلب)..
قلت للعبد الصالح (ع): يمر وضعنا بعض الأحيان بركود، يعني قلة في الحركة هكذا فجأة ولا أعرف هل هو نتيجة تقصير وهو أكيد موجود، أم أن القضية بيد الله ويهيأ لها أسبابها، هذا أمر. والأمر الآخر: يشعر الانسان بعض الأحيان بقساوة في قلبه وقلة إقباله، فهل من علاج ؟
فقال (ع): (الدعوة بيد الله، وأيضاً الله يعطي للمؤمن بحسب إخلاصه.
والقلب يرق لذكر الله وذكر أوليائه، فإذا قست القلوب فاعرجوا بها على ذكر الله، واقرؤوا القرآن وما يمكنكم من الدعاء، وتدبروا سيرة أولياء الله واتعظوا بها).
* * *
(تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً ....)
طرح أحد الإخوة بعض المشاكل عليه (ع)، فقال في نصيحته: (... هل تظنون أنّ شغلي فيكم فقط، سيهلك أكثر الناس وهم على ضلال ويذهبون إلى جهنم، وأنتم كل واحد مشغول بنفسه، كل واحد منكم يصيح أنا ؟!
لا أحتاج كلاماً كثيراً، أريد منكم عملاً قليلاً.
أعمالكم تعرض علينا وفيها كل واحد يصرخ أنا، لماذا لا تجاهدون أنفسكم ؟ ألا تستحون من الله، من محمد، من علي، من آل محمد (ع) ؟! الكل، الكل، الكل.
والله الذي سيأتي يشيب الصغير ؟؟ هل تعون ؟؟ أقول لك هلاك أكثر الناس !! أنتم لا تخافون الموت وتصرخون أنا أنا أنا !! من أعطاكم الأمان من الهلاك معهم وأنتم تصرخون أنا أنا أنا ؟!
ولما أراد الأخ تبرير موقفه، قال (ع): (طيب، وما تنقله الملائكة ماذا أفعل به ؟!).
ثم قال (ع): (نصيحتي لكم قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾([148])، تدبروه وعوه وتجنبوا اتباع أهوائكم، والانتصار لأنفسكم على الحق.
إذا كنتم تريدون أن تكونوا فعلاً عوناً للحق فاعملوا بهذه الآية، وإلا يستبدل الله بكم قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم، وأنتم تعلمون فهم إلى جواركم وقد حان وقتهم، فاتقوا الله، واقتلوا أنفسكم وأهواءكم، وانصروا ربكم.
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا﴾: لم يقل الله نصيب من الدار الآخرة، ولم يقل نجعل له نصيباً من الدار الآخرة، بل قال: تلك الدار الآخرة نجعلها، أي الدار الآخرة بما فيها يجعلها لهؤلاء، أي إنهم ملوك الآخرة، فهؤلاء هم آل محمد (ع) وخاصة شيعتهم، فاعملوا أن تكونوا منهم، وإلا فلا أريد أن أرى صوركم وأنتم تتبعون أهواءكم.
وفي نهاية الآية ، قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، والمتقون هم آل محمد (ع) ، وقد قال الصادق (ع) لمن قرأ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾([149]): (لقد طلبوا عظيماً، إنما هي: واجعل لنا المتقين إماماً) ([150])، فما هي الأمور التي يعملها الإنسان ليكون من هؤلاء ؟
﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾، أنتم لا تريدون علواً، ولا تريدون فساداً ؟؟ هل تعرف معنى هذا ؟ أي أن لا يمر بخاطرك أنك خير من أحد، ولا تفضّل نفسك على أحد.
لا يريدون علواً ولا فساداً .. لا يريدون الفساد، وليس لا يعملون الفساد. في آيات أخرى قال تعالى: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾([151])، أما هنا في هذه الآية ليس لا يفسدون، بل لا يريدون الفساد، أي لا يمر بخاطرهم الفساد، ولا يخطر ببالهم الفساد. أين أنتم من هذا ؟؟؟
اتقوا الله، وانشغلوا بإصلاح أنفسكم، كل واحد منكم يرى نفسه أنه خير الخلق، وأنه أفضل من كل الأنصار، أو أفضل من بعض الأنصار ؟!!
هذه نصيحتي لكم واعذرني على شدتي معكم).
* * *
(نصيحة في هداية الناس)..
قال (ع): (اعملوا بكل ما يمكن فهي معركة مع إبليس، هو يريد أن يأخذ أكبر عدد إلى جهنم .. الدنيا سيراها الناس بعد الموت ساعة، لم يكادوا يعرفوا منها شيئاً. هو يريد أن يحقق وعده بغواية الخلق ، فإن لم يكن بإمكانه تأجيل اليوم الموعود، فهو يريد أن يحقق وعده بأن يغوي كل من سوى المختارين ([152]).
فشله أخيراً في تأجيل المواجهة الأخيرة، وتحقق الوعد الإلهي بانتصار ثلاثمائة وثلاثة عشر على أنفسهم لا يجعله ينثني عن هدف طالما توعد به وهو غواية الناس، فأنتم انتصاركم بهداية الناس، هدايتهم وليس فقط إقامة الحجة عليهم. اعملوا كل ما يمكنكم لهدايتهم، فقط أوصيكم أن تجاهدوا إبليس بكل ما يمكنكم، أخزوه وأخزوا جنده من الإنس والجن).
ولما سألته عن أوجع ضربة توجه لابليس (لعنه الله)، قال (ع): (ألم تقرأ في الحديث والأثر : إذا سجد ابن آدم اسودّ وجه إبليس ([153]).
سأقص لك رؤيا رأيتها قبل زمن ربما توضح لك الأمر أكثر: رأيت جيشاً كبيراً أقوده وحدثت معارك كبيرة، وكان هناك شهداء من جيش الأنصار، وكانت أرواحهم تصعد وصورها جميلة جداً، وكان الأنبياء يقفون في باب السماء يستقبلونهم وفرحين جداً بهم، ومن ضمن الأنبياء إبراهيم (ع)، وكان فرحاً جداً، وقالوا: لم يحصل هذا منذ خلق الله آدم أن ينتصر هذا العدد الكبير على الأنا والدنيا والهوى والشيطان، انتهت.
ما أريد أن تفهمه أنّ متابعة حجة الله بقدر دقتها يسوّد وجه إبليس. السجود الذي رفضه إبليس هو الذي يسوّد وجهه، لقد رفض السجود لخليفة الله، وتوعد بإغواء الناس، وأن يحملهم على رفض السجود لخليفة الله، فما هو الذي يسود وجهه أكثر من نقض غايته وهدفه ؟
إذن، فهو ما قلته لك أولاً: اعملوا على هداية الناس، اجعلوهم يسجدون كالملائكة، وأخزوا إبليس الذي يريد منهم متابعته في رفض السجود لخليفة الله).
ولما طلبت منه (ع) الدعـاء في أن يكتبنا الله تعالى من الساجـدين لخليفـته في أرضـه، قال (ع): (اللهم يجعلنا جميعاً من الساجدين للساجد الأول والعابد الأول والمسلم الأول والناطق إذا خرست الألسن في عرصات القيامة).
* * *
(ومن كلامه (ع) ما يصعب وضع عنوان يشير إليه)..
أن تقول لإمامك وحجة الله على خلقه: "سيدي، ومولاي" ربما أقل شيء من حقوق الائتمام بهم أروحنا فداهم، وأن يلحظ الانسان نفسه عند الحديث مع إمامه أمر في غاية الاهمية، هكذا ربما هو فهمي القاصر دوماً، ولكن بالتأكيد أنّ ذلك يجب أن يصدر من قلب الانسان وروحه لا بظاهر اعتاد على الاعتناء به، وقد لا يوافقه باطن لا يعلم به إلا الله وحججه، اللهم عفوك بحق فاطمة (ع).
كان للعبد الصالح (ع) كلمة مع من يتكلّف معه، إذ يقول: (لست أهلاً أن يمدحني أحد، ولا أرضى أن يمدحني أحد، فلم نأتِ لنؤسس للظالمين، أرجو أن تخاطبني كأحدكم، بل أنا أعدّ نفسي أقلكم، اعتبرني صديقاً لك، ولي الشرف أن يقبلني الأنصار صديقاً لهم).
وبعذ ذلك سألته عن نصيحة، فقال (ع): (بيّنوا للناس طريق الإسلام الصحيح، لا تتركوا وسيلة يمكن أن تعملوا بها فإن في ذلك فرجكم، إن ابليس لعنه الله لما كان يعرف أنّ نهايته في اليوم المعلوم، ولما كان يعرف أن لليوم المعلوم بناء لابد أن يكتمل ليأتي هذا اليوم المعلوم، فإنه يعمل ومنذ يومه الأول الذي خرج فيه عن طاعة الله على أن لا يكتمل هذا البناء.
ألم تسمع قوله: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾([154])، فهذا عدوكم لم يدخر جهداً لإضلال الناس، فكيف ندخر جهداً لهدايتهم ؟! وهل تسمع ما يقول لعنه الله إنه سوف يأتي من كل جهة لإضلال الناس فإن لم ينفع من بين أيديهم لن يتراجع ولن يقبل بخسارة المعركة بل سيحاول مرة أخرى من خلفهم وإن لم تنفع لإضلالهم أيضاً لن يتراجع ولن يقبل بخسارة المعركة بل يأتيهم عن أيمانهم وهكذا عدوكم مع أنه الباطل والمدافع عن الباطل ولكنه يقاتل بشراسة ليضل الناس ويمنعهم من السير إلى الله لأنه يعلم أن هذا سيمنع اكتمال البناء ويؤخر اليوم المعلوم الذي تكون فيه نهايته).
فقلت: وهل وضعك بخير ومن معك، فقال (ع): (الحمد لله على كل حال، ومعي الخير كله، الله سبحانه وتعالى، أسأله أن أكون معه كما هو معي فأقابل إحسانه بالشكر ولا أكون من الخاسرين).
فقلت: هل لي أن أسأل عن حالي أو أني أخذت من وقتك نور عيني.
فقال (ع): (أنا خادم، ولكن أحبّ أن أقول: إنّ أمير المؤمنين علياً (ع) الذي خاطبه العبد الصالح بقوله "سبقت سبقاً بعيداً وأتعبت من يأتي بعدك" ([155])، - اذا كان علي روحي فداه - يسأل رسول الله عن خاتمته إن كانت على سلامة من الدين، فمن نحن وكيف حالنا ؟!
أنا الذي يعضّ إصبع الندامة على ما فرط في جنب الله، وعلى خسارته التي تيقن منها، أقول حري بابن آدم أن يعض اصبع الندامة دائماً وأبداً عندما يعلم أنّ في يوم القيامة لن يستطيع أحد السجود حتى يسجد محمد (ص) ويحمد الله، فلم منعنا من السجود حتى يسجد محمد (ص) ويحمد الله إن لم نكن مقصرين وخاطئين ومذنبين وناظرين لأنفسنا، فهل يستحق الحبيب سبحانه وتعالى منا هذه الخطيئة ؟! هل يستحق أننا جازينا إحسانه وعطاءه بالإعراض عنه والتنكر له والنظر لأنفسنا ؟! ).
* * *
(خطة آل محمد (ع) في العمل)..
سألت العبد الصالح (ع) ذات مرة عن التبليغ في مكان معين، وإذا كان يقصد بهم جماعة معينين، فقال (ع): (تحركوا على كل الناس فإن لله إرادات وبداءات، لا يمكن أن نقول كل شيء ونبين كل شيء، بل لابد أن يكون التوجيه في بعض الأحيان فيه بداء. نحن نقاتل عدواً يراكم ولا ترونه ويجلس ويسمع أقوالكم؛ لأنكم لا تستعيذون منه، فيعرف منكم ما تفعلون وأين تتوجهون فيسبقكم إلى إضلال من تريدون هدايته. هو لا يعلم الغيب، ولكنه يريد أن يعرفه منا ليعمل على تأجيل يومه المعلوم أو حتى أن يرضي أناه بإضلال كل من يمكنه إضلالهم).
ولما سئل عن النصيحة لرفع هذا الخلل في العمل، وهل يكون بالاستعاذة والكتمان مثلاً، فقال (ع): (هذا لا يخصكم، نحن نفعل مع عدونا ما نراه مناسباً، نجعله يظن أننا نعتمد على هذا وسيهتدي هذا ، فينشغل بهم عمن نريد، المسألة ليست فقط أنتم وما ترون، نحن مكلفون بما ترون وما لا ترون).
* * *
(الخوف نعمة)..
قال (ع) لما مرّ بعض الإخوة الأنصار بضيق: (الدعاء يرد كيد الظالمين، فليدعوا الله، وليلتجئوا إلى الله ويدعوا بدعاء الجوشن الصغير. الخوف أيضاً نعمة تلجئ العبد إلى الله وتقربه منه وتذكره بعد غفلته).
ثم قال (ع): (إن شاء الله شهر رمضان هذا قد أوشكنا أن ندخل في أيامه، فطلبي من جميع الأنصار أن لا يقصروا في قراءة الأدعية والالتجاء إلى الله والتضرع إليه).
* * *
(رأفته بالناس ودعوتنا لمعاملتهم حسب ظاهرهم)..
طلب أحد الذين كانوا يبحثون في الحق مساعدة من بعض الأنصار، وكنا مترددين في مساعدته لا لشيء فقط خوفاً من أن يكون لديه غرض معين كما اعتاد أهل الباطل فعله مع الحق وأهله، فنقلت ذلك إلى العبد الصالح (ع)، فقال: (على كل حال، أنتم لم تفعلوا إلا خيراً، ولا يضركم صدقه من عدمه، بل هو إن لم يصدق لا يضر غير نفسه، فأنتم أقصى شيء تخسرون مبلغاً من المال، أما هو فيخسر شرفه إن لم يكن صادقاً.
أنتم دائماً عاملوا الناس بحسب ظاهرهم، فلم يأمر الله حتى الأنبياء أن يعاملوا الناس بحسب بواطنهم، فمن يطلب مساعدة ويقول أنه في مشكلة وخطر كما يقول نساعده سواء صدق، أم لم يصدق).
ثم عاود (ع) السؤال عنه، وقال: (أمير المؤمنين (ع) قال: لو كان السائل على حق لهلك المسؤول، فعاملوا الناس بحسب ظاهرهم، والله هو من يحاسب الناس يوم القيامة. والله، أهون عليّ أن يقال عني ألف وألف مرة أني لا أعرف وجاهل ويخدعني أي أحد بكلمتين من أن ألقى الله يوم القيامة بظلم أحد من عباده).
* * *
(هل ينقل الانسان معرفة هو غير مطبق لها)..
سألت العبد الصالح (ع) فقلت: أحياناً ينقل إنسان شيئاً للآخرين كبعض المعارف الإلهية، ولكن هو مطمئن أنه لا يعيشها، أو غير مطبق لما فيها، فهل هذا مقبول ؟
فقال (ع): (رسول الله محمد (ص) قال: "رحم الله امرءاً سمع مقالتي ووعاها ونقلها للناس، فرب ناقل فقه لمن هو أفقه منه" ([156])).
* * *
(في ذكرى شهادة الزهراء (ع)..
كان (ع) مريضاً بسبب ذكرى شهادة الزهراء (ع) في أحد الأعوام، فقال: (هو مرض يصيبني في بعض مصائب آل محمد (ع) وهو من نعم الله، الحمد لله رب العالمين).
فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الحمد لله وقد جعل القتل لكم عادة وكرامتكم من الله الشهادة، عظم الله لك الأجر مولاي وأجزل لك العطاء بكل آهة وحسرة.
فقال (ع): (هذه كلمة لأمير المؤمنين (ع) لم تمرّ عليّ يوماً إلا وأبكتني أنقلها لك لعلك تنتفع بها: "إنا لله وإنا إليه راجعون، قد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة، واختلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله " ([157])).
* * *
(قتلوا وسجنوا وأرهبوا ولم يطمسوا دعوة الحق)..
وعن طغيان أعدائه وأذاهم له ولأنصاره، قال (ع): (نحن ربما نصبر كثيراً، وكثيراً جداً، ولكن نتيجة عداء أيّ أحد لنا ربما تكون أسوأ شيء لمن يعادينا سواء دنيوياً أم أخروياً. قتل أسلافهم أبي الحسين (ع) في صحراء، فهل انتهى الأمر، أم أنّ الله أخزاهم في الدنيا والاخرة !!
فوالله، لو أنّ أحمد الحسن وحيداً قتلوه في صحراء وأخفوا جثته لكانت نتيجتهم خزي الدنيا والآخرة ولو بعد حين إن كان أحمد الحسن من الله، فما أجهلهم !! هل هم عميان إلى هذه الدرجة ؟!
فبعد الذي فعلوه في محرم "عام 1429" قتلوا ومثّلوا وحرقوا الجثث وسجنوا، وأرهبوا كل من تطوله أيديهم، كل الذي فعلوه لم يطمس دعوة الحق . استخدموا امكانات دول، جيوش دول، وإعلام دول لطمس دعوة الحق وللقضاء على أحمد الحسن وعشرات معه، ولكن النتيجة أنهم لم يتمكنوا بل فضحوا، أليست هذه آية لهم لو كانوا يعقلون !! ).
* * *
(أتواصوا به .. سبحانك يا رب)..
والله، إنها للوعة تدمي القلب لألم قلبك أيها العبد الصالح، مما فعله ويفعله فقهاء الضلالة، قلعة إبليس المدخرة لقتالك قبل اليوم المعلوم بل آخر قلاعه، وكم قلتها عنهم: ما لي وما لهؤلاء الحمقى الذين لا يكادون يفقهون قولاً.
وحقاً أنت لست من أهل هذا العالم، لا مذ رآك موسى وتعلم منك، ولا يوم أنزلك الله لتحمّل كأس الصلب ومرارته بدل عيسى، ولا يوم كنت أسداً مع جدك تكرّ معه في كراته لإرغام أنوف الكافرين بذي فقاره، ولا حتى اليوم.
ثم والله، إني لاستقبح دنيا جمعتك بهؤلاء الطغاة الجهلة وفقههم الشيطاني، لولا الرضا بقضائه سبحانه، وكم قلتها: أنا ميت أسير بين الناس، فساعد الله قلبك الشريف، ولله صبرك، ويا عجباً منه في الوقت ذاته، وإلا فليس عندي أدنى شك في أنّ ربك الذي أرسلك لأنت أكرم عليه من أن يردّ لك دعوة وأنت بقية آل محمد، ولله أمر بالغه بك أيها الحبيب.
هل تواصى فقهاء آخر الزمان به، وبحربه، وأذاه في نفسه وأهل بيته، وأنصاره، بل في دين الله كله ؟ نعم، تواصوا بذلك كله مع طغاتهم وأتباعهم.
وهذا بعض كلامه وهو يصف حالهم وألمه منهم، يقول (ع): (هم الظاهر لا يتعظون وإلا فقد أوصلهم العداء لدعوة الحق إلى أن يسطّرهم التاريخ في خانة الحجاج وابن زياد، فأي رذيلة وجريمة لم يخوضوا فيها بعد أن عادوا الحق، حتى وصل الأمر أنّ الإعلام يتكلم عنهم بارتكاب جرائم الاغتصاب في السجون التي يستحي منها حتى أسفل الطغاة، ولكن سبحانك لا إله الا أنت ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾([158]).
هم اليوم تسكرهم السلطة ولا يلتفتون إلى أنّ التاريخ يسطر لهم أعمال الخزي والعار التي ارتكبها الحجاج ويزيد وابن زياد، فأي فرق بينهم وبين من سبقهم ؟! أبى الله إلا أن تصدق كلمات الطاهرين (ع): "كل راية قبل القائم راية طاغوت" ([159]).
هل بعد هذه التصرفات والجرائم التي ترتكبها المرجعيات والحكومات الطاغوتية يشك أحد مهما كان أنّ هؤلاء طواغيت. فربما يخدعون الآن قوماً يتابعونهم وتلوثت أيديهم بجرائمهم، ولكن من يأتي غداً سيتصفح المواقف وينظر ويرى بوضوح أنهم طغاة كمن سبقهم.
الأنصار إلى اليوم في السجون، وفي أكثر من دولة بتحريض من المراجع، إنها نفس أساليب الطغاة الذين سبقوهم، والحمد لله.
نحن أيضاً تفضّل الله علينا بنفس ألم ومعاناة الأنبياء والأوصياء (ع)، سنة الله.
والله ، إنّ الحياة مع هؤلاء الطغاة الظالمين برم وملل وألم، والموت والخلاص منهم راحـة ونعيم . هنيئاً للشهداء رحلوا وتركونا مع هؤلاء الملاعين).
فقلت وقد اعتصرني الألم: الحمد لله، الله يفرج عن آل محمد.
فقال (ع): (آل محمد، الله فرّج عنهم، قد بيّنا الحق ، هل ترى أنّ هناك شيئاً غير واضح قد بقي ، بيّنا الأمر بصورة كما وصفت "أبين من الشمس" ([160])، ولكن الناس لا يريدون الحق، ماذا نفعل لمن يختارون طريق إبليس عن علم ودراية ومعرفة كما وصفهم أمير المؤمنـين (ع): "خلق أشباه الكلاب" ([161])).
* * *
(الحذر من رفع المصاحف اليوم)..
القائم (ع) لا يسير بالناس بسيرة جده أمير المؤمنين (ع)، هذا ما أوضحه الطاهرون في كلامهم كما هو معروف، فهو يأتي لفضح الباطل وقلعه من جذوره وإبدال الأرض التي ملأها الفاسقون والظالمون ظلماً وجوراً إلى العدل والقسط الإلهيين.
يقدم بعض الناس أحياناً بعض نصائح مفتعلة إلى الأنصار وهم يبلغون آيات الله إلى الناس، ولما يصل الأمر في بعض الأوقات أننا نريد فضح باطل ما لأناس مغرر بهم، ترتفع أصوات ذلك البعض المنتحل الأخلاق المصطنعة كذباً وزوراً لإبداء القول إنّ هذا لا ينسجم مع دعوة إلهية !!
ولأن هذا أمر مهم وحساس قد لا أفهم مغزاه أنا فأقع من حيث لا أعلم فيما لا يرضي الله، أقول لأنصار الله: خذوا حذركم من هكذا أخلاق مفتعلة، والتي لم تدعوهم يوماً للورع وهم يسبون داعي الله على منابرهم، وقد قالوا ما أخجل من تسيطره هنا.
وعلى أي حال، كان للعبد الصالح (ع) في هذه النقطة نصيحة، فلنستمع له وهو يتكلم مع أنصاره لما طلب من أحدهم أن يذكّر إخوته بذلك، فقال: (أرجو منك أن تنصح الأنصار أن لا يفعلوا كما فعل جيش علي (ع) عندما رفع ابن العاص ومعاوية المصاحف، هم يأتونكم الآن بالأخلاق بعد أن أحسوا الهزيمة والخور، أخلاق يفتعلونها وهي أبعد شيء عنهم، يرفعون المصاحف على الرماح.
قد حذرت منذ سنين من مسألة رفع المصاحف، فأرجو من الله أن يعصمكم من هكذا فتن، فهم اليوم وغداً سيرفعون المصاحف وسيتكلمون بالأخلاق بعد أن يحسوا بالخور والانهزام تماماً مثل ابن العاص ومعاوية، ولا ينخدع بأخلاقهم المفتعلة إلا عديم الأخلاق مثل الخوارج).
* * *
(اعلموا أنّي كجدي الحسين وأنفي كالحجر)..
طلب أحد الأنصار ذات مرة أن يعيد علاقته بأناس كانوا قد ردوا الحق ورفضوه، ووصفهم العبد الصالح بأنهم طغاة، وبعد طرح ما طلبه الأخ عليه رفض (ع) ذلك، ثم قال: (أرجو أن تفهموا شيئاً، أنا كجدي الحسين (ع) وأنفي كالحجر، ووالله اُذبح ألف مرة ولا أطأطئ رأسي لطاغية).
* * *
كان هذا آخر ما دونته عنه روحي فداه ممّا نقلته في هذا الكتاب، أرجو الله أن يعمّ نفعه عباده المؤمنين، والحمد لله رب العالمين أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله الطاهرين الأئمة والمهديين وسلم تسليماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والحمد لله رب العالمين

الهوامش
[1]- مسند أحمد: ج1 ص7، سنن ابن ماجة: ج1 ص49 ح 138، ومصادر أخرى كثيرة. والسند صحيح كما قال أحمد محمد شارح مسند أحمد، ورواه أيضاً أبو داود وابن كثير في التفسير، وروى معناه ابن سعد في الطبقات. قال الهيثمي: (رواه أحمد والبزار والطبراني وفيه عاصم بن أبي النجود وهو على ضعفه حسن الحديث، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير فرات بن محبوب وهو ثقة) مجمع الزوائد: ج9 ص288 – 289.
[2]- مسند أحمد: ج1 ص414.
[3]- انظر: كتاب العجل / الجزء الثاني، السيد أحمد الحسن (ع).
[4]- فتح الباري: ج9 ص36.
[5]- قال اليعقوبي في تاريخه: ج2 ص170: (وكان ابن مسعود بالكوفة فامتنع ان يدفع مصحفه إلى عبد الله بن عامر وكتب إليه عثمان ان أشخصه ان لم يكن هذا الدين خبالاً وهذه الأمة فساداً فدخل المسجد وعثمان يخطب، فقال عثمان: إنه قد قدمت عليكم دابة سوء فكلم ابن مسعود بكلام غليظ فأمر به عثمان فجر برجله حتى كسر له ضلعان فتكلمت عائشة وقالت قولاً كثيراً).
[6]- المعجم الأوسط للطبراني: ج5 ص101، والمعجم الكبير: ج9 ص76، مجمع الزوائد: ج9 ص116.
[7]- الاتقان في علوم القرآن للسيوطي: ج 3 ص66.
[8]- مسند أحمد بن حنبل: ج 5 ص 132. وكذا أخرجه بشار عواد في مسنده: (عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال: كم تقرؤن من سورة الأحزاب ؟ قال : بضعاً وسبعين آية ، قال : لقد قرأتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البقرة أو أكثر منها وإن فيها آية الرجم) المسند الجامع لبشار عواد : ج1 ص53.
[9]- محاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني: ج2 ص420. وكذا رواه الطحاوي فقال : (روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل الله في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فيما يقرأ من القرآن . . وقد روى القاسم بن محمد ويحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت نزل من القرآن لا يحرم إلا عشر رضعات ثم نزل بعد أو خمس رضعات) اختلاف العلماء للطحاوي: ج2 ص317. ورواه البغوي في تفسيره: (عن عائشة قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن).
[10]- قال العجلوني: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة، رواه الطبراني وابن مندة في المعرفة عن ابن حنيف عن العجماء قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره، ورواه النسائي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وصححه ابن حبان والحاكم عن أبي بن كعب، ورواه أحمد عن زيد بن ثابت واتفقا عليه عن عمرو. ورواه الشافعي والترمذي وآخرون عن عمرو عن بعضهم أنه مما كان يتلى ثم نسخ دون حكمة كشف الخفاء للعجلوني: ج2 ص23.
[11]- الاتقان في علوم القرآن للسيوطي: ج3 ص69. وممن روى آية عمر في الرجم هذه: البخاري في صحيحه: ج8 ص25 و113 و152، ومسلم في صحيحه : ج5 ص116. وأحمد بن حنبل في مسنده: ج1 ص23 وص29، وص36، وص40، وص43، وص47 و50 و55، وج5 ص132، وج6 ص269. وكذلك: ابن ماجة في سننه: ج2 ص853، والدارقطني في سننه: ج4 ص179، والكاندهلوي في حياة الصحابة: ج 3 ص 454. والعيني في عمدة القاري: ج23 ص9، والعسقلاني في فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ج12 ص120 وج13 ص135، والشوكاني في فتح القدير: ج4 ص354، والراغب الاصفهاني في محاضرات الادباء: ج2 ص420، وابن منظور في مختصر تاريخ دمشق: ج12 ص201، والبرقي في مسند ابن عوف : ص43، والهيثمي في موارد الظمآن: ص435، ومالك في الموطأ: ج2 ص179.
[12]- روى الضياء المقدسي بسند صحيح: (عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تبارك وتعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن، قال: فقرأ عليه لم يكن، وقرأ عليه: إن ذات الدين عند الله الحنيفية السمحة لا المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيراً فلن يكفروه، وقرأ عليه: لو كان لإبن آدم واد لابتغى إليه ثانيا ولو أعطي ثانيا لابتغى إليه ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. إسناده صحيح) الأحاديث المختارة: ج3 ص368.
[13]- روى الهيثمي: (عن ابن عباس : قال جاء رجل إلى عمر يسأله فجعل عمر ينطر إلى رأسه مرة والى رجليه أخرى هل يرى عليه من البؤس، ثم قال له عمر: كم مالك ؟ قال أربعون من الإبل، قال ابن عباس: قلت صدق الله ورسوله لو كان لا بن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالـثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب، فقال عمـر: ما هذا ؟ قلت: هكذا أقرأنيها أُبي، قال: فمر بنا إليه، قال: فجاء إلى أُبي، فقال : ما يقول هذا قال أبى هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أفأثبتها في المصحف قال نعم . رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح) مجمع الزوائد: ج7 ص141.
[14]- المعجم الكبير للطبراني: ج9 ص234.
[15]- توضيح المشتبه: ج1 ص8. وهذا الذي ذكره بينه البخاري في صحيحه: ج5 ص210، وج8 ص118، إمتاع الأسماع للمقريزي: ج4 ص247، الرياض النضرة في مناقب العشرة للطبري: ج2 ص68، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: ص77، وصفة الصفوة لابن الجوزي: ج1 ص704، حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني: ج2 ص51، وغيرهم.
[16]- الدر المنثور: ج2 ص246. وقال الشوكاني: (وحكى عن عائشة أنها سئلت عن المقيمين في هذه الآية، وعن قوله تعالى هذان لساحران الله، وعن قوله قال في المائدة، فقالت: يا ابن أخي الكتاب أخطئوا. أخرجه عنها أبو عبيد في فضائله، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة ، وابن جرير، وابن المنذر. وقال أبان بن عثمان: كان الكاتب يملي عليه فيكتب فكتب: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون)، ثم قال: ما أكتب ؟ فقيل له: أكتب (والمقيمين الصلاة) فمن ثم وقع هذا) فتح القدير: ج1 ص754.
[17]- دلائل النبوة للبيهقي: ج7 ص151.
[18]- الكشاف للزمخشري: ج2 ص171. وكذا روى ما يقرب من ذلك السيوطي في الدر المنثور: ج3 ص296.
[19]- مختصر بصائر الدرجات: 193.
[20]- كفاية الأصول: ص284، 285.
[21]- وهذا بعض حال القراء السبعة كما نقله الخوئي في ترجمتهم: (1- عبد الله بن عامر: .. كان يزعم أنه من حمير، وكان يغمز في نسبه .. ولد سنة ثمان من الهجرة، وتوفي سنة 118. 2- عبد الله بن كثير: .. فارسي الأصل، وقال الحافظ أبو العلاء الهمداني: إنه ليس بمشهور عندنا، ولد بمكة سنة 45 وتوفي سنة 120. 3- عاصم الكوفي: هو ابن أبي النجود.. قال العجلي: .. وكان عثمانياً .. مات سنة 128. 4- أبو عمرو البصري: .. قيل إنه من فارس .. وكان يلقن الناس بالجامع الأموي .. ولد سنة 68 ومات سنة 154. 5- حمزة الكوفي: هو ابن حبيب بن عمارة .. وقال سفيان الثوري: غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض .. ولد سنة 80 وتوفي سنة 156. 6- نافع المدني: هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم. قال ابن الجزري: "أصله من أصبهان" مات سنة 169.. اختلف فيه أحمد ويحيى، فقال أحمد: منكر الحديث، وقال يحيى: ثقة. 7- الكسائي: هو علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الاسدي، مولاهم من أولاد الفرس .. قال أبو عبيد في كتاب القراءات: " كان الكسائي: يتخير القراءات فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضاً. علم الرشيد، ثم علم ولده الأمين .. مات سنة 189) البيان: ص126، فما بعد.
[22]- هذا نص فتواه: (الأنسب أن تكون القراءة على طبق المتعارف من القراءات السبع وإن كان الأقوى كفاية القراءة على النهج العربي وإن كانت مخالفة لها في حركة بنية أو إعراب ...) المسائل المنتخبة : ص121/ مسألة 267.
[23]- كما فعله صاحب الجواهر ، فانه لما دافع عن تواترها وحفظ السلف الأول للقرآن، قال: (.. حتى إنهم كما قيل ضبطوه حرفاً حرفاً ، بل لعل هذه السبعة هي المرادة من قوله (ص) : نزل القرآن على سبعة أحرف) جواهر الكلام: ج9 ص291. على أن دعواه بحفظ السلف الأول له وضبطه حرفاً حرفاً لا أعرف من يقصد بهم وقد تبين بعض حالهم.
[24]- عن الفضيل بن يسار: (قلت لأبي عبد الله (ع) : إن الناس يقولون إن القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال (ع) : كذبوا أعداء الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد) الكافي : ج2 ص630 ح13.
[25]- البيان: ص123- 124.
[26]- تأويل الآيات: ج2 ص820 ح8، البرهان: ج5 رقم الحديث 11784، بحار الانوار: ج25 ص70 ح59.
[27]- هذا هو الصحيح نظراً الى استغراب الراوي وتأكيد الامام عليها، وايضاً راجع بحار الانوار وغيره.
[28]- تأويل الآيات: ج2 ص827 ح2، البرهان: ج5 رقم الحديث 11789، بحار الانوار: ج25 ص97 ح70.
[29]- قال العلامة الحلي: (الضحى وألم نشرح سورة واحدة لا تفرد إحداهما عن الأخرى في الركعة الواحدة، وكذا الفيل ولإيلاف عند علمائنا ..) تذكرة الفقهاء/ مسألة 233، وقال السيد الخوئي: (سورتا الفيل والايلاف سورة واحدة، وكذا سورتا الضحى وألم نشرح، فلا تجزئ واحدة منهما، بلا بلاد من الجمع بينهما ..) منهاج الصالحين / مسألة 605، وكذا غيرهم من الفقهاء .
[30]- قال المحقق الحلي: (الثالثة: روى أصحابنا أن الضحى و ألم نشرح سورة واحدة. وكذا الفيل ولإيلاف. فلا يجوز إفراد إحديهما من صاحبتها في كل ركعة. ولا يفتقر إلى البسملة بينهما على الأظهر ) شرائع الاسلام : ج1 ص66، وكذا ابن فهد الحلي، اذ قال: (الثانية: الضحى و ألم نشرح سورة واحدة، وكذا الفيل والإيلاف، وهل تعاد البسملة بينهما ؟ قيل: لا، وهو الأشبه) المهذب البارع : ج1 ص365.
قال المحقق في المعتبر: (ان كانتا سورتين فلابد من مراعاة البسملة، وان كانتا سورة واحدة فلا إعادة للاتفاق على انها ليست آيتين من سورة واحدة).
وقال الشهيد الأول وهو يتحدث عن القران والجمع بين السور: (وفي القران قولان؛ أقربهما الكراهية، إلا في سورتي الضحى وألم نشرح، وسورة الفيل ولايلاف، وتجب البسملة بينهما، ولو جعلناهما سورة واحدة لم تجب البسملة على الأشبه) الدروس : ج1 ص173. وواضح قول الفقهاء المعاصرين جميعا تقريباً على أنها سورة واحدة.
[31]- انظر : صحيح البخاري : ج3 ص91، صحيح مسلم : ج2 ص202، مسند احمد : ج1 ص24، وغيرها الكثير.
[32]- راجع ما تقدم ص 22 / الهامش للتعرف على عدم الجواز ، وهو أمر معروف بين المتأخرين جميعاً.
[33]- روى زيد الشحام، قال: (صلى بنا أبو عبد الله (ع) الفجر، فقرأ الضحى وألم نشرح في ركعة الواحدة) التهذيب: ج2 ص72 ح 266، وروى المفضل عنه (ع)، سمعته يقول: (لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة، الا الضحى وألم نشرح، وسورة الفيل ولايلاف قريش) مجمع البيان : ج10 ص544، المعتبر: ج2 ص188.
[34]- نص على ذلك في رواية اليماني، عن الامام الباقر (ع)، قال: (.. خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة ، في شهر واحد ، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا فيكون البأس من كل وجه ويل لمن ناواهم، وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية هدى، لأنه يدعو إلى صاحبكم ..) غيبة النعماني: ص264.
[35]- أما كون القائم (ع) والسفياني من المحتوم، فعن علي بن الحسين (ع)، قال: (يقوم قائمنا لموافاة الناس سنة، قال يقوم القائم بلا سفياني إن أمر القائم حتم من الله، وأمر السفياني حتم من الله، ولا يكون قائم إلا بسفياني ..) بحار الأنوار: ج52 ص182. وأما كون المحتوم لا بداء لله فيه، فعن زرارة بن أعين عن عبد الملك بن أعين، قال: (كنت عند أبي جعفر (ع) فجرى ذكر القائم (ع) فقلت له: أرجو أن يكون عاجلاً ولا يكون سفياني فقال: لا والله إنه لمن المحتوم الذي لابد منه) غيبة النعماني: ص301. وأما كون القائم من الميعاد، وأن المحتوم يمكن أن يبدو لله فيه، فعن داود بن أبي القاسم قال: (كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (ع) فجرى ذكر السفياني وما جاء في الرواية من أن أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر (ع) هل يبدو لله في المحتوم ؟ قال: نعم، قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم، قال: القائم من الميعاد) بحار الأنوار: 25 ص250.
[36]- إن من يعرف حجة الله يكفيه ذلك مؤونة البحث والتحقيق في جزئيات الروايات وما فيها من إشارات ورموز، وبخصوص طالع المشرق اليماني (ع) فانه ليس يكفي المؤمن به البحث عن الجزئيات فقط، بل يكفيه حتى البحث عن الامام المهدي (ع) وطلبه، لأن الاهتداء إليه ومعرفته اهتداء للامام (ع) بعد كونه الداعي إليه كما لا يخفى، قال أمير المؤمنين (ع) في خطبة له: (.. واعلموا أنكم إن اتبعتم طالع المشرق سلك بكم مناهج الرسول (ص) فتداويتم من العمى والصم والبكم وكفيتم مؤونة الطلب والتعسف ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق، ولا يبعد الله إلا من أبى وظلم واعتسف وأخذ ما ليس له، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) الكافي ج8 ص66 ح22.
[37]- بحار الأنوار: ج82 ص272.
[38]- بحار الأنوار : ج53 ص59 - 60.
[39]- عن الامام الصادق (ع) في حديث يذكر فيه صيحة ابليس (ألا أن الحق في عثمان وشيعته) عقيب صيحة الحق (ألا أن الحق في علي وشيعته) وإيمان أهل الارض بذلك، ثم يقول: (فيثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت على الحق وهو النداء الأول ، ويرتاب يومئذٍ الذين في قلوبهم مرض، والمرض والله عداوتنا، فعند ذلك يتبرءون منا ويتناولونا، فيقولون: إن المنادي الأول سحر من سحر أهل هذا البيت) ثم تلا أبو عبد الله (ع) : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) غيبة النعماني: ص260. فهل المقصود بالمرتابين هنا من لا يوالون أهل البيت قبل النداء ؟ كيف وهو متبرأ منهم قبل ذلك، إذن أكيد ان المرتابين والمتبرئين بعد نداء الحق هم قوم كانوا يدعون ولايتهم والتشيع لهم وتبريهم يحصل بعد النداء الثاني (فعند ذلك يتبرءون). ثم أقول: كيف يتبرأ شيعي منهم (ع) - والعياذ بالله - وهو يسمع النداء باسم علي (ع) وأن الحق معه ؟! كلا، ولكنه النداء باسم مَثـَله في زمن الظهور (يفعله رجل مني)، وفعلاً هذا ما يحصل للناس اليوم بتبريهم من أحمد (ع) رغم كثرة نداء جبرئيل (ع) باسمه عبر الرؤى الصادقة التي لا تكاد تحصر. راجع : كتاب ( المعترضون على خلفاء الله ) أحد إصدارات أنصار الامام المهدي (ع) : ص73 فما بعد ، ففيه بيان واضح ومفصل في هذه النقطة بالتحديد .
[40]- روى الشيخ الصدوق رحمه الله، فقال: (حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب قال : كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري - قدس الله روحه - فحضرته قبل وفاته بأيام فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية - في بعض النسخ : التامة - فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) كمال الدين وتمام النعمة: ص516.
[41]- وسبب ضعفها عندهم أحد أمرين؛ الأول: الارسال، قال المجلسي: (أنه خبر واحد مرسل) بحار الأنوار: ج35 ص318، وكذا قال الكاظمي صاحب بشارة الاسلام: ص146، والثاني: الضعف بأحمد بن الحسن المكتب كما صرحوا بذلك، قال الأستاذ الزيدي وفقه الله: (لم ترد ترجمته في رجال الحديث، بل هو غير مقطوع بتسميته فتارة يسمى أحمد ابن الحسن المكتب، وأخرى الحسن بن أحمد المكتب، وثالثة أحمد بن الحسين المكتب .. وليت شعري كيف جاز للسيستاني وللحائري الاستدلال بهذه الرواية الضعيفة) قراءة جديدة في رواية السمري: ص15/ الهامش.
[42]- فهم كلهم يجمعون على أن العقيدة لا يكتفى فيها بالظن ولابد من تحصيلها باليقين والعلم، وخبر الواحد أقصى ما يفيده الظن لا العلم كما هم يصرحون، قال الخوئي: (خبر الواحد لا يفيد العلم) مصباح الاصول: ج2 ص147، وكذا هو قول الأصوليين المعاصرين جميعاً، فكيف جوزوا لأنفسهم الاعتماد على خبر واحد لا يفيد العلم في أمر عقائدي ؟! بل لا ينقضي عجبي في افتائهم في أمر عقائدي وطاعة اتباعهم لهم في ذلك وعندهم أيضاً عدم جواز التقليد في العقائد أمر مسلم لا يناقش فيه اثنان ؟! مرة أخرى ينقضون غزلهم بأيديهم.
[43]- راجع لمعرفة بعض الاراء فيها ما ذكره الشهيد السيد الصدر الثاني (رحمه الله) في موسوعته.
[44]- القضية المسوّرة : هي التي تبتدئ بما يشير إلى كليتها أو جزئيتها كـ (كل) أو (بعض)، قال العلامة الحلي: (إعلم أن القضية إما شخصية أو مسورة أو مهملة، وذلك لأن الموضوع إن كان شخصياً كزيد سميت القضية شخصية ، وإن كان كلياً يصدق على كثيرين؛ فإما أن يتعرض للكلية والجزئية فيه أو لا، والأول هو القضية المسورة كقولنا : كل انسان حيوان، بعض الانسان حيوان، لا شئ من الانسان بحجر، بعض الانسان ليس بكاتب. والثاني هو المهملة كقولنا : الانسان ضاحك، وهذه - اي المهملة - في قوة الجزئية ، فالبحث عن الجزئية يغني عن البحث عنها) كشف المراد: ص164.
اذا اتضح هذا نقول: إن الامام (ع) في رواية السمري قال: (ألا فمن ادعى المشاهدة .. فهو كاذب مفتري)، وواضح أنها قضية مهملة وفق قواعدهم، والقضية المهملة هي في قوة الجزئية كما عرفنا، أي إنه في قوة القول: (بعض من يدعي المشاهدة فهو كاذب مفتري) وليس الكل، وعليه فهذا يعني أن بعض من يدعي المشاهدة كاذب وبعضهم صادق والبحث في دعوة المدعي هو الفيصل في إثبات صدقه من عدمه، ولا تكون نفس الرواية دليلاً على تكذيبه كما فعله فقهاء آخر الزمان الذين يخطون بأيديهم قواعد ويسارعون إلى نقضها كالتي تسارع إلى نقض غزلها بيديها مرة بعد أخرى ، ولا حول ولا قوة الا بالله.
[45]- تقدم نصها، انظر: غيبة النعماني : ص264.
[46]- كان من ذلك على سبيل المثال: ما نقله الشيخ الطوسي من كتاب ورد من الامام المهدي (ع) في أيام بقيت من صفر سنة عشر واربعمائة على الشيخ أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان قدس الله روحه ونور ضريحه كان فيه: (للاخ السديد والولي الرشيد الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان أدام الله إعزازه من مستودع العهد المأخوذ على العباد بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد سلام عليك أيها الولي المخلص في الدين المخصوص فينا باليقين .. إنه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة وتكليفك ما تؤديه عنا إلى موالينا قبلك أعزهم الله تعالى بطاعته وكفاهم المهم برعايته وحراسته .. الخ) تهذيب الاحكام : ج1 ص38.
قال الشيخ ناظم العقيلي : (ومن الرسائل نعرف أن الناقل للرسائل قد التقى بالامام المهدي (ع) ونقل عنه، وكذلك يوجد شخص ثقة كاتب للامام المهدي (ع) هو الذي كتب هذه الرسائل.
وأيضاً روي ما يدل على أنّ هناك من يلتقي بالامام المهدي (ع) قبل القيام المبارك ويتعرض لتكذيب الناس:
عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: (لا يقوم القائم حتى يقوم اثنا عشر رجلا كلهم يجمع على قول إنهم قد رأوه فيكذبونهم) الغيبة للنعماني : ص 285.
بل تشرف بعض العلماء وبعض الناس بنقل أدعية وما شابه عن الامام المهدي (ع)، وسماعه واللقاء به، كالسيد بحر العلوم والسيد ابن طاووس (رحمهم الله) وغيره الكثير مما ذكر في (جنة المأوى) وغيره، بل نقل عن السيد ابن طاووس ان الباب الى الامام المهدي (ع) مفتوح:
فقد نقل الميرزا النوري تعليق السيد ابن طاووس على أحد الادعية قائلاً: (... ولم يعين وقت لقراءة هذه الصلوات والدعاء في خبر من الأخبار إلا ما قاله السيد رضي الدين علي بن طاووس في جمال الأسبوع بعد ذكره التعقيبات المأثورة لصلاة العصر من يوم الجمعة، قال: (... إذا تركت تعقيب عصر يوم الجمعة لعذر فلا تتركها ابداً لأمر أطلعنا الله جل جلاله عليه). ويستفاد من هذا الكلام الشريف انه حصل له من صاحب الأمر صلوات الله عليه شيء في هذا الباب ولا يستبعد منه ذلك كما صرح هو أن الباب اليه (ع) مفتوح .. ) النجم الثاقب: ج2 ص469) انتهى كلامه وفقه الله.
[47]- عن المفضل بن عمر الجعفي، قال: (سمعت الشيخ - يعني أبا عبد الله (ع) - يقول : إياكم والتنويه، أما والله ليغيبن سبتاً من دهركم، وليخملن حتى يقال: مات، هلك، بأي واد سلك ؟ ولتدمعن عليه عيون المؤمنين، وليكفأن تكفؤ السفينة في أمواج البحر، فلا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان، وأيده بروح منه، ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدرى أي من أي. قال : فبكيت، ثم قلت له : كيف نصنع ؟ فقال: يا أبا عبد الله - ثم نظر إلى شمس داخلة في الصفة - أترى هذه الشمس ؟ فقلت: نعم، فقال: والله لأمرنا أبين من هذه الشمس) غيبة النعماني: ص154.
[48]- الجمعة : 5.
[49]- النحل : 92.
[50]- راجع كتاب المتشابهات : ج4/ سؤال رقم (169)، للسيد أحمد الحسن (ع).
[51]- القصص : 85 .
[52]- بحار الأنوار : ج53 ص113 – 114.
[53]- عن حبة العرني، قال: (خرج أمير المؤمنين (ع) إلى الحيرة، فقال: ليتصلن هذه بهذه - وأومأ بيده إلى الكوفة والحيرة - حتى يباع الذراع فيما بينهما بدنانير وليبنين بالحيرة مسجداً له خمسمائة باب يصلي فيه خليفة القائم (ع)؛ لأن مسجد الكوفة ليضيق عليهم، وليصلين فيه اثنا عشر إماماً عدلاً، قلت: يا أمير المؤمنين ويسع مسجد الكوفة هذا الذي تصف الناس يومئذ ؟ قال : تبنى له أربع مساجد مسجد الكوفة أصغرها، وهذا ومسجدان في طرفي الكوفة، من هذا الجانب وهذا الجانب، وأومأ بيده نحو نهر البصريين والغريين) تهذيب الأحكام: ج3 ص254.
[54]- عن أبي جعفر (ع) في خبر طويل: (يدخل المهدي الكوفة، وبها ثلاث رايات قد اضطربت بينها، فتصفو له فيدخل حتى يأتي المنبر ويخطب، ولا يدري الناس ما يقول من البكاء .. فإذا كانت الجمعة الثانية، قال الناس: يا ابن رسول الله الصلاة خلفك تضاهي الصلاة خلف رسول الله (ص) والمسجد لا يسعنا فيقول: أنا مرتاد لكم فيخرج إلى الغري فيخط مسجداً له ألف باب يسع الناس عليه أصيص، ويبعث فيحفر من خلف قبر الحسين (ع) لهم نهراً يجري إلى الغريين حتى ينبذ في النجف ..) بحار الأنوار : ج52 ص331.
[55]- يمكن مراجعة الروايات الشريفة التي بينت قوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن ..) وغيرها.
[56]- شرح اصول الكافي للمازندراني: ج3 ص181، بحار الأنوار: ج55 ص28.
[57]- بحار الأنوار: ج24 ص71 – 72.
[58]- بحار الأنوار: ج24 ص78.
[59]- الأحزاب : 62.
[60]- قال رسول الله (ص) وهو يصف فقهاء آخر الزمان: ( يا ابن مسعود: يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه مثل القابض على الجمر بكفه، فإن كان في ذلك الزمان ذئباً وإلا أكلته الذئاب. يا ابن مسعود: علماؤهم وفقهاؤهم خونة فجرة، ألا إنهم أشرار خلق الله، وكذلك أتباعهم ومن يأتيهم ويأخذ منهم ويحبهم ويجالسهم ويشاورهم أشرار خلق الله يدخلهم نار جهنم " صم بكم عمي فهم لا يرجعون "، " ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا "، " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب "، " إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور، تكاد تميز من الغيظ "، " كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق "، " لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون ". يا ابن مسعود: يدعون أنهم على ديني وسنتي ومنهاجي وشرائعي إنهم مني برآء وأنا منهم برئ. يا ابن مسعود: لا تجالسوهم في الملا ولا تبايعوهم في الاسواق، ولا تهدوهم إلى الطريق، ولا تسقوهم الماء .. يا ابن مسعود: ما بلوى أمتي منهم العداوة والبغضاء والجدال اولئك أذلاء هذه الامة في دنياهم. والذي بعثني بالحق ليخسفن الله بهم ويمسخهم قردة وخنازير. قال: فبكى رسول الله (ص)وبكينا لبكائه وقلنا: يا رسول الله ما يبكيك ؟ فقال: رحمة للاشقياء، يقول الله تعالى: " ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب "يعني العلماء والفقهاء ..) مكارم الاخلاق للطبرسي: ص450.
[61]- ليس هو قولنا ليقال عنا ما قيل، بل هذا كلام رسول الله والائمة صلوات ربي عليهم إن كنتم تعتقدون بهم، قال أمير المؤمنين (ع): (قال رسول الله (ص): سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه ومن الاسلام إلا اسمه، يسمعون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود) الكافي: ج8 ص308 ح479. وعن رسول الله (ص) في حديث: (.. فقلت: إلهي وسيدي متى يكون ذلك ؟ فأوحى الله عز وجل: يكون ذلك إذا رفع العلم وظهر الجهل وكثر القراء وقل العمل وكثر القتل وقل الفقهاء الهادون وكثر فقهاء الضلالة والخونة ..) بحار الانوار: ج51 ص70.
[62]- الكافي : ج1 ص53 ، باب التقليد ، ح1 – 3.
[63]- والاجتهاد نتيجته حكم ظني كما لا يخفى كما هم قالوا في تعريفه، قال العلامة الحلي: (استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي) عنه كفاية الاصول: ص463.
[64]- النساء : 83.
[65]- عن أبي جعفر (ع) في قوله: (.. لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، قال: (هم الأئمة المعصومون (ع)) وسائل الشيعة "آل البيت" : ج27 ص200.
[66]- انظر على سبيل المثال: ما قاله الاخوند الخراساني في بحث التقليد من كفايته: (ثم إنه لا يذهب عليك أن جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم في الجملة، يكون بديهياً جبلياً فطرياً لا يحتاج إلى دليل .. بل هذه هي العمدة في أدلته، وأغلب ما عداه قابل للمناقشة، لبعد تحصيل الاجماع في مثل هذه المسألة .. ومنه قد انقدح إمكان القدح في دعوى كونه من ضروريات الدين، لاحتمال أن يكون من ضروريات العقل وفطرياته لا من ضرورياته، وكذا القدح في دعوى سيرة المتدينين. وأما الآيات، فلعدم دلالة آية النفر " فلولا نفر من كل فرقة .. " والسؤال " فاسالوا اهل الذكر .. " على جوازه، لقوة احتمال أن يكون الارجاع لتحصيل العلم لا للاخذ تعبداً، مع أن المسؤول في آية السؤال هم أهل الكتاب كما هو ظاهرها، أو أهل بيت العصمة الأطهار كما فسر به في الأخبار) كفاية الاصول : ص472.
وهو واضح الدلالة على ما قلناه في عدم وجود آية أو رواية على جواز التقليد فضلاً عن إيجابه كما يصوروه اليوم . نعم، هو قال بفطريته، ونحن لا ننازعه في أن رجوع الجاهل الى العالم أمر فطري ولكنا نختلف معه في مصداق العالم بالشرع الذي نرجع له عند عدم معرفتنا بالحكم، فهل نرجع الى الفقهاء، أم الى عالم معين قد جعله الله قيماً على شريعته ؟ أكيد أن العالم هنا هم حجج الله لا غير، وغيرهم جاهل أو لا أقل متعلم منهم، لذا قالوا: (نحن العلماء، وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء). ورجوع الجاهل إلى غيرهم (ع) أول الكلام فضلاً عن أن يكون أمراً فطرياً، وإني لأعجب أن يتصور الشيعي ذلك برغم علمه بأن دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة أبداً كما قالوا (ع) ؟!
[67]- كما فعله السيد الخوئي (مصباح الاصول: ج1 ص449)، وغيره لما استدلوا بآية آهل الذكر على رجوع الناس للمجتهدين، في ذات الوقت الذي يرون عشرات الرويات التي قد أوضحت أن الاية مختصة بآل محمد (ع)، راجع على سبيل المثال كتاب بصائر الدرجات للصفار: ص58 فما بعد ، تجد فيه فقط (28) رواية في ذلك.
[68]- عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (ع): (إذا قام القائم هدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، وحول المقام إلى الموضع الذي كان فيه، وقطع أيدي بني شيبة وعلقها بالكعبة ، وكتب عليها : هؤلاء سراق الكعبة) بحار الانوار: ج52 ص338.
[69]- انظر : كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: ص426، فما بعد في رواية طويلة، وفيها يقول الامام العسكري (ع) عن الامام المهدي (ع): (... فصاح بطير منها ، فقال له : أحمله واحفظه ورده إلينا في كل أربعين يوماً ...).
[70]- روى ذلك الشيخ الصدوق في كمال الدين في حديث طويل أنقل منه محل الشاهد: (قال رسول الله (ص) : ... فلما أراد أن يرفعه أوحى إليه أن يستودع نور الله وحكمته وعلم كتابه شمعون بن حمون الصفا خليفته على المؤمنين ففعل ذلك فلم يزل شمعون يقوم بأمر الله عز وجل ويحتذي بجميع مقال عيسى (ع) في قومه من بني إسرائيل ويجاهد الكفار، فمن أطاعه وآمن به وبما جاء به كان مؤمناً ومن جحده وعصاه كان كافراً ...) كمال الدين وتمام النعمة: ص 224 – 225.
وعن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه (ع)، قال: (قال رسول الله (ص) لعلي بن أبي طالب (ع): يا علي، أنت مني بمنزلة هبة الله من آدم، وبمنزلة سام من نوح، وبمنزلة إسحاق من إبراهيم ، وبمنزلة هارون من موسى، وبمنزلة شمعون من عيسى، إلا أنه لا نبي بعدي ...) الأمالي للصدوق : ص 100 – 101.
[71]- صرحت الروايات بعدم موت أو قتل نبي الله عيسى (ع): عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: (في صاحب هذا الامر أربع سنن من أربعة أنبياء، سنة من موسى ، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة من محمد صلوات الله عليهم أجمعين، فأما من موسى فخائف يترقب، وأما من يوسف فالسجن، وأما من عيسى فيقال له: إنه مات ولم يمت، وأما من محمد (ع) فالسيف) كمال الدين وتمام النعمة : ص 152 – 153.
وعن المسعودي بإسناده، عن الحميري، عن محمد بن عيسى ، عن سليمان بن داود ، عن أبي نصر قال : سمعت أبا جعفر يقول : ( في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء: سنة من موسى في غيبته؛ وسنة من عيسى في خوفه ومراقبته اليهود، وقولهم مات ولم يمت وقتل ولم يقتل؛ وسنة من يوسف في جماله وسخائه؛ وسنة من محمد في السيف يظهر به) اثبات الوصية للمسعودي: ص280 ط2، سنة 1409 هـ، دار الاضواء، بيروت. وغير ذلك من الروايات.
[72]- النساء : 157.
[73]- انظر الرواية في : كمال الدين وتمام النعمة : ص426.
[74]- عن أبي عبد الله، عن آبائه (ع)، قال: (قال رسول الله (ص): .. واختار مني ومن علي الحسن والحسين، وتكملة اثني عشر إماما من ولد الحسين تاسعهم باطنهم، وهو ظاهرهم، وهو أفضلهم، وهو قائمهم) الغيبة للنعماني : ص73.
وعن أبي بصير، عن أبي جعفر (ع)، قال: (يكون منا تسعة بعد الحسين بن علي، تاسعهم قائمهم، وهو أفضلهم) دلائل الامامة لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي): ص453.
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله (ص) : (ان الله اختار من الأيام يوم الجمعة، ومن الليالي ليلة القدر ومن الشهور شهر رمضان، واختارني وعليا، واختار من على الحسن والحسين، واختار من الحسين حجج العالمين تاسعهم قائمهم أعلمهم أحكمهم) بحار الانوار: ج36 ص372.
وعن سلمان، قال: كنا مع رسول الله (ص) والحسين بن علي عليهما السلام على فخذه إذ تفرس في وجهه، وقال: (يا أبا عبد الله، أنت سيد من سادة وأنت إمام ابن إمام أخو إمام ، أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم إمامهم أعلمهم أحكمهم أفضلهم) بحار الأنوار: ج36 ص372. وغير ذلك من الروايات. وفي الرواية الاخيرة تصريح بأن الامام المهدي (ع) إمام آبائه الثمانية وليس أفضلهم فقط.
[75]- ورد ذلك في روايات، هذه منها: عن الحسين بن أبي العلاء، قال: (قلت لأبي عبد الله (ع) : تكون الأرض ليس فيها إمام ؟ قال: لا، قلت: يكون إمامان ؟ قال: لا إلا وأحدهما صامت) الكافي: ج1 ص178 ح1.
[76]- قال الشيخ ناظم العقيلي: (ومنه نعرف أن السيد أحمد الحسن (ع) الآن هو حجة الامام المهدي (ع) على الناس، وليس حجة الله. نعم، هو حجة الله؛ لأنه حجة الامام المهدي، والامام المهدي (ع) حجة الله).
[77]- الأنبياء: 78 – 79 .
[78]- روي بأن الامام الحسن (ع) باشر الافتاء في غياب أبيه أمير المؤمنين (ع)، والامام علي (ع) أيد فتواه وارتضاها بعد ذلك، وقال بأنه ليس عنده شيء غير ما قاله الحسن (ع): عن أبي عبد الله (ع) قال: (أتى أمير المؤمنين (ع) قوم يستفتونه فلم يصيبوه، فقال لهم الحسن (ع): هاتوا فتياكم فان أصبت فمن الله ومن أمير المؤمنين (ع)، وإن أخطأت فان أمير المؤمنين (ع) من ورائكم، فقالوا: امرأة جامعها زوجها، فقامت بحرارة جماعه فساحقت جارية بكراً، فألقت عليها النطفة فحملت، فقال (ع): في العاجل تؤخذ هذه المرأة بصداق هذه البكر، لأن الولد لا يخرج حتى يذهب بالعذرة وينتظر بها حتى تلد ويقام عليها الحد ، ويلحق الولد بصاحب النطفة، وترجم المرأة ذات الزوج ، فانصرفوا فلقوا أمير المؤمنين (ع) فقالوا: قلنا للحسن، وقال لنا الحسن، فقال: والله، لو أن أبا الحسن لقيتم ما كان عنده إلا ما قال الحسن) وسائل الشيعة- آل البيت: ج28 ص169 ح34476. فلو كان النطق محرماً على الامام الحسن (ع) في زمن أمير المؤمنين (ع) فكيف يقوم بذلك ؟! بل هناك روايات كثيرة تنص على أنّ الائمة (ع) في أحيان كثيرة يحيلون اجابة الاسئلة الى أوصيائهم، فهل عندما يجيب الاوصياء يكون جوابهم حجة على السائل أم لا ؟!
[79]- الشعراء: 10 – 13.
[80]- الشعراء: 15.
[81]- طه: 70.
[82]- آل عمران: 55.
[83]- اي مثال: لوط وابراهيم، محمد (ص) وعلي، داود وسليمان، موسى وهارون، صلوات الله عليهم أجمعين.
[84]- قال الشيخ ناظم العقيلي: (أي اذا كانوا يختارون القول بالرفع، أي إنّ الامام المهدي (ع) في الغيبة الكبرى قد رفع كعيسى (ع)، فالرفع هنا يعني (التوفي) كما في عيسى (ع)، فالله قال عنه بأنه توفاه رغم أنه لم يميته فعلاً كبقية الناس، قال تعالى: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ...} آل عمران : 55، في حين أنّ الروايات تصرح بأن عيسى لم يمت ولم يقتل، إذن فـ (التوفي) لا يعني دائماً (الموت) المتعارف.
بل التوفي يصدق حتى على النوم، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} الأنعام : 60، بل إن الموت يطلق حتى على (النوم) ولكن أكيد لا يعني هذا انه موت تام، كالموت المتعارف، أي إن عند النوم يبقى للنفس اتصالاً بالبدن ولا تنفصل انفاصالاً تاماً، وجاء التعبير عن النوم بالموت في روايات، منها:
عن أبي عبد الله (ع) قال: (كان رسول الله (ص) إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم باسمك أحيا وباسمك أموت، فإذا قام من نومه قال: الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور) الكافي : ج2 ص539.
وعن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليقل : اللهم إني احتبست نفسي عندك فاحتبسها في محل رضوانك ومغفرتك وإن رددتها [إلى بدني] فارددها مؤمنة عارفة بحق أوليائك حتى تتوفاها على ذلك) الكافي : ج2 ص536.
وعن أبي جعفر (ع) قال: (إذا قمت بالليل من منامك فقل : الحمد لله الذي رد علي روحي لأحمده وأعبده ...) الكافي : ج2 ص538.
وكان مما يقول (ص) إذا استيقظ: (الحمد لله الذي أحياني بعد موتي إن ربي لغفور شكور) مكارم الأخلاق للطبرسي : ص39.
وعلى أي حال، فالتوفي لا يعني الموت الحقيقي أو التام دائماً، بل حتى الموت قد يطلق ولا يراد منه الموت التام، وعلى هذا فالرفع لا يعني الموت، بل يصدق عليه التوفـي كما في حال عيسـى (ع)، وعلى هذا يصدق القـول على الامـام المهدي (ع) عند الرفع بأنه: (حضرته الوفاة)، والوصية تقول: (اذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه).
فإن قيل: إن كان رفع الامام المهدي (ع) في الغيبة الكبرى فأكيد أنه متقدم على وجود وصيه (أحمد) فلمن يسلمها ؟!
أقول: وقت التسليم يشمل كل الغيبة الكبرى، الى حين وجود المستلم وأهليته للاستلام، لأن الوفاة عند الرفع ليست كالوفاة عند الموت، لكي نقول يجب ان يكون التسليم في أول زمن الوفاة، لأن المرفوع ليست بميت ولم ينقطع عن الحياة الدنيا بالكلية كالميت، بل يمكن أن ينزل الى الارض ويمارس بعض الامور أو يعيش فترات لغرض معين ... الخ، فيمكن تسليم ما يريد تسليمه في جميع فترات الغيبة الكبرى ، فيصدق التوفي على جميع الغيبة الكبرى بالنسبة للامام المهدي (ع) - إن قيل بالرفع -، نعم بداية التوفي يكون في أول زمن الرفع ، ولكن بعد هذا الرفع وبعد هذا التوفي يمكن للامام المهدي (ع) أن يسلم ما يريده الى وصيه في أي مرحلة من مراحل الغيبة الكبرى، لأنه ليس كالميت الذي قد فارق الحياة الدنيا فلابد من التسليم قبل خروج روحه.
وبعبارة أخرى: إن التسليم - عند الرفع - متوقف على أمرين: الاول: هو حضور الوفاة، والثاني: هو وجود المستلم وأهليته للاستلام. فإن حصل الرفع مع وجود المستلم وأهليته يتم التسليم، كما حصل مع نبي الله عيسى (ع) ووصيه شمعون، وقد نقلت الرواية قبل قليل التي تشرح ذلك.
ولكن اذا حصل الرفع والتوفي والمستلم غير موجود، فيصح تسليمه متى وجد ومتى كان مؤهلاً للاستلام.
وللتوضيح أكثر أضرب مثالاً لذلك: اذا قيل لك: إذا طلعت الشمس فسلم هذه الامانة الى زيد، فإذا طلعت الشمس وزيد غير موجود أو غير مؤهل لاستلام الامانة لمانع ما، فتنتظر الى أن يحضر زيد أو يتمكن من استلام الامانة، ولا تكون أنت مقصراً أو مضيعاً ولا يلومك أحد على تأخير التسليم في أول شروق الشمس، لان المستلم غير موجود أو غير مؤهل لاستلام الامانة ، ويصدق عليك بأنك سلمت الامانة حسب الشرط، أي بعد طلوع الشمس، لأن ذلك يصدق ما دامت الشمس طالعة ولم تغرب.
فإن قيل: على كلامكم هذا يكون الامام المهدي (ع) قد سلم الامامة الى وصيه وفرغ من الامر ؟!
أقول: لا، فالتسليم هنا ليس كالتسليم الذي حصل عند وفاة [موت] الائمة السابقين (ع)، بل هو تسليم القيادة وما يحتاجه الوصي في إثبات حجته على الناس وممارسة مهمته، من المواريث كالعلم وما شابه، ومن المعلوم أن القيادة هي فرع من الامامة وليس كلها ، فيبقى الامام المهدي (ع) هو الامام والحجة، ويكون الوصي هو حجة الامام المهدي (ع) على الناس. وهذا التسليم لا ينافي التسليم عند وفاة [موت] الامام المهدي (ع)، حيث هناك سيكون تسليما كلياً للامامة ولمواريث الانبياء والائمة (ع) إلا ما كان خاصاً بمقام الائمة الاثني عشر فهذا يموت بموت الامام المهدي (ع).
كل ما تقدم يجري إن قال المخالفون بأن الامام المهدي (ع) مرفوع في الغيبة الكبرى ، أما اذا قالوا بأنه غير مرفوع، فنقول لهم: إذن يكون وصيه نائباً عنه وحجته على الناس ما دام غائباً ، كما كان أمير المؤمنين (ع) ونبي الله هارون (ع)، فعلى كلا الخيارين لنا معهم جواب مُسكِت).
[85]- إبراهيم: 34.
[86]- قال أمير المؤمنين (ع) بعد أن ضرب: (.. أنا بالأمس صاحبكم واليوم عبرة لكم، وغدا مفارقكم .. وإنما كنت جاراً جاوركم بدني أياماً، وستعقبون مني جثة خلاء، ساكنة بعد حركة، وكاظمة بعد نطق، ليعظكم هدوي وخفوف إطراقي، وسكون أطرافي، فإنه أوعظ لكم من الناطق البليغ ..) الكافي: ج1 ص299 ح6.
[87]- انظر: أعيان الشيعة: ج1 ص552.
[88]- آل عمران: 55.
[89]- الزخرف: 84.
[90]- ابراهيم: 34.
[91]- أي لكي نحصل على عدد وجودات الانسان من السماء الأولى حتى هذا العالم الجسماني، فنحن بحاجـة الى أن نقسّـم (امتداده من السماء الاولى إلى هذا العالم) على (تجليه) الذي لابد أن يكون بأفضل صورة، ونعني بالافضل أن يسمح بترشح النور إلى ما بعده من تجلي وظهور، ولا يكون كذلك الا إذا كان بنحو من الرقة وأقل ما يمكن بنحو يبدو فيه ذلك الامتداد عموداً واحداً متصلاً، رغم أنه في الحقيقة عبارة عن ضم تجلي الى تجلي وظهور إلى ظهور.
[92]- قال الشيخ ناظم العقيلي: (ليس هناك رأياً واحداً ثابتاً حول طبيعة حياة الامام المهدي (ع)، وحسب اطلاعي أنّ أول من تعرض لهذا الموضوع بالتفصيل هو الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر في " موسوعة الامام المهدي (ع) " الجزء الثاني المسمى بـ [تاريخ الغيبة الكبرى]، حيث طرح اطروحتين لطبيعة حياة الامام المهدي (ع) أحدها اطروحة [خفاء الشخص] والثانية اطروحة [خفاء العنوان]، وقد رجح الشهيد الصدر واختار اطروحة [خفاء العنوان] بمبررات قابلة للنقاش من أكثر من وجه، بل هي معارضة أيضاً بأخبار وروايات أخرى .
وما يهمني الآن هو التعرض الى اطروحة [خفاء الشخص] ، وما هي ، وهل تعني الرفع أم لا ؟
وقد ذكر الشهيد الصدر (رحمه الله) بأنها الاطروحة التقليدية المتعارفة المركوزة في ذهن عدد من الناس وتدل عليها ظواهر بعض الادلة الروائية.
وتتلخص هذه الاطروحة بأن الامام المهدي (ع) غائب باختفاء جسده عن الناس بشكل اعجازي، بحيث لا يراه ولا يسمعه أو يحس به أحد من الناس وإن وجد بينهم ..، وهي في قبال اطروحة [خفاء العنوان] التي تعني أنه يرى جسمه ويسمع صوته ويعيش بشكل طبيعي بين الناس .. ولكن لا يعرفونه بأنه الامام المهدي (ع).
وأذكر الآن تلخيص ما ذكره الشهيد الصدر عن اطروحة خفاء الشخص وسنعرف بعدها أنها تعني أنه مرفوع لا موجود على الارض كوجود سائر الناس، قال: (وهي الأطروحة التقليدية المتعارفة المركوزة في ذهن عدد من الناس ، وتدل عليه ظواهر بعض الأدلة على ما سنسمع، وهي أن المهدي (ع) يختفي جسمه عن الأنظار، فهو يرى الناس ولا يرونه، وبالرغم من أنه قد يكون موجوداً في مكان إلا أنه يُرى المكان خالياً منه.
....... يتبرهن لدينا بوضوح كيف ولماذا تعلق الغرض الإلهي بحفظه وصيانته ، كما تعلق بطول عمره. فإذا كانت صيانته منحصرة باختفاء شخصه لزم على الله عز وجل تنفيذ هذه المعجزة وفاء بغرضه الكبير.
وتضيف هذه الأطروحة الأولى، قائلة: بأن هذا الاحتجاب قد يزول أحياناً عندما توجد مصلحة في زواله، كما لو أراد المهدي (ع) أن يقابل شخصاً من البشر لأجل أن يقضي له حاجة أو يوجه له توجيهاً أو ينذره إنذاراً، فإن المقابلة تتوقف على رؤيته، ولا تتم مع الاختفاء. ويكون مقدار ظهوره للناس محدوداً بحدود المصلحة، فإن اقتضت أن يظهر للناس ظهوراً تاماً لكل رائي تحقق ذلك، واستمرت الرؤية بمقدار أداء غرضه من المقابلة. ثم يحتجب فجأة فلا يراه أحد، بالرغم من أنه لم يغادر المكان الذي كان فيه. وإذا اقتضت ظهوره لشخص دون شخص تعين ذلك أيضاً، إذ قد يكون انكشافه للآخرين خطراً عليه .
وعلى ذلك تحمل كل أخبار مشاهدة المهدي (ع) خلال غيبته، حتى ما كان خلال الغيبة الصغرى، وخاصة فيما سمعناه في تاريخ الغيبة الصغرى بأن المهدي (ع) ظهر لعمه جعفر الكذاب مرتين، ثم اختفى من دون أن يعلم أين ذهب، فأنه يعطي أن الاختفاء كان على شكل هذه الأطروحة. وأما أخبار المشاهدة خلال الغيبة الكبرى، فبعضها ظاهر في الدلالة على ذلك، بل منها ما هو صريح به ....) تاريخ الغيبة الكبرى ص35 – 37 ، دار القارئ ، بيروت – لبنان ، الطبعة الاولى 1428 هـ .
ومع أن الشهيد الصدر حاول أن يعطي تفسيراً لخفاء شخص الامام المهدي (ع) في غيبته على هذه الاطروحة، إلا أنه بعيد وخصوصاً بعد أن سمعنا تفصيل السيد أحمد الحسن (ع) عن ماهية الرفع وكيفيته، فهو أمر مقبول جداً وليس كما يتصوره البعض.
فقد بين الشهيد الصدر (رحمه الله) أن خفاء شخص الامام المهدي (ع) عن الانظار إما أن يكون من خلال التصرف في [الرائي] أو من خلال التصرف في [المرئي].
وقال عن التصرف في الرائي: (فتصرفها في الرائي هو جعله بنحو يعجز عن إدراك الواقع الذي أمامه، فيرى المكان خالياً عن الإمام المهدي (ع) مع أنه موجود فيه بالفعل ...) تاريخ ما بعد الظهور : ص47.
وقال عن التصرفي في المرئي: (وأما تصرف المعجزة في المرئي أي الواقع الموضوعي القابل للرؤية، فأوضح طريق لذلك هو أن تحول المعجزة دون وصول الصورة النورية الصادرة عن جسم المهدي (ع) أو ذبذباته الصوتية، وغير ذلك مما تتقبله الحواس الخمس ... تحول دون وصولها إلى الرائي أو السامع. ومعه يكون الفرد عاجزاً أيضاً عن الإحساس بالواقع الموضوعي الذي أمامه) نفس المصدر السابق.
وحسب ما بينه السيد أحمد الحسن (ع) عن موضوع [الرفع]، يتضح أن اختفاء شخص الامام المهدي (ع) يكون من خلال التصرف في [المرئي] لا في [الرائي]، وقد يكون أحياناً في الرائي، ولكن بنحو يختلف عن تفسير الشهيد الصدر (رحمه الله)، أو قل أنه نفس التفسير إلا أن الشهيد الصدر لم يبين كيف لا تصل الصورة النورية الصادرة عن جسم الامام المهدي (ع) أو ذبذبات صوته الى حواس الناس، واكتفى بنسبة ذلك الى الاعجاز فقط.
والتجأ الشهيد الصدر (رحمه الله) الى القول بالاعجاز المتعارف، لأن كل جسم مادي كثيف كالانسان، لابد أن يكون خاضعا لقوانين المادة، من حيث رؤيته وسماع صوته والاحساس به وما شابه، فلا يتحرر من هذه القوانين إلا ان يفارق جسده كثافته المادية التي تستلزم رؤيته وسماع صوته والاحساس به ... الخ.
وعند التحقيق والتأمل، لا يوجد فرق بين الاعجاز الذي قال به الشهيد الصدر في هذه الاطروحة، وبين [الرفع] حسب ما بينه السيد أحمد الحسن (ع)، لأن الاعجاز في منع وصول صورة جسم الامام المهدي (ع) وذبذبات صوته .. الى حواس الناس، أقرب ما يمكن تصوره هو أن يرتقي جسمه عن الكثافة المادية المستلزمة لذلك، أو كما يعبر السيد أحمد الحسن: أن يرفع إلى أحد تجلياته فوق مستوى الماديات وقوانينها، فهو له وجود في الدنيا ولكنه ليس كوجود الناس المادي الصرف، ومتى ما أراد أن يلتقي بشخص ما تعود الى جسمه ماديته الكثيفة فتجري عليه قوانين المادة من رؤية جسمه وسماع صوته .. الخ.
وإلا كيف يكون الانسان موجوداً بوجوده المادي الكثيف وواقعاً تحت قوانين المادة ، ولا تجري عليه تلك القوانين ؟!
فحتى الاعجاز لابد أن يكون بقانون تكويني، قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} القمر: 49، {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} الحجر: 21، {... وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} الفرقان: 2، {... قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} الطلاق : 3.
فحتى نار إبراهيم (ع) عندما أراد الله أن ينقذه منها لم يكن ذلك بدون قانون تكويني وإن كنا لا نعلمه ، قال تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} الأنبياء: 69. [كُونِي]، أي إن الله جل جلاله غيّر تكوينها من نار الى برد، ولم تبق نار مع عدم احراقها، أو أنه تعالى سلبها تكوينها المستلزم للاحراق، المهم أنه تعالى كوّنها أو حوّلها الى شيء آخر غير النار الحارقة.
فهنا [الجسد المادي] اذا أراد له الله تعالى أن يتحرر عن قوانين المادة الظاهرية، لابد أن يتغير تكوينه إلى تكوين لا سلطة لقوانين المادة عليه، كأن يرتفع الى وجود مفارق للمادة وكثافتها .. وهذا الفهم موافق للقرآن والتقدير والقوانين، حيث إنه لا يتم تعطيل الضوء عن نقل الصورة، ولا الهواء أو الفضاء عن نقل الصوت، ولا حواس اللمس عن اللمس، وكذلك يحتفظ للجسد أو للوجود بانسجامه مع قوانين الله، فهو تجري عليه قوانين المادة إن كان ماديا كثيفا، ولا تجري عليه تلك القوانين إن تخلى عن كثافته وارتقى الى وجود آخر له قوانين خاصة تختلف عن قوانين المادة.
والقصص كثيرة التي تروي لنا عن رؤية الامام المهدي (ع) واختفائه المفاجئ ... إذن أين ذهب إذا كان ما زال بوجوده المادي الكثيف ؟!!
وربما هذا البيان يفسر لنا كثير من الكرامات والمعجزات التي حصلت للرسول محمد (ص) وللائمة الطاهرين عليهم السلام أو لبعض الأولياء ، كحجبهم عن أنظار الناس أو حتى طي الارض لهم وما شابه ذلك. والفرق أن هذه الحالة تكون طارئة معهم .. وأما مع الامام المهدي (ع) بعد رفعه فتكون هي الحالة الدائمة .. ولكن يطرأ عليها الوجود المادي الكثيف كلما أراد الامام المهدي (ع) أن يلتقي بشخص أو يؤدي تكليفاً أو عملاً معيناً يتطلب ذلك.
وعمدة دليل الشهيد الصدر (رحمه الله) في ترجيح اطروحة [خفاء العنوان] على اطروحة [خفاء الشخص]، هو أن اطروحة خفاء الشخص متوقفة على حصول الاعجاز الدائم في اختفاء شخص الامام المهدي (ع) وظهوره ، وهذا – كما يقول – لا ينسجم مع قانون الاعجاز العام الذي يجب أن يكون وفق مصالح وضوابط معينة لا أنه يكون على أي حال وفي أي مناسبة.
وهذا في الحقيقة لا يصمد أمام النقاش، لأن تحديد المصلحة من عدمها لا يعلمه على الحقيقة الا الله تبارك وتعالى، وخصوصاً في مسألة الامام المهدي (ع)، قال تعالى: {... وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} الإسراء: 85. هذا إن سلمنا بأن مسألة خفاء الشخص [الرفع] هي من الاعجاز الذي لا يكون الا حسب مصلحة وحكمة يعلمها الله تعالى، ولكن قد يكون ذلك ليس من باب هكذا إعجاز ، بل قد يكون انه قانون تكويني غير داخل تحت هذا الاعجاز الذي يتكلم عنه الشهيد الصدر، وخصوصاً اذا لاحظنا بيان وتفسير السيد أحمد الحسن لمسألة [الرفع].
وهناك روايات عن أهل البيت عليهم السلام تنص على مسألة [ خفاء الشخص ] بالنسبة للامام المهدي (ع) منها:
عن الريان بن الصلت، قال: سمعت أبا الحسن الرضا (ع) يقول - وسئل عن القائم - فقال: (لا يرى جسمه، ولا يسمى اسمه) الكافي: ج1 ص333.
وعن داود بن القاسم الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن العسكري (ع) يقول: (الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف ؟ فقلت : ولم جعلني الله فداك ؟ قال: إنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه ...) الكافي: ج1 ص332 – 333.
وعن عبيد بن زرارة قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : ( يفقد الناس إمامهم ، يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه ) الكافي: ج1 ص 337 – 338.
وهذه الروايات صريحة – وخصوصاً الاولى والثالثة – بأن جسم الامام المهدي (ع) لا يرى، ولكن الشهيد الصدر حاول أن يردها بما روي عن السفير الثاني: عن عبد الله بن جعفر الحميري ، عن محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه قال: سمعته يقول: (والله إن صاحب هذا الامر ليحضر الموسم كل سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه) كمال الدين وتمام النعمة: ص440.
ولكن الشهيد الصدر (رحمه الله) غفل عن أن هذه الخبر هو من كلام السفير الثاني [محمد بن عثمان (ع)] وليس رواية عن الامام المهدي (ع)، فقد يكون كلام السفير عن حال الامام المهدي (ع) في الغيبة الصغرى، بل هي كذلك، بدليل مخاطبة السفير لمن حوله ووهو يقسم لهم عن أمر هو يعرفه أو مطلع عليه في الخارج في كل موسم في ذلك الوقت، في حين أن كلامنا عن غيبة الامام المهدي (ع) في زمن الغيبة الكبرى وليس الصغرى .. وحتى لو كان هذا مجرد احتمال فهو يصلح للجمع بين الروايات .. فلا تعارض.
ثم قد تكون هذه الرواية ناظرة الى موسم الحج بالتحديد بل هذا هو ظاهرها، واثبات شيء في وقت ما لا يعني اثباته في جميع الاوقات، وأيضاً قد يكون الامام المهدي (ع) في مواسم الحج يراه بعض الناس ولا يراه البعض الآخر .. فتصدق كل الروايات .. ولا تعارض أيضاً.
فإن قلت: كيف يراه البعض دون البعض الآخر وهم في نفس المكان والزمان ، فإن كان بوجوده المادي الكثيف فلابد للجميع أن يراه وتسري عليه قوانين المادة بلا استثناء .. كما تقدم بيانه ؟!
أقول: في هذه الحال ليس ضرورياً أن يكون موجوداً بوجوده المادي الكثيف، بل يمكن أن يكون موجوداً بوجوده الغير مادي، والذين يرونه إما أن يكشف عن أبصارهم، أو يرونه بوجودهم الغير مادي أيضاً، فقد بيَّن السيد أحمد الحسن (ع) بأن لكل انسان وجودات متسلسلة من [سماء الانفس] والى هذا العالم المادي، وما فوق [سماء الانفس] – أي أسفل السماء الاولى - يكون كل إنسان بحسبه.
وتدلنا الروايات على أن حياة الخضر (ع) هي كحياة الامام المهدي (ع) من حيث عدم رؤية جسمه، كما في كلام أهل البيت عليهم السلام الاتي الذي يبين أن الخضر (ع) قد جاءهم وكلمهم من دون أن يروا جسمه او شخصه:
عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام، قال: (لما قبض رسول الله (ص) أتاهم آت فوقف على باب البيت فعزاهم به ، وأهل البيت يسمعون كلامه ولا يرونه، فقال علي بن أبي طالب (ع): هذا هو الخضر (ع) أتاكم يعزيكم بنبيكم (ص) ) كمال الدين وتمام النعمة: ص391.
وعن علي بن الحسين عليهم السلام - في حديث طويل - يقول في آخره: (لما توفي رسول الله (ص) وجاءت التعزية جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه، فقال: السلام عليكم ورحمة الله و بركاته " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيمة " إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك ....... فقال علي بن أبي طالب (ع) : هل تدرون من هذا ؟ [قالوا: لا، قال] هذا هو الخضر (ع)) كمال الدين وتمام النعمة : ص392.
وعلى هذا يتبين لنا أن الخضر (ع) أيضاً مرفوع كعيسى (ع)، وهي حي كالامام المهدي (ع) وعيسى (ع)، حسب الرفع الذي بينه السيد أحمد الحسن (ع) بياناً شافياً لم يسبقه أحد في ذلك، وأنّى يكون ذلك عند غير عترة المصطفى عليهم السلام.
ولعل الرواية الآتية تشير إلى أن هناك بيتاً في السماء للامام المهدي (ع)، يسمى [بيت الحمد]: عن المفضل، قال: "سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (إن لصاحب هذا الأمر بيتاً يقال له: بيت الحمد، فيه سراج يزهر منذ يوم ولد إلى يوم يقوم بالسيف، لا يطفأ) الغيبة للنعماني : ص245. ورواه الشيخ الطوسي بسنده عن سلام بن أبي عميرة عن الامام الباقر (ع)، راجع كتاب الغيبة للطوسي : ص467.
وأيضاً لعل في الرواية الآتية نصاً او إشارة واضحة الى رفع الامام المهدي (ع): عن أيوب بن نوح، عن أبي الحسن الثالث (ع) قال: (إذا رفع علمكم من بين أظهركم فتوقعوا الفرج من تحت أقدامكم) الكافي: ج1 ص341.
فقد يراد من [علمكم] صاحب علمكم، او علامتكم الى الله، وهو الامام المعصوم، المهدي (ع)، وقد تكون هناك اشارة الى الرفع ايضا في الروايتين الاتيتين : عن مروان الأنباري قال: خرج من أبى جعفر (ع): (إن الله إذا كره لنا جوار قوم نزعنا من بين أظهرهم) علل الشرائع: ج1 ص244.
وعن محمد بن الفرج، قال: كتب إلي أبو جعفر (ع): (إذا غضب الله تبارك وتعالى على خلقه نحانا عن جوارهم) الكافي: ج1 ص343. والله أعلم وأحكم).
[93]- الكهف: 67، 72، 75، 78، 82.
[94]- الكافي: ج2 ص87 ح2.
[95]- فصلت: 35.
[96]- الكهف: 66.
[97]- الكهف: 69.
[98]- الكهف: 76.
[99]- الكهف: 70.
[100]- نقل ابن فهد الحلي: (أن الله سبحانه أوحى إلى موسى (ع): إذا جئت للمناجاة فاصحب معك من تكون خيراً منه، فجعل موسى لا يعترض أحداً الا وهو لا يجسر أن يقول : إني خير منه ، فنزل عن الناس وشرع في أصناف الحيوانات حتى مر بكلب أجرب، فقال: أصحب هذا فجعل في عنقه حبلاً ثم مر به فلما كان في بعض الطريق شمر الكلب من الحبل وأرسله، فلما جاء إلى مناجاة الرب سبحانه قال : يا موسى أين ما أمرتك به ؟ قال: يا رب لم أجده، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لو أتيتني بأحد لمحوتك من ديوان النبوة) عدة الداعي: ص204.
[101]- هذه منها: عن سالم الأشل، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر (ع) يقول: (نظر موسى بن عمران في السفر الأول إلى ما يُعطى قائم آل محمد من التمكين والفضل، فقال موسى: رب اجعلني قائم آل محمد. فقيل له: إن ذاك من ذرية أحمد. ثم نظر في السفر الثاني فوجد فيه مثل ذلك، فقال مثله، فقيل له مثل ذلك ، ثم نظر في السفر الثالث فرأى مثله ، فقال مثله، فقيل له مثله) كتاب الغيبة - محمد بن إبراهيم النعماني: ص 246 – 247.
[102]- انظر: كتاب رحلة موسى الى مجمع البحرين، السيد أحمد الحسن (ع).
[103]- الكهف: 73.
[104]- الكهف: 76.
[105]- الكهف: 79 – 80.
[106]- يمكن مراجعة ما ذكره السيد أحمد الحسن (ع) في كتاب المتشابهات : ج3 / سؤال رقم (63) المتعلق بعالم الذر، حيث يقول (ع): (عالم الذر عالم حقيقي وليس وهمياً ولا افتراضياً، وإنما نسيه الغافلون والمتغافلون، ولم ينسه الأنبياء والمرسلون والأوصياء (ع)، بل هم يتذكرونه ويعرفونه ويعرفون أولياءهم فيه ويميزونهم في هذه الحياة الدنيا ...).
[107]- هذه منها على سبيل المثال: عن الحسين بن نعيم الصحاف قال: سألت الصادق (ع) عن قوله: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن)، فقال: (عرف الله ايمانهم بولايتنا وكفرهم بتركها يوم أخذ عليهم الميثاق وهم في عالم الذر وفي صلب آدم (ع)) تفسير القمي: ج2 ص371 .
وعن زرارة، عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن قول الله عز وجل: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) الآية، قال: (أخرج من ظهر آدم، ذريته إلى يوم القيامة، فخرجوا كالذر فعرفهم وأراهم نفسه ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه ...) الفصول المهمة للحر العاملي: ج1 ص423 ح5، 7.
[108]- الاعراف: 172.
[109]- النساء: 79.
[110]- الاسراء: 14.
[111]- قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات: 56، أي ليعرفون، كما هو واضح عن آل محمد (ع).
[112]- البقرة: 30.
[113]- ص: 26.
[114]- القصص: 68.
[115]- الكافي: ج1 ص278 ح2.
[116]- البقرة: 285.
[117]- اشارة الى ما قالته الملائكة في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) البقرة: 30.
[118]- الحجر: 29.
[119]- البقرة: 31.
[120]- وكونه من أديم الارض، وبالتالي يكون حاله حال من كان فيها ممن سبقه، عن أبي جعفر (ع)، أنه قال في قول الله عز وجل: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون)، قال: (كان في قولهم هذا منة على الله لعبادتهم، وإنما قال ذلك بعض الملائكة لما عرفوا من حال من كان في الأرض من الجن قبل آدم، فأعرض الله عز وجل عنهم، وخلق آدم (ع) وعلمه الأسماء ..) مستدرك الوسائل : ج9 ص324.
[121]- البقرة: 32.
[122]- كتاب المتشابهات: ج4/ سؤال رقم (144)، يتعلق بخصوص رواية اليماني.
[123]- بحار الأنوار: ج27 ص62، وذرّ الدواء: أي نشره ورشه.
[124]- الحج : 27.
[125]- يس: 30.
[126]- الاحزاب: 56.
[127]- الغدير للاميني: ج2 ص303، الصواعق المحرقة لابن حجر: ص146.
[128]- في كثير من الادعية والصلوات خصص الائمة (ع)، وعلى سبيل المثال صلوات عصر الجمعة كما رواها الشيخ عباس القمي عن السيد ابن طاووس، انظر: مفاتيح الجنان/ أعمال عصر يوم الجمعة.
[129]- تفسير الشمس برسول الله (ص) ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام كثيراً، منها: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع)، قال: سألته عن قول الله: (والشمس وضحاها) قال: الشمس رسول الله (ص) أوضح الله به للناس دينهم ..) بحار الأنوار: ج24 ص70. وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله (ص): (مثلي فيكم مثل الشمس ومثل علي مثل القمر، فإذا غابت الشمس فاهتدوا بالقمر) بحار الأنوار: ج24 ص76.
[130]- انظر على سبيل المثال: كتاب المتشابهات: ج4/ سؤال رقم (175)، حول خلق السماوات والأرض.
[131]- هذا ملخصها: قص علي أحد الانصار رؤياه، فقال: (أنه وكاتب السطور وأنصار آخرون متوجهون إلى زيارة الإمام الحسين (ع)، وكان ضريحه بادياً وكنا سائرين في صحراء ومعنا امرأة، فصعدنا تلاً ، فقالت المرأة من هنا الطريق، فقلت: لا، إن الضريح من هاهنا طريقه، وفعلاً سرنا باتجاه الحسين (ع) إلى أن وصلنا إلى مكان للاستراحة وفجأة ارتفع الجدار عالياً من كل الاتجاهات، ولا يستطيع أحد الخروج إلا بأن يؤدي أحد الأنصار الخمسة مهمة تتلخص بقيادة دراجة نارية يتم الصعود بها فوق سيارات كانت بعضها فوق بعض إلى أن تصل الدراجة إلى القمة في مكان محدد لها، وبذلك يتم فتح أبواب الجدار وفرج من في البيت كلهم. يقول صاحب الرؤيا عن نفسه : وأنا كنت فوق الجدار وأترقب الأنصار الخمسة، فجرب ثلاثة من الاخوة فلم يفلحوا، ثم جاءك دورك وكان صعودك في المراحل الأولى بشكل جيد وبقيت آخر مرحلة وكانت أصعبها لأن فيها انحراف نوعاً ما حتى تستقر الدراجة في مكانها ، فقلت لك من هاهنا، ولكنك قلت لا أنا أعرف، فلم تفلح، ثم جرب الأخ الخامس فتوفق ووصل المكان المقرر بفضل الله وفتحت الجدران .. والحمد لله رب العالمين) انتهت الرؤيا، وكان فيها أحداث أخرى أيضاً.
[132]- ورد في الحديث القدسي ما معناه: (يا بن عمران ادعني لشسع نعلك وعلف دابتك وملح عجينك).
[133]- البقرة: 204.
[134]- البقرة: 260.
[135]- الصافات: 84.
[136]- سيأتي ذكرها كاملة في المحطة الخامسة المتعلقة ببيان بعض نصائحه (ع).
[137]- يوسف: 53.
[138]- راجع : قانون معرفة الحجة، تجد فيهما مثالي السفينة والمصنع.
[139]- وهي قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) البقرة: 180.
[140]- بحار الانوار: ج30 ص530، صحيح البخاري : ج4 ص31. وهذ هو نص الحديث عند البخاري: (حدثنا ابن عيينة عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، فقال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه يوم الخميس فقال ائتوني بكتاب اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده ابداً، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه، وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، ونسيت الثالثة).
[141]- راجع : غيبة الطوسي: ص150 ص111، مختصر بصائر الدرجات: 159، بحار الانوار: ج36 ص261.
[142]- حيث قال (ص): (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة) بحار الانوار : ج18 ص210، كنز العمال : ج11 ص728.
[143]- عن النبي (ص): (سيدات نساء أهل الجنة أربع: مريم بنت عمران، وفاطمة بنت محمد، وخديجة بنت خويلد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون) كشف الغمة: ج2 ص77.
[144]- تفسير الشمس برسول الله (ص) ورد في روايات أهل البيت (ع) كثيراً، منها: عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع)، قال : سألته عن قـول الله: (والشمس وضحـاها)، قال: الشمـس رسـول الله (ص) أوضـح الله به للناس دينهـم، قلت: (والقمر إذا تلاها) قال : ذاك أمير المؤمنين (ع)...) بحار الأنوار : ج24 ص70. وعن ابن عباس قال : قال رسول الله (ص): (مثلي فيكم مثل الشمس ومثل علي مثل القمر، فإذا غابت الشمس فاهتدوا بالقمر) بحار الأنوار: ج24 ص76.
[145]- انظر : بحار الأنوار : ج28 ص303، ومصادر أخرى كثيرة، وبخصوص غضب فاطمة عليهما ووجدهما منهما فبالامكان مراجعة : صحيح البخاري : ج4 ص41، الامامة والسياسة : ج1 ص، وغيرهما.
[146]- فقد صححع على سبيل المثال : محمد ناصر الالباني في صحيح الجامع الصغير : ج1 ص77، الطبعة المنقحة.
[147]- عيون أخبار الرضا (ع): ج2 ص275.
[148]- القصص: 83.
[149]- الفرقان: 74.
[150]- انظر: تفسير القمي: ج1 ص10، بحار الانوار: ج24 ص133 – 134.
[151]- الأعراف: 56.
[152]- لنصرة القائم (ع) الذي يقدم ابليس فيضرب عنقه في مسجد الكوفة وهم قلة كما ورد ذكرهم عن ال محمد في روايات كثيرة، وأنهم كالملح في الزاد والكحل في العين والأندر فالأندر، وأيضاً في الكتب السابقة ، ففي الكتاب المقدس: (14 لأن جماعة الناس مدعوون، ولكن القليلين هم المختارون) مجمع الكنائس الشرقية: ص97.
[153]- انظر : الكافي: ج3 ص264، الخصال للصدوق : ص616.
[154]- الأعراف: 17.
[155]- بحار الأنوار: ج97 ص323.
[156]- الكافي: ج1 ص403، بحار الأنوار: ج2 ص148.
[157]- الكافي: ج1 ص459، بحار الأنوار: ج43 ص193.
[158]- الذاريات: 53.
[159]- الكافي: ج8 ص295.
[160]- غيبة النعماني: ص154.
[161]- بحار الأنوار: ج2 ص84.

 

 

 

 

أنت في موقع أتباع الإمام أحمد الحسن اليماني (ع) المهدي الأول واليماني الموعود وصي ورسول الامام المهدي محمد ابن الحسن (ع) ورسول من عيسى (ع) للمسيحيين ورسول من إيليا (ع) لليهود. تجد في هذا الموقع أدلته وسيرته وعلمه وكل ما يتعلق بدعوته للبيعة لله.
لمحاورتنا كتابيا يمكنك التسجيل والكتابة في منتديات انصار الامام المهدي (ع) وفيه قسم خاص بإرسال أسئلتكم.
عناوين وهواتف : بالعراق اضغط هنا.
حاورنا صوتيا  أو كتابيا  مباشرة على مدار الساعة في :
الرئيسية : انصار الامام المهدي (ع) الامام احمد الحسن (ع) اصدارات الامام احمد الحسن (ع) بعض بياناته المكتبة اليمانية كتب الامام احمد الحسن (ع) مــع العبد الصالح (ع)

للتبرع العام التبرع للقناة الفضائية

من اقوال الامام احمد الحسن (ع)

اشهدوا بما تسمعون وترون في ملكوت السماوات ، عرِّفوا الناس بالحق ، وادعوا الناس إلى الحق ، وادعوا الجميع إلى المائدة التي نزلت من السماء ، فربما لن يحضر إليها من يظهرون أنهم يطيلون الصلاة والدعاء ، بل يحضر إليها الزناة وشاربو الخمر والخاطئون فيتوبوا إلى الله ، لهذا أنا بُعثت ، لإصلاح هؤلاء ، طوبى لهم إن تابوا وحضروا إلى مائدة عرس الخروف ، طوبى لمن لا يعثر بي . كتاب رسالة الهداية

الأكثر قراءة

آخر الاضافات والتعديلات في الموقع